اتحفتنا وزارة
الخارجية الأميركية منذ يومين، بإصدار تقريرها السنوي حول الإرهاب، مبشرة إيانا
بأن أمن العالم إلى تحسن، لكنها تقول في الوقت نفسه، ان العمليات الإرهابية زادت
بنسبة 25% والقتلى المدنيين ارتفع عددهم 40% عام 2006 نسبة للسنة التي سبقتها،
فيما شكل الأطفال بين قتلى وجرحى 80% من مجموع الضحايا.
ورغم هذه
النسب الكارثية، يرى التقرير أن «المجتمع الدولي حقق نجاحاً كبيراً في تفكيك
المنظمات الإرهابية، وتمزيق قياداتها. وساهم هذا في تقليص قدرة الإرهابيين على
تنفيذ العمليات، وفي اعتقال أو مقتل العديد من القادة الإرهابيين الرئيسيين». لكن
لا تستغرب ان تقرأ بعد ذلك، فقرة تقول بأن «الإرهابيين يتأقلمون مع الإجراءات
الجديدة، وبأنهم يغيرون وسائلهم واستراتيجياتهم، ويتبعون خططاً وأساليب متنوعة
تحتاج مواجهة من نوع مختلف». أي أننا، بمعنى ما، ربما نعود في كل مرة إلى نقطة
الصفر أو ما أشبه، والأنكى ان ثمة فقرة تعترف بأن قتل القيادات الإرهابية ـ الذي
تتبجح به الولايات المتحدة ـ يعقد الأمور، ويأتي في بعض الأحيان بنتائج سلبية.
وبقراءة
متأنية لهذا التقرير، الذي لا يبشر بخير لا بتشخيصه لظاهرة الإرهاب، ولا بتوصيفه
لما حدث عام 2006، ولا حتى بعلاجاته المستقبلية المقترحة، يشعر واحدنا بأن الآتي
أعظم وأدهى..
وطالما أن
الولايات المتحدة ما زالت تخلط الحابل بالنابل، وتساوي أحزابا منتخبة ولها شعبية
واسعة ومشاركة بقوة في العملية السياسية، مثل حزب الله وحماس، بأي قاطع طريق أو
سفاح يداهم بسيارته المفخخة مجمعاً تجارياً في بلده ليودي بحياة عشرات من
الأبرياء، فهي تضفي على بعض الأعمال الإجرامية مشروعية في عيون البعض، لم تكن
لتنالها من دون هذا الالتباس المستجد. ومنذ وضعت أميركا «المقاومة» مع «الإرهاب»
في سلة واحدة، اكراما لعيني إسرائيل، أعلت من كعب الإرهابيين، ومنحتهم هدية
مجانية، لم يكونوا ليحلموا بها.
ومع أن كل
الموسوعات العلمية تعترف بأن الإرهاب قديم، وله خصائص ومواصفات، وأساليب عمل
وأهداف، وطرق علاج عرفتها الشعوب، بما فيها الأوروبية منذ قرون عديدة، إلا أن الولايات
المتحدة، تريد أن تعتبر الإرهاب ظاهرة ولدت يوم 11 سبتمبر، وحربها عليه فريدة ليس
لها في عرف البشرية مثيل. وكل هذا لتسرح وتمرح في توصيفاتها وممارساتها، من دون
منطق أو سند علمي. ومعلوم ان السلوك الإرهابي عانى تاريخياً من افتقاره لقواعد
شعبية تؤيده، بسبب الهلع والأذى الكبيرين، اللذين يتسبب بهما، إلا ان المحزن هذه
المرة، ان الولايات المتحدة بسبب اسلوبها «المبتكر» في معالجة الإرهاب، جيشت حوله
العواطف بدل ان تثير منه التقزز، على ما يبدو. وهو ما يعترف به التقرير الجديد
ضمناً حين يقول بأن القاعدة بدأت تجد لها مناصرين محليين في الأماكن التي تتمركز
فيها، تستطيع توظيفهم وتجييشهم والاعتماد عليهم، وهو ما يزيد من صعوبة اقتفاء
أثرهم ومحاصرتهم. والناس العاديون الذين يتم توظيفهم ليسوا متطرفين بطبيعتهم ـ
