الدكتور خالد عبيدات

عودة إلى الصفحة الرئيسية

الفصل الحادي عشر:
 الإرهاب والمملكة الأردنية الهاشمية

نظرة عامة :

            الأردن دولة فريدة بين دول العالم من حيث الولادة والتكوين والتاريخ والجغرافيا، تكاد أن تكون لا مثيل لها على الإطلاق. فهي صغيرة الحجم مساحة وسكاناً، ولكن آمالها وطموحاتها لا تتناسب إطلاقاً مع ذلك الحجم لأنها حملت منذ البداية على أكتافها آمال أمة، كما حملت إرثاً تاريخياً فأصبحت مسؤولة وبإرادتها عن ضمان الحفاظ على هذا الإرث حياً متفاعلاً مُتَّقِداً وقاعدةً لمستقبل أفضل ليس للأردن فقط بل وللأمة العربية والأمة الإسلامية.

            لم يكن تفكير الأردن ومنذ ميلاده إلا إنسانياً عالمياً وقومياً منفتحاً ووطنياً منتمياً، وما كان في أية لحظة إقليمياً منغلقاً رغم تَوسُّطِهِ مصر والسعودية والعراق وسوريا وفلسطين. فعاش هموم أُمَّتِهِ وكأن لا هموم له خاصة به، وعاش لمستقبلها وكأن مستقبله الخاص به أمر ثانوي جداً. فِكرَّسَ ذاته من أجل إقامة وحدة بلاد الشام ومن أجل القضية الفلسطينية بالقدر الذي كان بإمكانه أن ينتزعه من بين أنياب ومخالب قوى الشر المهيمنة التي لم تكن تريد خيراً للمنطقة. كان هم تلك القوى الخير لنفسها فقط، والفتات المتعفن تمنحه لوكلائها ليستمروا حائلاً دون طموحات الأردن التي هي طموحات الأمة عامة( ).

            حينما كانت تتجذر الإقليمية في المنطقة نتيجة للغرس الاستعماري؛ بقي الأردن واستمر محافظاً على نشأته الإنسانية القومية، وحينما كان يتفاخر نتاج الإقليمية بذاتيتهم كان يُصرُّ الأردن على ضرورة الوحدة مؤمناً بمبادئه التي تَسَلَّمَ رايتها من الثورة العربية الكبرى غير مبالٍ بالصعاب، فهو أصلاً من أجل إجتيازها، فنشأ ملاذاً آمناً-رغم الضغوط- لكل الوحدويين من أبناء الأمة. وكادت شدة الضغوط الخارجية عليه أن ترغمه على تغيير مبادئه وأن تعصف به لولا حنكة قيادته الهاشمية واستقرارها وصدق ونقاء إلتزامها بأصالتها. فعاش الأردن برعاية عنايتين: حنكة القيادة ذات الإرث التاريخي مما أعطى للأردن قوة عصيَّة على الضغوطات الخارجية من جهة، ومن جهة أخرى إلتزامه بالأصالة مما وفر له مكانةً في سواد قلب جماهير الأمة. عنايتان رعتا الأردن فعاش متعاظماً في كنفهما القيادة المستقرة ولا خلاف عليها، واحتضان الأمة العربية والإسلامية؛ فاجتاز الأردن بفضلهما كل الصعاب بل ووصل أحياناً إلى تعدي ربما المستحيلات فنجا مرات عديدة من هلاك محتوم. فالشعب في الأردن عَكَسَ   تاريخ الأمة وانشدَّ إلى أمان مستقبلها.

            وكان الأردن ديمقراطياً منذ بداياته وبالقدر الذي كانت تسمح به الظروف، فاعتاد على الحياة النيابية منذ 1930 رغم العواصف التي كانت تعصف في المنطقة بين الفترة والأخرى، ورغم إفرازات القضية الفلسطينية التي كانت دائماً قضية الأردن الأولى قبل وأثناء وبعد الأندماج في وحدة المصير الأبدية. وفي الوقت الذي كانت تُزْهَقُ فيه أرواح المعارضة السياسية في المنطقة لأبسط الأسباب لأن صدر الحكم في بعضها لم يكن يتسع لأي نوع من أنواع المعارضة، لا ولا حتى النقاش، كان الأردن واحة أمن وأمان وإستقرار. ويحق للأردن أن يفتخر بأن أحداً فيهِ لم يفقد حياته بسبب موقف سياسي أو حتى بسبب مؤامرة إنقلابية عسكرية .. فكان متسامحاً دائماً؛ لا يكره المذنب بل يكره الذنب بحد ذاته، فصفح عن كل من أذنب فإذا بالمُذنب يعود من جديد إلى أحضان وطنهِ يبني كما يبني الآخرون بكل عزم وإصرار. والأمثلة كثيرة في هذا المجال وليس أقلها مَنْ تآمر راكباً موجة "موضة" الإنقلابات العسكرية( ).

            كان كل هم "الحسين" الباني، وكل هم جده المؤسس أن يجعلا من الأردن النموذج الرائع بتعاون شعبه الوفي المخلص، فوصل إلى المستوى ليس بالبعيد عن الطموح المأمول رغم قلة وشح موارده الاقتصادية. صحيح أن الأردن "كائن سياسي" بالخِلْقَةِ ولكنه إستطاع أن يتكون إقتصادياً أيضاً بسواعد وعقل أبنائه الذين نفروا يبنون أرجاء وطن الأمة إقتصادياً بنفس العزم –بل وأكثر- الذي نظروا فيه لبناء الأردن السياسي.

            ووضع الأردن نفسه بقوة على خارطة الكون حاضراً يُطْلَبُ رأيه ومشورته وقراره في الأحداث المصيرية. وكم من مرةٍ تحمَّل الأردن وحمل على منكبيه العريضين بعد رجاءٍ من أخوانه –وفي الخفاء- ما تعجز الجبال عن حمله لأنهم لم يقووا على المواجهة!! ( ) وكم من مرةٍ طُلب إلى قائده أن يكون ناطقاً باسم جميع الدول العربية( ).

            ورغم كل الإنجازات الرائعة التي إستطاع الأردن أن يحققها سياسياً واقتصادياً، فلم تخلُ ساحته من التعكيرات أحياناً. ولا عجب في ذلك فهو وسط الحدث الإقليمي الذي له تفاعلات عالمية. فكيف إذن سيكون الأردن آمناً كلياً والمؤامرات الدولية تتركز على طرد الشعب الفلسطيني وإقتلاعه من أرضه والإستيلاء على أراضيه في الوقت الذي فيه أطول حدود للأردن هي حدوده مع فلسطين؛ وفي الوقت الذي يُكوِّن فيه شعب الأردن وشعب فلسطين أسرة واحدة بكل ما في الأسرة من ترابط وتعاضد ووحدة مصير. وإذا كانت القضية الفلسطينية هي سببَ غليان المِنطقة كلها وإمتد أثر هذا الغليان إلى العالم، فمن باب أولى أن يكون الأردن هو أولَ المتأثرين بأن تَحَمَّلَ عبّء كل آثار القضية التي توالت من ظرف سيء إلى ظرفٍ أكثر سوءاً، فكادت تسودُّ جميع الأيام وليس في ذلك مبالغة وكان من أسودها تلك "الجمعة" في 20/7/1951 حين دفع الملك الباني حياته فخر صريعاً بطلقات الغدر وهو يهم بدخول المسجد الأقصى لأداء صلاة يوم الجمعة، وكادت رصاصات الغدر أن تنال من حفيده الشاب الأمير حسين لو لم تحل دونها تلك الميدالية المدلاة فوق الجيب الأيسر لقميصه( ).

            إن غليان المنطقة المستمر بسبب الظلم المستمر الناتج عن مصائب القضية الفلسطينية، يستحيل أن يكون الأردن بمنأى عنه. فهو غارق فيه كيفما كانت الأحوال، يُضاف إليه ظلم ذوي القربى. لن أستعير هنا أفكار أو تبريرات "بوش" الذي عزا ما تعرضت له أمريكا في 11/9 إلى الحسد بسبب ديمقراطية أمريكا وتقدمها. لذا لن أقول إن الأردن محسود، وكانت مصائبه بسبب الحسد. ولن أردد ما قاله بعضهم في الأردن: "الأردن كخبز الشعير مأكول مذموم"، ولكنني أستطيع أن أصيح فأقول إن بإمكان الأردن أن يكون في حال أفضل مما هو فيه بالمزيد من الجهد الصافي الهادف؛ وبقدر أكبر من المشاركة الوطنية وبانفتاح أكثر على العالم مقروناً بوعي أعمق وحرصٍ سليم.

موقف دفاعي:

            سعى الأردن سابقاً وسيبقى يسعى نحو "الحياة الفضلى" التي أصبحت شعاراً له في مرحلة طويلة من مراحل نموه في الوقت الذي كان يرفع فيه غيرهُ في الجوار شعار "الاشتراكية". وتحاول الدولة جهدها أن تصبح "نموذجاً" لدولة يحكمها "عقد اجتماعي" يحترم الحريات ويؤمن بالتعددية ويبين الحقوق والواجبات. "نموذج" يوفق بين قيم الفكر والحكم الإسلامي من جهة، ومن جهة أخرى بين الحداثة والمعاصرة والتفكير الحر. وكما أكدنا على الإرث التاريخي الذي تحَمّلَت القيادة مسؤولية الحفاظ عليه وصونه، فإن الإسلام يحث ويدعو إلى التطور والتقدم، كما يدعو إلى حوار إيجابي بين الديانات والثقافات، ويخطط لمستقبل مستند إلى التسلح بالعلم وصقل المهارات. وإنطلقت المبادرات الأردنية الساعية إلى حوار وإنفتاح من أجل مستقبل أروع للبشرية وللمنطقة، "ويقدم الأردن نجاحه مثالاً يحتذى لنهج جديد وبداية جديدة، هذا ما نقدمه كعطاء للإنسانية ولمن يهتم بإعادة بناء الجسور بين الأمم كتخليد لأولئك الأبرياء الذين قضى عليهم الإرهاب"( ).

            والأردن في وقفته الصافية والصادقة والواضحة ضد الإرهاب لا يتخذ موقفاً دفاعياً ضد تهم موجهة إليه، فقد بدأ الأردن يحارب الإرهاب منذ عقود طويلة قبل أن يعرفه الآخرون واكتوى الأردن بناره قبل أن يسمع به الكثيرون وقبل أن تتعرض له أمريكا، وقبل أن ينالَها جحيمُه في 11/9. ومن الظلم والحيف أن يُقال إن الأردن شارك هذه الأيام فقط في التحالف ضد الإرهاب، فالعدالة تقتضي تبيان أن الولايات المتحدة تدخل هذه الأيام إلى الجهود التي بدأ فيها الأردن منذ عقود لمحاربة الإرهاب( ).      وقام الأردن بهذه الجهود بمبادرة منه وليس بطلب من أية جهةٍ أخرى بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، دفاعاً عن أمنه وأمن المنطقة التي أمنها جزء لا يتجزأ من أمن العالم. ولذلك فليس لدى الأردن إلا الجهود ضد الإرهاب، وليس لدى الأردن أية عناصر من العناصر الموصوفة عالمياً بالإرهاب( ).

            وقد بين الأردن باستمرار بأنه لكي يكتب النجاح للجهود لمكافحة الإرهاب فلا بد من وضع حل عادل للقضية الفلسطينية، وإذا كانت الولايات المتحدة تريد أن تحقق فعلاً النجاح في حملتها ضد الإرهاب وأن لا يتعرض المواطنون الأمريكيون للخطر، فقد بيّن الأردن لها بوضوح أن عليها وضع الحلول السليمة أو المساهمة فيها أو دعمها للنزاعات التي تستشري في المناطق المختلفة من العالم( ).

            ورأى الأردن أن الأهداف الفعلية للإرهابيين في 11/9 لم تكن الدمار الماديَّ فقط الذي حل بنيويورك وواشنطون، بل إضعاف وتدمير الشعور بالثقة وبالعلاقات والأمن بين الناس في جميع أنحاء العالم. وإذا تمكن الإرهابيون من تحقيق هدفهم هذا فإنهم بذلك سيدمرون الثقة بالمستقبل ويوقفون التطور والنمو. وإذا تمكن القتلة من تجاوز العدالة وإرتكاب الشرور فإنهم ينشرون اليأس والإحباط( ). وإنتشار اليأس والإحباط يولد الإرهاب من جديد وتبدأ الحلقة المفرغة التي لا نهاية لها( ).

            والأردن في موقفه الرافض للإرهاب منطلِق من كون الأردن بلداً عربياً مسلماً أو بلداً مسلماً عربياً-لا فرق في ذلك- فالأردن بلد عربي لغته العربية ودينه الإسلام ولا تناقض لديه بين العروبة والإسلام؛ ولم يدخل –كما دخل غيره- في هرطقات أصابت بالشلل جميع الذين دخلوا فيها وكادوا أن يشلوا معهم الأمة بأكملها( ).

أعمال إرهابية وقعت في الأردن

            ليس من المبالغة القول بأن مِنطقة الشرق الأوسط بسبب الصراع العربي الإسرائيلي، قد احتلت بؤرة الحديث العالمي؛ وبما أن الأردن يقع في وسط البؤرة فلن يكون إلا معرضاً لأحداثٍ في أغلبها مفروضة عليه فرضاً من الخارج وليس من الداخل. ولذلك تكاد تكون جميع الأحداث المقلقة التي مر بها بالأردن أحداثاً مستوردة من الخارج، وتجمعت على ساحته في مرحلة ما بعد حرب 1967 جميع التناقضات الدولية.

            لقد عانى الأردن من الإرهاب طويلاً، فكان له دور رئيس في محاربته وأصبح جزءاً من التحالف الدولي في مكافحته. ويعلم الأردن جيداً أن مكافحة الإرهاب لا تتم بالمواجهة العسكرية وإستخدام القوة فقط، وإنما تتم أيضاً بمعالجة الظروف الاجتماعية والاقتصادية السيئة التي ترمي بثقلها على الناس، وتتم كذلك بإزالة الأسباب التي تثير غضب الناس وتُوَلِّدُ عندهم الأحتقان. ولا بد لمكافحة الإرهاب من التأكيد على جدوى وأهمية التعاون الدولي سياسياً ودبلوماسياً وأمنياً وإستخبارياً –بالتحديد-.

            كما أن مهمة مكافحة الإرهاب ليست فقط من مسؤولية الحكومات، فالمجتمع الذي ينبذ الإرهاب هو الأقوى على محاربته، وحل النزاعات على أساس من العدالة من أفضل الأساليب لمواجهة الإرهاب( ).

مؤامرات ضد الملك:

            لقد تعرض الملك حسين للعديد من المؤامرات على حياته بلغت في مجموعها عشرين مؤامرة، كما تم قتل رؤساء وزارات أردنيون ووزراء ومُقرَّبون وأصحاب نفوذ وهم على رأس عملهم، وسأورد بعضاً من تلك الأعمال الإرهابية التي كان الأردن مسرحاً لها.

            اغتيل مؤسس المملكة الأردنية الهاشمية الملك عبد الله بن الحسين في 20/7/1951 من قبل حدث فلسطيني لم يتجاوز العشرين من العمر إذ قبع خلف الباب الذي دخل منه الملك إلى المسجد الأقصى يوم الجمعة لأداء صلاة الجمعة، كان الغادر مأجوراً من قبل مجموعة تم إلقاء القبض على بعضهم وثبتت إدانتهم من قبل محكمة عسكرية ونالوا عقابهم. ويبقى عمق المؤامرة ينتظر بصيرة الباحث الأمين للوقوف على أبعادها: تطرق بعضهم إلى التدبير المصري-من قبل الملك فاروق-، والتمويل السعودي، والتنفيذ من قبل مجموعة الحاج أمين الحسيني بسبب مواقف المغفور له من القضية الفلسطينية، وتطرق بعضهم الآخر إلى أن المؤامرة كانت للحيلولة دون قيام وحدة عراقية أردنية بدأ جلالته بالعمل على تنفيذها( ).

