|
الفصل العاشر:
الموقف العربي تجاه الإرهاب
الموقف العربي تجاه الإرهاب:
إن الحضارة والثقافة الإسلامية العربية تجعل
العرب يقفون ضد الحرب والدمار وخاصةً ضد الإرهاب الدولي، ولكن سقوط
عملية السلام في الشرق الأوسط وفشل كل الجهود لإنقاذها بسبب
السياسات الأمريكية الداعمة للسياسات الإسرائيلية، بالإضافة إلى
العنف والقهر الذي تمارسه اسرائيل كبديل للسلام العادل والشامل، كل
ذلك أدى إلى غضب عارم في العالم العربي والإسلامي ويتحمل مسؤوليته
الذي شجع السياسات الإسرائيلية والذي سكت عنها وجعلها تعيث في
الأرض فساداً. وإذا كان لا بد من وضع جدول أعمال لمكافحة الإرهاب
فيجب أن يتكون من ثلاثة بنود:
1. إرهاب الدولة ومقاومته.
2. الإجرام الاسرائيلي ضد الشعب
الفلسطيني ومقاومته.
3. الأفتراءات على الحضارة
الإسلامية العربية ومقاومة تلك الإفتراءات( ).
استشرى الحديث عن الإرهاب العربي والاسلامي،
فالعقل الغربي يؤمن بذلك -بصرف النظر عن لغة الخطاب- ويرى فيه
الخطر الأكيد، حيث تطرق إلى اشارات عنصرية ضد العرب وأخرى تعبر عن
عدم احترام للإسلام؛ ومن ثم فإن الفكر الغربي وهو يمعن في الحرب ضد
الإرهاب يدعم هذه الحرب "بفرية" صراع الحضارات وهو موضوع خطير ولا
بد من مواجهته عربياً بحوار الحضارات لا صراع الحضارات، وبتكامل
الحضارات وليس تناقض الحضارات، ولكن انحياز امريكا لإسرائيل يقف
بالمرصاد لهدم أية خطوة بناءة نحو علاقات عربية امريكية متوازنة.
إذا لم تكن ممارسات اسرائيل غير الإنسانية
بحق الفلسطينيين إرهاباً، فما هو الإرهاب إذن؟ "إن العرب يتابعون
بقلق شديد ما يجري في فلسطين من أعمال إجرامية "وإرهاب الدولة"
الإسرائيلي ضد شعب مقهور. إن أية تدابير لمواجهة الإرهاب تبدأ
بالنسبة للإحساس العربي الحقيقي بالفصل بين الإرهاب والمقاومة،
وبإجهاض مشاعر الكراهية ضد العرب والمسلمين التي بلورتها أحداث
11/9 "إذ أنها فوراً وضعتنا في قفص الإتهام فأصبحنا المتهم
والضحية"( ).
لقد أصبح الحديث باللغة العربية في امريكا
يتطلب الحيطة والحذر بسبب الخلط – الذي انتشر بعد الإستفاقة من هول
أحداث 11/9 – بين الإرهاب من جهة والعروبة والإسلام من جهة أخرى،
وباتت الشعائر الدينية الإسلامية مثاراً للتوجس. لقد ناشدت الدول
العربية منذ سنوات المجتمع الدولي للقضاء على الإرهاب، وذهبت عبثاً
محاولاتها للمناشدة في عقد مؤتمر دولي لوضع إتفاقية دولية لمكافحته
على غرار الإتفاقية العربية سنة 1998 التي تميز بين الإرهاب
والمقاومة المشروعة للإحتلال، لقد سبق ودعت الدول العربية – ودون
جدوى- الدول الأخرى التي تؤوي الإرهابيين إلى الكف عن ايوائهم
ومساعدتهم( ). إن من يسعى إلى القضاء على الإرهاب عليه أن يسعى
لمعالجة اسبابه ايضاً ويخطيء من يظن أن استمرار الكيل بمكيالين
وتغليب منطق القوة على الحق يمكن أن يدوم( ).
الإتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب:
تم توقيعها في القاهرة في 22/4/1998، وجاء
في ديباجتها: "التأكيد على حق الشعب في الكفاح ضد العدوان
والإحتلال الأجنبي بالكفاح المسلح وجميع الوسائل لتحرير الأرض وحق
تقرير المصير والاستقلال والمحافظة على السيادة ووحدة التراب
انسجاماً مع مبادئ الأمم المتحدة"( ) .
وقطعاً لدابر التردد و"المألسة" الدولية
والزوغان من تعريف الإرهاب، وضع العرب أمام الغير تعريفهم الرسمي
للإرهاب في المادة الأولى:
"الإرهاب كل فعل من أفعال العنف أو التهديد
به أياً كانت بواعثه وأغراضه يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو
جماعي يهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم بإيذائهم أو
تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم للخطر، أو الحاق الضرر بالبيئة او
بأحد المرافق او الأملاك العامة أو الخاصة أو احتلالها أو
الاستيلاء عليها أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر".
وعرفت "الجريمة الإرهابية" في البند الثالث:
كل جريمة أو الشروع فيها ترتكب تنفيذاً لغرض
إرهابي في أي من الدول المتعاقدة أو على رعاياها أو ممتلكاتها أو
مصالحها يعاقب عليها قانونها الداخلي. وتعد من الجرائم الإرهابية
الجرائم المنصوص عليها في الإتفاقيات الدولية التالية، عدا ما
إستثنته منها تشريعات الدول المتعاقدة أو التي لم تصادق عليها.
- اتفاقية طوكيو في 14/9/1963،
الخاصة بالجرائم التي ترتكب على متن الطائرات.
- اتفاقية لا هاي في 16/12/1970،
بشأن مكافحة الاستيلاء غير المشروع على الطائرات.
- اتفاقية مونتريال في 23/9/1971،
والبروتوكول الملحق بها الموقع في مونتريال في 10/5/1984، حول قمع
الأعمال غير المشروعة الموجهة ضد سلامة الطيران المدني.
- اتفاقية نيويورك في 14/12/1973
لمنع ومعاقبة الجرائم المرتكبة ضد الاشخاص المشمولين بالحماية
الدولية بمن فيم الممثلون الدبلوماسيون.
- اتفاقية اختطاف واحتجاز الرهائن
في 17/12/1979.
- اتفاقية الأمم المتحدة لقانون
البحار 1983 ما يتعلق بالقرصنة البحرية.
