ما رأيك بموقع مرصد الارهاب؟
ممتاز
جيد
مقبول


عرض النتائج
 
 

للأشتراك بالنشرة الألكترونية الرجاء إضافة بريدك الإلكتروني

 

 

 
 
 

 

العنف والإرهاب والتنمية

د. عبد الإله بلقزيز

كاتب وباحث مغربي

 

 

17 كانون
الثاني 2008

 

 

تقدم ظاهرة الإرهاب والعنف السياسي، المتزامنة وقائعهما في المجتمعات العربية المعاصرة، مثالاً نموذجياً للظواهر التي تستدعي نمطاً من التفكير يلحظ صلات الوصل فيها بين السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، ويضع معالجتها عند نقطة تقاطع بين هذه الأبعاد كافة وبين النهج الأمني المألوف في النظر إلى هذه الظواهر وفي مقاربتها والرد عليها، نحن - هنا -إزاء ظاهرة تتفرد ببيان ما بين السياسي والاجتماعي - الاقتصادي فيها وما بين الأمني من ترابط أو تداخل أو اتصال، كان يجري التجاهل التام لمثل ذلك (الترابط) في ما مضى - مقروناً بتشديد مبالغ فيه على المعالجة الأمنية للظاهرة - كما لو أن العنف والإرهاب ليسا ناجمين عن مقدمات سياسية ومجتمعية. غير أن الحدود المتواضعة لنجاحات المعالجة الأمنية للظاهرة، وتزايد الإدراك الفكري والسياسي لتشابك أبعادها وعناصرها وأسبابها من لدن المهتمين بتحليلها، لم تلبث أن نبهت إلى الحاجة إلى إعادة النظر في العقيدة الأمنية التي وجهت سياسات الاستيعاب والمواجهة التي سلكتها النخب العربية الحاكمة في مقاربة الظاهرة، وهكذا بات من المألوف أن يقال - وعلى أوسع نطاق - إن المقاربة الأمنية للعنف والإرهاب ليست عسية بالقضاء على الظاهرة، بل لا مناص من معالجة الأسباب التحتية والعميقة التي تولدها.
لا بد من استدراك - هنا - للقول إن النزعة الأمنية الاستئصالية في مواجهة ظاهرة الإرهاب، وظاهرة العنف السياسي، لم تنته تماماً أو تتراجع على نطاق واسع وبشكل حاسم، لكنها - قطعاً - تلقت نكسة موجعة في السنوات الأخيرة وفقدت قدرتها على تبرير نفسها وشرعيتها أمام الرأي العام. لكن ذلك لم يحدث بسبب قناعات فكرية أو سياسية لدى أصحابها، وإنما نتيجة اصطدام سياسة الاستئصال الأمني بجدار المستحيل ودخولها نفقاً مسدوداً، ومع أن الأعمَّ الأغلب من الدول العربية، ومن النخب الحاكمة فيها، ما فتئ يسير في النهج الأمني الاستئصالي نفسه ويراهن عليه سبيلاً ناجحاً لإلحاق الهزيمة بقوى الإرهاب والعنف السياسي، إلا أن بعضاً قليلاً من الدول والنخب العربية بات يسلم بالحاجة إلى مشروع مختلف لمقاومة الإرهاب والعنف يكون مدخله مقاومة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تولده.
ما يعنينا في موضوع الإرهاب - وسائر أشكال العنف السياسي - هو اتصاله بجملة عوامل مجتمعية (اقتصادية، اجتماعية، سياسية، ثقافية) توفر لوجوده أو لزواله البيئة الموضوعية المناسبة، قد يوجد من الباحثين في الظاهرة من يشدد على العوامل السياسية التي هي من نوع غياب الحريات والديمقراطية وهيمنة نزعات القمع والإقصاء السياسي ومصادرة المجال السياسي برمته - وبالتالي - دفع الحراك الاجتماعي إلى التعبير عن نفسه خارج القواعد المألوفة للسياسة، أي في صورة عنف مسلح، وقد يوجد منهم من يشدد على العوامل الثقافية والدينية التي هي من قبيل انتشار أفكار الغلو والنزعات التمامية وفشل محاولات الإصلاح الديني وانغلاق باب الاجتهاد في الفكر الإسلامي، وليس هؤلاء وأولاء على خطأ في ما يذهبون إليه من تعليل، غير أن ذلك الضرب من التعليل (السياسي والثقافي - الديني) للإرهاب والعنف يحتاج بدوره إلى تعليل، أي إلى فهم الأسباب التحتية العميقة التي تجعل من بيئة سياسية غير ديمقراطية، ومن بيئة ثقافية ودينية منغلقة عاملاً مساعداً في إنجاب تلك الظواهر.
والحق أن الدراسات التي أنجزت، في حقل علم الاجتماع السياسي، حول ظواهر الإرهاب والعنف السياسي في البلاد العربية والإسلامية المعاصرة (وأشمل تلك الدراسات أنجزه باحثون غربيون) نبهت إلى الأثر الحاسم للأوضاع والبيئات الاجتماعية في انتعاش الظاهرة في العقود الثلاثة الأخيرة (وهي - للتذكير - الفترة التي ستشهد إخفاق المشروع التنموي العربي وتراجع دور الدولة في الحقلين الاقتصادي والاجتماعي) لقد بينت بالقرائن ارتباط حركات العنف ببيئات اجتماعية مفقرة ومهمشة واتساع نطاق نفوذها وجمهورها الحركي في تلك البيئات، فالفقر والحرمان والتهميش والانسحاق الاجتماعي هي ما ولد الظاهرة ونفخ في روحها وليس أفكار الدعاة وخطابات التجييش.
إن مقاربة ظاهرة العنف والإرهاب من مدخل التفكير في البنى والشروط التحتية (الاجتماعية - الاقتصادية) تقدم فرصة لفهمٍ موضوعي صحيح للظاهرة بمقدار ما تسدد ضربة للمقاربة الأمنية الاستئصالية المدفوعة إلى جنونها الأقصى والمرتكزة إلى الفرضية الخاطئة عن انحراف سلوك ممارسي العنف والإرهاب، وإلى الفكرة الأكثر خطأ عن إمكانية تصويب ذلك الانحراف من طريق الردع الأمني العنيف! إن الأمن الحقيقي هو عدم استخدام أدوات الأمن (إلا عند الضرورة القصوى)، هو أمن المجتمع بما هو إشباع للحاجات، أي بما هو أمنٌ اقتصادي وغذائي واجتماعي. من دون تنمية وتوزيع عادل للثروة، ومن دون تأمين لحقوق الفئات الأقل دخلاً ولحقوق المرمي بهم على هامش الاقتصاد والإنتاج، فليس في وسع الأمن ان يحفظ أمناً، قد ينشر الرعب وينتقي ضحايا يحولهم إلى مجسم تمثيلي لما سيلحق الجميع، لكنه - قطعاً - لن يستأصل مشاعر الحنق ورغبات الانتقام للنفس من الحرمان، ولن يمنع كثيرين من ركوب موجات العنف والإرهاب، بل هو قد يضيف سبباً جديداً إلى ترسانة المبررات التي يسوقها الداعون إلى العنف لتسويغ العنف وشرعنته.

التجديد العربي