لو أننا حاولنا إيجاز التحديات التي يواجهها
مشروع قانون مكافحة الإرهاب المزمع عرضه قريبا علي مجلس الشعب لكانت في كلمة واحدة
هي التوازنات.. أجل.. فكل قانون ينظم أفعال البشر وتصرفاتهم وعلاقاتهم محكوم
بإجراء توازنات دقيقة وواعية وعادلة بين مجموعة من المصالح والاعتبارات
المتعارضة.
ولعل التوازنات الصعبة في مشروع قانون مكافحة
الإرهاب تبدو علي نوعين: توازنات فكرية وسياسية وأخري قانونية فنية, ولربما
يبدو غريبا للوهلة الأولي إقحام الاعتبارات الفكرية والسياسية في مسألة قانونية
لكن الواقع أن الإرهاب الذي ينشر الرعب ويسفك الدماء هو ذاته الذي يحاول في
أيديولوجيته أن يخلط الأوراق ويستخدم ذرائع الفكر والسياسة. ومن هنا يصبح تجفيف
المنابع الفكرية والسياسية للارهاب ضرورة لا غني عنها.. وهو مايستدعي إثارة
الملاحظات التالية:
الملاحظة الأولي ـ أن إصدار قانون مكافحة
الارهاب يجب أن يقترن بحركة لاستنهاض قوي المجتمع اجتماعيا وثقافيا وتربويا ليكون
خط دفاع أول ضد الإرهاب فلا يقتصر الأمر علي الملاحقة الأمنية أو الترسانة
التشريعية وحدهما, فالارهاب في جوهره هو استخدام لأقسي وأقصي وسائل الترويع
والعنف لنشر فكر أو تحقيق هدف سياسي. الفكر والسياسة حاضران إذن في الإرهاب(
حتي ذلك الذي شهدته أوروبا الغربية في نهاية ستينيات القرن الماضي). ومن هنا فإن
محاصرة الإرهاب علي الصعد الاجتماعية والفكرية والسياسية يجب أن تمضي جنبا الي جنب
مع ملاحقته علي الصعيدين الأمني والقانوني.
الملاحظة الثانية ـ أن قانون مكافحة الإرهاب
وبقدر ما سوف يتضمن نصوصا تجرم أفعالا بالغة الجسامة وتعاقب جناة شديدي الخطورة
ينبغي ان يتضمن أيضا من النصوص ما يكفل طمأنة الرأي العام والمثقفين وأصحاب الرأي
من أنه لن تكون هناك وسيلة للتضييق عليهم أو لمصادرة حقوقهم.. إنها رسالة
طمأنينة جديرة بأن تقترن بالقانون المزمع صدوره, فللقوانين أحيانا وظيفة نفسية
بحيث إن نجاح تطبيقها يتوقف علي إيجاد حالة من الإقناع بها والتجاوب معها.. من
هنا يبدو ضروريا أن يحمل القانون الجديد لمكافحة الإرهاب بعض الاشارات التي تبدد
هذه المخاوف والهواجس وتزيد من الثقة بأننا جميعا دولة ومجتمعا وأفرادا نحتاج لمن
يحمي أمننا بقدر ما نحتاج أيضا الي ضمان حرياتنا.
ولعلي في هذا السياق ولتحقيق هذا التوازن
المطلوب أبدي اقتراحين محددين: أولهما أن يحمل عنوان القانون نفسه اشارة ولو بسيطة
الي هذا التوازن المطلوب بين أمن المجتمع وحماية الحقوق والحريات كأن يكون عنوانه
قانون مكافحة الإرهاب ودعم الحريات. وما أقوله ليس بدعة حيث سبق للمشرع الفرنسي
أن خلع علي واحد من أهم قوانينه في العقود الأخيرة لمكافحة العنف والإرهاب اسم
قانون الأمن والحرية مع أن هذا القانون الفرنسي كان بالغ القسوة وهو يجرم ويشدد
عقوبة عدد هائل من أفعال العنف لكنه كان واضح الذكاء والرحمة حين قرن الأمن
بالحرية!
