فيما وصف بأنه
أكبر ضربة استباقية تستهدف الخلايا الجديدة لتنظيم القاعدة - فرع السعودية والخليج
- كشفت السلطات الأمنية السعودية، أنها أحبطت أكبر مخطط ارهابي للقاعدة ونجحت في
اعتقال (7) خلايا ارهابية، مجموع أفرادها (172) عنصراً كانت تخطط لشن سلسلة من
العمليات الانتحارية ضد منشآت عسكرية ومجمعات نفطية في المنطقة الشرقية وشخصيات
عامة، وذلك باستخدام الطائرات!!
وقد ضبطت
أسلحة متنوعة وأموالا - 20 مليون ريال - وحواسيب ووسائل اتصالات. وقد وصف البيان
هؤلاء بأنهم من اتباع الفكر الضال يأتي
هذا النجاح الكبير في سلسلة العمليات الناجحة لأجهزة الأمن السعودية التي تمكنت من
تصفية معظم قادة القاعدة ونجحت في القبض علي معظم المطلوبين في القوائم الأمنية
الثلاث وتمكنت عبر الضربات الاستباقية من إجهاض العديد من المخططات الإرهابية
واخترقت خلاياها، وكان من أهمها، القبض علي (162) عنصراً في ديسمبر الماضي.
وقد كنا نظن
أنه بعد هذه النجاحات العديدة وبعد انحسار التعاطف الشعبي مع القاعدة وبعد ضبط
التبرعات الخيرية ومحاصرتها، أن قدرة القاعدة علي تجنيد أنصار جدد، قد ضعفت، وأنها
لن تتمكن بعد هذه الضربات الساحقة من إحياء نشاطها..
وكان ذلك خطأ،
فها هي القاعدة تلملم بقاياها وتضم الي صفوفها أنصاراً غير معروفين للأمن وهم أناس
كانوا يعملون في شركات طيران ويتدربون في معاهدها، ورغم الحصار المالي تتمكن
القاعدة من جمع (20) مليون ريال!! ما معني كل ذلك؟ وما دلالته؟ وكيف تمكنت القاعدة
من تناسل خلايا جديدة؟! ان ذلك - معناه -
أولاً: ان
الحرب مع الارهاب طويلة كما صرح خادم الحرمين الشريفين،
ثانيا: ان المسلسل الإرهابي سيستمر ما دامت
العوامل المنتجة له باقية طبقاً ل مشاري الذايدي .
ثالثاً: ان
الاستنفار الأمني مهما كان فعالاً ومتطوراً وناجحاً لا يغني عن استنفار فكري شامل
لجميع المنابر الدينية والثقافية والتربوية والاعلامية ويُجند له جميع المفكرين
والمثقفين وعلماء الدين والإعلاميين والتربويين.
رابعاً: ان
المناهج الثلاثة السائدة الإنكاري والدفاعي والتبريري في تفسير الظاهرة الارهابية،
غير مجدية، بل ان الإنكار او الدفاع او التبرير للظاهرة الارهابية يفاقمها ويعمل
علي استمرارها ما لم نتبن منهجاً تحليلياً نقدياً يشخص الظاهرة ويحللها الي
عواملها البنيوية. دعونا نتساءل: ما مكونات الظاهرة الإرهابية؟ وكيف نشأت الظاهرة
الإرهابية - في تصوري - حصيلة تفاعل (3) عناصر هي: 1) فكر عدواني. 2) استقر في
(نفسية) غير سوية. 3) ووجدت (بيئة) حاضنة أو متعاطفة أو متقبلة.
هذه العناصر
الثلاثة تكوّن الأضلاع الثلاثة للمثلث الإرهابي. ولن يتحول الفكر العدواني بمجرده
الي قنبلة بشرية تدميرية إلا بتفاعله مع نفسية متوترة، قلقة، غير منسجمة مع
المجتمع والعصر، وفي مناخ يتعاطف مع الفكر العدواني. فهناك كثيرون يعتنقون أفكاراً
عدوانية بتأثير الفتاوي المكفرة وبسبب التوظيف السياسي والأيديولوجي للمفاهيم الدينية
- الجهاد والاستشهاد - كما أن هناك نفسيات تحمل مشاعر الكراهية بسبب الخبرات
الطفولية القاسية، وبفعل الشحن الديني والطائفي الذي يحتكر الجنة لفرقة واحدة و
الوطنية لفصيل سياسي واحد ويقصي الآخرين بتهمة العمالة . وهناك بيئات متعصبة بسبب
التضليل الإعلامي.
لكن لا
الأفكار - وحدها - مهما بلغت عدوانيتها، ولا النفسيات - وحدها - مهما كانت
كراهيتها ولا البيئات - مجردة - مهما تعصبت، قادرة علي انتاج قنبلة بشرية إلا اذا
تفاعلت مجتمعة تفاعلاً غير صحي لينتج ثقافة تدمير الذات في خداع للنفس والمجتمع
بأن ذلك العمل المجرّم جهاد واستشهاد!! إني أعجب من أمة، يحرّم دينها - قتل النفس
- تحريماً قاطعاً ويتوعد صاحبها ويعتبر قتل نفس واحدة قتلاً للناس جميعاً، كيف
تسمح بأن يعتلي منابر بيوت الله، محرضون علي تفجير النفس باعتبارها أسمي الجهاد ؟!
