الدكتور خالد عبيدات

عودة إلى الصفحة الرئيسية

الفصل الثاني عشر:
 الإرهاب والولايات المتحدة الأمريكية

 مكانة أمريكا العالمية:

            لم تتمتع دولة في التاريخ المعاصر بمكانة عالية وهامة كالمكانة التي وصلت إليها الولايات المتحدة الأمريكية، وكل ذلك بفضل جهود الشعب الأمريكي الإبداعية الخلاقة في جميع الميادين التي ترتقي بالبشرية إلى أفضل المستويات. وليس صحيحاً أن القوة بمفهومها الكلاسيكي هي التي هيأت لأمريكا هذه المكانة، بل هي "المعادلة" المنسوجة بعرق وعقل وفكر المواطن الأمريكي التي أطلقت للإنسان كل الطاقات التي أودعها فيه خالقه فأبدع وأنتج وسَعِدَ وشجَّع بعطائه على كل البشر، فتبوأ بفضل كَدِّهِ ونشاطه أعلى ما يتطلع إليه الإنسان في زماننا المعاصر وأصبح مثالاً يُحتذى به من قبل جميع شعوب الأرض وخاصة شعوب العالم الثالث التي تحلم دائماً بأن يأتيها الهادي دائماً من خارج الحدود من دون أن تَجِدّ أو تشقى.

            والشعب الأمريكي ليس كغيره من باقي الشعوب من حيث وحدة الجذور ووحدة التاريخ والعمق الحضاري والوحدة اللغوية، وهذا أمر ليس معيباً أو مُعوِّقاً، فالذين أصبحوا أمريكيين جاءوا إلى أمريكا من مختلف أنحاء العالم يدفعهم محرك واحد إنساني مشترك ألا وهو "الطموح" في صنع مستقبل أروع، في البداية لصنع مستقبل شخصي محضٍ وحينما تحقق تطور إلى مستقبل للكيان أو الدولة؛ وحينما تحقق تطور إلى البحث الجاد لتأمين مستقبل آمن وزاهر للبشرية جمعاء.

            إن عملية الإندماج في مجتمع واحد أحَبَّه كل من جاء إليه صَنَعتْ منه المجتمع النموذج، وجعلت منه مكان الطموح. والدلائل على ذلك كثيرة أولها النزعة التلقائية "للأمركة" لدى معظم المجتمعات البشرية فكراً وثقافةً ولغةً بل ومأكلاً وملبساً ومشرباً سواءاً في أعرق الدول وأكثرها إنشداداً إلى تاريخها وإلى كل خصوصياتها، يلاحظ ذلك في فرنسا وإنجلترا وروسيا والصين واليابان ودول أفريقيا والبلاد الإسلامية، كما يلاحظ ذلك في الدول المحدثة النعمة وتأتي على رأس قائمتها إسرائيل "فكأنها" أو بالأصح "إنها" الولاية الثالثة والخمسون من حيث الترقيم ولكن في الحقيقة تحتل واسطة العقد، وغير إسرائيل هناك الكثر.

            واللغة الأمريكية –وليس الإنجليزية- أصبحت ليس فقط اللغة العالمية الأولى بل هي في الطريق السريع-أو "الهاي وي" وليس "الأوتوروت" وليس "الأوتوبان"-لأن تكون الفريدة وبدون مُنازع، تماماً كما كانت اللغة العربية يوماً ما. والسلعة الأمريكية توجد في كل مكان فهي الأكثر تلبيةً للحاجة وهي الأجود نوعية، والتواجد الأمريكي في أي شكل من أشكاله هو المنتشر في كل مكان من أرض  المعمورة.

            فأصبح –بناءاً على ما سبق- كل ما يحصل في أمريكا محط أنظار العالم، وأصبح كل ما يحصل في العالم موضع إهتمام أمريكا؛ فتولَّد إذن شعور عالمي أو إحساس إنساني خاص ليس له مثيل في التاريخ: وهو أن في الذهن البشري دائماً هناك انشغالات شعورية أو لا شعورية وهناك تفاعلات وألوان؛ ذات محور أمريكي بالمعنى المطلق للأمركة. وهذا يعني أن أمريكا لم تعد هي الدولة أو الجنسية الموجودة هناك، بل هي أمريكا "الأوسع" المنتشرة في كل مكان أو مجرى أو خلية أو هواء أو خيال! لقد تولد هذا المفهوم أولاً لدى الأمريكان أنفسِهم ما لبث أن أصبح مفهوماً عالمياً. قد يحتج بعضهم على ما قلناه ولكن قبل الاحتجاج على الواحد منهم أن يتلمس أولاً موجودات ذهنه أو موجودات بيته أو مجتمعه أو بيئته وأن يتلمس التعبيرات التي يَزِلُّ بها لسانه وخاصة لسان أبنائه الذي يكرر افتخاره باستمرار بأنهم درسوا هناك!

            فالأمريكي يشعر أن عليه مسؤوليةً خاصةً وفريدة تجاه المجتمع الإنساني نابعة من أعماقه في جزئها الهام، ومُفوضةً إليه من الآخرين –ولن يغير من الأمر شيئاً إنتقاداتهم (من فوق الجوزة) أو إنكارهم-طواعية تكاد تصل إلى مستوى البيعة. وهذه المسؤولية لا تشبه مسؤولية اليوناني أو الروماني أو الرجل الأبيض- أو أي من غيرهم الذين احتلت أممهم يوماً ما مسرح الحدث الدولي-إنها مسؤولية أمريكية، وكفى بذلك وصفاً!!

العنف في أمريكا:

            العنف في أمريكا ليس أمراً جديداً بل كان من ركائز نشأة الولايات المتحدة الأمريكية سواء منذ إبادة الهنود الحمر سكان البلاد الأصليين أو منذ الصراعات بين الشعوب البيض التي انهمرت على البلاد، فالغازي القادم من الخارج أصبحت وطنيته الأمريكية تُقاس بالقدر الذي يوسع فيها أرضه التي أصبح يمتلكها وبالقدر الذي يقتله من أصحابها التاريخيين الشرعيين الحقيقيين. فالمواطنة الأمريكية في بداياتها لم تكن في حقيقة معناها تتجاوز "الاستيطان" بمعناه السَطَويْ أو القسري. واستمر هذا السَطَوي فردياً يُشرِّع له القانون ويسانده في القتل والسلب تحت قاعدة "حق الدفاع عن النفس" تجاه السكان الشرعيين الذين يدافعون عن أنفسهم وعن حقوقهم، أو تجاه العبيد السود الذين كانوا يُصطادون من افريقيا تماماً كصيد الحيوانات ثم يباعون مثلها لمن يشتري، أو تجاه أبيض آخر أكثر شراهة في حب السيطرة والاستيطان. فالعنف في أمريكا أمر مستفحل في صلب أساسات وجذور المجتمع بل وفي كل آلياته ومحركاته على الرغم من محاولات الإنكار وعلى الرغم من حرف الأنظار عنه والتركيز على الإشارة للعنف في مجتمعات البلدان الأخرى. ولذلك فأمر التخلي عنه قد لا يكون في المستطاع حتى ولا في المستقبل المنظور ما دام أنه من منظومة أساسات المجتمع. فهناك خمسة آلاف وخمسمائة عصابة مسلحة معروفة في أمريكا تقتل سنوياً خمسة وعشرين ألف أمريكي – قليل منهم من البيض بينما الأغلبية الساحقة من السود-، وأخذت العصابات من البيض تبني امبراطورياتها وقوانينها الخاصة بها، وتحمي نفسها بسلاحها الخاص بها، ولها نفوذها الانتخابي وتمارس عنفها الهستيري، لقد كشف عن بعض هذا العنف حادث أوكلاهوماسيتي( ).

            وحين التساؤل لماذا يتم التغاضي عن هذا العنف من قبل السلطة في أمريكا؟ هناك إجابة خبيثة من قبل بعضهم وهو: لأن السلطة هي من نتاج نفوذ هذا العنف السياسي والانتخابي، ومع ذلك فهي تحاول وسعها أن تخفف ما أمكن منه عن طريق سعيها لتوحيد المجتمع الأمريكي ضد عدو خارجي وهمي تختلقه في مخيلتها ثم تُسَوِّقُه للناس بعد أن (تُسْبِغَهُ) بأقذع الصفات بالعنف والإرهاب.

والسلطة بذلك تعي تاريخ الشعب الأمريكي بنزعته القوية بمختلف أعراقه للتوحد تجاه عدو خارجي، لذلك فهي تسعى إلى إشعال نار العداء والكراهية تجاه هذا العدو الخارجي بكل الوسائل منها:

أ- تخترع من عندها وصفاً للإرهاب بمفهوم يبتعد عن مفهوم العنف، لأن الإرهاب المُخَزَّن في الذاكرة الغربية مرتبط بالغرباء القدامى السكان الأصليين البرابرة والعبيد.

ب- تربط مفهوم العنف بالاختيار الحر والنظام الانتخابي، وتربط مفهوم الإرهاب بالعقلية المتحجرة والنظم الاستبدادية، ففي المفهوم الأمريكي العنف اختيار حر في القتل ومشروع في القوانين الأمريكية لحماية مصالح البيض ويتبناه الأمريكيون ويصوتون لحكامهم على هذا الأساس( ).