وفيما يتعلق بعدم الخلط بين الإرهاب والكفاح
المسلح جاء في المادة الثانية من الإتفاقية:
أ. لا تعد جريمةً حالاتُ الكفاح
بمختلف الوسائل بما في ذلك الكفاح المسلح ضد الإحتلال الأجنبي
والعدوان من أجل التحرر وتقرير المصير وفقاً لمبادئ القانون
الدولي، ولا يعتبر من هذه الحالات كل عمل يمس الوحدة الترابية لأي
من الدول العربية.
ب. لا تعد أي جريمة من الجرائم
السابقة من الجرائم السياسية، كما لا يعد من الجرائم السياسية:
1. التعدِّي على ملوك ورؤساء الدول
المتعاقدة والحكام وزوجاتهم أو أصولهم أو فروعهم.
2. التعدِّي على أولياء العهد أو
نواب رؤساء الدول أو رؤساء الحكومات أو الوزراء في اي من الدول
المتعاقدة.
3. التعدِّي على الاشخاص المتمتعين
بحماية دولية بمن فيهم السفراء والدبلوماسيون في الدول المتعاقدة
أو المعتمدون لديها.
4. القتل العمد والسرقة المصحوبة
بإكراه ضد الأفراد والسلطات أو وسائل النقل والمواصلات.
5. أعمال التخريب والإتلاف
للممتلكات الخاصة حتى لو كانت ممتلكة لدول أخرى من الدول
المتعاقدة.
6. جرائم تصنيع أو تهريب أو حيازة
الأسلحة أو الذخائر أو المتفجرات أو غيرها من المواد التي تعد
لإرتكاب جرائم إرهابية.
وعالجت الإتفاقية العربية اسس التعاون
الأمني العربي. أما تنفيذ الإجراءات فجاء في البند الثالث. وسبق أن
وافق وزراء الداخلية على "مدونة السلوك" بالقرار رقم 257 لسنة
1996( ).
إعلان القاهرة العالمي لمواجهة الإرهاب:
قامت مؤسسة الأهرام بالدعوة إلى عقد ندوة
دولية حول الإرهاب في القاهرة في الفترة بين 22-14/2/1997 شارك
فيها ممثلون عن 30 دولة رسميون ومثقفون وخبراء؛ خرجت بإعلان اسمته
"إعلان القاهرة العالمي لمواجهة الإرهاب" جاء فيه:
1. إدانة الإرهاب على أنه فعل
إجرامي غير مشروع ضد الإنسان والاستقرار والتنمية يهدد أمن وسلامة
وتقدم المجتمعات وأمن وسلامة النظام العالمي وضد رفاهية البشرية
ورخائها.
2. الإرهاب جريمة ضد الإنسانية،
وجريمة من جرائم النظام الدولي العام.
3. إحترام الشرائع السماوية
والمواثيق الدولية ومبادئ حقوق الانسان.
4. ضرورة عقد مؤتمر دولي تحت مظلة
الأمم المتحدة لوضع تعريف للإرهاب من اجل التعاون الدولي لمكافحته.
5. التوقف عن قياس الأمور بمكيالين.
6. دعوة المجتمع الدولي لمقاومة
الإرهاب بإقتلاع جذوره ووقف خرق حقوق الإنسان ومنها حق المقاومة
المشروعة.
7. التنديد بإرهاب الدولة.
8. دعوة الدول إلى عدم اتخاذ
اراضيها منطلقاً للإرهاب وعدم مساعدة شبكاته.
9. دعوة وسائل الإعلام إلى الإلتزام
بالموضوعية عند تناول الإرهاب بدون تهوين أو تهويل.
10. دعوة المفكرين إلىممارسة
مسؤوليتهم فإن خير من يعلم هو خير من ينقل إلى الغير علمه وبصيرته.
11. دعوة مؤسسات التربية إلى الوقوف
ضد الإرهاب إبتداء من كونه فكراً مريضاً يغري ويغوي إلىأن يصبح
فعلاً مؤثماً.( )
12. مناشدة المنظمات الوطنية
والإقليمية والدولية الإهتمام بموضوع الإرهاب وإنشاء أجهزة
لمكافحته.
13. التأكيد على أن الإرهاب والجريمة
المنظمة وجهان للعمل غير المشروع.
وقد إنبثق عن الندوة "مركز دولي لمقاومة
الإرهاب" كمنظمة دولية غير حكومية في القاهرة يختص بالدراسات
والأبحاث المتعلقة بالإرهاب وليشكل آلية للتواصل بين المهتمين وبين
الأمم المتحدة وبتعاون من الحكومات حين اللزوم بهدف القضاء على
الإرهاب، وكما يؤمن المركز بضرورة مشاركة المفكرين والخبراء عملياً
فيما يعتبر "معركة المصير".
التعاون العربي لمكافحة الإرهاب:
يجري التعاون العربي في هذا المجال على
مستويات القمة حيث أكد القادة في لقاءاتهم الدورية على شجبهم
للإرهاب واستعدادهم لمكافحته، كما يجري على مستويات أخرى حسب
إختصاصاتها:
- مجلس وزراء الداخلية العرب:
بدأ التفكير في إنشاء هذا المجلس سنة 1977
وعقد أول لقاء له سنة 1982 في المغرب / الدار البيضاء، وما لبثت
تنصب معظم جهوده على مكافحة الإرهاب إثر تصاعد العمليات الإرهابية
منذ مطلع التسعينات من القرن الماضي ، وكانت جلسته المنعقدة في
تونس عام 1992 بداية محاولة التنسيق العربي لمكافحة الإرهاب. وفي
سنة 1993 بحث المجلس وضع استراتيجية لمواجهة الارهاب وتصاعدت جهوده
سنة 1994 بعد تحول بعض الدول عن تحفظاتها بشأن الجماعات السياسية
الدينية. وبحث الوزراء في مدونة لقواعد سلوك الدول الأعضاء لمكافحة
الإرهاب وفي إجتماعهم سنة 1996 تمت الموافقة عليها وتم وضع أسس دعم
التعاون والتنسيق العربي في هذا المجال.
- مجلس وزراء الإعلام العرب( ):
ناقش وزراء الإعلام العرب في اجتماعهم سنة
1993 دور الإعلام العربي في ظاهرة التطرف والإرهاب من حيث وضع
الخطط لمواجهته التي تبحث في كيفية توعية الرأي العام العربي
بالأخطار التي ينشرها الإرهاب من خلال جميع وسائل الإعلام المرئية
والمسموعة والمقروءة بالتركيز على تقديم الدين بصورته الطاهرة،
والإرتقاء بالوعي الثقافي للأجيال الصاعدة ونشر الأخبار التي تخدم
وحدة الأمة بعيداً عن التطرف وعدم نشر الأخبار التي تشجع الإرهاب,
إنعقد أول مؤتمر للإعلام الأمني العربي في تونس سنة 1995 وأقر
وزراء الإعلام استراتيجية أمنية إعلامية عربية( ).