وقبل اغتيال الملك عبد الله بيومين، كان قد إغتيل في عمان رياض الصلح / رئيس وزراء لبنان الأسبق ضيف الملك عبد الله وهو في طريقه إلى المطار عائداً إلى بيروت، وقيل إن عملية الاغتيال تمت إنتقاماً من قِبَل الحزب القومي السوري بسبب إعدام قائده "انطوان سعادة".

            نجا الأمير الشاب -آنذاك- حفيد الملك عبد الله الذي كان برفقته للصلاة في المسجد من الأغتيال بأعجوبة بقدر الله إذ أصابت الرصاصة –وهو يجري وراء الجاني ليلقي عليه القبض- التي أطلقت عليه الميدالية التي كانت على صدره فحمته من موت محقق.

            ومرَّ الأردن بعد ذلك بمرحلة حرجة إلى أن تسلم جلالة الحسين سلطاتِه الدستورية بعد تعرض والده الملك طلال لمرض حال دون استمراره في تولي المسؤولية.

            وبعد ذلك أقدم الحسين على الخطوة التي كانت مدوية في الأردن وفي المنطقة وربما في العالم وهي تعريب قيادة الجيش العربي بإعفاء الفريق "جون باجت كلوب" من تولي قيادة الجيش التي بدأت منذ نهاية الثلاثينات، وكان نفوذ الفريق داخل الأردن وخارجه معروفاً للجميع، وقد وصف مقدار هذا النفوذ أحد "قرامي" الأردن السياسية فضل الدلقموني حينما أكد "أن كلوب كان عين الأمبراطورية الساهرة في المنطقة كلها وليس في الأردن فحسب"( ) كما وصف أحد الكتاب الغربيين مدى نفوذ كلوب "بأنه يستطيع أن يجعل الطقس ماطراً ويستطيع أن يجعله مشمساً"( ).

    واشتعلت المنطقة كلها بحماس وطني هائل جعلت من "أنور السادات" أن يكتب إفتتاحية جريدة الشعب الواسعة الانتشار في اليوم التالي لإعفاء كلوب تحت عنوان "سلمت يداك يا حسين"( ). وخطوة الحسين هذه هي التي أعطت الضوء الأخضر للرئيس جمال عبد الناصر لِتأميم قناة السويس بعد أربعة أشهر( ).

            وكان التلاحم حينها كلياً بين القيادة والشعب في الأردن وكان الشعار الذي يتردد على كل لسان في الأردن شعب واحد، صف واحد، أمل واحد، وخلا الجو كلياً من أية دلائل على وجودٍ للإرهاب، إلى أن عصفت بالمنطقة العواصف العاتية التي كادت تحرق الأخضر واليابس.

            ويذكر جلالة الملك حسين أنه في الوقت الذي كان يعتزم تشكيل حكومة جديدة 1957 جاء إلى قصره في عمان جماعة من الضباط لم يلتمسوا مقابلته بل تركوا له رسالة شخصية خطية ثم انصرفوا. وحين قرأها نسي كل شيء آخر ولم يعد يفكر إلا فيما جاء في الرسالة، وبالذات فقرة محددة أعاد قراءتها مرات ومرات: "يا صاحب الجلالة، إن الضباط الموالين في الزرقاء يشعرون بقلق من جراء الأوامر الغريبة التي يتلقونها. وتفيد المعلومات المتوفرة لدينا أن بعض وحدات الجيش ستتلقى أمراً عما قريب بتطويق عمان. نلتمس أن نتلقى الأوامر منكم مباشرةً"، وبعدها جاءه ضابط يعلمه بخطة التحرك إلى عمان بقصد تطويق القصر والاستيلاء عليه وعلى الملك شخصياً( ). هذا النوع من العنف لم يكن يعرفه الأردن سابقاً، إذ ليس من طبع الأردنيين ذلك وأثبتت الأيام فيما بعد أنه عنف مستورد تم تصديره إلى المنطقة فَطَال الأردن معاناة كبيرة منه.

 

            وبعد أن تم إلقاء القبض على "أحمد يوسف الحياري" من الكتيبة الرابعة للمدرعات، إعترف بأنه كان ينوي إغتيال الملك حسين ومعه سيادة الشريف ناصر بن جميل بإلقاء القنابل اليدوية عليهما في إحتفال عام كان مقرراً أن يحضره الملك، وأدلى أيضاً باعترافات بأن إنقلاباً يُدبر من قبل الجمهورية العربية المتحدة في كل من العراق والأردن في نفس التوقيت والتاريخ في منتصف تموز 1958. وتواترت معلومات من كل من إيران وتركيا تؤكد صحة المؤامرة. وأبلغ الحسين ملك العراق فيصل بالمؤامرة حيث إن كفاءة أجهزته لم تتمتع بالقدرة الكافية لإحباطها. بينما ألقت الأجهزة الأمنية الأردنية القبض في 16/7 على الذين كانوا ينوون القيام بالأنقلاب  وتنفيذه في 17/7-واتضح أنهم كانوا ينوون تنفيذه في 14/7 ثم أجلوه إلى 17/7( ). وقام الملحق العسكري في السفارة المصرية "فؤاد هلال" بتجنيد "صفوت شقير" الذي كان يعمل في الدائرة القانونية في القيادة العامة الأردنية ليقوم باغتيال الملك حسين، وكُشفت مؤامرة أخرى أدارها العقيد المصري "يُسري قانصوه" بالتعاون مع الضباط الأردنيين لاغتيال الملك حسين الذين هربوا إلى القاهرة ودمشق.

            وبعد تلك الحوادث، شعر الملك أن وطأة العنف قد خفَّت فقرّر أن يذهب في إجازة خاصة إلى أوروبا. وغادر عمان في 10/11/1958 بطائرته عبر الأجواء السورية، اعترضت الطائرات الحربية السورية طائرته تريد إسقاطها، فأيقن حينها أن السوريين يريدون القضاء عليه بعد عدة أشهر من إبادة الأسرة الهاشمية المالكة في العراق. ولكنه استطاع النجاة بالعودة بطائرته إلى عمان بعد أن ضلل الطائرات السورية بطيرانه على إرتفاع منخفض جداً فنجا منهم بأعجوبة الأمر الذي يثبت أن العنف الداخلي في الأردن كان تصنيعاً خارجياً وليس محلياً( ).

            وفي صيف سنة 1960 جرت محاولتان في بحر أربع وعشرين ساعة لأغتيال الملك وكلتا المحاولتين بتخطيط خارجي. ففي 29/8/1960 تم تفجير مكتب هزاع المجالي / رئيس الوزراء فقتل ومعه عدة أشخاص منهم زهاء الدين الحمود / وكيل وزارة الخارجية الذي كان عائداً لتوه من زيارة رسمية إلى دول أمريكا الجنوبية، ثم وقع انفجار آخر بعد ساعة من وقوع الانفجار الأول توقعاً من المتآمرين أن الملك سَيُهْرَعُ إلى مكان الحادث، وكان بالفعل تصميم الملك وارداً للذهاب إلى المكان لولا إصرار مستشاريه الذين منعوه "بالعافية" من القيام بذلك. تلا ذلك مؤامرة أخرى لاغتياله باستعمال "الأسيد المركز"، وتفصيل ذلك: قام الملك تلك الليلة بتغيير مكان نومه وذهب لينام في منزل صديق بريطاني يعمل عنده في القصر. وكان الملك حينها يستعمل قطرة لمعالجة جيوبه الأنفية. سقطت القطرة صدفةً من يد مضيفته في المغسلة فذوب الأسيد سطح المغسلة مما كشف المؤامرة التي إستبدلت العلاج من قطرة أنف إلى أسيد مركز.

            ومؤامرة أخرى لدس السم في وجبات الملك، وللصدفة لاحظ الملك على أيام متتالية قططاً ميتةً في أثناء تجواله في حديقة القصر تبين أنها ماتت بفعل السم الذي تناولته في أثناء التجارب التي كان يُجريها طاهي الملك ليعرف مدى كمية السم التي سيدسها في وجبة الملك. هكذا كانت إعترافات الطاهي الذي تم تجنيده من الخارج لهذه المهمة. عفا عنه الملك فيما بعد حينما أعترضته أسرة الطاهي متوسلة وهو خارج من صلاة العيد( ). وتم إطلاق النار على سيارة الشريف ناصر بن جميل-لأنها كانت تشبه سيارة الملك ظناً أن الملك فيها-فكان ينتظرها الكمين في أثناء العودة من جرش. وفي 1/9/1970 أطلقت النار على سيارة الملك حينما كان عائداً من المطار لأستقبال إبنته الأميرة عالية.

وفي 16/9/1970 أصبح الإرهاب الذي مورس في الأردن وبأيادٍ خارجية، أصبح إرهاباً دولياً بكل ما في الإرهاب من تجليات إرهابية، وكان خطف الطائرات في حينها أخطر أنماط الإرهاب الذي هز العالم فوقع في الأردن ذلك الحدث الذي كان شبيهاً-مع الفارق- في صداه المدوي بالهجمات الإرهابية التي وقعت في نيويورك في 11/9( ).

مطار قاع خَنّا أو مطار داوسون:

            قامت "الجبهة الشعبية التي يتزعمها" جورج حبش بخطف ثلاث طائرات مدنية ضخمة، واقتادت الطائرتين الأمريكيتين إلى مكان صحراوي يقع شمال شرق عمان يدعى "قاع خنّا" وكان يسميه الإنجليز “Dowson”، وإقتادت الطائرة السويسرية إلى القاهرة وفجرتها هناك، وفشلت في اليوم ذاته في خطف طائرة إسرائيلية في لندن، ولكنها نجحت بعد ثلاثة أيام في خطف طائرة مدنية بريطانية إقتادتها إلى "قاع خنا"، بلغ مجموع الركاب على الطائرات 393 راكباً منهم 120 طفلاً وامرأة بالإضافة إلى 32

ملاحاً، إقتادت الجبهة الركاب كرهائن واحتجزتهم في فنادق عمان تساوم عليهم للإفراج عن سبعة من نشطائها في السجون الأوروبية وفي إسرائيل. ولما لم تنجح الجبهة في إقناع كل من ألمانيا وسويسرا وبريطانيا بتحقيق مطالبها قامت بتفجير الطائرات الثلاث في الصحراء بسبب مماطلة الدول الثلاث في اطلاق سراح النشطاء السبعة المعتقلين لديها. ووصفت وكالات الأنباء آنذاك عمان بأنها تحولت إلى ساحة معركة لا تهدأ فيها الانفجارات ودوي القنابل، بل وزادت في وصفها بأن لا وجود للسلطة فيها، حيث يستحيل على الفرد التحرك بأمان.

            ويلاحظ أن الإرهاب قد تمت ممارسته بهذه العملية بأنماطه الخطيرة جداً: خطف الطائرات المدنية، إحتجاز الرهائن، المساومة للأفراج عن إرهابيين، ترويع الآمنين الأبرياء، ثم تفجير الطائرات المدنية، وتصدير الإرهاب إلى مناطق لا علاقة لها بالقضية التي يدافع عنها الإرهابيون( ).

            والتساؤل المطروح بقوة من قبل أي محلل عاقل. ما هي هذه القوة التي تستطيع خطف ثلاث طائرات عملاقة- إثنتان في يوم واحد وثالثة بعد ثلاثة أيام-طائرتان تملك الواحدة منهما دولة عظمى وهي أمريكا وانجلترا، والثالثة لدولة محايدة معروفة بأنها دائماً حمامة سلام وهي سويسرا؟ ثم كيف-من الناحية الفنية، البحتة-تمكنت الطائرات من الهبوط في مكان غير مهيء وغير مجهز لنزول هذه الطائرات؟

            أورد العماد "مصطفى طلاس" / رئيس الأركان السوري في محاضرة له في الجامعة السورية 1972 بعنوان "الأردن والمقاومة الفلسطينية، فيما يتعلق بخطف الطائرات الثلاث الأفكار التي اُقَوْلِبُها بالنقاط التالية:

-           إن خطف ثلاث طائرات بهذه المواصفات، لدول عظمى، ومن ثلاث عواصم أوروبية، وبنفس اليوم عملية كبيرة جداً "تعجز أن تقوم بها دولة عظمى وَحدَها، بل تحتاج إلى مجموعة دول عظمى يدعمها تحالف إستخباري يضم على الأقل المخابرات المركزية الأمريكية والمخابرات السوفيتية".

-           لقد هبطت هذه الطائرات ليلاً في الصحراء في مكان لا إنارة فيه، فكيف تمكنت من الهبوط؟( ) وأجاب العماد طلاس بأنها هبطت بمعونة تكنولوجيا لا تتوفر إلا لدى تحالف من دول عظمى، فنزلت على إنارة الفلورسنت من طلقات المدفعية.

-           من المستحيل إذن على أية قوة أخرى غير القوى المذكورة سابقاً أن تنفذ عملية كهذه( ).

وبذا يتبين بالبرهان القاطع أن كل العمليات الإرهابية التي كانت تُلعب على المسرح الأردني كانت عملياتٍ خارجيةً مائة في المائة تُرسم وتُدعم بتخطيط وأموال غير أردنية، وتُنفذ في معظم الحالات بأيادٍ غير أردنية ولا علاقة للأردن بها إلا وقوع الاختيار عليه كمسرح الحدث فقط، وطبعاً تطاله "الطراطيش" السلبية لكل هذه العمليات.

أحداث إرهابية ضد شخصيات أردنية

            عزم دولة رئيس الوزراء السيد وصفي التل إجراء "مصالحة وطنية" مع العديد من الشخصيات الأردنية التي إتخذت موقف المعارضة لنظام الحكم وهو يعلم جيداً أن منطلقات مواقف تلك الشخصيات لم تكن منطلقات أردنية بل كانت إنسياقاً وراء توجيهات خارجية، بدلالة أن جميع هذه الشخصيات كانت هاربةً خارج الأردن ومعظمها موجود في دمشق والآخرون في القاهرة وبعضهم متفرق بين عواصم عربية أو أجنبية. واستند التل في مسعاه هذا للرجاءات المتكررة التي كان يتلقاها من تلك الشخصيات بعد أن تعرضوا لما يشبه الإذلال والإهانة في المنافي. وإنسياقاً مع سياسة التسامح التي إستنَّها النظام السياسي في الأردن أصدر الملك الحسين قانون عفو-بمناسبة ميلاد الأمير "عبدالله" في 30/1/1963-شمل المعتقلين والذين هربوا أو نفوا أنفسهم خارج الأردن. وقد أرسل رئيس الوزراء وفداً إلى الموجودين في دمشق وفي القاهرة للتحدث معهم من أجل الاستجابة لرغباتهم الأمر الذي أحدث انفراجاً ملموساً داخل البلاد بعد مرحلة من التوتر والاحتقان( ).

            وحينما شكل وصفي التل حكومته الثانية في 13/2/1965 أصدر جلالة الحسين عفواً عاماً أسفر عن عودة معظم اللاجئين السياسيين إلى الأردن وسط حشود جماهيرية على الحدود في الرمثا ترحب بعودتهم ومن بين هؤلاء العائدين شفيق رشيدات، نذير رشيد، محمود الموسى عبيدات، تركي الكايد عبيدات، ونعيم عبد الهادي، وسليمان الحديدي، وعلي الحياري، وعلي أبو نوار( ).