إننا الوحيدون بين الأمم الذين نبارك الانتحار، وقد عارض زعيم باكستاني العمليات
الانتحارية فتعرض منزله لقذيفة!! ونحن الوحيدون الذي جرأ بعضنا في انتهاك بيت الله
- المسجد الأحمر - لتخريج انتحاريين!! وأهدر بعضنا براءة الأطفال فصور صبياً
طالبانياً يذبح رهينة أمريكية!! ألهذه الدرجة تستباح حرمة النفس المعصومة؟! لماذا
يستمر الفكر الضال كما يسمي في السعودية؟ ولماذا يجتذب أنصاراً وجنداً رغم الضربات
الأمنية والمحاصرة المالية؟! لا يفيدنا الخطاب التبريري الذي يربط الإرهاب
بالمظالم الأمريكية والبطش الإسرائيلي، ولن يجدي نفعاً خطاب الدفاع عن صورة الإسلام
مع أن ذلك واجب، كما أن الخطاب التفسيري يصب في خانة التبرير في هذا السياق، ومهما
تكلمنا عن سياسة الكيل بالمكيالين والانحياز الظالم وتعلقنا بنظريات التآمر
العالمي ومهما لعنا سياسة الهيمنة وشياطين الانس والجن، كل ذلك لن يغني شيئاً. لا
يفيدنا إلا الخطاب النقدي وتحمل المسؤولية ومراجعة الأوضاع وشجاعة الاعتراف
بالأخطاء.
إذا اردنا
تشريح الفكر الإرهابي فإننا نقول: إن الدولة هي المؤسسة الشرعية الوحيدة - قانوناً
وشرعاً - التي تحتكر العنف القانوني المشروع خارجياً حماية الوطن و داخلياً
استقرار الأمن. لكن الفكر الإرهابي يري أن من حقه منازعة الدولة هذا الاحتكار
فيعطي لأصحابه الحق في استخدام العنف داخلياً باسم مقاومة المنكر و خارجيا باسم
الجهاد. وهو نفس منطق الخوارج القدامي المستمر ليومنا هذا بسبب إخفاق الفكر الديني
المسيّس في حسم مشروعية العنف داخلياً وخارجياً ولذلك شرعن للعنف، خارجياً جهاد
الطلب وداخلياً جهاد المنكر !.
وما زالت معظم
الجماعات الدينية والعديد من المنابر الدينية والمواقع الأصولية والفتاوي، تُقر
مشروعية العنف كأسلوب للتغيير - داخلياً وخارجياً - وجميع هذه الجماعات لا تري
نفسها ملزمة بتشريعات الدولة التي تنتمي إليها. وقد تري نفسها سلطة موازية للسلطة
الشرعية: حزب الله في لبنان، حماس سابقاً، الفصائل الفلسطينية حالياً، الجماعات
المسلحة في العراق، الجماعات الدينية في باكستان وأفغانستان، المحاكم في الصومال.
بل انها لا
تعترف بالتشريعات الدولية ولا منظمة الأمم المتحدة وتبيح لنفسها التدخل في شؤون
الدول الأخري، فتعلن الجهاد وتدفع بالشباب الي ميادين القتال متجاهلة كل التشريعات
القانونية الوطنية والدولية ومسببة أضراراً بمصالح دولها. فإذا تصدت لها الدولة
هددت بالعمليات الانتحارية كما فعل إمام المسجد الأحمر!! وفي حين تجرّم دولنا
الإرهاب تقوم بعض المنابر الدينية في المنطقة بالدعاء للمجاهدين!! من هم
المجاهدون؟! هم هؤلاء الذين يقتلون النساء والأطفال في العراق!! هم الذين اتخذوا
أطفال مدرسة في الشيشان دروعاً!! هم الذين يرتكبون جرائم حرب ضد المدنيين في
أفغانستان - تقرير العفو الدولية عن طالبان - وفي دارفور!! هم الذين يزهقون
الأرواح ويعيثون فساداً عظيما!! وتسعي دولنا لتوثيق تحالفاتها الاستراتيجية بالدول
الكبري لتعظيم مصالحها فتبادر تلك المنابر بالتحريض والعداء والدعوة للمقاطعة
والمسيرات والدعاء علي النصاري واليهود!! وتتعامل دولنا مع الحكومة العراقية
كحكومة وطنية شرعية فيصرح رمز ديني عبر الفضائيات والصحف من تعاون مع المحتل
يُقاتل في تعريض بالحكومة العراقية.
وفي حين تشجع
دولنا أسلوب الحوار الديني والحضاري، يصرح أحد الرموز الدينية - علناً - بأن
الحوار مع اليهود لا يكون إلا بالقنابل البشرية!! ومعظم المنابر الدينية والرموز
الدينية في المنطقة يقيمون الدنيا لأمر يمكن علاجه بالحُسني ولكنهم وحتي الآن لم
يجرؤوا علي انتقاد القاعدة أو التبرؤ من زعيمها رغم اساءاته العظيمة للإسلام
والمسلمين!! هؤلاء هم المنظرون والجيوش الفكرية الذين يمهدون الأرضية الملائمة
لانتاج نفسيات مهيأة لقبول الفكر الإرهابي، لينشط الإرهاب وتستمر دوامة العنف
ويتساقط شبابنا، هؤلاء هم الأخطر علي مجتمعاتنا وهم الأعظم إثماً.