- مجلس وزراء العدل:
دعا وزراء العدل العرب في اجتماعهم سنة 1993
إلى صياغة إتفاقية عربية مشتركة لمنع التطرف وتشكيل لجنة فنِّية
لإعداد مشروع الإتفاقية وتابع الوزراء الموضوع سنة بعد أخرة إلى أن
صيغ بشكله النهائي وتم التصديق عليه من قبل وزراء الداخلية.
- المنظمة الدولية للشرطة الجنائية
(الإنتربول):
عقدت المنظمة الدورة (67) في القاهرة من
22-27/10/1998، صدر عنها إعلان القاهرة لمكافحة الإرهاب الذي تضمن:
1. أدانت المنظمة بشدَّة جميع أعمال
الإرهاب ودعت إلى ضرورة الإلتزام بتنفيذ قراراتها السابقة في هذا
المجال.
2. تدعم المنظمة عقد مؤتمر دولي
لمكافحة الإرهاب بإشراف منظمة الأمم المتحدة لوضع استراتيجية دولية
مشتركة بالتنسيق مع الإنتربول يتخذ التدابير للحماية والوقاية
والمراقبة والمكافحة وقطع مصادر التمويل.
3. تنفيذ خطة عمل دولية بهدف تعزيز
التعاون الشرطي والقضائي بين الدول الإعضاء وتجاوز العقبات التي
تعيق تسليم الإرهابيين، وتبادل المعلومات اللازمة في التحقيقات
وكشف جميع اشكال الإتجار بالأسلحة والمتفجرات والمواد ذات الصلة
المباشرة وغير المباشرة بأعمال الجماعات الإرهابية المنظمة وتجريم
الأفعال المرتبطة بإستخدام التكنولوجيا الحديثة لأغراض إرهابية.( )
4. التزام الدول الأعضاء بالتضامن
الدولي في مكافحة الإرهاب وعدم استخدام أراضيها لإعداد أو توجيه أو
تمويل عمليات إرهابية.
الدعوة المصرية لعقد مؤتمر لمكافحة الإرهاب:
إن مصر تدعمها سوريا والكثير من الدول
العربية والدول الأخرى ما زالت تكرر الدعوة لعقد مؤتمر دولي بإشراف
الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، إذ أنها لا تزال دون غيرها من
المنظمات العالمية المؤهلة والقادرة لوضع المبادئ والسبل لمواجهة
هذا "الطاعون" بشروط يتوافق عليها الجميع صغيراً وكبيراً وبدون
انحياز وبدون إستعمال مكاييل مزدوجة خاصة وأن الأمر يهم السلام
والأمن الدوليين فمن البديهي أن تكون الأمم المتحدة هي حاضنة
المؤتمر:
إن
مؤتمراً كهذا يعتبر التزاماً بقواعد الشرعية الدولية فالأمر يتعلق
بسلام العالم وأمنه.
سيكون
المؤتمر مكملاً لأشواط قُطِعَتْ على هذا الطريق بإتخاذ عدة قرارات.
وهذه القرارات ما زالت بحاجة إلىإطار متناسق يمثل مدونه قانونية
ملزمة تعكس تعاون المجتمع الدولي.
إن إعلان
الأمم المتحدة – في الدورة 49- يمكن إعتباره منهاجاً للعمل الجماعي
الدولي حتى ينعقد المؤتمر المدعو إليه.
ولا يغيب على البال أن الدعوة لعقد هذا
المؤتمر الدولي يجب أن تتكاتف مع الدعوة إلى إصلاح الأمم المتحدة
في إطار نظام دولي عادل ومستقر.
توصيات الندوة العلمية حول تشريعات
مكافحة الإرهاب في الوطن العربي المنعقدة في
الخرطوم( ):
جاء في توصيات الندوة:
• الإلتزام بتعريف الإرهاب كما
ورد بالإتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب.
• عدم إعتبار الإرهاب من الجرائم
السياسية بل من الجرائم التي يتوجب تسليم المجرمين فيها.
• سَنُّ تشريع خاص بالجرائم
الإرهابية الداخلية وعدم ضم نصوص هذه الجرائم إلى قانون العقوبات
حتى يمكن تعديلها من حين لآخر تبعاً للمستجدات.
• تبصير الفئات المتطرفة بالمنهج
الصحيح في الفكر والعقيدة والسلوك وفتح باب التوبة دون مخالفة
لأحكام الشريعة الإسلامية.( )
• وجوب النص على تعويض ضحايا
الإرهاب بتمويل مشترك من جانب الدول وشركات التأمين وغيرها.
• وجوب النص على إختصاص القضاء
العادي بالنظر في هذه الجرائم.
• مراعاة حقوق الإنسان عند القبض
والتحقيق والمحاكمة في جرائم الإرهاب.
• إعتبار الجرائم الإرهابية من
الجرائم الدولية مادامت تعرض السلم والأمن الدوليين للخطر حتى ولو
وقعت الجريمة داخل الحدود الإقليمية ومن قبل جماعات خاصة( ).
• إعتبار إرهاب الدولة في جميع
الأحوال من الجرائم الإرهابية الدولية( ).
• وجوب البحث عن اسباب الإرهاب
والعمل على استئصالها جنباً إلى جنب وبالتوازي مع سبل المكافحة
والتدابير الأمنية من جانب أجهزة الدولة.
النظرة المعاصرة إلى الإرهاب عند العرب:
تتعدد أسباب العنف السياسي في البلاد
العربية على النحو التالي:
1. الأسباب السياسية:
يبدو ومن أول نظرة؛ يستطيع المرء أن يلاحظ
مدى "الإنسداد" الذي وصلت إليه الكثير من أنظمة الحكم في البلاد
العربية لأنها لم توفق في تقديم رؤية وموقف تجاه قضايا أساسية
ومطالب ملحة مستمرة كالديموقراطية، النهضة، الحرية، التنمية،
الحداثة، المعاصرة.. ويتجسد هذا الإنسداد في إهتزاز الوضع السيادي
للدولة في مواجهة الهيمنة الخارجية والسبب نابع من "ميوعة" الشرعية
التي يقوم عليها الكيان. فهناك معاناة حقيقية من التسلط السلطوي في
الحياة السياسية؛ ومعاناه أيضاً من " التكتلية اللاطوعية
التلقائية" التي تفرزها مفاهيم وتَحَيُّزات إما موروثة إصبحت لا
تلائم العصر أو إصطناعية ضد روح العصر. ومازالت الخلفية الذهنية
للمتحكم مغروسة في "القرووسطوية" بتقاليد سلطانية.