بحسب التقرير ـ لكن القاعدة تستميلهم لسببين رئيسيين: اولهما إحساسهم بالعزلة
والسخط، وثانيهما نجاح الحملات الإعلامية والدعائية للقاعدة. وإن كان السبب الأول
مقنعاً، ولا يشوبه أي التباس، فليس هناك من يستطيع أن يصدق بأن إعلام القاعدة،
المطاردة في البراري والمغاور، بات أقوى من سي.إن.إن. و«واشنطن بوست». والأصح القول
ان أشرطة الفيديو كليب التي توزع بين الحين والآخر لخطابات أيمن الظواهري وقبله
أسامة بن لادن، باتت أكثر شعبية من المؤتمرات الصحافية التي يعقدها جورج بوش في
البيت الأبيض، لأن وعود هذا الأخير الوردية، تكسرت بسرعة قياسية على الصخور
العربية، وصارت أشبه بهرطقات وأضغاث أحلام. وأعجبتك السياسات السورية والإيرانية
أم لم تعجبك، فلا يخدم قضية القضاء على الإرهاب في شيء، ان توضع هاتان الدولتان
على رأس قائمة المخربين في هذا الكون، في التقرير الأميركي الجديد، وتخرج إسرائيل
من اللائحة، كالشعرة من العجين، رغم أنها مارقة على كل قرارات الأمم المتحدة،
وسارقة للأرض، ومغتصبة للأرواح. وليس هذا رأيا عربياً، بل ان الأوروبيين أنفسهم
صنفوا إسرائيل على انها ثاني أخطر دولة في العالم، في ما تريد أميركا ان تبقيها
ملاكاً فوق الشبهات، وتبني كل نظرياتها العجيبة والفاشلة حول الإرهاب، لخدمة تفوقها
واستبدادها. وهنا بيت الداء.
وقد كثرت
السجالات في الفترة الأخيرة، بين بني يعرب، واحتدم الخلاف بين من يريد ان يعتبر
الإرهاب مرضاً جينياً نتوارثه أباً عن جد، وهنا نفهم أن لا فكاك لنا من هذه
الكارثة إلا بالانتحار الجماعي، وهناك من يرى ان الظلم الاجتماعي والاستبداد
السياسي، وكثرة المظالم وتفشي الفقر، شجع الانتحاريين فرادى على انتهاج سبيل «عليّ
وعلى أعدائي». والتقرير الأميركي في الجزء التشخيصي منه، يميل إلى الرأي الثاني،
أما حين يقترح العلاج، فيبدو وكأنه يتبنى الرأي الأول، وهو ما يؤكد «العبقرية»
الأميركية في محاربة الإرهاب، ويعزز الإحساس بأنها ستنتقل من فشل إلى فشل، وتأخذنا
بجرائرها صحيح أن الأميركيين يعتبرون القاعدة اليوم، حركة تمرد عالمي عابرة
للحدود، لكنهم يعترفون ايضا بأن غالبية الهجمات الإرهابية تتركز في العراق، وأن
الإرهاب ارتفع 50% في أفغانستان خلال سنة 2006، وهو ما يعزز الإحساس بأن الوجود
الأميركي نفسه بات استفزازياً، ويثير الجنون. هذا لا يعني ان خروج الأميركيين من
المنطقة سيعيد إليها الدفء والهدوء، لكنه يوضح وباعتراف، أصحاب التقرير انفسهم،
بأن اميركا هي جزء مهم من الحالة الإرهابية التي نتخبط فيها، وبأن حاميها حراميها،
ومن يحارب الإرهاب منذ خمس سنوات، ليس أهلاً لذلك. وفي النهاية 20 ألف قتيل ضحية
الإرهاب وحده، خلال العام الماضي، غالبيتهم الساحقة من المسلمين، لهو رقم مذهل،
ويستحق انتفاضة ضد هذه النظرية الخنفشارية المرعبة في تعريف «الإرهاب» التي لا
تعدنا سوى بمزيد من الاستفزاز والموت، وتمهد لحروب تخرج من بطن حروب..
الشرق
الاوسط