ما رأيك بموقع مرصد الارهاب؟
ممتاز
جيد
مقبول


عرض النتائج
 
 

للأشتراك بالنشرة الألكترونية الرجاء إضافة بريدك الإلكتروني

 

 

 
 
 

 

العمليات الإرهابية وردود الأفعال عليها/ محمد الصياد

 

 

28 نيسان 2007

 

 

كنت استمع الى ردود الأفعال، هنا لدينا في العالم العربي وليس في أي مكان آخر، على الهجمة الإرهابية الغادرة ذات الانعكاسات والأبعاد الخطرة على مستقبل المجتمعات والحضارة العربية المعاصرة، محاولاً رصد أوسع قاعدة بيانية عاكسة لاتجاهات الرأي العام العربي، نخبة وعموماً، ومن أجل فهم أفضل لمدى جاهزية واستعداد المجتمع العربي لرد الخطر المحدق به ومدى وعيه بحجم هذا الخطر الذي لم يعد متربصاً أو داهماً وإنما صار واقعاً معاشاً.

لقد تعرضت عاصمتان عربيتان هما الدار البيضاء (العاصمة الاقتصادية للمغرب) والجزائر العاصمة الى هجمات إرهابية لم تفصل بين الأولى والثانية سوى ساعات معدودات راح ضحيتها عدد من الأبرياء وألحقت أضراراً بمصالح المواطنين، فضلاً عن الأضرار التي تعرضت لها المنشآت العامة.

ففي الحادي عشر من مارس/ آذار الماضي فجر إرهابي نفسه داخل أحد مقاهي الانترنت في الدار البيضاء، وأسفر الحادث عن بعض الإصابات الطفيفة. وبعد شهر من ذلك وتحديداً في العاشر من ابريل/ نيسان الجاري، فجر انتحاريان نفسيهما بعد أن حاصرتهما الشرطة في الدار البيضاء أيضاً. وفي اليوم التالي الموافق للحادي عشر من الجاري، نفذ إرهابيون عمليتين إرهابيتين في العاصمة الجزائرية محدثين خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات العامة والخاصة.

من دون أن ننسى بطبيعة الحال مسلسل العمليات الإرهابية المنظم والمبرمج الذي يستهدف المدنيين العراقيين على مدار الساعة، وكأن العالم أمام مقصب بشري لا يكل ولا يمل من الذبح فماذا كانت نتيجة هذه المتابعة لردود الأفعال النخبوية والشعبية على هذه الفورة الإرهابية المجنونة؟

جاءت آراء المستمعين والمشاهدين المستطلعة في بعض محطات الإذاعة العربية والأخرى الناطقة بالعربية والفضائيات العربية خلواً من أي مضمون وبعيدة كل البعد عن جوهر الموضوع المثار (مع أنه في غاية الأهمية والخطورة). فحلق أصحابها بعيداً عن الجهات المسؤولة عن هذه الجرائم المروعة وعن تفشي ظاهرة القنابل البشرية في العواصم والمدن العربية ومحاولات تعميم “التجربة” بتسللها المتهادي غير المرئي الى كافة أرجاء وفناء البيت العربي.

ذلك فيما يتعلق بموقف العامة من هذا الكابوس الذي راح يقض المضاجع. وحسبنا، والحال هذه، انه ما من عتب موجب عليها، وما من مسؤولية تقصيرية يمكن تحميلها إياها، فهي بالكاد تجد الفسحة للتعبير عن ذواتها وعن مصالحها المضيّعة هدراً ومصادرة على أيدي آلة الدولة وأيدي أولئك المتمكنين من ميكانيزمات عملية الحراك الاقتصادي والاجتماعي.

المعضلة هي في رد فعل النخب، الحاكمة وتلك القابعة خارج السلطة، على حد سواء. ففيما لاذ معظمها بالصمت والاقتناع “بامتياز” (Concession) خاصية الفرجة تجنباً للزج بالنفس في المتاهات غير محمودة العواقب، معتقداً (هذا البعض) انه إنما يمارس الحكمة في أعلى صور تجلياتها! فإن البعض الآخر انطلق بصورة غير متمالكة في تحليلاته وراح يلقي تبعات ومسؤولية ما جرى ويجري على أعمال القمع والاضطهاد وسياسات التهميش والإفقار التي تمارسها أنظمة الحكم وأجهزتها الأمنية والتنفيذية.

هذا التأويل صحيح ولا غبار عليه إطلاقاً، فهناك سخط شعبي غائر الجذور، خصوصاً لدى قطاعات واسعة من المهمشين وكذلك من أوساط الطبقة الوسطى جراء تلك الأعمال والسياسات ولكن مثل هذا التأويل السطحي والمقطوع السياق عن بقية العناصر التي تأتلف الظاهرة الإرهابية الإجرامية، هو في حقيقته خاذل للحقيقة بتهالكه التقريري الخالط للأوراق ونأيه عن كبد الحقيقة إياها، من دون أن يعي أنه إنما يسهم بهذا الفكر الساهم في إبعاد الأنظار عن الفاعلين الحقيقيين للأعمال الإجرامية عوضاً عن تسليط كل الأضواء الكاشفة عليهم لتعريتهم وإظهارهم على حقيقتهم أمام الرأي العام العربي.

على أن الأنكى من هذا وذاك هو تهويمات بعض أولئك الواقعين في حالة اشتباك دائم مع حكومات بلدانهم لأسباب مختلفة، منها الوجيه المعقول ومنها ما يندرج في إطار الردح الإعلامي المشحون بكم هائل من الغضب والقليل القليل من الرصانة على سبيل المثال لا الحصر، تحدث أحد هؤلاء لمحطة ال”بي.بي.سي”، التي استضافته لاستطلاع رأيه حول العملية الإرهابية التي نفذت في الجزائر، وهو جزائري معارض مقيم في لندن قائلاً: “أنا لا أعتبرها أعمالاً إرهابية وإنما هي ردود أفعال من جماعات الغضب ضد أنظمة مستبدة”.

هذا هو رأي أحد ممثلي النخبة المعارضة للنظام الجزائري، فهو لا يعدو أن يكون موقفاً متشفياً ومتحاملاً بصورة فجة وفاقعة. وهذا لا علاقة له البتة بالنضال الوطني المشروع ضد كل أنواع ومصادر الاستبداد والاضطهاد، السياسي والاجتماعي والثقافي والديني ولا تبتعد آراء عديد أوساط النخب العربية كثيراً عن ذلكم النفس المتحامل وعن منحاه الغوغائي المطوح بالحقيقة بعيداً عن صدر المشهد الضاج بحركة الفاعلين منفذي الجرم المشهود، وأولئك الحُواة المحرضون والمنظرون للعمليات الإرهابية الذين يشكلون البذرة الأولى للفعل الإرهابي والخطر الأكبر (أخطر من المفخخين أنفسهم) على الأمن الوطني والقومي العربي فكيف قُيض لهؤلاء أن يبقوا بعيداً عن الأضواء التي يفترض أن تسلط عليهم باعتبارهم مصدر التوتر والتشظي الداهم حالياً للمجتمعات العربية؟هذا سؤال مطروح على نخبنا العربية التي شاءت أن تغيب نفسها بوعي عن معالجاته الملحة.