وهذا أدى بالطبع وسيؤدي دائماً في سبيل
السعي السلطاني للحصول على الشرعية إلى اللجوء إلى العنف لأنه من
المستحيل الحصول عليها بالتنأييد الطوعي – اي البيعة بالسيف- مع كل
ما في ذلك من ثمن باهظ حطم قدرة المجتمع. فصارت الساحة ساحةً لصراع
استنزافي بين القوة التي تبحث عن الشرعية يقابلها قوة الرفض؛
فإنتشر القمع. الأمر الذي وَلّدَ مسالك أخرى للتعبير ضد الهيمنة
الماحقة. وتعاظمت هذه الوسائل من قبل الطرفين ومع تعاظمها تعاظم
الإنسداد السياسي أيضاً فتوالت التفجرات.
إن ما كشف عنه إنهيار الحكم في العراق
واحتلاله من قبل القوات الإمريكية، والمقابر الجماعية لعشرات
الأولوف، وانهمار سيول من الحاقدين والحاقدين المضادين على التنظير
علينا في الفضائيات "المُجَهَّزَة" والتي كانت على أهبة الإنتظار
خير دليل على ذلك، كما أن الذبح الوحشي العجيب الذي مارسه الجزائري
ضد الجزائري كان شاهداً ايضاً على مدى "الإنسداد" مدار الحديث،
ولا يمكن في هذا المجال إلا التذكير بما وقع في لبنان إبان الحرب
الأهلية التي استمرت ستة عشر عاماً( ).
2. الأسباب الإقتصادية والإجتماعية:
يلاحظ المتتبع لحوادث العنف المنتشر في
إرجاء البلاد العربية أن "حواضنه" هي تنظيمات نابعة من مناطق اشبه
بأحزمة البؤس تحيط بالمدن الكبرى، أو من تنظيمات طفيلية
"تَعَرَّقَتْها" السلطانية المهيمنة على الدولة. يدخل في ذلك العنف
والعنف المضاد المتفاقم والذي يفصح عن خلل لا أقول مزدوجاً سياسياً
واقتصادياً فقط، بل خلل متسلسل لا يتوقف عند حد. هناك معادلة اكيدة
وهي أن العنف يتناسب مع التوازن في توزيع الأشباع، يزداد العنف أو
يتناقص تبعاً للعدالة في التوزيع - في حال ثبوت عوامل أخرى أهمها
الظروف الدولية-.
لقد فشلت التنمية العربية "الليبرالية" منها
"والجبرية" فانهارت احلام مُدَّعي الاشتراكية- حتى قبل انهيار
الإتحاد السوفيتي – العرب، وتبعها محاولات "التكفير عن الخطيئة"
بالخصخصة وفك القيود الاقتصادية إلى الدرجة التي استقالت فيها
"السلطة" من وظائفها الاقتصادية. فزحفت على البلاد العربية آفة
المديونية تفتك بإقتصادها( )، وَوَقَفَتْ في معظمها لا حيلة لديها
إلا "الصغار" أمام المؤسسات الدولية الهَيَمناتِية الإقتصادية.
هذا الفشل الإشتراكي "والمُلَبْرَل"، خلق في
البلاد العربية فقرأ في الغذاء، وإهمالاً في الريف واقتصاداً
تابعاً ولد تشوهات رهيبة في الثروة واقتصاد كماليات وليس اقتصاداً
يسد الحاجات. وكانت المحصلة تركيز الثروة في يد هوامير قلة وشعوباً
نسبة الأكثرية منها "تقبعَ" على خط الفقر أو تحته. ومن البديهي إذن
لوضع كهذا أن يُفَجِّر قنابل مدمرة ودفاعاً أعمى عن النفس تتأطر في
تنظيمات للعنف يتسابق على الإنحشار فيها أرتال من حملة الشهادات
العاطلين إضافة إلى المهمشين من فوق أو من تحت تتلاعب بهم جميعاً
عولمة عناكبية( ).
3. القضية الفلسطينية:
ليس المجال هنا هو التعمق في القضية
الفلسطينية، ولكن التنويه إلى أن زرع الكيان الصهيوني في المفصل
الذي يربط مشرق العالم العربي بمغربه حتى يحول دون توحيدهما( )،
وقهر الشعب العربي في فلسطين وتشتيته في بقاع الأرض، وتزويد
إسرائيل بالقوة الكافية لتتطاول على العالم العربي منفرداً أو
مجتمعاً لإبقائه حبيس الضعف والوهن والإنحطاط؛ ومسخ مبادئ القانون
الدولي في كل أمر يتعلق بالقضية، كل ذلك جعل منها "جوهر" الصراع في
الشرق الأوسط مما ترتب على هذا الجوهر أنه من المستحيل حل أية قضية
في المنطقة إذا بقيت القضية الفلسطينية بدون حل عادل وشامل.
لذلك فإن سبب الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط
والممتد منه إلى خارج المنطقة لا يتم القضاء عليه والسيطرة على
تفرعاته إلا إذا توصل الشعب الفلسطيني إلى تحقيق حقوقه المغتصبة
باسترداد أرضه وحقوقه غير القابلة للتصرف وإقامة دولته على أرضه
وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين إلى وطنهم( ).
لقد دعى المجلس الوزراي لجامعة الدول
العربية المنعقد في القاهرة الدول التي تساعد إسرائيل وخاصة
الولايات المتحدة أن لا تزيد في تعميق شعور الإحباط والنقمة لدى
الشعوب العربية. وفي هذا الصدد يرفض المجلس اعتبار ما تقوم به
اسرائيل من ممارسات وعدوان وكأنه يتم في إطار ممارسة الدفاع عن
النفس( ) كما يرفض مساواة المقاومة بالإرهاب. إن قيام إسرائيل
بتشبيه ما تقوم به من إجرام و"إرهاب الدولة" ضد الشعب الفلسطيني
بما قامت به الولايات المتحدة إزاء الإرهاب الدولي إثر إحداث
(11/9) يؤثر في مصداقية العمل الدولي ضد الإرهاب، مما يجعل من
الْمُتَعيَّن – إذا ما قُبِلَ هذا التفسير – إعادة النظر في
التعاون الدولي ضده( ).
