ما رأيك بموقع مرصد الارهاب؟
ممتاز
جيد
مقبول


عرض النتائج
 
 

للأشتراك بالنشرة الألكترونية الرجاء إضافة بريدك الإلكتروني

 

 

 
 
 

 

المنابع الفكرية للإرهاب ...من هنا نبدأ / د: نجيب بن خيرة

 

 

02 تشرين
أول 2007

 

 

لقد شكلت تفجيرات باتنة ودلس نقاشا واسعا في الأوساط الإعلامية و السياسية ، كل من موقعه ومن زاوية نظره و اصطفافه يحاول مقاربة السؤال الجوهري : لماذا طال عمر الإرهاب في بلادنا بالرغم من المبادرات المتوالية منذ ما يقرب من عقدين من الزمان ؟ و الواقع أن جميع تلك المبادرات لم تخرج عن كونها تسويات سياسية مع جماعة أو فئة أو حزب لحل مشكلات عالقة داخليا أو خارجيا .وقد ضرب الرعاة الرسميون صفحا عن المصادر الفكرية للتوتر السياسي الذي أفضى إلى نزاع مسلح يتزوّد أصحابه برؤى فكرية تُشرعن للعنف ، وتؤصل للإرهاب .

و الجزائر عرفت هذه الظاهرة قبل كثير من دول العالم ولم تشهد لحد الآن حوارا فكريا جادا يعكس تداعياته في الشارع الجزائري ، ويعيد رسم الخارطة الذهنية للمجتمع الخاضع تحت تأثير الإشعاعات الفكرية المنبعثة من بعض الكتب و المنشورات و القنوات الإعلامية و المواقع الإلكترونية و المنابر الدعوية التي يساء استخدامها في صياغة الرؤية التكفيرية عند الناشئة من شباب الأمة .

و لا ينبغي أن نفصل بين فكر الجماعات المسلحة المتطرفة ، وبين فكر جماعات أخرى ترفع شعار العلمية وتوهمنا بخلو ساحة فكرها من مضامين التكفير و الخروج، وهي بلا شك المحاضن المفرخة للإرهاب بكل أشكاله .وفكر هذه يفضي إلى سلوكات تلك إن عاجلا أو آجلا . لأن المرجعية لهؤلاء وأولئك واحدة ، والأولى استعانت بمرجعية الثانية ، فصارت ثمرة من ثمارها !...

و الغريب أن الجماعات الأخرى ـ العلمية المبطنة بالعلمانية ـ تستفيد بطريقة أو بأخرى من سذاجة المسؤول أو عدم معرفته بالجذور الفكرية فتلقى الدعم و المساندة لتحقق ما تريد ، وهي في ذلك تقتات على هذا التطرف في سبيل الوصول إلى الهدف المأمول.

وأنت تسمع خطاباتهم ترى حشد العدد الهائل من الآيات و الأحاديث و الآثار التي يقومون بعسف مضامينها بتقويلها ما لم تقل و تحميلها ما لا تحتمله من الإدعاء . وهذه التعبئة الفكرية توفر الحماية الكافية من الناحية النفسية لارتكاب المجازر في حق المدنيين العزّل الذين يؤخذون على حين غرة وبطريقة جبانة ..وتظل علامات الاستفهام تتوالى أمام أعين الحيارى ..لماذا يحدث كل هذا؟، ولحساب من ؟ ومتى تنتهي حلقات هذا المسلسل الدامي ؟.

قد يخرج الشعب في مظاهرات حاشدة ويملأ الساحات و الميادين ، ويرفع الشعارات عالية منددة بالعنف و الإرهاب ، ويطالب بتجديد انتخاب الرئيس لعهدة ثالثة ... و لكن هذا كله لا يعالج المشكلة ، و لايداوي الجروح الغائرة ، ولايستأصل الداء العضال .بل إن مجرد الدعوة إلى وضع السلاح و مناشدة الشباب المغرر بهم أن ينزلوا من الجبال ، و التحذير من عواقب الإرهاب و شؤم مآل أصحابه لا يفكك البنية الفكرية التي يستند عليها العنف ، بل يجعل الجماهير الهاتفة غافلة عن معرفة جذور الظاهرة ، وأسبابها الدافعة .

إن السادية التي تُميِّز العمليات الإنتحارية النوعية تنبئ عن حجم التعبئة التي يتلقاها المنفذون ، و الدورات التدريبية التي يخضعون لها ، والفكر الخطير الذي يُضخُّ في عقولهم ونفوسهم الأمر الذي صنع لديهم منظومة شعورية و مفاهيمية تجعل الواحد منهم يقبل على أن يلف جسده بحزام ناسف يصير فيه بعد لحظات أشلاء ممزقة ورمادا تذروه الرياح !...

فالشاب الذي ولد عام 1992م كيف به أن ينخرط في صفوف طائفة تصفي حسابا قديما وهو لم يشهد معشار أحداثه ، بل فتح عينيه و شنف سمعه على كلمات الوئام المدني و المصالحة الوطنية مع نهاية التسعينيات من القرن الماضي ، كيف به يُسرق من أحضان والديه ليرمى في أتون المهلَكة و الضياع ..فيقدم على تحويل جسده إلى رسالة لقتل البشر ..؟ إنه لم يفعل ذلك إلا بفتوى شيطانية ، ومُفتٍ ضال أعدّه و جهّزه وبشّره بالنعيم المقيم ، ودفع به ليملأ الأرصفة دماء و الأفق ظلاما ...