            وفي أمريكا جماعات إرهابية متطرفة تتمثل في قطاع كبير من اليمين الأمريكي بمنظماته وميليشياته المسلحة تمارس الارهاب النمطي الذي قد يزيد وحشية وقسوة وهمجية عن الإرهاب الذي يمارس في مناطق أخرى من العالم. جماعة "الكوكلوكس كلان" الارهابية ما زالت موجودة في أمريكا بعد أكثر من مائة عام كمثال لمنظمات الكراهية والعنصرية، قال أحد عضائها: أنا نصراني الهوية، أعتقد أن النصارى فقط هم سلالة آدم، ولم أعتقد أبداً في أن تختلط ذريتنا مع الأعراق الأخرى. هناك "جماعة الهوية النصرانية" و"المقاومة الآرَّية البيضاء"، و"التحالف القومي"، و"جماعة حليقي الرؤوس" و"العذاري البيض"، و"نساء من أجل الوحدة الآرية"، وجميع هذه الجماعات تتعصب للعرق الأبيض فهو في نظرها أسمى الأعراق البشرية، كما أنها جميعها تقاوم وتعارض التعددية الثقافية. وللجماعة الآرية قَسَم نصُّهُ: "نُقسم أن واجبنا المقدس أن نقوم بكل ما هو ضروري لتحرير الشعب الأمريكي من اليهود وتحقيق النصر الكامل للعرق الآري، ونتعهد ببذل المال والروح في سبيل ذلك ونعلن أننا في حالة حرب كاملةً. وبُغضُهم هذا لليهود يعود إلى إيمانهم بأن الآريين هم شعب الله المختار وليس اليهود الذين يدّعون بذلك. وتعتبر أن المساواة بين الأعراق أو أن الحرية للجميع أسطورة لا أساس لها.

            أما كوكلوكس كلان الجديدة فنشأت 1866 لتدافع عن النصارى البيض من القهر ولتحافظ على حياة الأمريكيين الجنوبيين وتقاوم تحرير العبيد وتكره الأعراق الأخرى وتحتقر الأمريكيين السود.

            وتعتبر "الميليشيات الأمريكية" النصارى البيض وحدهم هم المواطنين وتستخدم السلاح دفاعاً عن أمريكا نصرانية؛ بينما يعتقد "الأنجيليون العسكريون" بأنه لا بد من محرقة نووية تهلك جميع الملحدين الذين ينكرون المسيح والنصارى العلمانيين والنصارى غير الإنجيليين والشيوعيين والمسلمين، لتحضير الجو من أجل عودة المسيح. وبلغ أتباع هذه المجموعة أربعين مليوناً منهم الرئيس السابق "ريجان"، ومنهم مُفَجِّر مبنى الحكومة الفيدرالية في أوكلاهوما 1995.

            ذلك هو الوجه الآخر لأمريكا الذي يعتقد بالعنف والتطرف والإرهاب، وهو وجه لا يتطرق أو ندر أن يتطرق إليه الإعلام الأمريكي أو الإعلام الغربي. ويتبع الإعلام العربي ذيلياً الإعلام الغربي والأمريكي في كل ما ينشر من أكاذيب بل ويساعد مجاناً وتطوعاً في تشويه مقاصد المسلمين والإسلام بزعم أنهم إرهابيون حتى يبقى التطرف والإرهاب سمة أو ماركة للإسلام والمسلمين وحدهم. قال تعالى: " إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدا "(سورة الطارق آية 15، 16، 17)( ).

            ومع تبدل النظام العالمي ونهاية الحرب الباردة وسقوط الشيوعية، لم يبق "عدو"؛ وبما أنه لا بد من وجود عدو فليكن الإسلام إذن هو العدو الجديد، يقول "صموئيل هنتنجتون": "إن الفروق بين الحضارات ليست فروقاً حقيقية فحسب بل فروق أساسية أيضاً". والحضارات تتمايز في اللغة والثقافة والتاريخ والتقاليد، والتمايز الأكثر أهمية هو الدين. وحينما يتحدث هنتجتون عن الدين يخرج عن كياسته وينساق لعواطفه ليقول "ليس صحيحاً" أن الإسلام لا يشكل خطراً على الغرب وأن الإسلاميين فقط هم الخطر. "إن أربعة عشر قرناً من تاريخ الإسلام تؤكد بأنه يشكل خطراً على كل الحضارات التي واجهها وبالذات الحضارة المسيحية"( ).

            ولم يتوان الرئيس بوش نفسه في الإسهام في حملة التخويف من الإسلام الذي دعا إلى تشكيل "حملة صليبية" ضد الإرهاب( ).

            فالعرب والمسلمون أصبحوا مُستَهْدَفين في وجودهم ومصالحهم ومصيرهم، إذا كان في الأمر شك قبل أحداث 11/9 لدى بعض المتشككين، فالأمر أصبح على ما يبدو يقيناً في أمريكا بعد أحداث 11/9. وصيحة عبدالاله بلقزيز ليست صيحةً في الهواء وبدون سند واقعي حينما أكد أن المشكلة الكبرى ليست في مرادفة فعل المقاومة بالإرهاب -في المنظور الأمريكي- فحسب، إنما هي في مرادفة الإسلام والعرب بالإرهاب( ).

            في واقع الأمر أن هناك أزمة لها سوق رائجة لفكرة صدام الحضارات، وستكون الضحية الأولى عملية التحول إلى الديمقراطية في العالم الإسلامي، لأن أمريكا في بحثها عن حلفاء لحربها ضد الإرهاب ستتوجه إلى الأنظمة الحاكمة التي ستجيد استغلال متطلبات الحرب ضد الإرهاب بأن تكرس من قبضتها في مواجهة الضغوط من أجل تحقيق الديمقراطية والحقوق المدنية، الأمر الذي من شأنه أن يُمثل خطراً على مصداقية الولايات المتحدة في مساندتها شعوب العالم من أجل الديمقراطية، خاصة وأن التراجع الديمقراطي بدأ يأخذ مجراه داخل الولايات المتحدة نفسها مع تنامي إجراءات تقييد الحريات والإجراءات الأمنية.

            إن أخطر ما في إلصاق الإرهاب بالإسلام، هو أن يعفي الولايات المتحدة من ضرورة مراجعة سياساتها التي خلقت بيئةً سياسية واجتماعية واقتصادية أثمرت هذا العنف -الموجه ضد أمريكا من بلدان العالم الإسلامي -وتلك الكراهية ضد أمريكا. كما أن عملية الصاق الإرهاب بالإسلام خلقت تحدياً لدى العالم الإسلامي وهو الدفاع عن الإسلام وحضارة الإسلام والوقوف بحزم ضد الذين يختطفون الإسلام لمعسكرهم لصالح مكاسب سياسية، كما وخلقت تحدياً لتأكيد الضوابط الإنسانية "للجهاد" التي إستقرت في الفقه الإسلامي منذ نشأته.

            إن الرؤية التاريخية السليمة تنير الطرق للعقل السياسي، والإعلان عن حرب ضد الإرهاب دليل على غياب هذه الرؤية، لأن الحرب الحقيقية ضد الإرهاب تكون بخلق سياسات بعيدة المدى لتأسيس العدالة في العلاقات الدولية والظروف العادلة للشعوب الإسلامية. ومعروف أن البطش لن يؤدي إلا إلى المزيد من البطش، "والحل هو صعود دبلوماسية شعبية تتحدى فكرة صراع الحضارات وبناء جسور الفهم المتبادل"( ).

بعد أحداث 11/9:

            تعرضت أمريكا يوم 11/9/2001 إلى خسائر تفوق جميع ما تكبدته في العمليات العسكرية التي قادتها منذ عشرين عاماً على التوالي في كل من "غرينادا"، و"ليبيا"، و"بنما"، وحرب الخليج الثانية، والصومال، و"هايتي"، والسودان، وأفغانستان، ويوغوسلافيا، واحتلالها العراق. كما فاقت خسائرها البشرية بكثير تلك الخسائر التي تكبدتها في "بيرل هاربر" في الحرب العالمية الثانية.

            إن حدثاً من هذا النوع قلب الكثير من المفاهيم وخلق مفاهيم جديدة لم تكن تطرأ على بال، وليس الأمر بغريب فجسامة الحدث تتطلب جسامةً مماثلة في الجهة المقابلة بل وأكثر؛ "فلا يردُّ الصاع إلا الصاعان"! وتم طرح التساؤل المدهش والمذهل ما هو نوع وسعة هذا المرجل الذي طبخ كل هذا الحقد الذي لا مثيل له وهذا التصميم النادر جداً؟ ويجيب على هذا التساؤل "سيرج هاليم": "إن الأفظاظ من أصحاب الصوت الزاعق والمخربين من مناهضي العولمة، أيتام الماويّة، يستهدفون أمريكا لأنها مرادف للرأسمالية، فالنظام الرأسمالي نفسه أُصيب في الصميم أصيب في القلب"( ).