            وجرياً وراء عادة الأردن في سياسة التسامح، والتي أثبت الظروف أنها من أفضل السياسات لأبطال العنف ووأد أية نزعة إرهابية وهي في مهدها، حظي جميع العائدين تقريباً بعطف جلالة الملك وتسلم جميعهم ثانية أعلى المراتب في الدولة، مثلاً تولى نذير رشيد إدارة المخابرات العامة، وعلي الحياري أصبح مديراً للأمن العام ثم وزيراً للدفاع، وتولي صادق الشرع وزارة الخارجية، وأصبح علي أبو نوار سفيراً في باريس( ).

** رغم نصائح الملك، أصر وصفي التل/ رئيس الوزراء حضور اجتماع جامعة الدول العربية في القاهرة، حيث اغتيل وهو يدخل "فندق سميراميس" بعد عودته من الاجتماع في 28/11/1971 من قبل منظمة "أيلول الأسود".

            وكانت مرحلة في غاية الصعوبة تلك المرحلة التي إمتدت من 1968-1972، وكادت أن تقوض كلَّ الجهود البانية إذ إحتوت الساحة الأردنية آنذاك على كل التناقضات الموجودة في العالم. ووجدت على الأرض الأردنية القوات العراقية والسعودية والسورية، إضافة إلى الميليشيات من شتى الأنواع والأصناف، فكان المواطن البريء ينتقل عابراً حواجز بناها كل مَنْ عنَّ له أن يبني حاجزاً، وتحمّل الأردن الكثير، وتكلّف الكثير حتى تمكن من العودة إلى دولة القانون والنظام والضبط والربط والقضاء على العنف الذي حرق الكثير. ثم عفا الملك من جديد عن كل الهاربين وكأن شيئاً لم يكن وصدرت الأوامر للسفارات 1972 بتسهيل عودة كل هاربٍ يطلب العودة إلى الأردن.

** وقبل ذلك وحينما قام الإنقلاب العسكري في العراق الذي أودى وبصورة وحشية بالأسرة المالكة في العراق في 14/7/1958، كان وفد أردني عالي المستوى في زيارة للعراق، قضى الأنقلابيون على إبراهيم هاشم وسليمان طوقان ونجا صادق الشرع إذ تمكن بعض الطلاب الأردنيين من إنقاذ حياته( ).

حملة شرسة ضد ممثلي الأردن:

            تعرضت البعثات السياسية الأردنية في الخارج إلى حملة شرسة ومضايقات لا تُحْصَى سواءاً ضد الممثلين أنفسهم أو عائلاتهم أو أطفالهم أو المباني والأثاث وكأن في الأمر انتقام حقود، وفي ذلك تجليات إرهابية على أوضح صور الإرهاب. صحيح أن الدبلوماسي يمثل بلده مما يجعل من الإهانة الموجهة له، إهانةً مباشرة لبلده، إن جميع الأعراف والقوانين الدولية تحمي الدبلوماسي وتُحَصِّنُهُ، لذلك أصبح هَمُّ المجتمع الدولي حماية الدبلوماسيين من الإرهاب الأمر الذي احتل أولى الأولويات من حيث الاهتمام. ورغم ذلك فما زال الدبلوماسيون في معظم الأحوال الهدفَ الأولَ للإرهاب، لأن المساس بهم يحقق ما يهدف إليه الإرهاب وهو إثارة الرعب وسط ضجة إعلامية صاخبة؛ إذ لا تتوانى وسائل الأعلام عن تناول أخبار الدبلوماسيين كأول خبر في نشراتها وعلى الصفحات الأولى.

** تعرض زيد الرفاعي إلى محاولة اغتيال وهو سفير للأردن في لندن ناله منها جرح غير بليغ في 15/12/1971. والرفاعي هو صديق شخصي للملك وهو نجل دولة سمير الرفاعي الذي شكل الوزارة في الأردن أكثر من عشر مرات، ومتزوج من ابنة رئيس الوزراء بهجت التلهوني، وابن شقيق رئيس الوزراء عبد المنعم الرفاعي، ووالد سمير / مستشار جلالة الملك، وكل هذه الأوصاف تعطي البراهين والدلائل على كيفية تفكير الإرهاب وكيف يخطط وأين يضرب. ويشغل الآن "دولة" زيد الرفاعي الذي شكل الوزارة في الأردن عدة مرات منصب رئيس مجلس الأعيان أي رئيس مجلس الأمة.

** في 16/12/1971 وقع إنفجار على طرف البعثة الأردنية في جنيف أصاب أربعة أشخاص بجروح. ومن المعروف أن جلالة الملك كان يتردد مراراً على جنيف.

** ثم توجهت الخطط الإرهابية إلى سفير الأردن الجوي أقصد الخطوط الجوية الأردنية عالية والتي تحمل إسم سمو الأميرة عالية بنت الحسين، فجرت عدة محاولات لخطف الطائرات الأردنية، في 19/2/1972 جرت محاولة أفشلتها قوى الأمن على متن الطائرة، وصدر بيان في 5/3/1972 كشف أن قوى الأمن قد أفشلت أربع محاولات اختطاف أخرى.

            ويلاحظ أن الإرهاب الموجه ضد الأردن إستهدف ممثليه وخطوطه الجوية، الأمر الذي يُبين نمط ذلك الإرهاب باتباع أبرز شكلين من أشكال الإرهاب: التعرض للدبلوماسيين واختطاف الطائرات. وهما شكلان للإرهاب مؤذيان جداً للعلاقات بين الدول. فكانا أول شكلين تَنَبَّه لهما المجتمع الدولي وعقد الاتفاقيات الدولية لقمعهما( ).

** سنة 1972 تم إختطاف عدلي الناصر / القائم بأعمال السفارة الأردنية في الخرطوم مع مجموعة من الدبلوماسيين كانوا يلبون دعوة السفير السعودي في الخرطوم. وتم الإفراج عنه.

** في 1/2/1981 تم الكشف عن مؤامرة لإغتيال دولة / مضر بدران وهو رئيس للوزراء على رأس عمله من قبل أشخاص كانوا ينصبون كميناً على مقربة من دار رئاسة للوزارة في وضح النهار بانتظار عودته إلى منزله.

** تعرض السفير محمد خورما في 29/10/1983 إلى محاولة إغتيال في نيودلهي وهو يهم بدخول منزله من قبل شخص يركب دراجة نارية أطلق عليه النار عن قرب. ولم يغادر الجاني المكان إلا بعد أن تأكد أن السفير قد فارق الحياة ولكن العناية الإلهية كانت أقوى من توقعاته، فَشُفِيَ من جراحاته، ولكنه لم يلبث أن فارق الحياة فيما بعد بسبب مضاعفاتها. وكان الحادث من تدبير "ألوية الثورة العربية".

** وتعرض السفير تيسير طوقان في روما في 26/10/1983 إلى محاولة إغتيال أصابته بجروح بليغة تعافى منها، ثم فارق الحياة فيما بعد متأثراً بمضاعفاتها، أعلنت منظمة "ألوية الثورة العربية مسؤوليتها عن الحادث.

** خطف في 6/2/1981 القائم بأعمال السفارة في بيروت هشام المحيسن لمدة شهرين تعرض فيها للإهانة والضرب المبرح لمدة شهرين وتم إنقاذه فيما بعد.

** اغتيل السكرتير الأول في السفارة الأردنية في "بخارست" السيد عزمي المفتي أمام المدرسة في 4/12/1984 حين كان أمامها بانتظار خروج إبنه. وعزمي نجل رئيس الوزراء سعيد المفتي. أعلنت منظمة أيلول الأسود مسؤوليتها عن الحادث.

** اغتيل في 24/7/1985 السكرتير الأول زياد الساطي في أنقرة وهو في سيارته بانتظار الإشارة الخضراء. وزياد شقيق للسيدة حرم الأمير زيد بن شاكر رئيس الأركان السابق ورئيس الوزراء السابق، وابن الدكتور جودت الساطي شقيق الدكتور شوكت الساطي طبيب الأسرة المالكة لمدة نصف قرن تقريباً، أعلنت منظمة أيلول الأسود مسؤوليتها عن الحادث.

** نجا السكرتير الأول في السفارة في أثينا عاصم قطيشات بأعجوبة من عملية اغتيال سنة 1983 حين تعطل الرشاش في يد الجاني ولم يعد يعمل.

** اغتيل السكرتير الأول في السفارة الأردنية في بيروت "نائب المعايطة" سنة 1994. وقد نفذ حكم الإعدام شنقاً يوم 25/8/2003 بالمجرم "جمال درويش مصطفى فطاير" الملقب راشد أحمد عطية من مواليد بغداد وكان يقيم في ليبيا وعمره 36 عاماً، وهو أحد أعضاء تنظيم المجلس الثوري التابع لجماعة "أبو نضال". وقد شاركه في الجرم ياسر أحمد أبو شنار، وعقاب نمر سليمان الفقهاء ويقيم في بغداد، وإحسان صادق صالح الرضوان من مواليد بغداد ويقيم في أراضي السلطة الفلسطينية( ).

** إغتيل حامل الحقيبة الدبلوماسية وهو متوجه براً من عمان إلى بغداد داخل الحدود العراقية في 11/11/1996.

** إغتيل "جمال بلقز"، وجرح إبراهيم سامي محمد حين اقتحم أشخاص من ألوية الثورة العربية السفارة الأردنية في مدريد بتاريخ19/12/1983.

** أعلنت منظمة أيلول الأسود مسؤوليتها عن الانفجارات التي وقعت في مكاتب الطيران الأردني في نيقوسيا" في 21/3/1985.

** وفي نفس اليوم وقعت إنفجارات في مكاتب الطيران الأردني في أثينا من قبل منظمة أيلول الأسود.

** تم إجهاض عملية إطلاق صواريخ من قبل منظمة أيلول الأسود على مكاتب السفارة الأردنية في روما بتاريخ 3/4/1985.

** وفي 4/4/1985 أصاب صاروخ الطائرة الأردنية وهي في حالة إقلاع من مطار أثينا، ولكنه لم ينفجر، وكان الحادث بتدبير منظمة أيلول الأسود.

** اغتيل "ميشيل النمري" في أثينا في 18/9/1985 من قبل منظمة أيلول الأسود، كان النمري يدير داراً للنشر في أثينا.

-           وفي 22/2/1985: قام "الحزب الثوري" بزرع قنبلة في المركز الأمريكي للدراسات في عمان تم كشفها قبل أن تنفجر، وبنفس اليوم تم إلقاء القبض على شخص يحمل قنبلة على متن الطائرة الأردنية.

-           تم اكتشاف قنبلة مزروعة في منزل أحد المبعوثين الأمريكيين في عمان والذي كان يعمل في بعثة المساعدات الأمريكية.

-           أغتيل أحد الزعماء الفلسطينيين المعتدلين فهد القواسمة / عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير. وقعت عملية الاغتيال في منزل المغدور في عمان بتاريخ 29/12/1984.

-           إنفجرت في 24/3/1984 عبوة ناسفة في ساحة السيارات لفندق "عمان إنتركونتننتال" الذي لا يفصله عن السفارة الأمريكية إلا بضعة أمتار، وتم الكشف عن عبوة أخرى لم تنفجر.

-           في 24/3/1984 تم الكشف عن عبوتين متفجرتين مزروعتين في المركز الثقافي البريطاني في عمان، اعترفت مجموعة "أبو نضال" بالعملية.

-           في 3/8/1984 أعلنت مجموعة "أبو نضال" مسؤوليتها عن تفجير سيارة كانت واقفة أمام السفارة الأمريكية في عمان.

-           تم الكشف عن قنبلة قبل إنفجارها قرب منزل دبلوماسي أمريكي في عمان من قبل حزب الشعب الثوري الأردني.

-           وضع حزب الشعب الثوري الأردني عبوتين منفجرتين في مكاتب الشركة الأمريكية للتأمين سنة 1984( ).

-           انفجرت عبوة ناسفة وُضعت في سيارة المسؤول عن مكافحة الإرهاب في إدارة المخابرات العامة أودت بحياة مواطنين عربيين بريئين وكان من الممكن أن تودي بحياة أطفال ومواطنين أبرياء، وقع الانفجار في منطقة بين الدوار الثاني والثالث في جبل عمان في الاسبوع الأول من آذار سنة 2002. وقد تحدث رئيس الوزراء واصفاً الانفجار بأنه حادث إجرامي استهدف رجل أمن وأسرته وأشار إلى أن بعض الجهات تحاول أن تضفي بعداً سياسياً على "أحداث الشغب التي وقعت في معان مؤخراً "مؤكداً أن توقيف أشخاص على خلفية أحداث معان جاء بسبب مسؤوليتهم عن أحداث الشغب وإطلاق النار على رجال الأمن حيث قُتل شرطي وأصيب أحد عشر شرطياً آخر بجراح، وهدد رئيس الوزراء بأن هناك سقفاً للحريات لن يسمح بتجاوزه حرصاً على أمن الأردن واستقراره الذي هو أساس من جهة وللوقوف مع الأشقاء العرب من جهة أخرى.

إن أحداث الشغب التي وقعت في معان في شهر شباط/2002 كان لها صدى كبير في وسائل الأعلام العالمية التي نشرت عنها أخباراً لا تخلو من المبالغة تعزوها تارةً للتيارات الإسلامية وتارة للتيارات المقاومة لإسرائيل وتارة للتيارات المتعاطفة مع العراق قبل سقوطه، وجميع هذه التيارات-حسب وسائل معظم الفضائيات-تعلن سخطها على مواقف الحكومة الأردنية تجاه ما يقع في فلسطين أو في العراق.

            وكما هو مألوف عادت الأمور من جديد إلى الهدوء في معان ولكن بعد أن أبدت الحكومة "العين الحمراء" كما حصل في المرات السابقة. ولكن وما زال تكرار الحدث في معان يشكل دعوة قوية للباحث وللدولة على حد سواء للوقوف على الأسباب الحقيقية حتى تُيسِّرَ الأمر وتفتح الطريق للعلاج الفعال، وإلا فالإرهاب بالمرصاد لكل فرصةٍ تلوح( ).

-           وقعت عملية إغتيال في منطقة عمان الغربية كان ضحيتها دبلوماسي أمريكي "لورنس فولي" في 28/11/2002، المتهم الرئيسي في القضية شخص أردني فار "أحمد فضيل نزال الخلايلة" مطلوب للأمن والقضاء على خلفية قضايا عديدة، وسبق وحكمت عليه محكمة أمن الدولة بالإعدام سنة 1999.

وتواصل محكمة أمن الدولة محاكمة المتهمين الخمسة من مجموع أحدَ عشرَ متهماً منهم ستة فارّون من وجه العدالة من بينهم "الخلايلة" المعروف بـ "أبو مصعب الزرقاوي" الذي يُعد أحدَ أخطرِ أعضاء تنظيم القاعدة( ).