وبذا يكون وزراء الخارجية العرب قد خطوا
خطوة مهمة جداً بتلويحهم بأنهم سيكونون مضطرين لإعادة النظر في
إنضمامهم إلى التعاون الدولي لمكافحة الإرهاب إذا ما أخذت إسرائيل
بتشبيه قمعها للفلسطينيين بالحملة الأمريكية ضد الإرهاب- رغم أن
استراتيجية شارون/ رئيس وزراء اسرائيل قد نجحت في مقولتها بأن
الحملة ضد الإنتفاضة هي جزء من الحملة العالمية ضد الإرهاب-.
لذلك فإن مصداقية واشنطن – في نظر العرب- في
محاربة الإرهاب هي رهن الإختبار في وضع حد "لإرهاب الدولة" المنظم
الإسرائيلي، وغير ذلك لن يعني عند العرب غير الرغبة بإهانتهم
وإنكار حقوقهم وتسويق الشرعية للإحتلال الإسرائيلي( ).
كما ان العرب في إدانتهم للعمل الإرهابي في
أمريكا يوم 11/9 يدعون إلى التمييز ما بين الإرهاب الدولي والحق
المشروع للشعب الفلسطيني في مقاومة الإحتلال وبجميع الوسائل، كما
يدعون إلى ضرورة التوصل إلى اتفاق دولي تحت مظلة الأمم المتحدة
يُعَرِّف الإرهاب الدولي بدقة ويبين أسبابه ووسائل معالجتها. إن
العرب ينبذون جميع اشكال التفرقة العنصرية ويؤمنون بالتسامح
والتعايش على اساس من الحقوق الشرعية والإحترام المتبادل ويؤكدون
على أهمية التفاعل بين الثقافات والحضارات إرتكازاً على ما جاءت به
الديانة الإسلامية، ويدحضون المزاعم حولها( )، ويرفضون إلصاق تهمة
الإرهاب بالعرب والمسلمين ويستنكرون المضايقات التي يتعرض لها بعض
العرب والمسلمين في العديد من الدول الغربية. ويجدد المسؤولون
العرب الرفض المستمر والأدانة للإرهاب بكل أشكاله ويقفون مع حق
الشعوب في مقاومة الاحتلال( ).
إن جهود جامعة الدول العربية مركزة على
مكافحة الإرهاب بما توصلت إليه من "مدونة سلوك" إلى "اتفاقية
شاملة" إلى استراتيجية أمنية وإعلامية مع التأكيد باستمرار على
التمييز بين الإرهاب وحق الشعوب في المقاومة والرفض القاطع لإلصاق
تهمة الإرهاب بالعرب والمسلمين استناداً إلى مبادئ الاسلام السمحة
التي تنبذ العنف بجميع اشكاله( ). فمثلاً يدين الرئيس الفلسطيني
ياسر عرفات بوضوح وجلاء الهجمات التي تقوم بها جماعات إرهابية ضد
الاسرائيلين المدنيين، ويصف تلك الجماعات بأنها لا تمثل
الفلسطينيين ولا تطلعاتهم المشروعة نحو الحرية، "إنهم عبارة عن
منظمات ارهابية"، وقد عقد العزم على وضع حد لنشاطهم ولا يرى أية
درجة من التعسف أو أي مستوى من الإحباط يمكن أن يشكل مبرراً لقتل
المدنيين الأبرياء، ويؤكد إدانته للإرهاب وقتل المدنين الأبرياء
يهوداً كانوا أم فلسطينيين أم أمريكيين سواءاً جاء قتلهم من
متشددين فلسطينيين أو مستعربين إسرائيليين. ومن أجل وضع حدٍ
للإرهاب "علينا أن نفهم أن الإرهاب ببساطة هو مجرد مظهر وعَرَضٍ
وليس هو العلة"( ).
أما الإرهاب فقد كلف الجزائر حتى 1995 مائة
ألف قتيل وعشرين مليار دولار وهو المبلغ الذي يساوي مديونية
الجزائر التي تتطلب خدمتها أربع مليارات دولار سنوياً. والإرهاب
لدى الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة ليس مثل الكولسترول منه
الحميد ومنه السئ بل هو كله سيء وسوء.( )
بينما يرى اتحاد الصحفيين العرب أن دعم
الإنتفاضة والتمسك بالتمييز بين الإرهاب والعنف وحق مقاومة المحتل
واجب اساسي للمواطن العربي حاكماً أو محكوماً. كما أن احتلال
العراق كدولة من دول ما أسمته امريكا محور الشر، وإدراجها دولاً
عربية واسلامية على قائمة المرشحين للضرب والعقاب؛ والإفراط في
تصنيف منظمات المقاومة الفلسطينية واللبنانية والعربية والاسلامية
ضمن منظمات الإرهاب "يمثل تهديداً صريحاً للأمن القومي العربي كله
ويُشَوِّهُ الحق الشرعي الرئيسي لأي شعب في مقاومة الإحتلال".
وطالب اتحاد الصحفيين العرب القادة العرب بتوضيح معنى المقاومة
والإرهاب وشرحه حتى لا تختلط الأمور وتتوه الحقائق وسط هدير الحرب
ضد الإرهاب التي استغلتها اسرائيل لتحقيق مآربها على حساب الشعب
الفلسطيني خصوصاً والأمة العربية عموماً.
وتواجه الأمة تحديات التنمية الشاملة التي
تكفل العدالة الإجتماعية وتحارب الفقر والبطالة والغلاء، كما تواجه
تحدي التطور الديموقراطي السلمي والسليم الذي يطلق الحريات بما
فيها حرية الصحافة والرأي والتعبير وتنشيط المشاركة الشعبية في صنع
القرار وتحريك منظمات المجتمع المدني لتستعيد المجتمعات العربية
عافيتها وتلحق بركب الديموقراطية في كل ارجاء العالم( ).
ودفاعاً عن المصلحة العربية العليا حين وقعت
الواقعة في 11/9/2001 في أمريكا وما شكلته من تحدٍ جديد للعرب
والمسلمين لتشويه صورة الاسلام والمسلمين أو لتمرير اجندات معينة
والتعرض للعرب والمسلمين في كل مكان؛ أجرت قيادة القمة العربية –
جلالة الملك عبد الله الثاني- الاتصالات بالقيادة الامريكية
والمسؤولين الغربيين وبينت الموقف العربي كالآتي:
أولاً: يدين العالم العربي الارهاب بكل
اشكاله. إن العقيدة الإسلامية السمحة بريئة من كل هذه التهم
الباطلة. إن أي محاولة للربط بين الاسلام والإرهاب هي بحد ذاتها
شكل من اشكال الإرهاب وإعتداءٌ ظالم على الإسلام والمسلمين،
فالإرهاب ليس له دين معين أو شعب دون غيره من الشعوب.