            ومنذ تلك الهجمات المذهلة في 11/9 اندفعت الولايات المتحدة تشنُّ حرباً على الارهاب إلى درجة أنها أصبحت وكأنها الهدفُ الرئيسيُّ والشغل الشاغل للمجتمع الأمريكي بأكمله في زمن إدارة الرئيس بوش الذي أكد مراراً وتكراراً أن تنظيم هذه الحملة وهذه الحرب على الإرهاب من المسؤوليات الكبرى الملقاة على كاهل السلطة الأمريكية. هي الهدف الرئيسي ولكن ليست الهدفَ الوحيدَ فقد حدد الرئيس أولوياتٍ أخرى في جوهر الاستراتيجية الأمريكية منها: تطوير قدرة أمريكا العسكرية وتحديثها لتبقى دائماً متفوقة على كل القوى الأخرى، ومنها أيضاً تأمين التزود بالنفط من المنابع الخارجية. وصحيح أن تحديث القوة العسكرية والاطمئنان على منابع النفط الخارجية يعودان إلى أسس ودوافع مختلفة ولكنهما اندمجا مع الحرب على الإرهاب فتشكلت من هذا الاندماج استراتيجية أمريكية متماسكة تخضع لها وتحت توجيهها سياسة أمريكا الخارجية( ).

ستزداد حاجة أمريكا الاستهلاكية للنفط من 52% عام 2001 إلى 66% عام 2020، وسيزداد الاستهلاك الإجمالي مما يتحتم على أمريكا أن تستورد 60% عام 2020 زيادة على ما إستوردته من النفط في عام 2002 ليرتفع من 10.4 مليون برميل يومياً إلى 16.7 مليون برميل يومياً، والطريقة الوحيدة لتأمين تلك الكميات تتمثل في إقناع -الإقناع على الطريقة الأمريكية!!- الدول المصدرة للنفط بأن تزيد من إنتاجها أولاً من أجل أن تلبي لهفة أمريكيا ورغبتها في الشراء.

            وهناك أولوية أمريكية ثالثة إضافة إلى الأولويتين السابقتين وهي: أن تكون الحرب أو الحملة على الإرهاب مستمرة ودائمة، وليست محدودة بضربات تأديبية، بل حملة مفتوحة تطال جميع مسارح العمليات إلى أن يتم إكتشاف كل بؤر الإرهاب أينما كانت وتدميرها لينعدم النشاط الإرهابي. وهذا يتطلب حشد جهود إستخبارية لاكتشاف ثم إبطال الشبكات الإرهابية، كما يتطلب قدرة عسكرية ضاربة لمعاقبة الدول التي تؤوي الإرهاب بملاذات آمنة، ولتدمير بؤر الإرهاب. وبذلك باتت حرب أمريكا على الإرهاب جزءاً من الجهود الأمريكية لتأمين تدفق النفط إليها عن طريق تأمين السيطرة على منابعه وبالذات في منطقة بحر قزوين ومنطقة الخليج العربي( ).

            ومهما كانت النيات الحقيقية للقيادة الأمريكية فإن الأولويات الثلاث قد إنصهرت لتشكل إستراتيجية واحدة يصعب تحليل كل أولوية وَحدَها بمعزِل عن الأولويتين الأُخريين، هذه الاستراتيجية الواحدة يمكن تفسيرها بأنها من "أجل فرض الهيمنة الأمريكية، لأن دمج هذه الأولويات يولَّد دينامية أكثر قوة، فعملية الدمج تضمن تأمين (بدون معارضة) الموازنةِ العسكريةِ وزيادة القوات العسكرية الأمريكية المنتشرة في مناطق النفط تحت بيرق القضاء على الإرهاب( ).

            إن حرب أمريكا -ومعها التحالف- على الإرهاب بدأت بالهجوم العسكري على "القاعدة" وعلى "طالبان" في نفس الوقت، وستستمر هذه الحرب حتى تنبش كل خلية إرهابية أينما كانت ومن ثم سحقها. وعلى كل دولة أن تتخذ قرارها فوراً: "إما أنكم معنا أو مع الإرهابيين"، ومن اليوم 20/9/2001 فصاعداً فإن كل أمة تواصل دعم وإيواء الإرهاب ستعتبر عدواً للولايات المتحدة وعليها أن تغلق فوراً وإلى الأبد كل معسكر إرهابي، وإن تُسلم جميع الإرهابيين، وأن تفسح المجال لأمريكا بالوصول بكل حرية إلى معسكرات الإرهاب لتسحقها، ومَنْ يعترض سيلقى نفس مصير الإرهابيين لأن المعارضة تعني شراكة( ).

            ولن تُسقط أمريكا الخيار النوويَّ من حساباتها وستبقى على كامل الاستعداد والأهبة لاستخدام السلاح النووي إذا كان ذلك كفيلاً بتحقيق الردع الحاسم لأية جهة يمكن أن تفكر في تهديد أمريكا حالياً أو مستقبلاً، ولن تتردد أمريكا بتوجيه ضربات نووية ذات قدرة تدميرية هائلة( ).

موقف الأوروبيين:

            وفيما يتعلق بالحرب الأمريكية ضد الإرهاب ورغم تحالف الدول الأوروبية معها إلا أن الموقف الأوروبي في حقيقته غاضب على أمريكا لأنها لم تُجْرِ المشاورات الكافية مع الدول الأوروبية، ووصل الأمر إلى المستوى الذي لم تعد أوروبا تفهم ماذا تريد الولايات المتحدة وأي نوع من الحروب هذه الحرب التي تديرها الآن أمريكا، ففي الوقت الذي تبدو فيه أمريكا بأنها مقتنعة بأنه يمكن معالجة الخطر الإرهابي الذي تقوده "القاعدة"، باستخدام الوسائل العسكرية فقط. فإننا نرى أن أوروبا غير مقتنعة بأن القوة العسكرية وحدها تكفي للقضاء على الإرهاب: إنها غير كافية وحدها الأمر الذي يتطلب استخدام وسائل أخرى تقع ضمن إستراتيجية متكاملة لمكافحة الإرهاب وخاضعة للاعتبارات السياسية، لأن الأوروبيين يرون بأن جذور الإرهاب هي جذور سياسية بالدرجة الأولى، والأهم من كل ذلك –وهنا لا تختلف الدول الأوروبية عن الدول العربية- أن القضاء على الإرهاب أو تخفيض التهديدات الإرهابية من وجهة نظر الدول الأوروبية سيُحقق تقدماً رائعاً إذا تحركت الولايات المتحدة بشجاعة وحماس لتسوية النزاع العربي الإسرائيلي، ولتحقيق ذلك يجب أولاً إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية وتفكيك جميع المستوطنات الإسرائيلية بعد حرب 1967.

            وترى الدول الأوروبية ضرورة تقوية الإطار القانوني للحرب أو الحملة ضد الإرهاب، الأمر الذي لا تريده الولايات المتحدة بل تتخوف منه بدليل أنها ناهضت إنشاء المحكمة الجنائية الدولية وإتفاقية جنيف الخاصة بحماية السجناء.

            ولا تأبه أمريكا بما يسمى بموقف الشارع الغربي أو الشارع العربي أو الشارع أينما كان فلم تكترث إطلاقاً ولم تعتبر تلك المظاهرات الملايينية التي اجتاحت أهم مدن العالم تعلن وقوفها ضد الحرب الأمريكية على العراق؛ فخاضت الحرب واحتلت العراق. وبعكس ذلك موقف الدول الأوروبية الذي يدرك مخاطر غضب الشارع المعادي للولايات المتحدة ويَخْشَوْن أن تنتقلَ هذه العداوة ضد الدول الأوروبية نفسها.

            لم تأبه أمريكا لمشاركة أوروبية لإدارة الحرب على الإرهاب بعد 11/9 بعكس ما كانت تتوقع الدول الأوروبية، فانفردت أمريكا في اتخاذ قرار الحرب وسحبت البساط من تحت الأقدام الأوروبية بل وأرغمت أوروبا على الاعتراف بأنها لم تعد تحتل موقعاً متميزاً في إستراتيجية أمريكا الشاملة الأمر الذي ترفضه أوروبا ولا تقبل به ولا ترتاح إليه، وتسرب هذا الخلل إلى الحلف الأطلسي الذي يمكن القول عنه إنه أصبح أحد ضحايا الحملة على ابن لادن والطالبان( ).

بناء جسور ثقافية:

            إن تحقيق النصر على الإرهاب يتطلب من أمريكا الكثير من الجهود -لا يعني من أمريكا وَحدها فالمعركة تتطلب من كل دولة- بالإضافة إلى تنمية دفاعات قوية وهجوم قوي، واستخبارات فعالة ودقيقة، وحدود كاملة التحصين، وعلاقات وثيقة من التعاون مع أعضاء المجتمع الدولي. ولا بُدَّ أيضاً من بناءِ جسور ثقافية من عبرها تمر سبل التفاهم وبشفافية. على أمريكا أن تعمل كل ما تستطيع لإزالة الاتجاهات العقائدية المناهضة لها بإشراك المسلمين في منظومة واسعة من القيم والأفكار، وعليها أن تعمل أيضاً من أجل إفساح المجال للصوت المعتدل في العالم الإسلامي وإزالة الفجوة أو الهوة التي تفصلها عنه ومعها بلاد المجتمع العربي، وأن تَمُدَّ يدَ الصداقة للذين تضرروا من الإرهاب ووقفوا ضده قبل وقفة أمريكا، يد الصداقة وليس يدَ العمالة على أسس متكافئة من احترام السيادة المتبادل، فالكثيرون في العالم الإسلامي ذوو قيم إن لم تكن أمريكية فلا تتعارض مع الأمريكية. إذا تم بناء هذه الجسور فهي كفيلة بالقضاء على البيئة التي تنمو فيها مشاعر العداء لأمريكا والتي يُجيد الإرهابيون إستغلالها.