-           وكشفت مصادر مضطلعة أن المخابرات العامة تمكنت من كشف واحد من أكبر التنظيمات الإرهابية التي كانت تستهدف القيام بأعمال إرهابية مسلحة على الساحة الأردنية منها ضرب المصالح الأمريكية ومؤسسات الدولة السياحية والاقتصادية، وبلغ عدد أعضاء التنظيم خمسةَ عشرَ شخصاً أربعة منهم سعوديون وواحد سوري وهناك أربعة فارون. وذكر بيان رسمي أن "جهاز المخابرات العامة الذي يتمتع بمهنيةٍ عالية بين أجهزة الأمن العربية والدولية كشف العديد من التنظيمات الإرهابية وأحبط عمليات كانت تنوي تنفيذها ضد أهداف أردنية وأجنبية". ومن الملاحظ من مسار الأحداث في مكافحة الأرهاب أن كل العبء وبالتالي "الكِرِدِتْ" "المكاسب" مُجَيًّرةٌ للمخابرات العامة، وليس في ذلك نقد أو مأخذ ولكن ومع التركيز على جهود الأجهزة الأمنية وأهمها المخابرات لا بد من أن يكون تركيز أكبر على الجهود الأخرى لمكافحة الإرهاب التي تنصب على معالجة الإرهاب من جذوره( ).

قضية الفساد الكبرى:

والمعروف أن من أهم وأقوى جذور الإرهاب هو "الفساد"، فالفساد خير بيئة لترعرع الإرهاب ونموّه، وربما أن قضية التسهيلات المالية التي انشغل بها الرأي العام الأردني لا تخرج عن هذا الإطار في ذهن الأستراتيجية الأردنية لمكافحة الإرهاب.

لقد أصدرت المحكمة العسكرية الخاصة في 11/7/2003 حكمها على المُتَّهَميْنِ مِن جهاز المخابرات العامة وهما الفريق سميح البطيخي والفريق زهير زنونة، فقد حكمت ببراءة زنونة، ولكنها حكمت بالسجن ثماني سنوات على البطيخي بعد إدانته بالإحتيال والتزوير وتغريمه سبعة عشر مليون دينار وتثبيت الحجز التحفظي على أمواله وأموال زوجتيه وأبنائه، وقد وصف قرار المحكمة البطيخي بأنه خائن للأمانة وأن نوازع الشر طَغَتْ عليه أكثر من نوازع الخير خاصة أن المنصب الذي وصل إليه لا يصله إلا المخلصون الأمناء لمليكهم ووطنهم.

            وبعد هذا الحكم، باشرت محكمة أمن الدولة محاكمة المتهم الرئيس الثاني     "مجد الشمايلة" وآخرين( ). والملاحظ أنه بعد ثلاثة أيام من قرار المحكمة صدر بيان عن الجمعية الأردنية لحقوق الإنسان.

-           لم يلاحظ صدور بيانات أو مواقف لأية هيئات أخرى من المجتمع الأردني تعلق على الموضوع رغم أن كل لسان أردني قد تناوله وعلق عليه، "ويا ويل الجمل اللي بيقع ليس من السكاكين فقط!!"- يرحب البيان بقرار المحكمة العسكرية بل ويدعو مجلس الأمة الجديد-الذي بتاريخه لم يعقد بعد إجتماعه الأول-إلى إدخال الشفافية للقوانين الناظمة لإدارة شؤون الدولة، ويبعد البيان أكثر من ذلك إلى الحد الذي يطالب فيه مجلس الأمة إخضاع دائرة المخابرات العامة لرقابته. وقالت الجمعية الأردنية لحقوق الإنسان إن قرار المحكمة جاء ليضع حداً للاعتقاد الشعبي بأن قضايا الفساد المالي والإداري وسوء إستغلال السلطة "مصيرها اللفلفة عندما يتعلق الأمر بمسؤولين كبار متورطين فيها"( ).

تفجير السفارة الأردنية في بغداد:

            إنفجرت سيارة مفخخة صباح يوم 7/8/2003 تمكنت من الدخول إلى مِرآب سيارات السفارة في بغداد، وكان عدد الضحايا أحدَ عشرَ عراقياً من المارة ووقوع جرحى داخل السفارة وخارجها ولا يوجد ضحايا بين الدبلوماسيين الأردنيين. أدى الإنفجار إلى إتلاف المبنى والأثاث الذي تلاه اندفاع منظم للصوص نهبوا ما توصلت إليه أياديهم. علق وزير الأعلام الأردني بأن هذه العملية لن تزيد الأردن إلا عزماً على مواصلة مسيرته في مد يد العون للشعب العراقي الشقيق والمضي قدماً بالتزامه بالمساعدة في تحقيق الأمن والاستقرار في العراق. وتلقى وزير الخارجية اتصالاً هاتفياً من وزير الخارجية الأمريكي عبَّر فيه عن شجب وإدانة الولايات المتحدة الاعتداء الإرهابي الجبان الذي تعرضت له السفارة ووعد بأن بلاده ستوفر الحماية اللازمة للسفارة وطاقمها وأنها ستفتح تحقيقاً للكشف عن المخططين والمنفذين للحادث. وأعلنت متحدثة باسم الرئيس الأمريكي أن البيت الأبيض يدين بأشد الألفاظ الاعتداء على السفارة الأردنية في بغداد، وقالت أنه لا يزال في العراق اتباع للنظام العراقي السابق وإرهابيون أعداء للشعب العراقي وسنواصل ملاحقتهم ومطاردتهم. ووصف وزير الدولة شاهر باك الاعتداء بأنه حادث مدبر ومخطط له ولكنه رفض الربط بينه واستقبال الأردن لابنتي صدام حسين قبل اسبوع( ).

            هناك ثلاثة احتمالات عن هُوية مرتكبي الحادث:

أولاً: أحمد الجلبي / عضو المجلس الحاكم في العراق الذي انكب على الهجوم على الأردن من خلال إذاعته وعملائه، وإزداد تحريضه بعد استضافة الأردن ابنتي صدام حسين.

ثانياً: تنظيم القاعدة في العراق لأن الأردن أحبط عدة محاولات إرهابية للقاعدة واعتقل عدداً من عناصرها وحاكم المتهمين باغتيال الدبلوماسي الأمريكي "لورنس فولي" في عمان في 28/10/2002م.

ثالثاً: بقايا النظام العراقي السابق لأن الأردن منفتح على الأوضاع الجديدة في العراق.

            والحادث بمجمله يشكل نموذجاً مجسداً للإرهاب من حيث التخطيط والتنفيذ والوسيلة والهدف والصدى، كما يعطي البرهان على دولية الإرهاب الأمر الذي يجب أن يدفع المجتمع الدولي إلى المزيد من التعاون لمكافحته( ).

مسعى أردني لوضع الحل:

            غالباً ما يبدو الأردن في الظروف الدولية المتوترة، وخاصة في الظروف الإقليمية، وكأنه رائدٌ في البحث عن مخارج للأزمات أو وضع حلول لها. وقد وصف سياسيون غربيون القيادة الأردنية ببراعتها في هذه الناحية. وبنفس الوقت هناك من يكيل التهم للأردن-ومن قاع الديسك- ويصم محاولاته بأقذع الأوصاف. ولا يمكن لأحد من الأجيال التي عاشت هزيمة سنة 1948، وهزيمة 1967 أو مسلسل النكبات المتتالية أن يتناسى ما يصح تسميته باللهجة المصرية "حفلات الردح الإعلامية" التي كانت تكال ضد الأردن إضافة إلى الردح المباشر الذي كان يَشِنُّهُ بعض قادة الدول العربية على الأردن وعلى القيادة الأردنية. وفي أحيان عديدة كانت تُشن الحملة على الأردن لأنه اتخذ موقفاً معيناً، وما تلبث أن تُشَنَّ بعد ذلك بفترة قصيرة حملة أكثر شراسةً لأن الأردن لم يتخذ مثل ذلك الموقف المعين، فمثلاً كان الأردن محلاً لِتُهَمِ بعض الدول العربية لأنه رفض المشاركة في الحرب ضد العراق في حرب الخليج الثانية. وفي أحدث حرب أدت إلى سقوط العراق كانت التهم تنهال ضد الأردن بأنه شارك في تلك الحرب. نعتقد أن المواقف الأردنية في الظروف السود التي مرت بها المنطقة كانت هي الأسلم من بين المواقف التي بإمكانه أن يتخذها وبعيداً عن الزيف والدجل والمزايدات.

            في موضوع الإرهاب، إن موقف الأردن الرافض بكل وضوح للإرهاب كان ليس بخافٍ على أحد. وقد دفع الأردن ثمناً غالياً كَلَّفَهُ الكثير من الجهد والعرق ودماء الخيرة من قياداته، بل وحمل روحه على راحته في كثير من الأحيان ليس دفاعاً عن نفسه فقط بل دفاعاً عن أمته كلها. ولذلك نجد وزير خارجية الأردنية يؤكد وبدون تردد على أن الأردن كافح الإرهاب في الوقت الذي كان الشغل الشاغل للآخرين النزول تجريحاً بالأردن، لقد كان من الطبيعي أن يسعى الأردن سعياً جدّياً في مكافحة الإرهاب.

            يرى الأردن أن نزع الشرعية عن الإرهاب داخل المجتمع الإسلامي يتطلب موقفاً أيديولوجياً عقائدياً وموقفاً دبلوماسياً من خلال مؤسسات معترف بها وفي طليعتها المراجع الشرعية الرئيسية والمنظمات الإقليمية الهامة لكي تتفق وتُجمع على قرارات واضحة لمكافحة الإرهاب( ).

            وقد طور الأردن وشجع من خلال "مؤسسات آل البيت" المتعددة الحوار بين مختلف الطوائف الإسلامية لقناعته بأن مثل هذا الحوار غائب، وإن عدم اللقاء يؤدي إلى سوء الفهم، فالحوار واللقاء يمكن أن يُبدِلَّ الخلافاتِ ويطورها إلى تفاهم، لقد طورت مؤسسة آل البيت حواراً حقيقياً ليس فاقداً للهُوية بين أتباع الديانات السماوية المختلفة، قابله تعاون فعّال من أصحاب الفكر النيِّر الراغبين في بناء الثقة وتعزيز الاحترام المتبادل. والتجربة الأردنية هذه في إجراء حوار بين الطوائف الإسلامية، وإجراء حوار آخر بين الديانات المختلفة يبدو أنها مفيدة وصالحة للتعميم دفاعاً عن الإسلام الذي أصبح يتلقى التهم بالإرهاب تجنياً وظلماً.

            وقد دعمت القيادة الأردنية هذا التوجه ويقوم الأمير الحسن بن طلال بتكليف من الملك بالمضي قدماً بالمشروع الحضاري الكبير ذي الشقين الأول الحوار بين المذاهب والثاني الحوار بين أتباع الديانات حتى تتجلى صورة الإسلام الصحيحة وحتى لا يُسقط الجناة تهمهم الإرهابية على الإسلام.

            وعلى العرب ومنهم الأردن أن يتحملوا مسؤولياتهم بالمبادرة في إقامة الحوار واستمراره مع شعوب العالم بدياناتهم المتعددة لأن رصيد العرب والمسلمين رصيد غني بالنماذج الإنسانية والثقافية والاقتصادية والبيئية على المستوى الدولي( ).

            ومنذ عقد في عمان في 15/10/2002 مؤتمر "الرؤية المستقبلية" للقوات الخاصة في القرن الواحد والعشرين لمكافحة التهديد المتغير للإرهاب العالمي" الذي إنعقد على هامش معرض "سوفيكس" للصناعات العسكرية في عمان، كان موقف الأردن تجاه الإرهاب واضحاً ومبلوراً على النحو التالي:

-           يلتزم الأردن بالتعاون مع جميع المؤسسات الدولية في مكافحة الإرهاب.

-           يتعاون الأردن مع الجهود التي تقدمها الدول الأخرى في المجال الأمني والعسكري.

-           تبنى الأردن جميع القرارات التي إتخذها مجلس الأمن لمكافحة الإرهاب رقم 1189، 1296، 1333، 1368، 1373،

-           أبرم الأردن جميع الإتفاقيات التي تكافح الإرهاب.

وركز الموقف الأردني بعد أحداث 11/9 على ضرورة تجنب الربط الخاطئ والمغلوط بين الإسلام والإرهاب، كما حذر من إنتشار الرأي الذي يُحَمِّلُ العرب والمسلمين مسؤولية الهجمات الإرهابية. وبيّن أن المسلمين يعلمون جيداً تناقض الإرهاب وسفك الدماء مع تعاليم الإسلام.

            ودعا الأردن إلى الربط بين الدين والسلام، وضرورة التركيز على هذا الربط من أجل القضاء على "الأصولية".

            ويركز الموقف الأردني في كل مناسبة تتعلق بمكافحة الإرهاب على ضرورة وضع حل عادل للصراع العربي الإسرائيلي وأن التسوية السلمية للقضية الفلسطينية ستحقق السلام في المنطقة الذي سيحرم المتطرفين من اللعب على وتر العاطفة الدينية. كما ولا ينطلي على الأردن الموضوع الذي راق لبعضهم تسميته "بصراع الحضارات" ويعتبره تهديداً ضد الأنسانية المشتركة وضد قيم السلام والتعايش في العالم. وقد هدف الأردن من عقد مؤتمر الرؤيا المستقبلية للإرهاب إلى:

•           إظهار الدور القيادي للأردن في الجهود الموجهة لمحاربة الإرهاب وتقرير السلام في عالم متحضر.

•           زيادة التعاون بين الدول التي تشارك الأردن الأهداف.

•           تقليل أضرار النشاطات الإرهابية على حياة البشرية إلى أدنى حد ممكن.

•           التوصل إلى فهم مشترك لمكونات الإرهاب وجذوره وأسبابه والسياسات والبرامج لمكافحته.

•           إنشاء مركز في عمان لمكافحة الإرهاب لتنسيق الأبحاث المشتركة وتبادل المعلومات وعقد الندوات والمؤتمرات حوله( ).

وقد أسمع الأردن صوته للعالم مبيناً مفهومه للإرهاب في الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي هو على النحو التالي:

-           ينتعش الإرهاب كلما عم الظلم وغابت العدالة وزادت التخلخلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

-           إيجاد الحلول للقضايا الأساسية التي تعتبر منبعاً لليأس والإحباط، والحلول السليمة مصدر النجاح في مواجهة الإرهاب وحرمانه من التأييد.

-           يفتخر الأردن بالتعايش الذي ساهم فيه الإسلام عبر التاريخ بين أبناء البشر من مسلمين ومسيحيين وغيرهم منذ أربعة عشر قرناً، فالإسلام ساهم في بناء الحضارة الإنسانية على أساسات من الانفتاح والتسامح والتعددية.

-           العالم بحاجة ماسة لإطلاق حوار بين الحضارات لإبراز الجوامع المشتركة التي تزيد التسامح والتعايش والتفاعل، وتمثل الأمم المتحدة الإطار المناسب لهذا الحوار.

-           احترام التعددية فهي عامل إثراء للمجتمع الدولي.

-           رفض استخدام الإرهاب في العلاقات الدولية مهما كانت الذرائع.

-           لن يسمح الأردن للإرهاب باختطاف الإسلام للاختباء وراءه وخلق مواجهة بين الإسلام والعالم.

-           الحرب ضد الإرهاب ليست حرباً دينية ويجب أن لا تؤدي إلى صراع بين حضارة وحضارة أخرى أو بين أمةٍ وأمةٍ أخرى.

-           أن أعمال الإرهاب تثبت ضرورة قيام تعاون متبادل بين دول العالم للقضاء عليه، فمواجهة الإرهاب يجب أن تكون شاملة وموحدة حتى تكون ناجحة( ).

-           ويؤكد الأردن دائماً على موقفه الرافض للإرهاب والعنف وسوف يستمر في محاربته ويلات الإرهاب الموجه ضد الإنسانية وفي رفض ثقافة التطرف والعنف بغض النظر عن التبريرات والدوافع إدراكاً من الأردن لمخاطرها كوباء يهدد الأمن والإستقرار ليس في الإقليم بل وفي العالم، ولن يتوانى عن استخدام قوة القانون لمنع وصول الدعم إلى المنظمات غير الشرعية( ).