ثانياً: يرفض العالم العربي بشدة أية محاولة
لإستغلال أحداث 11/9 لضرب أي قطر عربي أو تحميله المسؤولية عن هذه
الأحداث أو الوقوف وراءها، كما أن محاولة الربط بين هذه الأحداث
وما يجري في الأراضي العربية المحتلة من قبل اسرائيل أمر مرفوض ولا
أساس له من الصحة.
ثالثاً: ينبغي أن لا تقتصر مكافحة الإرهاب
في العالم على الأعمال العسكرية. ولا بد من ايجاد الحلول الجذرية
والعادلة للعديد من المشاكل السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي
يعاني منها العديد من شعوب العالم، فالإحباط واليأس والفقر والشعور
بغياب العدالة في أي مكان من هذا العالم يمكن أن تشكل بيئة خصبةً
لتفشي العنف والإرهاب. وقد حذر جلالة الملك عبد الله الثاني أمريكا
من نقل الحرب على الإرهاب في أفغانستان إلى أي قطر عربي أو تحميله
المسؤولية عن هذه الأحداث أو الوقوف وراءها منذراً من فوضى هائلة
وعدم استقرار هائل، إذا ما تم استهداف اي قطر عربي في إطار الحملة
على الإرهاب( ).
أما الرئيس اللبناني إميل لحود فقد
بين في كلمته حين بداية رئاسته القمة العربية في بيروت أنَّ دعوة
الشعب الواقع تحت الإحتلال إلى وقف العنف ضد المحتل لا تَضْمُر إلا
تكريس الإحتلال واستقراره وآمنة إلى الأبد. إن الخطر يكمن في قبول
مبادلة وقف المقاومة والإنتفاضة بوقف العنف وليس بجلاء المحتل
واستعادة الحقوق المغتصبة. إن الإحتلال هو الإرهاب الأكبر. فكيف
يتناسى الأمريكيون والأوروبيون أنهم قد حرروا بلادهم بالمقاومة؟
وكيف يتناسون بأن جماعات الإرهاب التي يتهمون العرب بها إنما نشأت
معظمها على أياديهم؟ أما نحن فيطلبون منا أن ندفع الثمن مرتين مرة
عندما كانوا أصدقاءها ومرة أخرى عندما أصبحوا أعداءها. إذا قبلنا
بتلك المبادلة نكون قد تنكرنا لتضحيات الآف الشهداء ونكون قد خسرنا
القضية( ).
وفي حديث الرئيس السوري بشار الأسد أمام
القمة تطرق إلى النقاط التالية عن الإرهاب:
- نرفض الإرهاب بدوافع مختلفة قبل
الدوافع السياسية، هناك دافع اخلاقي فالعرب على دياناتهم المختلفة
يرفضون الإرهاب.
- وبدوافع انسانية ترفض الشعوب
العربية الإرهاب لأنها أكثر شعوب الأرض التي تعرضت للإرهاب لذلك
فهي تعرف جيداً مآسيه، تعرضت للإرهاب بمعنى الإحتلال والإضطهاد
والقتل عبر التاريخ،" يا للعجب كانت النتيجة أن العرب يُتهمون
بالإرهاب. وأتهم أيضاً الإسلام بالإرهاب وأصبحت إسرائيل دولة
مكافحة للإرهاب وأصبحت المقاومة إرهاباً! إن الخطر الأكبر يكمن في
تشويه المصطلحات.
لقد نسي الأمريكان والأوروبيون أنهم
أول من هيأ الأرضية للإرهاب وفتحوا المجال للتحويلات المالية
للإرهابيين وللتسهيلات الإعلامية التي كانت تتيح المجال لهم لنفث
السموم في عقول الآخرين؛ وهم يعرفون جيداً أن الإرهابيين لم ينشأوا
في البلاد العربية. إنهم يتجرأون علينا ويحددون من منا إرهابي ومن
هي الدولة الإرهابية ويطلبون منا أن نلتزم الصمت ونلتزم ونقتنع بما
يقولونه! لا يحق لهم أن يحددوا قيمنا ولا مصلحتنا ولا مبادئنا.
طالبناهم بالتفريق بين المقاومة والإرهاب ولكنهم تهربوا. إنهم
يكافحون عدواً لا يعرفون بنيته. نحن كعرب نعرف الإرهاب ونفرق بينه
وبين المقاومة؛ والفرق بينهما واضح كالفرق بين صاحب الحق ومغتصب
الحق. ولا توجد لديهم رغبة في تعريف الإرهاب. على كل حال بالنسبة
لنا إن اسرائيل هي نموذج حي للإرهاب لأنها تحتل أراضينا
وَتُهَجِّرُ أهلنا وتبيد شعبنا. نحن الأقدر على إعطاء شهادة حسن
سلوك بالنسبة لموضوع الإرهاب ولا داعي لأحد أن يزاود علينا.
بالنسبة لنا الإرهاب يأتي من إسرائيل وأي طرح للإرهاب في العالم
نراه عبر هذا الإرهاب . "وعلى العرب أن يقولوا لبوش نحن لسنا
مستعدين للتعاون معكم في مكافحة الإرهاب ما دمتم تساندون إرهاب
الدولة الاسرائيلي( ).
حوار الحضارات تواصل لا صراع
دعت جامعة الدول العربية لمؤتمر تحت
عنوان "حوار الحضارات تواصل لا صراع" في الأسبوع الأخير من شهر
نوفمبر/2001 صدر عنه بيان ختامي تحت عنوان بيان القاهرة الثقافي
يعكس ما يفكر به رجال الفكر في العالم العربي تجاه الموضوع، وأهم
ما جاء في البيان:
• إدانة تفجيرات 11/9/2001 في
واشنطن ونيويورك.
• شجع المؤتمر المجتمع الدولي إلى
وجوب التفريق بين الإرهاب الذي ضرب أمريكا في 11/9 والمقاومة
المشروعة للشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة.
• لقد عانت الشعوب العربية قبل
غيرها من الإرهاب كظاهرة عالمية، والشعوب العربية ترفضه مهما كانت
دوافعه ومبرراته.
• يرحب المؤتمر بإنشاء مفوضية
لحوار الحضارات في الأمانة العامة للجامعة العربية برئاسة سمو
الأمير حسن بن طلال/ ولي عهد الأردن السابق.