            هناك طرق عديدة لتمكين العالم الإسلامي من الاطِّلاع على الثقافة الأمريكية تأتي عبر برامج التبادل التعليمية التي تنمي وتقوي التواصل بين بني البشر وتنشئُ علاقاتٍ وُدِّيةً تزيل التصوراتِ الخاطئة. ولكن لسوء الحظ فهناك مِن بين نصف مليون طالب أجنبي في الولايات المتحدة أقل من 5% منهم ينتمون للبلاد العربية. لقد صدر تشريع "قانون الجسور الثقافية" من أجل تواصل بنّاء مع أبناء العالم الإسلامي ويوفر برامج التبادل والأسس الرئيسية لتحسين الروابط مع البلاد الإسلامية. وتقوم أمريكا بالفعل بإيفاد قيادات إلى الدول الإسلامية وتستقبل منهم القيادات ويجب أن تتسع البرامج إلى أبعد من القيادات الحالية، إلى الشباب والقيادات المستقبلية، تقوم وزارة الخارجية الأمريكية بتنفيذ برنامج لتبادل الزيارات بين قيادات المستقبل قال باول في شهر آب 2001 في اسبوع التعليم الدولي "لا يمكنني أن أفكر في مصدر قوة لبلدنا أثمن من صداقة قادة العالم القادمين الذين تعلموا هنا"، ولكن "باول" نفسَه أطلق تصريحاً بتخصيص مبالغ أثارت السخرية بكميتها إذ لا تتعدى ثلاثين مليون دولار- من أجل بناء تفاهم ثقافي مع شعوب العالم الإسلامي( ).

إن أحداث 11/9 يجب أن تدفع بالولايات المتحدة إلى خلق أكبر عدد من الفرص أمام الشباب من كل أنحاء العالم الإسلامي لمعرفة أمريكا( ).

            ولكننا نخشى "أن حكي السرايا لا يتطابق مع حكي القرايا"، فالملاحظ أن القوانين الجديدة لمكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة وفي أوروبا الغربية وفي الكثير من دول العالم الأخرى تضع العربي والمسلم موضع الشبهة وتعتبره "مشروعاً" لإرهابي في المستقبل، فالقيود الكثيرة التي وضعتها القوانين الجديدة تحول دون بناء الجسور الثقافية المنشودة، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فالملاحظ أن العالم العربي والإسلامي هو الذي يهتم بالثقافة الغربية والأمريكية، لا يقابله تكافؤ في الاهتمام من الطرف الآخر، فكم من الآلاف المؤلفة عرباً ومسلمين يتقنون اللغات الغربية، لا يقابلهم إلا "حفنة" من الغربيين يجيدون اللغة العربية!! وَقِسْ على هذا المقياس في جميع المجالات. فالطريق يجب أن يكون سالكاً في إتجاهين، وإتجاه واحد لا يكفي أبداً.

            أجرى مركز أبحاث "بيو ومنتدى بيو للدين والحياة العامة" في واشنطن في شهر حزيران سنة 2003 دراسةً إحصائيةً تبين منها أن الأمريكيين يدركون على نحو متزايد المشاعر المعادية لأمريكا بين المسلمين في أنحاء العالم. فقال 25% من العينة التي بلغ عددها ألفي شخص إن معظم أو كل المسلمين تقريباً معادون لأمريكا مقارنة مع 18% فقط في آذار سنة 2002. وجاء رأي 51% من العينة إيجابياً إزاء المسلمين الأمريكيين، 24% كان رأيهم سلبياً. و25% لم يكن لهم رأي محدد. لكن نسبة من جاء رأيهم سلبياً في المسلمين الأمريكيين كانت 17% فقط في آذار سنة 2002. وبين الاستطلاع أن 40% من العينة يعتقدون أن الدين يلعب دوراً كبيراً في قيام الحرب مقارنة لـ 24% من العام الماضي. وخلص الاستطلاع إلى أن 44% من الأمريكيين يعتقدون أن الإسلام يُحَرِّضُ على العنف بينما لم تتجاوز النسبة 25% في العام الماضي( ).

لماذا لا يُخْبَرُ الشعب الأمريكي بالحقيقة؟

            نكرر أنَّ القول بأن أمريكا مكروهة في كثير من بلدان العالم، ومحسودة من قبل الكثير من شعوب العالم المتقدم، بسبب التقدم الذي أحرزته الذي فاق تقدم كل الآخرين، هو كلامٌ  من قبيل الهذيان، فالدولة ليست سيدةً حلوةً طروباً تقف بين سيدات قبيحات يحسدنها على ما أنعم الله عليها من جمال شد إليها أنظار الرجال ذوي البأس والنفوذ والمال والشباب. والدول ليست كالأشخاص الذين يحبون ويكرهون، فالدولة لا تحب ولا تكره، الدولة كيان عناصره أرض وشعب وسلطة فكيف يمكن لأرض أن تحب أرضاً أخرى أو تكرهها أو تحسدها إلا في خيال حالم يستعمل تعبيراتٍ مجازيةً. ومن المفارقات العجيبة، إذا كان الحب والكره والحسد موجوداً في عالم الدول، أن نظرية الكره والحسد لم تطرح أيام عز الدولة الإسلامية أو الامبراطورية اليونانية أو الرومانية أو البرتغالية أو الاسبانية أو البريطانية أو النابوليونية، ومن المفارقات الأعجب أن هذه النظريةَ لم تطرح أيام جورج واشنطن أو روزفلت أو ايزنهاور أو نيكسون أو ريجان أو حتى في زمان غراميات كلنتون "المونيكاوية"؛ ومن المفارقات الأكثر عجباً أنها لم تُطرح في فترة حكم الرئيس الأب، بدأت تطرح فقط في زمن الرئيس الابن !! وقد يقول قائل إن أياً من الفترات السابقة أو الامبراطوريات السابقة لم تتعرض إلى شبيهٍ لما تعرضت إليه أمريكا في 11/9. والجواب على ذلك نعم صحيح –رغم أن جسامة الأحداث مسألة نسبية تعتمد على الحال والزمان والمكان ومنظومة المفاهيم، فالقنابل الذرية الأمريكية على هيروشيما ونجازاكي لم تبرر بالحسد والكره، وقبلها سحق الأسطول الأمريكي في بيرل هاربر وذوبانه في مياه البحر ودم آلاف ضحايا البحرية لم يُبرر بالحسد والكره. وفي عالمنا العربي الذي بنظرنا تعرض شعبه الفلسطيني إلى أكبر نكبة في التاريخ؛ حتى الآن لم نَر مسؤولاً عربياً أو حتى لم نرَ نزار قباني أو محمود درويش يُبرر تلك النكبة بالحسد والكره –ولكن الحسد والكره مشاعرُ موجودةٌ دائماً عند البشر ولم تكن في أي يوم من الأيام محنطةً أو مجمدَّةً لم تبعث من جديد في الحياة البشرية إلا بعد أحداث 11/9 الأليمة التي حلت بأمريكا، أو عفواً لم تبعث إلا في فترة –تكفي للاعداد وتنفيذ ذلك الهجوم البشع والذي لا يوصف إلا بأقذع وأحط الأوصاف- قصيرة قبل تلك الأحداث!! إذا كان وزير الدفاع الأمريكي "رامسفلد" قد وصف دول أوروبا الغربية التي وقفت معارضة لعزم أمريكا على شن حرب على العراق "بالعجايز" التي هراها الزمن فبماذا يمكن إذن وصف التبرير الأمريكي "بالكره والحسد" إلا –على الأقل- بحديث "عجايز" لا يقبلها الزمن –زمن التقنيات الحديثة-!!.

            التصور الحالي لدى أصحاب القرار في أمريكا بأن أمريكا هدف للإرهاب لأنها تمثل الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان في العالم. هناك من لا يصدق هذا التصور من الأمريكيين أنفسهم ويعتبره "كذباً" وإذا إستمر هذا الكذب فمن المحتمل أن تستمر حرب الإرهاب. إن أمريكا معرضة لتهديدات، فالإرهابُ الكيماويُّ متوفر وكذلك الإرهاب البيولوجي ولن تستطيع أيُّ من آلاف الأسلحة الذرية التي تملكها أمريكا أن تُنقذ أمريكا من هذه التهديدات. "فحيازة أمريكا على هذه الأوثان من البلوتونيوم والتيتانيوم والفولاذ وعلى مدى خمسة عقود عَجَزَتْ عن حماية أمريكا بل عرَّضتْها لخطر أعظمَ ولا يمكن لنظام حرب النجوم مهما تطور تكنولوجياً، ولا ترليونات الدولارات التي أنفقت أن تحمي أمريكا من قنبلة إرهابية واحدة، كما لا يمكن للترسانة الذَّريَّة الفريدة التي بحوزة أمريكا أن تحميها من سلاح ذري يُحمل في حقيبة يدوية أو ينطلق من قارب صغير يقف في نقطة على شاطئ يمتد آلاف الأميال، أو من سيارة صغيرة يتم إستئجارها قانونياً من قبل مكتب لتأجير السيارات. ولن تتمكنَ الموازنةُ الدفاعيةُ المكونةُ سنوياً من 273 مليار دولار أن تحول دون قنبلة إرهابية كما لا يمكنها أن تحققَ ذرةَ أمانٍ واحدةً( ).