تصريحات المسؤولين تجاه الإرهاب:

            إن معرفة موقف الدولة تجاه موضوع محدد يتطلب للوهلة الأولى رصد تصريحات ومواقف الرسميين فيها، وبهذه الحالة يمكن معرفة الموقف الرسمي بشكله المعلن، ولا يعني هذا أن التصريحات الرسمية قد أتت بكل الحقائق الموجودة، يعتمد الأمر على مدى الالتزام بالشفافية، كما يعتمد على مدى الديمقراطية القائمة، يتساوى في ذلك دول العالم المتقدمة ودول العالم الثالث، فهل يكذب الحكام على العالم وعلى شعوبهم!! ولا ينكر أحد وجود ما يسمى بالتصريحات للاستهلاك المحلي وليس لإقرار الحقائق. ولمعرفة الحقيقة، فالتصريحات مؤشر ولكن الباحث لا يأخذها على غاربها فهو يربطها بكل الأجواء المحيطة بها وبعد ذلك يعصرها عصراً أو يخضها خضاً فأما الزبد فيذهب جفاءاً.

            إن موضوع الإرهاب وموضع الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وموضوع الصراع العربي الإسرائيلي أدخلت جميعها إلى علم السياسة مفاهيمَ لم تكن موجودة من قبل ومواقف تُدْخِلُ الحيرة لدى من يريد أن يعرف الحقيقة؛ وحتى الحقيقة أصبحت عجينة بل هلاماً، والكل يسبح إن لم يكن في الهواء ففي مياه آسنه. ولا يمكن أن يستمر الحال على ما هو عليه فالتجديد قادم لا محالة.

            والأردن ليس بمعزلِ عن تلك الصورة فهو يعيش كما يعيش الآخرون، ولكن ربما يفكر بطريقة مختلفة عن الآخرين إلى حدٍ ما، فله مصداقية محلياً وإقليمياً ودولياً، وله مكانته الموروثة والطامحة، وله واقعيته، فهو يفضل الوقوف على أقدامه وعلى أرض صلبة ولو كانت أشواكها تدمي الأقدام أحياناً، غير مُدَّعٍ وليس مُتَمَنْفِخاً؛ قد لا يقول إلا ما يقدر عليه، والكل يعرف-وهو يعرف قبل الآخرين-محدودية قدراته وليس محدودية تفكيره وآماله. نسج معادلةً للحياة تتلاءم مع معطياته، وحياته وسعادته تتوقف على سياسته ونجاحها. يحترمه ويقدره الكثيرون ولكن هناك من ليس كذلك يرجمهُ ليل نهار من الداخل ومن الخارج بحقد وكراهية غير مسنودة وغير مبررة، ولكن القافلة الأردنية تسير بل وتغذ المسير.

            ومعرفة المواقف الأردنية ليست أمراً عسيراً، فالسفير المعتمد في الأردن يسعد في مهمته لأنه لا يجد أبواباً موصدة، تكاد تصله المعلومة محمولة على طبق من ذهب إلى مائدته ومعها الابتسامات لأن المجتمع الأردني مجتمع مفتوح والأهم مجتمع غير مقموع فَلَيْسَ في عمان إلا ما يُيسر مهمة الدبلوماسي المعتمد( ).

            وليس هذا التيسير قصراً على الدبلوماسيين، بل وينعم به الإعلاميون من شتى مشاربهم وتعدد وسائلهم الإعلامية صحافةً أم إذاعةً أم فضائيات، فالخبر هو الذي يركض وراءَهم وقَلَّ أن يركضوا وراء خبر، والكثير منهم بنى أمجاداً ونجاحات إعلامية منطلقاً من الأردن، صحيح أن الأردن شكل مراراً مركز الحدث ولكنه بنفس الوقت يَسَّرَ وصول الاعلام إلى الحدث أو نقله بشفافية إلى وسائل الاعلام( ).

بعض من تصريحات القيادة حول الإرهاب:

            أكد الملك التزام الأردن العمل ما بوسعه لمواجهة الإرهاب الذي عانى الأردن منه كثيراً. وقد أرسل رسالة واضحة عالمياً بعد أحداث 11/9 بأنه يجب معالجة المشكلات الموجودة في الشرق الأوسط وخاصة القضية الفلسطينية، وإذا لم يتم إحراز تقدم في حلها فلن تُحل القضايا الأخرى. وهناك ضرورة بالغة للتمييز بَيْن الإرهاب والتحرر. وليس هناك إسلام معتدل وآخر متطرف. إن أحداث 11/9 ليست فقط قضية أيقظت العالم بل كانت مشكلة لجميع المسلمين، فهناك بعض المتطرفين الذين اتخذوا من الإسلام منبراً لأعمالهم الإرهابية ولا بد من تصحيح الصورة على مدى السنوات القادمة داخل المجتمعات الإسلامية وفي العالم( ).

            وقد سارع الأردن إلى إدانة الهجمات الإرهابية لسببين:

1-         لأنه يرفض قتل المدنيين الأبرياء مهما كانت الذرائع.

2-         لأن الإرهاب واحد مهما تعددت جنسيات أو ديانات مرتكبيه أو لون أو جنس أو دين ضحاياه.

لقد لاقت محاولات إلصاق تهمة الإرهاب بالعرب والمسلمين نجاحاً جزئياً بعد أحداث 11/9، فحاول ملك الأردن من خلال لقاءات وحوارات مع القادة والمسؤولين في الغرب توضيح صورة الإسلام الصحيحة. وقد عمل الأردن ما بوسعه أن لا تنعكس الأحداث الإرهابية سلبياً على القضية الفلسطينية، ولكن ذلك حدث بالفعل فاستغلت إسرائيل ظروف انشغال أمريكا ومعها العالم في مكافحة الإرهاب لتنفيذ أجندتها محاولة القضاء على عملية السلام وانهيار السلطة الوطنية الفلسطينية( ).

            وقد أكد رئيس الوزراء على ما جاء في أحاديث الملك من أن الأردن كان من أكثر الدول التي استهدفها الإرهاب، وأن الأردن رافض للإرهاب شكلاً ومضموناً وأنه يجب التفريق بين الإرهاب الأعمى الذي لا دين له ولا جنسية من جهة؛ وبين النضال والتحرر من جهة أخرى وإنهاء الاحتلال، وناشد رئيس الوزراء الولايات المتحدة بمراجعة سياستها وسلوكها تجاه منطقة الشرق الأوسط التي لا يمكن أن يحل فيها الاستقرار والسلام إلا إذا تم حل النزاع العربي الإسرائيلي حلاً بضمن الحقوق المشروعة للفلسطينيين في إقامة الدولة الفلسطينية على التراب الفلسطيني على أن تكون القدس الشريف عاصمتها( ).

مواقف أردنية في المحافل الدولية:

            في مطلع السبعينيات وحين بدأ الإرهاب يتجلى في خطف الطائرات وحجز الرهائن، كان في الأردن استنكار للاعتداءات على المدنيين العزَّل من السلاح، حتى واستنكار للنضال القومي في غير أرض المعركة لأن ذلك لن يجلب إلا الضياع والتبدد والخسران في هذا العالم المجنون الضالع مع الباطل المجانب للحق، "لكننا نأبى لأمتنا الاستخذاء الأبدي للمذلة ونربأ بها أن تتحول إلى أمة من الخصيان"( )، لذلك فإن نقل الكفاح إلى مناطق خارج أرض القضية لن يأتي إلا بالخسارة إلى القضية ويشوه وجهها ويفقدها تعاطف الرأي العام العالمي؛ بل والأقبح من كل ذلك أنه يحول العمل الوطني إلى إرهاب أي إلى أدنى درجات السقوط والانهيار( ).

            وكان الموقف الأردني الرافض للإرهاب بكافة أنواعه وأشكاله يكثف جهوده ويوالي إتصالاته من أجل وقف العمليات ضد المدنيين الأبرياء مهما كانت جنسياتهم فلسطينيين أو إسرائيليين، ويعتبرها عمليات مرفوضة سياسياً وإنسانياً لأنها تعرقل الجهود الدبلوماسية خاصة وأنه من الملاحظ أن معظم تلك العمليات كانت تقع في الوقت الذي تتكثف فيه الجهود الدبلوماسية، وواضح أنها تريد إفشالها الأمر الذي يرمي بالشكوك على مقاصد تلك العمليات فتبدو وكأنها لا تريد إنهاء الاحتلال ولا تريد إقامة الدولة الفلسطينية، أو-وبفرض حسن النية-فتبدو وكأنها لا تريد إنهاء الاحتلال ولا تريد إقامة الدولة الفلسطينية إلا على طريقتها الخاصة وحدَها والتي يشك الكثيرون في جدواها، إذ يقيمونها بأنها تعرقل إزالة الاحتلال الإسرائيلي وتنعكس سلباً على فرص استئناف الجهود  السلمية( ).

            وبرز في مؤتمر وزراء خارجية منظمة المؤتمر الإسلامي التاسع والعشرين المنعقد في الخرطوم بتاريخ 25/6/2002 موقف أردني قوي ضد الإرهاب لأنه كان يشعر بمرارة المواقف العالمية ضد الإسلام: "فمنذ فجر الإسلام لم تواجه الأمة الإسلامية من تنامٍ لمشاعر العداء والكراهية ضد الإسلام والمسلمين في شتى أنحاء العالم"، هناك حملة إعلامية شرسة تربط الإرهاب والعنف وتعزوه إلى الإسلام. وتتناسى هذه الحملات الإعلامية أو تتغاضى عن الحقائق التي تثبت وجود الإرهاب في جميع المجتمعات فوجوده ليس قصراً أو حكراً على دين أو عرق أو لون أو ثقافة بذاتها.

            إن الجهود التي تقوم بها منظمة المؤتمر الإسلامي رغم أنها كانت رائدة في وقفتها بقوة ضد الإرهاب لكن خطورة الإرهاب تتطلب من الجميع أن يدفعوا نحو التوصل إلى إتفاقية شاملة لمكافحة الإرهاب تحدد الإرهاب بالضبط بما لا يبقى شكاً أو لَبْساً بينه وبين العمل الوطني ضد الاحتلال في إطار وتحت مظلة الأمم المتحدة. وحث الأردن المنظمة لاستنهاض أجهزتها لتنفر دفاعاً عن الإسلام ضد الهجمة الشرسة، ولتبين الوجه السمح للإسلام ودعوته للتعايش مع الأديان الأخرى. والأردن يرى أن على منظمة المؤتمر الإسلامي تكوين جهاز إعلامي كفؤ يعرف كيف يخاطب العالم، كما أن على المنظمة أن تبادر بفتح حوار وتفاعل إيجابي مع العالم يُصوب الأفكار المدسوسة على الدين والحضارة الإسلامية، ويقف بوجه النظريات المروجة لصدام الحضارات-كنظرية هنتنجتون" والتي ترمي بالشبهات والاتهام على ملايين البشر من المسلمين المقيمين في أوطانهم والمقيمين في المهجر.

            ويعي الأردن جيداً الحالة الظالمة التي يتعرض لها الفلسطينيون من قبل الاحتلال الإسرائيلي الذي أجاد استغلال ببشاعة وجشع انشغال المجتمع الدولي بمحاربة الإرهاب بل وجيّر كل الحملة الدولية لصالحه فأسقط المقاومة المشروعة ضد الاحتلال في درك مفهوم الإرهاب( ).

            وقد تبع موقف الأردن هذا في منظمة المؤتمر الإسلامي، موقفٌ لا يقل عنه وضوحاً وتفصيلاً في الجمعية العامة للأمم المتحدة، واعتبر تجاوب مجلس الأمن السريع والحاسم على إرهاب 11/9 أنه كان في مستوى التحدي، لذلك فالأردن يرى أن منظمة الأمم المتحدة هي الإطار الأمثل لتحرك الجميع عندما تتوفر لديها الإرادة السياسية والقناعة بأهمية الحدث. أقرت الجمعية العامة قرارها رقم 1/56 وأقر مجلس الأمن قراريه 1368، 1373، فاكتمل بتلك القرارات المنطلق للحملة الدولية الواسعة ضد الإرهاب، "وكان الأردن دائماً في طليعة الجهود الدولية لملاحقة الإرهاب وتجفيف منابعه تمهيداً للقضاء عليه"، وأدان الإرهاب بكل أنماطه وصوره وأشكاله مهما كان مصدره ومهما كانت أهدافه أو تبريراته ومهما كانت ضحاياه لأنها كلها إجرامية.

            ويرى الأردن أن إستئصال الإرهاب هدف مشترك للمجتمع الدولي، ويَلفت الأنظار والانتباه إلى المحاولات الحاقدة التي تتحرك بدوافع خبيثة للربط بين الإرهاب والإسلام، لذلك فالأردن يدعو المجتمع الدولي إلى إحباط هذه المحاولات المريبة، وعدم التصدي لها يفسح المجال لسقوط العمل الجماعي لتحقيق القضاء على الإرهاب وتصفيته( ).

            ويدين الأردن بقوة قتل واستهداف المدنيين الفلسطينيين والإسرائيليين في موجة العنف التي تجتاح الأراضي الفلسطينية، إذ يتعرض الفلسطينيون على يد الجيش الإسرائيلي إلى إنتهاكات صارخة للقانون الدولي الإنساني التي تضرب عرض الحائط بتأكيدات الأطراف المتعاقدة في "جنيف" في مؤتمرها سنة 1999 على وجوب تطبيق أحكام اتفاقية جنيف الرابعة في الأراضي العربية المحتلة، وحث الأردن المجتمع الدولي على ضرورة الالتزام وإلزام إسرائيل للحيلولة دون الإفلات من عواقب الجرائم المرتكبة ضد الفلسطينيين من قِبَل الجيش الإسرائيلي وتوفير الحماية للفلسطينيين حسب تقرير السيدة "روبنسون" المفوض السامي لحقوق الإنسان. لقد أعلن الأردن بصراحة أن إسرائيل تنتهك إنتهاكاً صارخاً ومنظماً اتفاقية جنيف الرابعة، ولذلك فإن الواجب يحتم على الدول الموقعة عليها العمل على فرض احترام الاتفاقية وتنفيذها من قبل إسرائيل بأن توقف انتهاكاتها دون إبطاء.

            إن المادة 148 من الاتفاقية لا تجيز لأي طرف متعاقد أن يتحلل أو يسمح لطرف آخر بالتحلل من المسؤوليات التي تقع عليه فيما يتعلق بالانتهاكات الجسيمة للإتفاقية. إن انتهاكات إسرائيل المتصاعدة تزيد من دوامة العنف، لذلك فإن إعادة الأمن للمِنْطقة مسؤولية أساسية للأطراف المتعاقدة حتى تتوفر البيئة المناسبة لاستئناف الجهود السلمية. ويتحتم على إسرائيل أن تسمح دون إبطاء وفوراً لنشر مراقبين دوليين في جميع الأراضي الفلسطينية.

            إن هذا الموقف الأردني القوي قد وصف استخدام إسرائيل المتعمد وسائل البطش ضد المدنيين العرب بقتلهم واغتيالهم ومصادرة ممتلكاتهم-الذي تبرره إسرائيل بضرورات عسكرية -بأنه يشكل انتهاكاً صارخاً للمادة 147 من الاتفاقية.

            وبذلك ومع كل هذا الوضوح في المواقف الأردنية البعيدة عن الضعف وبدون لف أو دوران، لم يُبْقِ الأردن مجالاً إيجابياً لم يطرقه، ولم يستثنِ مواقفَ صُلبةً لم يتخذها( ).