• يؤكد المؤتمر على أن هناك قوى
خارجية وعوامل داخلية ساعدت على ايجاد الفكر المتطرف، كما يؤكد على
أن رفض اسرائيل الإعتراف بحق الشعب الفلسطيني واستمرار عدوانها على
الفلسطينيين هو وراء هذا الفكر المتطرف.
• الحاجة ماسة إلى صياغة سياسات
ثقافية فعالة لمواجهة التدهور الثقافي والإجتماعي ودعوة الدول
العربية لإعادة النظر في برامجها التربوية والثقافية( ) وتشجيع
البحث العلمي( ) ووضع حد لهجرة العقول العربية مما يوفر الطاقات
العربية للمساهمة الجادة في التنمية والتحديث، ودعوة الحكومات
والمؤسسات الثقافية في الأقطار العربية إلى التفاعل مع النقلة
النوعية التي هيأتها ثورة الإتصالات والمعلومات واستثمارها في
مواجهة الحملات على الثقافة والحضارة العربية الأسلامية.
• رفض التدخل الخارجي، وإقامة
العدالة في العلاقات الدولية والتعامل على قدم المساواة بين
الثقافات والحضارات.
• إن ترويج ثقافة السلام تستلزم
العدالة في تسوية النزاعات الدولية طبقاً للشرعية الدولية.
• إقامة نظام انساني جديد يقوم
على احترام حقوق الاسنان دون تفريق أو تمييز.
• على مراكز البحوث العربية دعوة
الباحثين الغربيين إلى التفهم الصحيح لقضايا العالم الثالث ودعوة
الحضارة الغربية إلى اتخاذ مواقف صريحة وخطوات واضحة لإحترام
الحضارات الأخرى والدخول في حوار معها.
• على جامعة الدول العربية أن
تقوم بالتنسيق مع منظمة المؤتمر الإسلامي لعقد إجتماع موسع
لمناقشة العلاقة بين الحضارات من كافة جوانبها من منظور اسلامي.
وكذلك عقد مؤتمر على المستوى الدولي بمشاركة مفكرين من مختلف
الثقافات لتدارُسِ هذه المسألة.
• تبنى المؤتمر برنامج عمل يتضمن
انشاء صندوق لدعم هذه المبادرة الثقافية العربية لتلقي التبرعات
والمساهمات وإنشاء منتدى لتحقيق أهداف المبادرة( ).
وعلى العموم، فإن جميع الحكام العرب
والمسلمين قد نبذوا العمل الإرهابي وبالذات الهجمة على نيويورك
وواشنطن في 11/9، هجموا وبحماس يشجبون ويتوعدون الفاعلين وبنفس
الوقت يتعاطفون مع الشعب الأمريكي علماً بأن من بين الضحايا حوالي
ثمانمائة مسلم وعربي. ولكن لماذا تَجَسَّدَ كل هذا الحقد والغضب
الهائل في عملية 11/9 الذي يتناقض مع الرغبة العالمية للتعايش
وألأمان والسير قدماً على طريق الإزدهار؟ ولماذا وقع النكوص الهمجي
الذي فجر حرباً عالمية؟
تبين لنا سابقاً أن جميع العرب رسميين وغير
رسمين لفتوا نظر السلطة الأمريكية لا بل حاولوا إقناعها؛ لا بل
توسلوا إليها( )، ولكن دون جدوى. إن جوهر مشكلة الإرهاب يكمن في
الظلم وخرق المبادئ والإنتهاكات التي حلت بالشعب الفلسطيني وخلقت
القضية الفلسطينية؛ وأن حلها سيهيء الطريق الصحيح لأمريكا والعالم
للقضاء على ظاهرة الإرهاب. إنّ مفاتيح حلها بيد أمريكا ولولا
مساندتها ودعمها لإسرائيل لما إستطاعت إرتكاب مجازر ضد الشعب
الفلسطيني ولما أهانت وإستهانت بالقانون الدولي والقرارات الدولية
التي تجرعها العرب رغم إجحافها من أجل إحترام الإرادة الدولية-
المُوَجْهَة- وتجنباً لما هو أسوأ. وتَوَجَّهَ الغضب الظاهر
والمكبوت إلى أمريكا لأنها السبب في الظلم الذي يحل بالشعب
الفلسطيني( ).
وأمام فشل المساعي الرسمية العربية في تغيير
الموقف الأمريكي- يتساوى هذا الفشل مع فشل مساعي حركات التحرر
العربية- تسلمت التيارات الدينية الصاعدة قيادة توجيه "الغضب
العربي". لقد فشلت السلطات الرسمية العربية ومعها الأحزاب
السياسية، والحزب السياسي الأوحد أحياناً( )، والأحزاب السياسية
الرخوة – وما هي بأحزاب- أحياناً أخرى، فَشِلَتْ جميعها في تحقيق
أية خطوات إيجابية حتى ولا أدنى حد من التفاهم أو التنسيق في جو من
الأحكام العرفية القمعية التي تتباهى وبصلافةٍ برفع شعارات التحرر!
"وإغتيال الفاسدين في المجتمع" فكثرت موجات العاطلين عن العمل وصار
الفقر والفقراء عنواناً، لقد أسهمت السلطات الرسمية ومعها التيارات
الفاشلة في فتح المجال لتيارات جديدة ركب موجتها "مزورون" تدثروا(
) أحياناً أسمالاً دينية – والدين منها براء- منتهزة الأخطاء
المستشرية في الساحة السياسية. وطبيعي أن يتسلق وراء هذه التيارات
الكتل الهائلة من الغضب والغاضبين لأنه حينما لا يتمكن الإنسان من
التنفس سياسياً يتنفس بالعنف معبراً عن احتجاجه؛ والمعادلة معروفة
عملياً وهي:
"حينما لا يسمح للوسائل السياسية
بالعمل؛ يصبح العمل بالوسائل غير السياسية مشروعاً، وحينما يغلق
الأمل في حرية الرأي يتم اللجوء إلى المعابد لممارسة حرية في منأى
عن رقابة شرطة الفكر".
والمتتبع لتلك التيارات( ) سيلاحظ بدون عناء
أنها جميعها قد "بزغت" من حضن النظام أو تم تصنيعها في مكان ما وتم
دسها في رحم النظام- على طريقة أطفال الأنابيب- في محيط لا
تُحْتَرَمْ فيه حقوق الانسان مُشْبَعٍ بالفساد والإنحراف بشتى
صنوفه.