أما الاقتراح الثاني فهو ان ينص القانون علي
مادة استهلالية تفيد بأنه لن يترتب علي تطبيق أحكامه الاخلال بحقوق الانسان
وحرياته الاساسية علي النحو الوارد في الدستور المصري والتشريعات الاخري ذات
الصلة, بل إنه ليس ثمة ما يمنع إزاء ماقد يتضمنه القانون المزمع صدوره من توسع
في التجريم لاسيما علي صعيد الأفعال التحضيرية أو تلك التي تتقاطع أحيانا مع
مايعتبر من قبيل ممارسة لحق أو حرية.. أقول ليس ما يمنع من أن يتضمن القانون
نصا( يخاطب به القاضي بالأساس) مفاده وجوب التقيد بالتفسير الضيق لنصوص
التجريم الواردة فيه, وليس أيضا في هكذا اقتراح بدعة, فقانون العقوبات الفرنسي
الصادر في1994 يتضمن نصا عاما يوجب الالتزام بالتفسير الضيق للنصوص التي يتضمنها
هذا القانون.
الملاحظة الثالثة ـ أن القانون المرجو لمكافحة
الارهاب يجب ان يحافظ علي واحدة من أهم الضمانات الدستورية ومايمكن تسميته
بالمكتسبات القضائية التي نزهو بها ونفخر في المحافل والمؤتمرات الدولية كدليل علي
مابلغه الفكر القانوني المصري من رقي وتحضر.. هذه الضمانة المتمثلة في مبدأ
شخصية المسئولية الجنائية الذي يقضي بأنه لا يجوز أن يساءل جنائيا إلا الشخص نفسه
الذي ارتكب ماديات الجريمة. وقد أتيح للمحكمة الدستورية العليا في مصر أن تعلي
هذا المبدأ وتمنحه أقصي مجال في التطبيق حين قررت الغاء نص المادة2/195 عقوبات
فيما كانت تقرره من امكان مساءلة رئيس التحرير عن احدي الجرائم التي تقع بطريق
النشر في صحيفته ولو كانت ناشئة عن كتابة غيره.
الملاحظة الرابعة ـ وهي تتعلق بأدق وربما أخطر
ماقد يتضمنه القانون المزمع صدوره من تجريم التحريض علي ارتكاب أفعال إرهابية,
والتحريض علي ارتكاب جريمة هو فعل من أفعال المساهمة الجنائية المعاقب عليها في كل
شريعات العالم. ولا شك ان التحريض فعل خطير جدير بالعقاب لأنه يوحي للجاني
بجريمته ويحفزه علي ارتكابها, وربما لولا التحريض ماكانت الجريمة, لكن ثمة
أمرين يجدر أخذهما في الاعتبار: أولهما أن تجريم عموم التحريض دون تحديد دقيق
للوسائل التي يتم بها سوف يحمل شبهة مخالفة المبادئ الدستورية والقانونية, كما
أن النص علي تجريم بعض الأفعال مثل تحبيذ ارتكاب الجريمة سوف يحمل نفس شبهة
المخالفة ويمكن ان يثير مشاكل عسيرة عند التطبيق, فالتحبيذ فعل نسبي في دلالته
اللغوية عصي في استخلاص مفهومه القانوني
. أما الأمر الثاني فهو ان تجريم التحريض أو
التحبيذ أو مايسمي أحيانا بإسداء المشورة يجب ان يقوم علي صياغة محكمة ودقيقة
تفاديا لأي افتئات محتمل علي مايعتبر ممارسة لحرية الرأي ـ التعبير ـ فما هو من
قبيل التحريض أو التحبيذ المؤثم قانونا وما يعد علي العكس ممارسة مشروعة لحرية
الرأي والتعبير أمران متقاطعان عند نقط لا تكاد تري أحيانا بالعين المجردة!!
إنها مهمة صعبة محفوفة بمخاطر التداخل والالتباس كان الله في عون المشرع وهو يضطلع
بها!
الملاحظة الخامسة ـ ان النجاح في مكافحة
الارهاب يتطلب نظاما للملاحقة القضائية يعتمد أدوات وآليات التعاون القضائي الدولي
لاسيما علي صعيد تسليم المجرمين والإنابات القضائية.
الملاحظ أن هذه الأدوات والآليات لا يأخذ بها
القانون المصري إلا من خلال الاتفاقيات الدولية التي أبرمتها مصر مع دول أخري.
لكن هذه الاتفاقيات لا تغني في الواقع عن ضرورة إصدار تشريع مصري للتعاون القضائي
الدولي ينظم كل هذه المسائل المهمة واخري غيرها, فليس لدينا علي سبيل المثال حتي
اللحظة تشريع داخلي لتسليم المجرمين بينما تعتمد معظم دول العالم ومن بينها دول
عربية كثيرة حولنا علي تشريعات وطنية لتسليم المجرمين والتعاون القضائي الدولي دون
أن تكتفي بما لديها من اتفاقيات دولية في هذا الخصوص.
الاهرام