            وفي الوقت الذي يدرك فيه الأردن أن الإرهاب الذي أصبح الآفة التي تهدد العالم بل وتجتاحه، يدرك أيضاً أن الإرهاب يزدهر وينمو في بيئته الخصبة وهي البيئة التي تعاني منها الشعوب من التهميش وعدم الاكتراث بوضع الحلول لقضاياها، ويدرك الأردن تماماً أن هذا الفهم للإرهاب لا يمكن أن يشكل أساساً لتبرير أي سلوك إرهابي طالما عانى منه وكلَّفَهُ دماً وأمناً وتنميةً.

            إن المواقف الأردنية التي تدين الإرهاب بكافة أشكاله وصوره ومستوياته ومصادره وأهدافه هي دافع وتحفيز لخوض معركة سياسية وفكرية وثقافية بهدف إيقاف حملات الكراهية التي تتعرض لها العروبة والإسلام، ولدعوة العالم لِتَحمُّلِ مسؤولياته في إيجاد الحل العادل والشامل لقضايا أمتنا وتأمين مناخات السلم والتنمية لشعوب المنطقة التي عانت من ويلات الاحتلال وما زالت تُفرض عليها التضحيات عبر كفاحها المشروع للتحرير وفقاً للمبادئ الدولية وحقها في تقرير المصير.

            "لقد أعلن الملك في أكثر من مناسبة أن الإنسان الذي يقاوم الاحتلال هو إنسان وطني ومناضل ومن الخطأ الكبير وصْفُهُ بالإرهاب. والدليل أن الاتفاقية العربية سنة 1998 التي أجمعت عليها الدول العربية قد سَمَتْ بالكفاح ضد الاحتلال وحَطَّتْ بالإرهاب( ).

            وقد دعا الأردن من خلال وزراء الداخلية العرب إلى إرسال رسالة واضحة لشعوب العالم لا لَبسَ فيها ولا غموض للتمييز بين الإرهاب الذي يتوجب على العالم جميعاً محاربته والمقاومة المشروعة ضد الإحتلال وفقاً للمواثيق الدولية والتي يتوجب على العالم الحر مساندتها، ولقد توصل مجلس وزراء الداخلية مع مجلس وزراء العدل العرب إلى صياغة تعريف ومفهوم دقيقين لماهية الإرهاب والجريمة الإرهابية في الاتفاقية العربية إذ جاء تعريف الإرهاب منسجماً مع مبادئ الأمم المتحدة.

            إن الإرهاب الذي يحاربه الأردن هو الذي يُجَسِّدُ مفاهيم العنف والكراهية والبغضاء، وهو الذي يتناقض مع مبادئ الدين الإسلامي الحنيف. لذلك يرى الأردن أن مكافحته واجب أخلاقي ووطني وديني وقومي إنطلاقاً من الشريعة الإسلامية التي تحرم قتل النفس البريئة وترويع الآمنين والاستهتار بالنفس البشرية، لذلك فإن واجب الأردن الذي التزم به هو الوقوف بحزم ضد الحملات الظالمة التي تهدف إلى تَشويه الإسلام كدين وحضارة ونمط حياة، كما أن من واجبه إظهار صورة الإسلام السمحة وإبراز عطاء المسلمين المميز في صرح الحضارة الإنسانية عبر العصور( ).

            ومن استعراض الأحداث يبدو أن الأردن كان في اشتباك دائم ومواجهة مع تنظيم القاعدة ومنذ سنوات طويلة وقبل أحداث 11/9. والأردن من أوائل الدول التي أعلنت انضمامها إلى الحملة الدولية ضد الإرهاب فعلياً وعلى الأرض، وقام بتزويد الدول الشقيقة والصديقة بمعلومات أمنية وساهم في إنقاذ الكثير من الأرواح في الوقت المناسب؛ وأبطل مفعول الجريمة قبل وقوعها، "وللأردن مع أمريكا علاقات تعاون وفي كل إتجاه" علاقات علنية قبل الحملة على الإرهاب.

            وقد حاول تنظيم القاعدة دائماً إختراق الساحة الأردنية وكانت الأجهزة الأمنية متيقظةً وواعية له دائماً، بل وقدم الأردن ما لديه من معلومات ساهمت بفعالية لمكافحة الإرهاب "وهذا الأمر ليس سراً. نسَّق الأردن وينسِّقُ مع الولايات المتحدة في كثير من الملفات، وبين الأردن والولايات المتحدة إتفاقات أمنية تشكل إطاراً قانونياً لحالات تبادل تسليم المطلوبين، ويؤكد وزير الإعلام "إننا ننسق مع الولايات المتحدة فعلاً ونؤمن بما نفعل، وليس جديداً أننا ضد القاعدة وضد أسامة بن لادن وأنه هو ضدنا. إننا لا نخفي الحقائق خصوصاً إذا كانت تشكل عمقاً لثوابتنا ومصالحنا"( ).

            وهناك رأي آخر داخل الأردن ومن قطاع غير رسمي ينتقد مواقف الدول العربية المتعاونة مع أمريكا في محاربة الإرهاب لأن أمريكا تعتبر كفاح الشعب الفلسطيني إرهاباً وتصف السفاح شارون برجل السلام. وجاء في بيان تم توزيعه في عمان في 25/3/2002: يطالب البيان بفضح وإسقاط شعار الإرهاب، لأن معظم الدول العربية تُعْلِنُ تعاونها مع أمريكا على قمع الإرهاب رغم أنها تعتبر المقاومة الفلسطينية واللبنانية منظمات إرهابية"( ).

الأردن يشجب حادثي الرياض والدار البيضاء:

            وقع حادث إرهابي في الرياض إذ تم تفجير ثلاثة مجمعات سكنية يقطنها أجانب أودى بحياة 34 قتيلاً-منهم خمسة أردنيون- ومائتي جريح في 13/5/2003. تلاه حادث في الدار البيضاء بعد يومين أودى بحياة أربعين قتيلاً ومائة جريح.

            وكان موقف الأردن تجاه هذين الحادثين هو الشجب والطعن بالإرهاب مع التركيز على الحث على ضرورة الكشف عن خيوط الجريمة وملاحقة مرتكبيها. كما أكد الموقف على أن الأردن يدعم السعودية والمغرب وكل الدول التي تقاوم الإرهاب وتحارب التهديد الذي يسيء إلى الإسلام البريء من كل هذه الأعمال. وبنفس الوقت لا بد من خلق مناخ إيجابي في المِنطقة لقطع الطريق أمام هذه المجموعات الإرهابية التي تستغل يأس الناس وشعورهم بالغبن. وحال عدم الاستقرار في الشرق الأوسط لا يمكن قبوله كمبرر للإرهاب، ولكن على العالم أن يعمل ويعين المنطقة بخلق الظروف التي تمنع نمو مناخ اليأس وعدم الاستقرار( ).  وأعاد وزير الإعلام التأكيد من جديد بعد حادث الدار البيضاء أن مسؤولية مكافحة الإرهاب هي مسؤولية جماعية تقتضي تكاتف جميع الدول لا سيما في مِنطقة الشرق الأوسط، وأكد أيضاً أن الإسلام بريءٌ من كل هذه الأعمال البشعة( ).

رأي غير مماثل:

            وهناك رأي إعلامي أردني غير مماثل للرأي الرسمي الذي أعلنه رئيس الوزراء وزير الإعلام، ونظر إلى الإرهاب من زاوية أخرى تماماً: صحيح أن الأردن عاني من الإرهاب منذ سقوط الملك المؤسس على عتبة المسجد الأقصى إلى هزاع إلى وصفي إلى السفراء إلى عشرات الأبناء الذين تطايرت أشلاؤهم في حدود الرمثا وفي رئاسة الوزراء. لقد حارب الأردن الإرهاب قبل أن ينعم ابن لادن بجنان الأحضان الأمريكية وقبل أن يتدفق كرم أهل النفط بعشرات المليارات من الدولارات لتحرير أفغانستان، لذلك فمن الأهمية بمكان أن تجيب واشنطن على هذين السؤالين:

-           كيف يستطيع العرب أن يحتجوا على السياسات الأمريكية تجاه هذه المنطقة؟

-           كيف يستطيع العرب رفض الوجود العسكري الأمريكي الإحتلالي الثقيل الرابض على صدورهم وأعناقهم؟

ويبدو واضحاً أن هناك من يؤيد عمل العنف ضد النفوذ والوجود الأجنبي وإن كان لا يبرر عمل العنف صراحةً؛ لكنه يُشدد على الحق الشرعي للعمل بكافة الوسائل لطرد النفوذ الأجنبي وخاصة فيما يتعلق بالإحتلال الإسرائيلي الذي هدم البيوت دون أن يؤدي الأمر إلى إدانة واحدة؛ في الوقت الذي بلغت فيه مجموع البيوت الفلسطينية المهدمة أضعاف ركام المجمعات السكنية في الرياض أو في نيويورك أو الدار البيضاء، "بل بلغ مجموعها ما يساوي حجم مدينة أمريكية كاملة"، ومع ذلك فإن الإرهاب الإسرائيلي لا يلاقي موقفاً أمريكياً شاجباً أو منتقداً بل داعماً ومتعاطفاً ضميرياً وأخلاقياً معه!!( ).

قانون معدل لقانون العقوبات:

            إنسجاماً مع الموقف الذي إتخذه الأردن في محاربة الإرهاب، وبصفته عضواً فعّالاً في المجتمع الدولي ساهم في إتخاذ القرارات الدولية ذات الصلة فلا بد أن يتكيف مع تلك القرارات ويلتزم بما جاء فيها حيث إنها تصب في خانة مكافحة الإرهاب الأمر الذي يسعى إليه الأردن.

            فصدرت الإرادة الملكية بالمصادقة على قانون مؤقت معدل لقانون العقوبات يتضمن تعريفاً للإرهاب وينقل العقوبات الخاصة بالمطبوعات من قانون المطبوعات إلى قانون العقوبات( ). قانون مؤقت رقم 54 سنة 2001، دخل حيز التنفيذ في 2/11/2001.

مادة 1- يسمى هذا القانون بقانون معدل لقانون العقوبات لسنة 2001 ويقرأ مع القانون رقم 16 لسنة 1960.

مادة 2- يُلغى نص المادة 147 من القانون الأصلي ويستعاض عنه بالنص التالي: 1- يقصد بالإرهاب إستخدام العنف أو التهديد باستخدامه أياً كانت بواعثه أو أغراضه يقع تنفيذاً لعمل فردي أو جماعي بهدف الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر إذا كان من شأن ذلك إلقاء الرعب بين الناس وترويعهم أو تعريض حياتهم وأمنهم للخطر أو إلحاق الضرر بالبيئة أو المرافق والأملاك العامة أو الأملاك الخاصة أو المرافق الدولية أو البعثات الدبلوماسية أو بإحتلال أي منها أو الاستيلاء عليها أو تعريض الموارد الوطنية للخطر أو تعطيل أحكام الدستور والقوانين.

2- يعد من جرائم الإرهاب أي فعل يتعلق بأي عملية مصرفية وبصورة خاصة  إيداع أموال لدى أي بنك في المملكة أو أي مؤسسة مالية تمارس أعمال البنوك، أو تحويل هذه الأموال من قبلها إلى أية جهة كانت إذا تبين أنها أموال مشبوهة ولها علاقة بنشاط إرهابي، تطبق عليها الإجراءات التالية: أ- الحجز التحفظي بقرار من النائب العام إلى حين استكمال اجراءات التحقيق. ب- قيام النائب العام بالتنسيق والتعاون مع البنك المركزي أو أي جهة ذات علاقة محلية كانت أو دولية بالتحقيق في القضية وإذا ثبت له أن لتلك العملية المصرفية علاقة بنشاط إرهابي فتتم إحالة القضية إلى المحكمة المختصة. جـ- يعاقب من يرتكب هذه الجريمة بالأشغال الشاقة المؤقتة ويعاقب الإداري المسؤول في البنك أو المؤسسة بالحبس وتتم مصادرة الأموال( ).

            ورد تعريف الإرهاب سابقاً في المادة 147 من قانون العقوبات على أنه يشمل جميع الأفعال التي ترمي إلى إيجاد حالة ذعر وترتكب بوسائل كالأدوات المتفجرة والمواد الملتهبة والمنتجات السامة أو المحرقة أو العوامل الوبائية أو الجرثومية التي من شأنها أن تحدث خطراً عاماً … وقد إستُبْدِلَ هذا التعريف وحل محله تعريف أكثر إتساعاً بموجب المادة 147- من القانون الذي أوردناه فأصبح المقصود بالإرهاب إستخدام العنف أو التهديد باستخدامه تنفيذاً لعمل فردي أو جماعي يهدف إلى الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر إذا كان من شأن ذلك إلقاء الرعب بين الناس وترويعهم أو تعريض حياتهم وأمنهم للخطر، ويتسع المفهوم الجديد ليشمل الأفعال التي تلحق الضرر بالبيئة أو المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة أو الدولية أو البعثات الدبلوماسية أو بإحتلال أي منها أو الإستيلاء عليها أو تعريض الموارد الوطنية للخطر أو تعطيل تطبيق أحكام الدستور والقوانين. وتم توجيه الملاحظات الإنتقادية التالية على القانون الجديد:

-           التعريف واسع للغاية، ويماثل التعريف الذي ورد في الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب بأنه كل فعل من أفعال العنف أو التهديد به…

-           إن إستخدام كلمة "تهديد وُصِفتْ بأنها مثيرة للقلق لأنها تفسح المجال لتوجيه تهمة الإرهاب حتى إلى الأشخاص الذين لم يرتكبوا أعمال عنف، مثلاً بسبب انتمائهم التنظيمي إلى الجماعات المعارضة التي تستخدم العنف.

-           عبارة "الأفعال التي تلحق الضرر بالبيئة" عبارة غامضة إذ يمكن أن تشمل الأضرار الطفيفة التي تتسبب بها مظاهرة سلمية مرخصة.

-           عبارة "الاستيلاء على البعثات الدبلوماسية أو إحتلالها في غياب أي تحديد واضح للدرجة التي يعتبر العمل فيها إرهاباً، يمكن أن تستخدم ضد الأشخاص الذين يتظاهرون أمام إحدى السفارات، الأمر الذي يشكل خطراً على "حرية" الاشتراك في الجمعيات، وعلى "حرية" التعبير.

-           وعلاوة على ما تقدم فإن المادة 147/2 تعتبر فعلاً من أفعال الإرهاب العملية المصرفية التي إذا تبين فيما بعد أنها مشبوهة ولها علاقة بالإرهاب.

-           ولذلك وحسب المادة 147/2-جـ فإن المسؤول عن إجراء تلك العملية في البنك تحل عليه العقوبة وتتم مصادرة الأموال.

-           هنالك قلق من إحتمال إدراج دعم الأنشطة الخيرية تحت تعريف الإرهاب وبالتالي تجريم ذلك الدعم.

-           يوسع القانون نطاق الجرائم الإرهابية التي يعاقب عليها بالسجن أو الموت. وفي حين أن المادة 148 تقضي بعقوبة الإعدام على فعل الإرهاب ‘إذا أودى فقط بحياة الإنسان، فإن المادة 148-4جـ تقضي بعقوبة الإعدام إذا تم إرتكاب الفعل باستخدام المواد المتفجرة أو الملتهبة أو المنتجات السامة أو المحرقة أو الوبائية أو الجرثومية أو الكيماوية أو الإشعاعية أو ما شابهها سواء أدى ذلك إلى الوفاة أم لا.