وإنجذاب جزء من هذه التيارات عن علم أو عن
جهل إلى تيار عالمي – كل وجوده ونشوئه وتطوره وافعاله خاضعة للشك
قبل الجدل- وأعلن الحرب على أمريكا.
وأصبح العالم بين قطبين أحدهما الإرهاب وفيه
مسلمون، وعن هذا التيار صدرت الأوامر لأعوانه وبدأت الحرب ضد
امريكا. واستولى المتطرفون- الذين تم تفريخهم أو "تَفْسِيلَهم" في
مخابر ومزارع "إرهاب الدول"- على الإسلام وعملوا منه سنارة
لمشروعية تحركهم في عملية فرز قاسية: "من ليس معنا فهو ضد
الاسلام". وبعد هجمات 11/9 قامت امريكا -القطب الآخر- بالإستيلاء
على "الحق" في تحديد من هو ارهابي ، ترفض أي سؤال أو نقاش أو حوار
حول الموضوع. وطرح بوش الإبن مشروع عملية فرز قاسية أيضاً "من ليس
معنا فهو مع الارهاب".
فأصبح في العالم قطبان: إرهاب؛ وامريكا. هذا
الجنون الدولي هو ابرز ما في العالم الآن.
والحل حسب جميع المشارب العربية للخروج من
هذا النحس لم يعد مستحيلاً وهو : حل القضية الفلسطينية بعدالة
دولية بالتوازن مع إحلال الديمقراطية.
وحينها سيتوارى الذي يبث الإدعاء بأن العرب
هم المُنْتِج العالمي الأكبر للإرهاب أو أنهم الأكثر استعداداً
وميلاً نحو الإرهاب( )، وسيتم دحض تهمة "أن الأصل الأصيل هو البنية
غير العقلانية للدولة العربية الحديثة سواء كانت بنية قبلية
عشائرية منذ البداية إلى النهاية أم بنية مدنية مختلطة، هذه البنية
صاحبة الرصيد الغني بالإرهاب. الدولة العربية كانت ولا تزال تحمل
في بنية تكوينها تبريراً مباشراً لإرهاب المعارضة السلفية لأنه لم
يكن بمقدروها في أي يوم أن تتخلى عن اوتوقراطيتها المعلنة ولا عن
طلب الشرعية من السماء.
4. الأسباب الدينية:
إذا كان صحيحاً أن أكثرية التنظيمات التي
تستخدم العنف كأداة سياسية في البلاد العربية هي تنظيمات تحمل
تسميات اسلامية إو تتخذ الاسلام عقيدة لها، فمن الخطأ الفهم أن
جذور العنف هي في الإسلام كما يذهب الكثيرون إلى الاعتقاد بذلك، بل
إن منظومة القيم النابعة من والمشبعة بالعقيدة الاسلامية تتعارض مع
المنظومات الجديدة للقيم بل وترفضها ، وتتعسر في التكيف معها
وبالتالي تصنفها بأنها انحراف عن الدين والاخلاق بل هي بدع تستحق
الرجم؛ بينما يُنصِّبُ البعض من نفسه مسؤولاً فينهال على تلك القيم
الجديدة بل وعلى الدولة وعلى المجتمع بأكمله بالتكفير ويلجأ إلى
تطبيق التعاليم الالهية باقامة الحد على الضلال وتطبيق المناداة
بالمعروف والنهي عن المنكر والمناداة بالجهاد. ولكن هناك الكثير من
العلماء والمفكرين الاسلاميين قد دحضوا دعوى الجهاد ضد مسلمين –
علماً بأنه لم يثبت اجماع على جهاد ضد الدولة – مهما كانت الظروف
و" اعتبروها " غلواً". ولكن الواقع أمر مختلف والحقائق تبين أن سفك
الدم الاسلامي منتشر وبفتاوي رجال حُجِّيتَهُم موضع شك وأصبح ما
ارادوه جهاداً أقرب إلى " الفتنة".
وهناك زيف فيما يسمى حداثة (أو معاصرة أثارت
رفضاً ومقاومة من قسم كبير من المجتمع يلتزم بتراثه يتصدى
"للتغريب"). والصحيح أن هناك تحولات في القيم تستفز مشاعر الناس
الدينية، ولكن صحيح أيضاً أن " التَّحَجُّر" -ضمن قوالب إما مغلوطة
أو لم يعد منها فائدة أو ليس صدقاً أنها من اصالتنا- ليس مقبولاً
ولا يمكن الاستمرار في السكوت عليه. إن ابداء مقاومة سلبية لا تصنع
حضارة بل تستنفذ تاريخاً مجيداً أو تحكم على نفسها بالانعزال خارج
الحدث. لا علاقة للدين بذلك الأمر الذي يتوجب صونه من خلل ألمؤولين
( ). ولا بد من إصلاح وضع أئمة وخطباء المساجد الذي يشوبه الكثير
من المخالفات الشرعية وعدم العمق الشرعي( ).
5. الأسباب الثقافية:
هناك فقر مدقع يعتري " الثقافة السياسية "
على حد سواء عند من يعتلي السلطة وعند مَنْ يقف معارضاً لها، بل
وهناك بالاضافة إلى الفقر " زيف " ومساحيق تجمل الوجوه البشعة أو
أقنعة تحجب الحقائق. فنرى الذي يتغنى "بالمعاصرة " يُبطن " الرجعية
" ويقيم الحكم على قواعد " سلطانية ". والسلطة تمثل العنف لأن
ثقافتها اعتادت على " تأليه الذات" وتحيط نفسها بطقوس فرعونية
وتسوس "الرعية " بالحُقْرَةِ " والسوط كما القطيع. والمعارضة لا
تختلف عنها في ذلك فإذا كانت تتسمل بلبوس " الاحزاب السياسية "
فثقافتها طائفية، شخصية، جهوية، قبلية( ). وتمخض الجمل الثوري في
البلاد العربية فولد فأراً "يقرقط" كل الكتب والمنشورات عن التقدم.
إن سطحية الثقافة لدى السلطة ولدى المعارضة( ) ولدت فهماً مشتركاً
خاطئاً للمجال السياسي بأنه " حلبة صراع " يدخلها الواحد منهما على
أنه قاتل أو مقتول. ونتيجة ذلك دفعت البلاد ثمن هذا التخلف الفهموي
الثقافي دماً ومالاً وتراباً وتاريخاً وتحوَّلَ المواطنون إلى
أزلام والأفكار إلى حجارةٍ للتراجد والمتنفذين إلى مُلْهَمين
واختلط الحابل بالنابل وتشكل ميدانٌ خصبٌ للعنف. |