            هناك وجه من أحد وجوه السياسة الخارجية سلبي يثير العداء ضد أمريكا( ):

-           تم الإطاحة بالعديد من القادة المنتخبين شعبياً وتم تنصيب بدلاً منهم دُمى عسكرية تبيع نفسها قبل شعبها للمؤسسات الأمريكية التجارية، وقَعَ ذلك في إيران فتم قلب نظام "مصدق" لأنه أمم النفط وتم تنصيب الشاه مكانه وتزويده بالسلاح وتدريب وصنع جهازه الإستخباري "السافاك" الذي فتك بالشعب الإيراني، ثم لقي فيما بعد الشاه مصير المنبوذ إذ إن أمريكا نفسَها نبذته حتى ورفضت السماحَ له بدخول أمريكا لنواحٍ إنسانية للعلاج.

-           أزيح الرئيس "الليندي" الذي إنتخبه الشعب الشيلي واستبدل بِهِ الجنرال الوحشي "بنوشيه"، الذي فيما بعد تم إعتقاله بعد شيخوخة هرمه وهو خارج الحكم في زيارة خاصة لانجلترا، وأخذت الدول الدائرة في الستالايت الأمريكي تتزاحم في تقديم الطلبات القانونية لاستلامه ومحاكمته بسبب جرائمه التي ارتكبها ضد الإنسانية، ولكن إنجلترا فيما بعد أفرجت عنه بحجة سوء صحته وكبر سنه.

-           تم إفشال الانتخابات الديمقراطية في جنوب "فيتنام" التي كان يمكن أن توحد البلاد وتم تنصيب عدد من الدمى الذين دعوا الأمريكان إلى بلادهم ليساعدوهم في ذبح شعبهم.

-           تم قتل ربع مليون مدني عراقي في محاولة فاشلة للإطاحة بنظام صدام حسين، وتم قتل ما يقارب المليون عراقي بسبب العقوبات الحصارية على العراق نصفهم من الأطفال، ثم تم شن حرب شاملة شنها الجيش الأمريكي على العراق بحجة إنتاجه وإمتلاكه لأسلحة دمار شامل، وتم إحتلال العراق وتم إسقاط النظام، وما زال البحث عن أسلحة الدمار الشامل العراقية مستمراً ولكن بدون جدوى لغاية تاريخ 25/7/2003( ).

-           أما في أمريكا الوسطى -جمهوريات الموز- فقد تمت الإطاحة في "نيكاراغوا" وغيرها عدة مرات بقادة شعبيين واستُبْدِلوا بطغاة يبيعون مقدرات بلادهم للشركات العملاقة.

ومن الأولى طردُ الأوهام جانباً؛ فالشعب في كندا أو السويد أو النرويج يسعد بديمقراطية رائعة وحريات مثالية وحقوق إنسان بالفعل قمة في الإنسانية؛ ولم نسمع بنسف سفارة كندية أو نرويجية أو سويدية. إذن فالديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان ليست السببَ في النظرة العدائية لأمريكا-أو بالأصح للسياسة الخارجية الأمريكية- من قِبَلِ بلدان عديدة في العالم أو العالم الثالث، إن سبب تلك النظرة العدائية يعود إلى البذور التي بذرتها أمريكا هناك. لذلك عند إدراك السبب الحقيقي للإرهاب وحين قول الحقيقة فإن الحل يصبح جلياً وواضحاً: التعامل على المستوى الخارجي مع دول العالم إنطلاقاً من مبادئ القانون الدولي والالتزام بمبادئ العدالة الدولية واتخاذ خطوات منها:

-           التوقف عن التدخل العسكري لتأمين تدفق النفط، واستبدال التدخل بمساعدة الدولة المنتجة له لبناء بُنياتٍ تحتية، والحصول على مياه شرب نقية وتغذية الأطفال وعلاجهم.

-           تفعيلُ الأمم المتحدة، وإنهاء سياسة إرسال مئات الآلاف من الجنود الأمريكيين إلى مختلف أنحاء العالم بل يجب إعادتهم إلى عائلاتهم في وطنهم الغالي وتوسيع فيالق السلام.

-           لا دعمَ للديكتاتوريات وكل الدعم للديمقراطيات.

-           التوقفُ عن التدخلات الاستخبارية.

-           إغلاقُ المدارس التي تدرب على التعذيب والأغتيال مهما كانت تسمياتها.

-           إستبدال عمل الشر بعمل الخير( ).

وإذا كان المطلوب من أمريكا عمل الكثير من أجل وقف الإرهاب، فلا يعني هذا أن الآخرين معفُوِّين من أية مطلوبات، فعليهم أيضاً أن يفعلوا بجد وإيجابية ولا يفيد التوقف عند إلقاء التهم على أمريكا أو تحميلها اللوم. ويجب الوعي لحقيقة واضحة أن إرهاب الأقوياء وإرهاب الضعفاء يلجأ كل منهما إلى العنف بأقصى مداه وأقسى أشكاله، ولكن ليس الأولُ أقلَّ سوءاً كما أن الثاني ليس أقلَّ قبحاً، كلاهما سياسي ويبقى أن نعرفَ الرصيدَ الأخلاقيَّ لكل منهما. يقول "مايكل هوارد" أستاذ علم الصراع في جامعة اكسفورد" إن ما جرى يوم 11/9 لم يقم به الجبن وإنما قام به الجنون، فالجنون يمكن أن يكون من أعمال الإرهاب( ). وفي النهاية بين متطلبات الأخلاق وضرورات السياسة تكمن غالباً تعاسة البشر( ).

المفهوم الأمريكي للإرهاب( ):

            نحن نعيش مع كم لا نهائي من الكلمات؛ وفي أجواء تتدفق دائماً بالمعاني من ينابيع لا تنضب أبداً ما دامت الحياة مستمرة، والكلمات ليست هي المعاني، فالمعاني تُطلق عليها الكلمات، فالسلطات في المعنى وليس في الكلمة. كلمة "القمر" مثلاً ليست في حقيقة القمر. ولهذا هناك آلاف الأسماء للقمر وله من الكلمات الكثيرة بكثرة عدد اللغات في العالم بل وأكثر بينما حقيقة القمر هي حقيقة واحدة. وهناك من المعاني التي تحتضنها كلمات قليلة حين يكون المعنى نتاج بيئة محددة ولكنه إنتشر بسرعة في  العالم؛ بهذه الحالة ينتشر "المعنى" ومعه "إناؤه" أي كلمته مثل "الانتفاضة" التي إنتشر معناها وبنفس الوقت رافقت المعنى نفس الكلمة الأصل للدلالة عليه.

            ومعنى الارهاب -دون أن نَتيهَ في أدغال الكلمة- هو فرض الرأي بالقوة، وكل من يَفرضُ الرأي بالقوة هو "مُرهِب" لأنه لا يعترف بالإقناع، فهو يريد التغيير بالترهيب. لهذا يتجنب الكثيرون تحديدَ معنى الإرهاب، كما يتجنبون الحديثَ عن إرهاب "الكبار" ولا يتحدثون إلا عن إرهاب "الصغار". يصفون "بالعدل" كل ما يرضيهم ويناسبهم، ويصفون "بالإرهاب" ما لا يرضيهم وما لا يساند الظلم الذي يمارسونه وهم موغلون في تحقيق أهدافهم باستخدام القوة المدمرة، فمثلاً يقل الحديث في أوساطهم عن "حق الفيتو" الذي هو بالفعل شبيه تماماً لإخضاع الآخرين بالقوة وبدون إقناع( ).

            وحين نتحدث عن الإرهاب في إطار السياسة الدولية سنلاحظ أنه "مصطلح" حديث لم يكن معروفاً -على الأقل بهذه التسمية- في مطلع القرن العشرين، وبدأ إستخدامه مع نشوء الحكومات الدكتاتورية والأحزاب المتعصبة والجماعات المسلحة التي تدعمها كيانات دولية مالياً ولوجستياً وتخطيطياً. في قواميسنا العربية لا نعثر للمصطلح على المعاني الموسعة له المنتشرة الآن والتي تفرض نفسها على الساحة السياسية. واكتفى بعض السياسيين وبعض الباحثين -وكادوا أن يقتنعوا- بالتفسيرات التي طرحتها الدوائر السياسية الأمريكية أو الغربيةُ المغرضةُ( ).