-           ومن بين الأفعال التي يعاقب عليها القانون بالسجن المؤبد تعطيل سبل الاتصالات، أو أنظمة الحاسوب أو إختراق شبكتها أو التشويش عليها حسب المادة 148-3هـ( ).

وعلى العموم لم يكن الأردن فريداً أو منفرداً في تعديل القانون الذي يحارب الإرهاب ليتسع مداه وتتشدد عقوباته، إن نصوص القرارات التي اتخذتها الجمعية العامة للأمم المتحدة ونصوص القرارات التي اتخذها مجلس الأمن وبالذات القرار 1373 يلزم الدول بتطوير تشريعاتها نحو الاتساع والتشدد في محاربة الإرهاب. ويُخْضِعُها في التنفيذ لمتابعة ومراقبة اللجنة التي شكلها مجلس الأمن لتنفيذ نصوص القرار. إن أية إنتقادات موجهة للتشريع الأردني لا تستند على أرضية صُلبة فالأردن عضو فعال في المجتمع الدولي ولا بد له أن يلتزم بقرارات مجلس الأمن والشرعية الدولية بل هي الوسيلة لديه لمحاججة غيره بالالتزام بالقرارات الدولية، إن المنطق والعقل والمصلحة تتطلب ذلك.

الأردن المُسْلِمُ ضد الإرهاب:

            تاريخ الأردن النابع من الثورة العربية الكبرى، والإرث العظيم الذي رفعت لواءه الثورة العربية الكبرى، يُحتم على الأردن المعاصر أن يُجنِّدَ كل طاقاته دفاعاً عن الإسلام الذي أصبح موضعَ هجوم شديد من الإرهابيين؛ والأدهى من ذلك مِن الذين يهاجمون الإرهاب، فالإرهابيون أساءوا للإسلام بمصادرته ومحاولة تسخيره لمآربهم الخاصة، والذين يكافحون الإرهاب نزلوا تجريحاً بالإسلام لأنهم يرون فيه ديناً إرهابياً، لذلك أخذت القيادة الأردنية على عاتقها الدفاع عن الإسلام أمام هذه الهجمة الشرسة، وبالذات لم يتوان الملك عن بَذْلِ كل الجهود في هذا الإتجاه.

            فسعى جلالته في جميع لقاءاته مع المسؤولين في العالم وبخاصةٍ المسؤولين في الولايات المتحدة وفي أوروبا لتوضيح الصورة الناصعة للدين الإسلامي، وضرورة تبيان أن الحرب في أفغانستان ليست حرباً ضد الإسلام بل حرباً ضد المتطرفين. ولاحظ كما لاحظ المسلمون أن في الغرب محاولاتٍ جادةً تقرن الإسلام بالإرهاب، وذلك أمر مرفوض لا يتقبله المسلمون لأن التعاليم الإسلامية ترفض القتل وتنبذ الإرهاب. إنَّ التزام الأردن بمكافحة الإرهاب نابع أولاً وأخيراً من إيمانه العميق بأن الإسلام بريء من هذه التهمة التي يلصقها به الآخرون. وقال الملك في خطابه في القمة العاشرة لمنظمة المؤتمر الإسلامي المنعقدة في ماليزيا في 10/10/2003 "إن وضع المسلمين في دائرة الإتهام هو أبشع صور الإرهاب".

            لقد عانى الأردن من الإرهاب كما بينا سابقاً وعانى اليوم( )-ولا نعتقد بأن الأمر سيتوقف هنا- من الذين يتسترون وراءه لتحقيق أهدافهم الخبيثة. لذلك حينما يقف الأردن متضامناً مع المجتمع الدولي لمحاربة الإرهاب إنما يقف دفاعاً عن الإنسانية وعن نفسه.

            هناك حقيقة لا بد من التأكيد عليها ويجب أن يعيها الجميع وهي الانتباه والحذر من عدم خلط المفاهيم والمصطلحات، فالإنسان الذي يضحي بدمهِ وروحهِ ضد الاحتلال هو إنسان رمز لأمته؛ ومن الخلط الكبير وصفه بالإرهاب. وبنفس الوقت هناك حقيقة أخرى لا بد من إدراكها أيضاً وهي أن قتل الأبرياء أمر لا يمكن قبوله أو السكوت عنه مهما كانت جنسياتهم لأن ذلك لا يولد إلا العنف الذي يولد بدوره عنفاً آخر فتنعدم إمكانية الحوار.

            وحينما يدعو الأردن إلى البحث في جذور الإرهاب فهو يدعو في حقيقة الأمر إلى حل القضايا الإقليمية التي تأتي في مقدمتها بدون منازع القضية الفلسطينية التي يجب حلها حلاً عادلاً بما يرضي الفلسطينيين ويعيد إليهم حقوقهم، وحينها سينتهي الصراع من جذوره.

ويقول الملك "كنت ضيفاً على صديق عربي في يخته. وردتنا معلومات عن كمين نُصب لنا. فقلت لأخي الأمير علي مازحاً لنرسل العائلة ونستعد للمواجهة المسلحة. بكل أسف كانت تلك هي إجازتي الوحيدة منذ سنتين وقد أفسدوها علي، لكن لم يحدث أي شيء والحمد لله ولم تكن هناك مواجهة إذ تم الكشف عن المؤامرة في مهدها"( ).

            لقد قامت جميع الدول الإسلامية( ) وجميع مراكز الدراسات الإسلامية؛ وأيضاً جميع المنظمات الإسلامية بشجب وإدانة الإرهاب الذي تجسد في هجمات 11/9 لأن عقيدة الإسلام تأمر بذلك وليس خوفاً من الولايات المتحدة وليس من قبيل اللياقات الدبلوماسية. ولكن الأردن لا يرى ذلك كافياً بل يتحتم القيام بما هو أكثر من ذلك؛ وهو التأكد من أن صوت الإسلام قد أصبح مسموعاً، فعلى المسلمين أن يُجاهروا وبشجاعة وبغير وجل دفاعاً عن الإسلام المعتدل الذي يقدس حياة الإنسان ويؤاخي بين البشر ويدافع عن المضطهدين ويخدم المرأة والرجل. وعلى الديانات الأخرى كما على الإسلام التصدي لعدم إتاحة الفرصة للذين يستغلون الدين لزرع الفرقة بين البشر، وخاصةً في الديار المقدسة إذ يجب إنهاء الإضطهاد والإحتلال والبحث عن مستقبل فيه الأمل. كان الملك المؤسس والملك الباني متأكدين بأن التطرف لن ينتهي إلا حين التوصل إلى حل عادل للصراع العربي الإسرائيلي وحينها سينعم العالم بالسلام بعد قيام دولة فلسطينية كاملة السيادة، "وإسرائيل مندمجة مع جيرانها العرب"( ).

            لقد تعرضت سمعة العرب والمسلمين لأبشع الحملات، حتى أصبحت لفظة الإرهاب لدى الكثير من الجهات تعني العربي والمسلم. لذلك فإن دحض تلك الحملات يحتاج عملاً مُنيراً دؤوباً وإجراءَ حوارٍ فعال فلا يمكن أبداً للحضارة العربية الإسلامية التي تدعو للسلم والتسامح واحترام الإنسان والدفاع عن كرامته وحقوقه أن يكون أبناؤها أدوات لقتل الأبرياء والعُزَّل المدنيين. فموقف الإسلام ضد الإرهاب واضح ومن المؤلم أن العالم لا يريد أن يفهم أن الإرهاب يدمر ويقتل من المسلمين أكثر من غيرهم، لذلك فالمسلمون والعرب مطالبون بالعمل الحثيث على تحسين صورتهم الزاهية ببناء مواقف جماعية وتوصيلها للعالم بل وإرسال رسائل للعالم متكررة لإدانة الإرهاب( ).

            تكاثرت التيارات على الساحة السياسية التي تدعي بأنها تُمثل الإسلام وما هي في حقيقة الأمر إلا تيارات تستغل الإسلام خدمة لأهدافها السياسية والحزبية والفردية الخاصة بها مستخدمة العنف كوسيلة للوصول إلى تحقيق مقاصدها. والمتتبع لهذه التيارات والأعمال التي قامت بها والصورة التي عكستها أمام العالم لا يستنتج إلا أنها قد عملت على تشويه صورة الإسلام ومبادئه في الاعتدال والتسامح، فالإسلام هو دين "الوسطية" وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [البقرة 143]. وهو دين الحوار بالعقل والحجة تجسيداً لقوله تعالى: ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ " [النحل 125]، فالدعوة بالحكمة والموعظة وليس بالعنف والإرهاب كما تفعل بعض التيارات المُدَّعِية.

            وهناك تيارات تحمل إسم الإسلام تعتمد على التعصب والانغلاق بل والانعزال وكأنها لا تعلم أن أول كلمة أُنزلت في القرآن الكريم هي، "إقرأ" أي الدعوة إلى العلم والمعرفة. إن هذه التيارات المنغلقة تتساوى في خطورتها على الإسلام مع التيارات السابقة التي تستخدم العنف. وجميعها تيارات متخلفة مخادعة تسمم أفكار الأجيال الصاعدة وتغويهم لاستغلالهم في أهداف لا علاقة لها بالإسلام ولا بالمسلمين.

            لذلك فإن الواجب الوطني والديني يحتم التصدي لتلك التيارات المشبوهة وفضح إفتراءاتها على الإسلام، ويقول الملك عبد الله "أنا كمسلم هاشمي يتشرف بالانتساب إلى سيدنا محمد أشعر أن من واجبي أن أكون في طليعة المدافعين عن الإسلام ضد كل من يحاول الإساءة إليه أو تشويه صورته النبيلة بأي شكل من الأشكال"( ).

ويستشهد جلالته بعفو الرسول عن كل أعدائه ومنحهم الأمان عندما دخل مكة فاتحاً، كما يستشهد بأوامر الخليفة لجيوش الفتح بأن لا يقتلوا طفلاً أو شيخاً أو امرأة أو حتى شجرة أو شاةً. كما أن صلاح الدين الأيوبي حينما حرر القدس لم يماثل الفرنجة الذين قتلوا حتى النساء والأطفال من المسلمين.

        وبهذه المناسبة يجب التأكيد على أن القتل والعنف ضد الأبرياء هو من تاريخ غير المسلمين الذي مارسوه ضد المسلمين. ولم يكن العنف أبداً من ثقافة المسلمين ولا من أساليبهم في تعاملهم مع الغير(1).

يدعو الدين الإسلامي للحياة والعمل من أجل العدالة وتعزيز التسامح "ونحن في كل يوم نشارك في النعمة الألهية بقولنا السلام عليكم"، ذلك هو الصوت الحقيقي للإسلام، لكنه ليس الصوت الذي يسمعه الأمريكيون دائماً كما يقول الملك، إذ إنهم يسمعون ما يطلقه "الأصوليون" من أصوات كراهية وحقد، فهم استبداديون يسعون إلى السلطة بالعنف وسفك الدماء يرفضون اعتدال الإسلام الأصيل وانفتاحه وهي المزايا التي جعلت من العالم الإسلامي الوطن التاريخي للتعددية والعلم. إن عنفهم ليس جهاداً أو حرباً مقدسة( ).

            والعالم الإسلامي بحاجة ماسة إلى حوار داخلي أو ذاتي من أجل إسماع الصوت الحقيقي للإسلام. الإسلام لا يسمح بقتل الأبرياء المدنيين وبعيد كل البعد عن قبول الإرهاب يُعزز ويقدس الحياة الإنسانية، قال تعالى": (يأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ) [الحجرات 13]. الإسلام ليس عقيدة جامدة لا تنظر إلا إلى الوراء، بل هو عقيدة حيوية في الخطاب والتفسير تقوم على المنطق حريصة على العلم تعزز الإبداع، عقيدة جعلت من أتباعها رواداً في الرياضيات والفلك والطب. ويقوم المجتمع المسلم على المشاركة بالغُنْم والمشاركة بالغُرم، والمشاركة في النظام السياسي بالشورى، هذا هو الإسلام منذ أربعة عشر قرناً. "ونيابة عن الملايين فقد أكدنا رفضنا للإرهاب، والتطرف وأكدنا أنهما لا يمثلان الإسلام بأي شكل من الأشكال ولا يمتان إليه بصلة"( ).

            إن العديد من قواعد القانون الإنساني الواردة في معاهدات جنيف الأربع سنة 1949 نابعة ومستمدة من الشريعة الإسلامية التي ترفض الربط بين الإرهاب والإسلام والعروبة والتي تحظر التعرض للمدنيين حتى في أوقات الحرب وتدعو إلى السلم والتسامح ورفض العدوان.

            لقد بذل الأردن بالتعاون مع الدول الأخرى كافة جهوده في سبيل القضاء على ظاهرة الإرهاب والالتزام بقرارات الأمم المتحدة وبالذات القرار رقم 1373 تاريخ 28/9/2001، فهو يدعو جميع الدول إلى التعاون فيما بينها ومع مجلس الأمن لتحقيق غايات هذا القرار وتنفيذ أحكامه( ).

            إنَّ الصراع ليس بين الإسلام والغرب بل إنه بين الإسلام وأولئك الذين استخدموا الإسلام لغاياتهم الخاصة المدمرة، وفي هذا المجال تقع مسؤوليات كبيرة على كاهل الجاليات الإسلامية في العالم للدفاع عن الإسلام ودَحض محاولات ربطه بالإرهاب من خلال حوار بين الديانات لتعميق التفاهم وتفويت الفرصة على الذين يحاولون خلق العنف، فالإسلام والمسلمون أَثْرَوْا الحضارة الإنسانية بالقيم النبيلة عبر تاريخهم المجيد( ).

والمسلمون والمسيحيون في الأردن متضامنون مع الإرادة الدولية للقضاء على الإرهاب رغم أن الكثيرين أرادوا الإطاحة بأمن الأردن واستقرارهِ وبالألفة القائمة بين المسيحيين والمسلمين، وتؤكد الخبرةُ في الحياة المشتركة بين المسلمين والمسيحيين طَوالَ مئات السنين أن الإرهاب ليس نتاجاً لصراع بين أديان أو حضارات لأن جميع الديانات تدعو إلى العبادة والفضيلة واحترام الإنسان ولها رصيد مشترك من القيم الإنسانية والمثل والأخلاق( ).

جذور الإرهاب كما يراها الأردن:

            جذور الإرهاب بشكل عام هي نفس الجذور أينما كان الإرهاب، وفي مختلف الأزمنة، فالجوهر واحد وإن اختلف شكل هذه الجذور من منطقة إلى أخرى أو من زمان إلى آخر. فالجينات هي نفسها.

            ولكن ولأن للأردن موقعاً خاصاً ومسؤولياتٍ خاصةً وجغرافيةً خاصةً فلا بد أن تكون نظرته أو مفهومه لجذور الإرهاب وأشكالها متلاءمة مع وضعه الخاص، ذلك من طبيعة الأمور فالبيئة السيايسة والثقافية والتاريخية والجغرافية هي الإطار لتكوين المفهوم والرؤية.

            وحين يتساءل الملك عبد الله الثاني أمام المنتدى الاقتصادي في نيويورك في 2/2/2002 عن منابع الإرهاب؛ يُقدّرُ هو نفسه أن الجواب ليس سهلاً لأنه ذو صلة مباشرة بالشؤون السياسية والاجتماعية والدينية. ثم يشير إلى أن أغلبية الأمة من جيل الشباب وهم عصب الأمة وآمالها. يعيشون، في ظروف في غاية الصعوبة سلبت منهم الأمل وغرست لديهم اليأس، حيث لا تغيير ولا إصلاح. وظلمٌ مُستَعِر يلاحق الشعب الفلسطيني يجرح نفس الشباب العرب ويقهر ضمائرهم، والعالم غير مبالٍ بما يحل بهم ولا أحد يضع حداً لصول وجول إسرائيل.