إن نداءات المحللين و المراقبين و الخبراء تؤكد على أن ظاهرة العنف و الإرهاب ذات أبعاد تتجاوز الحل الأمني الظاهري ، بل هي تتكئ على مصادر إيديولوجية تتغذى عليها ، وتنهل من تراثها ، وتفسره بهواها ، وهي محرِّضات شديدة التأثير لفئات تراكمت لديها خبرة البطش بالمخالف ، و ثقافة الخصام مع الآخر ..

و الحقيقة أن منابع الإرهاب لا تجفف من خلال ملاحقة الأشخاص المتورطين بل يجب ملاحقة الأفكار التي ولدت الإرهاب وصوّغت جرائمه ، وجعلت منه ظاهرة مستعصية على العلاج مما ضيّع على الأمة مشاريع النهضة الحضارية المرجوة .

ولنا في الأنموذج السعودي خير مثال على طريقة المعالجة لهذه الظاهرة و التقليل من أخطارها ، و إرجاع أعداد هائلة من الشباب إلى أحضان المجتمع ، وإن كان بعض الجزائريين من الرعاة الرسميين للأسف يُثنون أعطافهم دون كل خبرة عربية ، لأنها لم تأت من وراء الموج الأبيض المتوسط !.

فالسعودية وهي أقل منا خبرة و أقدمية في معرفة الظاهرة الإرهابية لم تكتف بالملاحقات الأمنية ، بل قامت بحرث الأرض الفكرية للتطرف وإعادة تعقيمها من جديد ، وذلك عن طريق الحملات الفكرية و الاجتماعية المنظمة لتجفيف منابع الفكر الضال ، وقد شارك في هذه الحملة الأجهزة الحكومية و المؤسسات المدنية ، و الهيئات العلمية و الدعوية و المواطنون بكافة شرائحهم عبر توعية مبرمجة توجهت للأسر في المدن و القرى من خلال تجنيد العلماء الشرعيين و الدعاة البارزين و التربويين و الإعلاميين لشرح المخاطر التي تنمي فكر التطرف سواء عن جهل أو تعمد ، وطالت تلك الحملة الكبيرة حتى السجون عبر لجان تتحاور مع المغرر بهم وتوضح لهم الطريق الصحيح . وهي تجربة تستحق النظر و الاقتداء بكل المقاييس .

فما الذي فعلته الجزائر وهي عاصمة للثقافة العربية لمدة سنة كاملة ، وقد أوشكت السنة على الأفول ، هل عقدت الندوات و المؤتمرات و ندوات الحوار الفكري الجاد لدراسة أسباب الظاهرة و جذورها ، يدعى إليها الخبراء و المثقفون وعلماء الدين و صناع القرار ؟..إن ذلك لم يحدث على الإطلاق ، وإن حدث فكلام على استحياء لا يقدم و لايؤخر ..وقد مضت أغلب السنة الثقافية في الرقص و الطبل و المزمار وسماع الأصوات المزعجة التي ملأت الدنيا ضجيجا .

وتاريخ حضارتنا يشهد أن الحضارة ازدهرت و امتد رواقها في الأعصر الزاهرة حين ضعفت شوكة الجماعات المتطرفة و الطوائف المتشددة و النِّحل الضالة ، مما ساعد على الإنجاز و العطاء و الإبداع . ومراجعة الحساب في مواجهة الإرهاب تبدأ من هنا ..حيث الفكر الخامل في مفاصل الثقافة الرائجة دون رقيب أو دون وضع استراتيجية جادة يصنعها العلماء الناصحون ، و الدعاة المتجردون ـ لا تجار أزمات يصطادون في الماء العكر ـ يحسنون خوض معركة تحول دون زف شبابنا إلى الموت الزؤام بغير حق . مع دعم الظهير الحقيقي وهو المؤسسات العلمية الرسمية مثل الجامعة الإسلامية و الكليات الشرعية و المدارس القرآنية التي يتلقى الناشئة فيها الفقه الصحيح بالدين و الفهم السليم للجهاد و الاستشهاد ،بعيدا عن مواويل التكفير و التبديع و! التفسيق ، فإذا لم نرع هذه المؤسسات و نقدم لها العون الكافي لصناعة الحياة بدل صناعة الموت ، ونشر فقه الاعتدال بدل فقه التطرف ، وتصدير الرحمة للعالمين بدل تصدير البطش و الفناء ، وتنشئة الوعي المتنور بدل الوعي الإقصائي و الفكر الإقتلاعي ..فإن الطبيعة تكره الفراغ ، ولا ريب أن الناشئة يجدون في كهوف الجبال ، وسحيق الوديان من يملأ عقولهم بفكر التكفير و التفجير ، وسوف تزداد قائمة المطلوبين عاما بعد عام ، وقد نعجز عن إحصائهم بما يضع الجميع في قائمة المطلوبين للعدالة الدولية !، وحينئذ يطول ليل الإرهاب ، ولن يطلع فجره إلا بعد خراب البلاد! و فناء العباد ..

الشروق