وهناك إختلاف كبير حول تحديد معنى هذا المصطلح، أو وضع تحديد لهذا "المعنى" فلا يزال مدثراً بالإيهام والإبهام. إن الأمر يبدو وكأنه "طلسم" رغم أنه أصبح ظاهرةً سيطرت على الخطط والبرامج والسياسة والإعلام. وهو الذي أشعل أولَ حروب القرن الحادي والعشرين! طبعاً إنه من نافلة القول التأكيد على أن الإرهاب ليس وليدَ هذه الأيام فجذوره موغلة في القدم، إستخدمته حكومات وأحزاب وأحلاف ودول، وهو بالتأكيد أهم وسيلة إستخدمتها الصهيونية في إقامة إسرائيل، وهو بالتأكيد أهم وسيلة في قيام كيان جنوب إفريقيا. ولا أحد ينكر أن الإرهاب خرق لحقوق الإنسان وغدر وطعن من الخلف خلسة.

            والتعريف البوليسي الوارد للإرهاب في تعداد مهمات مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي F.B.I؛ يقوم الإرهاب على إستخدام غير مشروع للقوة والعنف ضد الأفراد والممتلكات بهدف ترويع الحكومة والمدنيين أو قسم منهم بهدف تحقيق أغراض إجتماعية أو سياسية. وحسب التعريف البريطاني للإرهاب سنة 2000 الذي جاء متطابقاً مع الأمريكي: "هو ممارسة عمل أو التهديد بممارسة عمل يهدف إلى الضغط على الحكومة أو ترويع الجمهور من أجل الدعوة إلى قضية سياسية أو دينية أو أيديولوجية". ولا يبتعد تعريف المفوضية الأوروبية عن السابقين ولكنه يضيف إلى ما جاء في التشريع الدولي-القتل، الإبتزاز، إحتجاز الرهائن …-مجموعة أخرى من الإختراقات التي هي أقرب إلى العصيان المدني أو أقرب إلى وسائل التعبير النقابي: إحتلال المنشآت العامة، أو البنى التحتية أو إلحاق الضرر ببعض الأملاك ذات القيمة الرمزية وكذلك الجرائم الافتراضية من خلال الإنترنت.

            وهكذا نلاحظ من التعريفات السابقة التي هي في الواقع نابعة من التعريف الأمريكي أن الأعمال المناهضة للرأسمالية التي تلجأ إلى أساليب تقع على حدود الشرعية هي أساليب غير شرعية مع أنها لا تتسم بالعنف"( ).

            والتهديد الأخطر ضد السلام العالمي لا يأتي من السلوك الإرهابي فحسب بل ومن مصطلح "الإرهاب" أيضاً، لأن ما هو إرهاب في نظر البعض، هو نضال من أجل الحرية لدى البعض الآخر. وبدون تشبيه، فالإرهاب يتوقف على عقل وضمير وقلب ونوايا المشاهد، فهو في هذه الناحية "كالجمال" يتوقف على عين المشاهد"( ).

لكن إرهاب القوة الأولى بدون منازع في العالم هو الحرب التي فتحتها على الإرهاب الأمر الذي لا يجعل من المعنى الذاتي لهذا المصطلح السيء السمعة مجرد نكتة. وليس مصادفةً الإصرار على عدم الاتفاق لوضع تعريف له فللكلمة من الخصوصية ما يجعلها مفرغة من أي معنى أصيل، وفي الوقت نفسه فإن الكلمة مخيفة لأن الناس يعتقدون باحتوائها على معنى، ويخافون من إساءة إستعمالها بتطبيقها على كل شيء لا يريدونه لتجنب النقاش أو التفكير العقلاني حوله أو لتبرير سلوكهم غير الأخلاقي تجاهه.

            ولنتحدث بوضوح وصراحة فليس هناك فقر في الكلمات التي تتمكن من التعبير بدقة عن المعاني وعن الأفعال المرهبة. هناك تعبيرات مثل: التخريب، حرق أو نسف المباني، الاغتيال، القتل الجماعي، ولها جميعها قوانينُ تحددها وتحدد عقوباتها. مما يعني أن ليس هناك حاجةٌ لتشريعات خاصة للارهاب. ولكن المشكلةَ -لغرض في نفس يعقوب- أن تلك الكلمات الدقيقة ليست مشحونةٍ بتصورٍ أو تأثيرٍ شيطانيٍّ وقاتل للتفكير الذي توحي به كلمةُ إرهاب التي يستخدمها عديمو الشرف أو المشككون بالدوافع البشرية خدمةً لأغراضهم. سيتساءلُ القارئ -عندما يقرأ أن شخصاً قام بقتل مجموعة أشخاص وتم وصفُ جريمته بأنها "جريمة جماعية"- عن الدوافع والمظالم التي دفعت مرتكب الجريمة لارتكابها. ولكن القارئ قد لا يتساءل عن أي تبرير لهذه الجريمة وسيتصور أنها قمة الشر إذا قرأ أن الجريمة هي "إرهاب"

            معظم الأفعال الموصوفة "بالإرهاب" في المجتمع الأمريكي وأوروبا هي أفعال الضعفاء بعد أن أُغلقت جميع السبل في وجوههم ضد الأقوياء. حتماً أن الفلسطيني سيفضل إستعمال أحدث الأسلحة وأقواها دفاعاً عن حريته، ويتمنى لو أنه يمتلك الطائرة المقاتلة F.16، أو الهليكوبتر الأباتشي أو الصواريخَ الموجهة "بالليزر" أو الأقمار أو المدفع الذي يطال الطائرات، لو إمتلكها الفلسطيني لما لجأ إلى تفجير نفسه ليفجر معه عدوه. إن الأمل المتاحَ للفلسطيني هو أن أي عمل نضالي يقوم به أفضل من حياةٍ أسوأ من الموت وهو العلاج الوحيد لديه فيندفع في هذا العنف المرعب. وبذا فلا نرى فقيراً أو ضعيفاً أو مظلوماً يشجبُ الإرهابَ أو يشكو منه، فالظالم والقوي والغني دائم الشكوى والشجب للإرهاب.

            إذن المفهوم الأمريكي للإرهاب هو "العنف الذي لا أؤيده". فالولايات المتحدة تستغل الكلمة لتؤكدَ حقَّها المطلقَ بمهاجمة كل بلدٍ تكرهه -أو تكرهه إسرائيل- فتقطع  الطريق بهذه الكلمة المُسيَّسةِ على كل مقاومة مدنية أو سلمية وتدفع بالمقهورين دفعاً إلى اللجوء للملاذ الأخير إلى سلاح العنف المرعب( ).

            وحسبما جاء في الكراسات العسكرية الأمريكية فالإرهاب هو إستخدام مدروس للعنف والتخويف والإكراه لأغراض سياسية أو دينية. أي أن الإرهاب مساوٍ تماماً لما سَمَّتْهُ أمريكا بـ "الحرب الخافتة"، وتبنت على كل حال هذا النوعَ من الممارسة. لقد اعترضت أمريكا ولم يقف بجانبها إلا إسرائيل فقط على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة ضد الإرهاب 1978 لأن القرارَ ضِمنَ حقَّ الشعوبِ في كفاحها ضد الاحتلال والإستعمار.

            وتجاوزت المساعدات العسكرية الأمريكية لتركيا سنة 1997 مجموعَ ما قدمته لها من مساعدات من 1950 إلى 1983 وهي مرحلة الحرب الباردة. وبذا تمكنت تركيا نتيجة هذه المساعدات من تحويل ثلاثة ملايين كردي تركي إلى لاجئين ودمرت 350 قرية ومدينة كردية. وتلقت تركيا 80% من الأسلحة التي إستخدمتها 1999. كمساعدات عسكرية من أمريكا. وبعدها، هدأتِ المعارك مما يدل على أن الإرهابَ يحقق نتائجَ ملموسةً حينما يلجأ إليه مستخدموه الرئيسيون، وكانت تركيا ممنونةً وشاكرةً لأمريكا وعبرت عن ذلك الشكر باستخدام كل ما لديها من سلاح ضد الصرب سنة 1999، كما أعلن "أجاويد" / رئيس وزراء تركيا بعد أحداث 11/9 أن تركيا ستشارك بحماس في التحالف الأمريكي ضد ابن لادن مؤكداً أن بلاده في حربها ضد الإرهاب الداخلي مدينة بالعرفان والجميل لأمريكا، والنخبة التركية إختارت المشاركة بالفظاعة وصمتت عن هذا الدعم الأمريكي، يقول الكاتب الأمريكي "نعوم شومسكي" "إن أمريكا لا ترغب في اللجوء إلى الأشكال القانونية الاعتيادية فهي تفضل عدم تقديم أي برهان وتعارض وجود عدالة دولية"( ).

تعريف وزارة الخارجية الأمريكية للإرهاب:

            من مسؤوليات وزارة الخارجية الأمريكية أن تقدم إلى "الكونغرس" تقريرها السنوي عن الإرهاب في شهر نيسان، يورد هذا التقرير تقييم وزارة الخارجية بالتفصيل لكافة أعمال الإرهاب التي جرت في العام الماضي ويشتمل على معلوماتٍ عن الجماعات التي قامت وزارة الخارجية بتصنيفها على أنها إرهابية وعن الدول راعية الإرهاب. ويعني ذا التصنيف أن على المواطن الأمريكي أن يمتنع حسب القانون عن أن يكون عضواً فيها أو أن يقدم لها التمويل أو أية مساعدة كانت.