            لم يبق للشباب متنفس إلا الدين فالقاعدة المعروفة أنه حينما تنسدُّ جميع السبل يلجأ الإنسان إلى دور العبادة يناجي خالقه، وتتكثف الإحباطات على النفس التي أصبحت "ترى الدعم الغربي لأنظمة الحكم الأوتوقراطية في العالم الإسلامي كمؤامرةٍ ضد الإسلام نفسه فتعزز التوجه الراديكالي أكثر فأكثر( ).

            ولكن مثل تلك الأوضاع اليائسة المحبطة الراديكالية غير مستعصيةٍ على الحل إذ يمكن تغييرها إذا تم الآتي:

أولاً:      إذا قامت دول العالم الثالث النامية بوضع خيارات جديدة للمستقبل فتصبح من أولى أولوياتها التنمية المستدامة والمنعة الاقتصادية والرفاه الاجتماعي.

ثانياً:      إذا أقدمت على إصلاحاتٍ سياسية وديمقراطية حقيقية وليس للتمويه أو للضحك على الذقون "تستثير النفوس ولا تطمئنها‍‍‍ !!.

ثالثاً:      إذا قامت الدول المتقدمة بمساعدة الدول النامية-بأن تنقلب مائة وثمانين درجة فتتحول إلى العون بدلاً من النهب والسلب-، فدول العالم الثالث في المرحلة الحاضرة غير قادرة وحدَها وبدون عون من إجتياز ذلك البرزخ المنهك.

رابعاً:     على المجتمع الغربي أن يساهم في خلق البيئة الملائمة لدى الدول النامية من خلال توفير الدعم المالي لتعزيز برامج إصلاح اقتصادية وإجتماعية وسياسية.

خامساً:   لقد أكد ذلك رئيس البنك الدولي حينما أكد أنَّ على المجتمع الدولي ضرورة تقديم العون لأفغانستان لتحقيق السلام، ولا بد أيضاً من تقديم العون إلى العراق حتى ينهض من إغمائه ويستعيد حياته ويعود أطفاله إلى المدرسة وتتمكن النساء من أن تجد عيادة صحية( ).

            لقد عانى العالم من بؤر الفقر واليأس التي لم تُنبت إلا الخلافات والصراعات، فالشباب كغيرهم لا يرون في عالمنا ما يُفرح. بل تزداد الهوة بين العالم الثالث الفقير، والعالم الغربي الغني في أجواء لا يُسمع فيها إلا أصوات الحقد والكراهية والعنف بدلاً من الحرية والأمل والأمن( ) ووصل أمر الكراهية إلى الحد الذي لجأ فيه أحد رؤساء الوزارات الأردنية إلى تأليف كتاب 1972 سمّاهُ "مجتمع الكراهية".

            لقد تبلور بعد 11/9 حلف عالمي ضد الإرهاب لم ينحصر في النواحي العسكرية فقط، لأن الانتصار على الإرهاب لن تحسمه القوة العسكرية بل الجهود الدبلوماسية والاقتصادية والتنموية من أجل رفع الظلم وإزالة اليأس. ولن يتمثل ذلك في منطقتنا حسبما يؤكد عليه الأردن "إلا بإرساء حل عادل وشامل للصراع العربي الإسرائيلي، بل لقد آن الأوان لإحقاق العدالة والسلام والأمن للشعب الفلسطيني الذي يعاني القهر والاحتلال الإسرائيلي( ).

            ويستمر الأردن في إصراره وتأكيده على ضرورة أن ينصب الجزء الأكبر من الجهود الدولية على إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية فهي جوهر الصراع في الشرق الأوسط الذي أعاق التقدم في المنطقة بل وغذى التطرف في العالم بل "ويتعين على المجتمع الدولي أن يتوجه لإيجاد حل لهذا الصراع وبدون تأخير"، ولا يمكن لأي جهود أن تنجح في تعزيز الاعتدال وتنفيذ خطط الإصلاح ما دام هذا الصراع قائماً( ).

            ويرى الأردن كما أوضح الملك مخاطباً المنتدى الاقتصادي العالمي في نيويورك أن المجتمع الإنساني كل لا يتجزأ وأن الأحداث في منطقة ما لها أثر بالغ على الجميع قريباً منها كان أم بعيداً، وبيَّن أن هذا التأثير ليس مقصوراً على اليأس والعنف وإنما أيضاً ينطبق على توفر النية الحسنة والمسؤولية المشتركة والإحترام المتبادل، ووجه نداءاً إلى دول العالم بوجوب وضع خُطة دولية تحفز النمو في البلدان قليلة الحظ، وتحد من سعة الفجوة بين الدول الفقيرة والدول الغنية ضمن إطار من الاحترام المتبادل، وحريٌّ بقادة الدول تحمّل هذه المسؤولية. ونبّه إلى ضرورة إندماج التنمية الاقتصادية باحترام التراث والثقافات، فالاقتصاد القوي هو الذي يحترم المعتقدات لجميع أطرافه. كما أن العولمة لا تعني أن هناك قالباً واحداً ينطبق على الجميع بل تعني تمكين كل بلد من الاستفادة مما لديها من قدرة وطاقات وليس محوها أو طمسها.

            ويحذر الأردن من خلق مركز جذب واحد للمجتمع الإنساني لأن لكل أمة ما تفتخر وتعتز به كجزءٍ لا يتجزأ من الكل. لذلك تبرز الحاجة لكي يضع القادة أمام أعينهم تسخير التقدم التكنولوجي لخدمة الأوطان جميعها وتحسين مستوى معيشة شعوبها. إن هذه المواقف القيادية هي التي يحاول الأردن تكريسها والتي تشكل رداً على كل من يسعى إلى التفرقة بين الأمم وتدمير الحضارة الإنسانية( ).

            إن حل الأزمات لا يكون بالعنف ولا بالإرهاب إنما بالعقل ومخاطبة العالم باللغة التي يفهمها مع تفهم حالة الغضب التي يعاني منها الإنسان المسلم العربي( ) بسبب اللاعدالة والظلم الذي "يتلبَّسُهُ "ليل نهار فيصيبه مسٌّ من العنف". وحذار من الخطف والقتل وأخذ الرهائن، فهي لا تبني دولة ولا تحرر وطناً بل تهدم دولاً وتحولها إلى الاستعباد. والأمثلة الآن تصرخ بالبرهان!! ( )

            ولا يتوقف الملك عن التأكيد بأن استمرار النزاع العربي الإسرائيلي سيبقى يشكل المجال الخِصبَ للإرهاب وأن وضع حل له سيسحب البساط من تحت أقدام المدعين ويُسقط أقنعتهم الزائفة( ).

            وإذا كان الأردن يُدين ويرفض الأعمال الإرهابية كافة فإنه يؤكد وبكل صراحةٍ ووضوح وصدق بأنه لا يمكن لمنطقتنا أن ترى أو تنعم بالاستقرار، وأنه لا يمكن للجهود الدولية في مكافحة الإرهاب أن يكتب لها التوفيق إلا إذا تم إحقاق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في إقامة دولته وعلى ترابه الوطني، وإذا أعيدت لسورية كامل أراضيها المحتلة وإذا إنسحبت إسرائيل من مزارع شبعا اللبنانية. إن وصف المناضل الفلسطيني واللبناني بالإرهاب أمر مُعيب وباطل، فمن العيب الفاضح أن ترى الدول ما تقترفهُ إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني واللبناني، ورغم ذلك فهي تتهم الفلسطينيين واللبنانيين الذين يقاومون إسرائيل بأنهم إرهابيون( ). هناك حملة سياسية وإعلامية شرسة ضد العرب والمسلمين تطال كل دولة تقف أمام التوسع والاحتلال والإرهاب الإسرائيلي وبالتالي يجب معاقبتها، هناك وبكل تأكيد وبما لا يدع مجالاً أبداً للشك هجمة على الحضارة الإسلامية والهوية العربية والثقافة العربية( ).

            وواضح أن إسرائيل قد نجحت في تجيير الحرب الدولية على الإرهاب لمصلحتها في جوٍ استضعِفَت فيه الكفاءة العربية على الصعيد الدولي، فأجادت إسرائيل استغلال ذلك الاستضعاف فصالت وجالت وتكبرت وتجبّرت وحَقَّرتْ وفتكت بالشعب الفلسطيني وهرسّتْ الضمير العربي. ولم تكتف إسرائيل بتجيير حرب العالم على الإرهاب لحسابها، بل وحرَّفت مفهوم الإرهاب ليتلاءم مع مصالحها فأصبحت المقاومة المشروعة للشعب الفلسطيني ضد الاحتلال إرهاباً‍‍‍‍ 

            لقد أثبتت الأحداث أن الأزمات التي تُترك بدون حل والتي يهمشها المجتمع الدولي تولد حتماً الأحباط واليأس لدى الشعوب التي تعاني من تلك الأزمات، وبما أن تلك الشعوب تعاني من الفقر والجهل والمرض والتخلف، فكأن المجتمع الدولي إذن يخلق لها الجو ويوفر لها البيئة لأن تتحول إلى الإرهاب لا محالة. فهل يتجذر الإرهاب ثم ينمو ثم يفوح لولا ذلك الإهمال من المجتمع الدولي .

            لقد دعا الأردن إلى:

1-         البدء في وضع مفهوم شامل للأمن يلائم عصر العولمة مع الاحتفاظ بمفهومه التقليدي والأخذ باحترام العدالة والكرامة لجميع شعوب الأرض.

2-         حشد عمل جماعي لإنقاذ الإسلام من اخطبوط الإرهاب الذي يلتف عليه فيكاد يخنقه.

3-         إحداث آليات للتفاعل البناء بين الحضارات والثقافات.

4-         في الوقت الذي يتجاوز الكثيرون دور الأمم المتحدة، فالأردن يؤكد اعتبارها الإطارَ الأمثل لدول العالم وللشرعية الدولية.

5-         يجب أن تتوصل الأمم المتحدة إلى وضع مفهوم محدد وواضح للإرهاب إنقاذاً للعالم من خطر قَلَّ مَن يدركه حتى الآن.

6-         جذب أكثر مجموعة ممكنة من دول العالم لمكافحة الإرهاب شرط أن لا تتاح الفرصة لأية دولة كانت لاستغلال الأمر لِمصلحتها.

7-         يناشد الأردن منظمة المؤتمر الإسلامي ودول العالم في الاستمرار في التعاون لتنفيذ جميع قرارات مجلس الأمن وليس فقط القرار 1373( ).

وإذا كانت النِّقاط أعلاه تمثل الموقف الرسمي الأردني فهناك القضية التي تجمع عليها المواقف الرسمية والشعبية في الأردن وفي العالم الإسلامي فالتسوية العادلة للقضية الفلسطينية ستقضي على الإرهاب قضاءاً مبرماً، لقد وصل الغضب العربي والإسلامي إلى دَرَجَةٍ عَجَزَ فيها عن التعبير عن نفسه سلمياً أو استنفذ كل الوسائل السلمية للتعبير. ولم يبقَ أمامَه إلا الإندفاع بدون ضوابط، فبرزت مجموعات تراهن على الأعمال الإرهابية لدفع المجتمع الدولي للتعامل مع القضية الفلسطينية بالجِدية والرزانة والإنصاف والعدالة والاحترام للشرعية الدولية.

موقف شعبي:

   بالإضافة إلى الموقف الرسمي وإلى الموقف الرسمي الشعبي المختلط هناك موقف شعبي أكثر انطلاقاً في الإحساس والتعبير والتصرف، وذلك أمر معروف لأن للمواقف الرسمية أصولها وإنضباطيتَها.

    فالموقف الشعبي يرى أن التحالف ضد الإرهاب هو تحالف أنظمة وحكومات في ظل قناعته أن العالم لا يكترث بقضاياه السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولذلك فإن الموقف الرسمي الذي وصل في إدانته للإرهاب إلى درجة الدخول في التحالف للحرب عليه؛ لا يمكن أن يقضي على الإرهاب إذا لم تقترن الإدانة الرسمية بالإدانة الشعبية، وإذا لم تقتنع الإرادة الشعبية بأن الحرب على الإرهاب هي حرب على الإرهاب كله وليس حسب معايير مخزية لإرهاب هنا أو إرهاب هناك أحدهما محظي برعاية دولية بينما الحقد والكره والحرب على الإرهاب الآخر. وحقيقة الأمر شعبياً أن هناك إرهاباً وهناك إرهاب مضاد له؛ ومن غير الممكن القضاء على الإرهاب المضاد إذا لم يقضِ الإرهاب على الظلم والاحتلال والعدوان والاستغلال والهيمنة.

لقد صُرفت جهود كبيرة-ودون جدوى-لإزالة وقع سيء لتصريحات مسؤولين غربيين ضد الإسلام .. فكم إذن من الجهود سيتم صرفها لإزالة وقع الدمار الذي حل في أفغانستان وفي العراق وربما في أماكن أخرى قريباً في الوقت الذي لا أحد يستطيع التأكيد فيه على أن الإرهاب قد تم استئصاله. الأكيد أنه لا أحدَ في مأمن من نوع من البشر وصل بهم الغليان إلى أن يقتلوا بدون رحمة وأن يُقتلوا بدون أدنى شعور بالخوف.

لم تُجدِ حتى الآن جميع الأسلحة التقليدية والتكنولوجية والفتاكة التي يستخدمها التحالف الدولي ضد الإرهاب، فالإرهاب أثبت أنّهُ يُبرعم بقوة أكبر كلما تم بتره. وليس مزاحاً القول بأن الحرب على الإرهاب تساعد الإرهاب في النمو( ).

لا يمكن أن يتمنطق حتى نِطْعٌ ويُبرر قتل الأبرياء من رُضّعٍ ونساءٍ وشيوخٍ. ولكن وبدلاً من الاكتفاء "باللحمسة" على الظاهرة من الخارج، فالدعوة جادة للتمعن في الأسباب التي تدفع إنساناً عاقلاً وبإرادته بل وبحماسة واندفاع إلى تحويل ذاته إلى متفجرة تودي بحياة الآخرين. وهل من تبرير لذلك غير الإحساس المتدفق بالقهر واليأس القاتل؟؟.

هناك تناقض هائل بين:

•           الاستغراق في التحليل والبحث والحديث عن العالم الحر والديمقراطية وحقوق الإنسان والتعاون لبناء صرحه؛

•           وبين التقاعس القائم على النفاق والإصرار حتى على رفض الجلوس لمحاولة التعرف على حقيقة ما تعاني منه الشعوب من الإرهاب.

وكل ذلك يجري في أجواء تُهْمَلُ فيها وتُغَيَّبُ الأمم المتحدة ومؤسساتها وتتفاقم فيها البطالة والفقر ومستوى الرعاية الصحية وتزداد وفيات الأطفال وانعدام الرعاية الإنسانية في جميع أنحاء دول العالم الثالث؛ وبالذات في البلاد العربية التي تنتج معظم حاجة البشرية من النفط وكافة الموارد الطبيعية التي تنتفع بها البشرية.

            والذنب هو ذنب العالم المتحضر الذي يتعامى باستمرار عن الأسباب الحقيقية للإرهاب وجذوره الأصلية( ). إن المصالح الشخصية والدولية وعدم الإصغاء لصوت الضمير السوي والانحراف عن الدين والأخلاق والظلم الذي تتعرض له الشعوب هي جميعها التي أرغمت البعض إلى الإرهاب( ).

 

تصميم وتنفيذ
مركز عمان لدراسات حقوق الإنسان 2007