            وقد عرفت وزارة الخارجية الإرهاب "بأنه العنف المتعمد بدوافع سياسية ضد أهداف غير قتالية من قبل جماعات قومية أو عملاء يعملون في السر"، وعرفت الإرهاب الدولي بأنه الإرهاب الذي يشمل على مواطنين أو أراض لأكثر من دولة، وعرفت الجماعة الإرهابية هي كل جماعة تمارس أو التي لها جماعات فرعية تمارس الإرهاب الدولي، ويمكن إبداء الملاحظات التالية على الفهم الأمريكي للإرهاب كما جاء في تعريفات وزارة الخارجية الأمريكية:

            أولاً: يؤكد على العنف الذي له دوافع سياسية بدلاً من الدوافع الإجرامية، فأمريكا إذن لا تهتم بالإرهاب بحد ذاته بل تهتم بتبعاته السياسية، فعدد الأمريكيين الذين قُتلوا من قبل الإرهاب في الفترة بين 1980-2000 يماثل عدد الأمريكيين الذين يُقتلون سنوياً في أعمال إجرامية في إحدى المدن الكبيرة الأمريكية، والاستنتاج الهام المترتب على ذلك أن الأخطار التي يشكلها الإرهاب على الأرواح والممتلكات ليست مخاطر حقيقية، إنما مخاطره الحقيقة تكمن في الخوف من احتمال تأثيره على السياسات الأمريكية. والملاحظ على هذا الاستنتاج أنه إذا كان صحيحاً أو مقبولاً قبل أحداث 11/9. فإنه بعد أحداث 11/9 غير صحيح فمخاطره على الأرواح كانت هائلة، ومخاطره المالية كانت من الجسامة التي لا يمكن تصورها، وعلى السياسات كانت في غاية التأثيرات السلبية( ).

            ثانياً: تنظر أمريكا إلى نفسها بأنها مُستهدفة من الإرهاب، وكانت هدفاً لـ 50% من جميع أعمال الإرهاب الدولية في العالم الأمر الذي يعني أن هناك جماعات كثيرة تعتبر السياسة الأمريكية سياسةً غير عادلة، وتخشى الإدارة الأمريكية الإرهاب إذ إنه يتمتع بالإمكانات الكافية لتعرية السياسات الأمريكية وفضحها سواء بالنسبة للجمهور الأمريكي أو الدولي مما يشكل ضغطاً من أجل تغيير هذه السياسات.

            ثالثاً: يستثنى تعريف وزارة الخارجية للإرهاب الأعمال التي ترتكبها الدولة، ويشمل فقط الأعمال التي ترتكبها الجماعات أو العملاء السريون، وهذا يعني أن أمريكا مع الأوضاع القائمة ومع حالة الوضع الراهن مهما بلغ قمع أو ظلم أية حكومة في أي بلد فإن أعمالها لا تدخل في إطار الإرهاب، إنما الإرهاب هو الأعمال الموجهة ضد الحكومة؛ رغم التصريحات الأمريكية التي رافقت احتلالها للعراق التي ركزت على لزوم التغيير في المنطقة.

            رابعاً: لا تعطي أمريكا تعريفاً للدولة الراعية للإرهاب: إرتكبت إسرائيل أغتيال فتحي الشقاقي في مالطا، "وأبو جهاد" في تونس، والعدوان والنجار وناصر في بيروت، وتؤوي مئات الإرهابيين من جماعات "كاخ"، "كاهاني" المصنفة من قبل أمريكا بأنها إرهابية، ومع كل ذلك فلم تقم أمريكا بوضع اسم إسرائيل بين الأسماء  التي تصدرها بقوائم على أنها إرهابية. (أسماء الدول على القائمة الأمريكية: العراق (قبل أن تحتله أمريكا)، إيران، سوريا، ليبيا، السودان، كوريا الشمالية. ومحور الشر في نظر أمريكا: العراق (طبعاً قبل أن تحتله) وإيران وكوريا الشمالية( ).

            في الثمانينات بلورت وكالة المخابرات المركزية CIA التعريف التالي للإرهاب: هو التهديد باستعمال العنف أو إستعماله لتحقيق أهداف سياسية من قبل أفراد أو جماعات سواء كانوا يعملون لمصلحة سلطة حكومية أم ضدها، وتستهدف هذه الأعمال إحداث صدمة أو حالة من الذهول أو التأثير على جهة تتجاوز ضحايا الإرهاب المباشرين، وقد مورس الإرهاب من قبل جماعات تسعى إلى الانقلاب على أنظمة حكم معينة أو معالجة ظلامات وطنية أو فئوية أو إضعاف النظام الدولي باعتبار ذلك غاية في حد ذاتها"( ). وهذا التعريف فضفاض يُطبق بانتقائية أي أن الإرهابيَّ هو عدونا الذي يقوم بعمليات إرهابية، أما إذا كان الإرهابي صديقنا فهو في نظرنا ليس إرهابياً ما دام أنه يمارس إرهابه ضد خصومنا( ).

            وتُصر دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة على "شطب حق الشعوب في مقاومة الاحتلال"( ) فمثلاً يؤكد نائب وزير الخارجية الأمريكي "ساترفيلد" على أن كفاح المقاومة الفلسطينية هو إرهاب ووصف الانتفاضة الفلسطينية بأنها إرهاب مدروس، كما يؤكد أن الإدارة الأمريكية لا تريد من قضية محاربة الإرهاب سوى تصفية حركات المقاومة ضد الإحتلال وعلى رأسها وبدون منازع المقاومة الفلسطينية علماً بأنها تقاوم "الاحتلال الإسرائيلي الذي يمارس الإرهاب الأبشع وبرعاية أمريكية"( ) ولا يمكن لأحد أن يقتنع بأن أمريكا تقاوم الإرهاب وتحاربه بشكل جِدِّيٍّ -وخاصةً داخلَ المجتمع العربي والإسلامي- إلا إذا اعتبرت أن ما تقوم به إسرائيل وجيشها ضد الفلسطينيين هو الإرهاب بأوضح صورة، وإلا إذا أقنعت (ولا نقول أجبرت) إسرائيل الإلتزام بقواعد القانون الدولي ونفذت القرارات الدولية. ووُصف الموقف الأمريكي تجاه المقاومة الفلسطينية أو تجاه المواقف العربية النضالية عموماً بأن أمريكا تعتبر كل عربي هو إرهابي، ومن العرب من نُشر إسمه على قائمة أمريكيا التي تصمُ من تشاء فيها بالإرهاب، والعرب الآخرون ينتظرون الدور فقط لنشر أسمائهم بالتتالي. "ولم تبدل أمريكا ولن تبدل نظرتها بأن العرب أعداء للمدنية والحضارة، ولذا ليس غريباً وصف العرب بأنهم إرهابيون ما لم يكن الواحد منهم جاسوساً لإسرائيل"( ).

جوهر الفهم الأمريكي للإرهاب:

            يلاحظ أن جميع التعريفات الأمريكية للإرهاب والصادرة من دوائر الاختصاص المتعددة فيها عنصر مشترك لم يتغير أو يتبدل أو حتى لم يتطور وهو التركيز على "فاعل" الإرهاب أي على الفرد بصفته الشخصية، أمثلة على ذلك:

-           جاء في تعريف وكالة الاستخبارات المركزية CIA 1980 للإرهاب: هو التهديد الناشئ عن عنف مرتكب من قبل فرد أو مجموعة أفراد.

-           كما جاء في تعريف مكتب التحقيقات الفيدرالي 1983 أن الإرهاب عمل عنف بشكل خطراً على الحياة الإنسانية وينتهك حرمة القوانين الجنائية الوطنية.

-           وعرفته وزارة العدل الأمريكية 1984 بأنه سلوك جنائي عنيف يقصد به بوضوح التأثير على سلوك السلطة الرسمية عن طريق الاغتيال أو الخطف.

والأقوى من التركيز على الفرد، أن تشريعات أمريكية تذهب بعيداً لدرجة أنها تربط الإرهاب ليس بالأفراد فقط أو كفى، وإنما تربطه بالأفراد من جنسية معينة، فالإرهاب حسب هذه التشريعات الأمريكية: نشاط موجه ضد أشخاص أمريكيين يرتكبه فرد أو أفراد ليسوا أمريكيين أو من الأجانب المقيمين في أمريكا بصورة دائمة( ).

            كما يلاحظ أيضاً أن جميع التعريفات الأمريكية في قصرها على "الفرد" أو الأفراد وأنهم هم الذين يقومون بالإرهاب، تستثني أعمالاً إرهابية أكثر خطورة تقوم بها الدولة مباشرة أو بصورة غير مباشرة، فأمريكا تجرم الأفراد الذين يعملون نيابة عن جماعة ما أو حركة سياسية ما؛ وفي المقابل لا تجرم أفراداً يقومون بالإرهاب نيابة عن الدولة –اللهم إلا إذا كانت الدولة هي دولة طالبان مثلاً أو دولة مدرجة على قائمة الإرهاب الأمريكية- علماً بأن الأفعال المرتكبة في كلتا الحالتين لها نفس الوصف الشائن. إن خطف الطائرات شكل من أشكال الإرهاب ليس فقط حين يرتكبه عملاء الجبهة الشعبية الفلسطينية بل وأيضاً حينما يرتكبه وكلاء المخابرات المركزية!! وعدم إسباغ صفة الإرهاب على إغتيال "يحيى عياش" ووصفها بأنها جريمة فقط، وكذلك بالنسبة "لباروخ جولدشتاين" ضد المصلين في الحرم الإبراهيمي الذي أكتفي بوصفه بأنه مختل عقلياً. بينما توصف بالمقابل العمليات الاستشهادية للمقاومة الفلسطينية في القدس أو تل أبيب بأنها عمليات إرهابية أو عمليات حزب الله في جنوب لبنان، توصف بالإرهاب لمجرد أن الفاعلين عرب( ). بالمناسبة فإن الكاتب الأمريكي اليهودي "نعوم شومسكي" مؤلف كتاب حضارة الإرهاب يذكر أن الإسرائيليين هم الذين دشنوا الإرهاب في الشرق الأوسط وحَرَصُوا على إبقاء جذوره مشتعلةً باستمرار( ).

            ونعود لنقولَ وللتأكيد على أن أمريكا ترفض وتقاوم وضع تعريف دولي متفق عليه للإرهاب لكي تحول دون إدانة إسرائيل وحتى لا تشجع الفلسطينيين على مقاومة الإحتلال الإسرائيلي، وسبق لأمريكا أن رفضت فكرة تحديد جرائم الحرب أو إقامة محكمة جنائية دولية لمحاكمة المتهمين بجرائم الحرب لكي تحول دون ملاحقة مسؤولين أمريكيين في أزمنة مختلفة( ).

            ونشرت وزارة الخارجية الأمريكية يوم 2/11/2001 قائمة جديدة أضافت إليها 22 منظمة وشخصية إرهابية من المنظمات الفلسطينية: حركة المقاومة الإسلامية حماس، وحركة الجهاد الإسلامي، وجبهة التحرير الفلسطينية، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الشعبية-القيادة العامة، بالإضافة إلى حزب الله اللبناني. لم تسكت منظمة فتح عن هذه التهم وأصدرت بياناً في 5/11/2001 إعتبرت فيه الموقف الأمريكي هذا إنحيازاً صارخاً للموقف الإسرائيلي وطالبت أمريكا بالتمييز بين الإرهاب والمقاومة المشروعة( ).

            بينما إعتبرت أمريكا على لسان "بول بريمر" الذي عينه الرئيس بوش يوم 6/5/2003 حاكماً للعراق بعد أن كان مسؤولاً عن الإرهاب في وزارة الخارجية الأمريكية: اعتبرت أن الإرهاب لا يرتبط إطلاقاً ولا جذور له في النزاع العربي الإسرائيلي. وترى أمريكا الخصم في "الأصولية الإسلامية التي تريد فرض الإسلام بالقوة على العالم"( ).

            وفي تصريح ماكر لكولن باول/وزير الخارجية الأمريكي حول حصار إسرائيل المهين لياسر عرفات في رام الله ومهاجمتها مقرهُ وتضييق الخناق عليه في غرفتين هو وأعوانه بدون ماء وكهرباء قال باول: "لقد دخلت إسرائيل لتبحث عن إرهابيين ولضبط أسلحة، هذا ما أدى إلى هذه الأزمة، وليس غياب الأفق السياسي بل الإرهاب بشكله البدائي".

            أما "هنري كيسنجر" وزير الخارجية الأمريكي اليهودي الأسبق فمدح الحرب الحالية القائمة ضد الإرهاب إذ إنها رفعت قدرة المسلمين المعتدلين على إستعادة دينهم الذي إغتصبه منهم المتعصبون، وهو يرى أن الحرب تهدف إلى تدمير الشبكات الإرهابية( ). أما "أنتوني ليك" مستشار الأمن القومي في عهد كلنتون فيعتبر أن من الضروري إزالة الأنظمة الحاكمة المغلقة لأن الناس فيها يتحولون تلقائياً إلى الدين للتعبير عن أنفسهم بشكل سياسي ومدني بينما أمريكا هي التي تدفع الثمن( ).

            ولا يمكن إلا الانتباه بشدة إلى ما جاء في خطاب الرئيس الأمريكي مساء يوم 11/9 حين قال فيه: "لقد كانت أمريكا هدفاً للهجوم لأنها منارة الحرية الأكثر لمعاناً في العالم. ولن يمنع أي كان هذا النور من اللمعان"( ).

بعض وجهات النظر العربية تجاه أمريكا والإرهاب:

            إن مفهوم الإرهاب لدى الإدارة الأمريكية هو مفهوم في غاية الخطورة يقوم على "من ليس معنا فهو ضدنا أي مع الإرهاب. وهذا يعني أن محاربة الإرهاب هي مشروع أمريكي، وتعطي أمريكا لنفسها الحق في تحقيقه بالوسائل العسكرية، فالإرهاب العدو، هو ما تقرره أمريكا بنفسها وبسرية، ولا يستطيع الغير أن يعرف مَن هو. إن ذلك المفهوم يشكل خطورة بالنسبة للعرب وبالنسبة للآخرين( ).

            ولم يعد خافياً، بل أصبح واضحاً أن "صناعة الإرهاب" هي صناعة أمريكية محضة والطابع الأمريكي هو طابعها الوحيد بدون منازع. إنها إختراع أمريكي مثل "الهامبيرغر" و"الكوكاكولا"، و"المكي ماوس" و"الجينز"، والإرهاب هو إحدى أدوات السياسة الخارجية التي يعتمد عليها "العم سام" في فرض هيمنته على العالم ودوام ترسيخها( ).

            ويبدو واضحاً في تعامل أمريكا مع الإرهاب أنها تتعامل معه بطريقة تفكير "هوليودية" وتتصرف "برامباوية"، وهي تحلل خلفية الصورة للمقابلة التلفزيونية التي بثتها الجزيرة مع ابن لادن لتعرف مكان وجود ابن لادن. فلذلك إن أمريكا هي في الجهة الأخرى المواجهة للعرب، والعرب في خندق لمواجهة أمريكا( ). وتستعمل أمريكا كل الأسلحة لديها وليس الصاروخ والمدفع أو القنابل النووية بل وبالتأكيد تستخدم المال والاقتصاد والثقافة أيضاً( ).

            وأمريكا تفرض الهيمنة على الغير في سلوكها تريد من الآخرين أن يركعوا أمامها، وهم في معظمهم مهيئون للركوع سواءاً كانت أمريكا منتصرة – والركوع أمام المنتصر أمر معروف- أو غير منتصرة- وهذا الركوع غاية المبالغة! –وحسب مكاييلها وموازينها المتعددة. وهذا هو الإرهاب بأبشع صوره( ). كما أن رفض رئيس بلدية نيويورك الشيك البالغ قيمته عشرة ملايين دولار من الوليد بن طلال كتبرع للمدينة يُفسر بأنه عمل إرهابي.

            ويقول الشيخ محفوظ نحناح إذا كوَّمنا جثث ضحايا الإرهاب في الجزائر لبلغت شواهق أعلى من بُرجي نيويورك ومع ذلك لم نسمع تباكياً أمريكياً عليهم أو شجباً للإرهاب في الجزائر( ).

            إن خبرة العرب مع أمريكا فيما يتعلق بالذات بالقضية الفلسطينية لا تحتوي إلا المواقف السلبية الأمريكية تجاه العرب مما ولَّد لدى العرب عدم الثقة بأمريكا، فكيف سيثـقون بها إذن فيما يتعلق بالإرهاب رغم إيمانهم بأن الإرهاب ضد التقدم وضد الحياة( ). واستشهد بقول سيناتور أمريكي: إذا كانت أمريكا تفرض هيمنتها على الغير بالقوة فمن حق هذا الغير أن يكره أمريكا. والغير يرتاب من الموقف الأمريكي الرافض للتوقيع على إنشاء محكمة جنايات دولية لمحاكمة الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم ضد القانون الإنساني( ).

            إن أمريكا ذات سجل تاريخي غير شريف في وفائها بالعهود: مثلاً في عهودها مع أفغانستان نفسها وهي تحارب ضد السوفييت، وفي عهودها للباكستان حينما    ساندتها في الحرب الأفغانية ضد السوفييت، ومع العرب الذين وقفوا معها ضد العراق حينما إجتاحت الكويت. وقبلت الدول العربية أن تكون غطاءاً سياسياً لأمريكا من قبيل المواقف الأقل ضرراً من أجل أن تحصل على مكافأة أمريكية في مواقف إيجابية تجاه القضية الفلسطينية علماً بأن الدول العربية أصلاً لم تكن متعاطفة مع طالبان، ولم يحصل العرب على أية مكافأة بل العكس هو الذي حصل( ).

            وافق مجلس الشيوخ بأغلبية 94 صوتاً واعتراض عضوين فقط على قرار ينص على أن الولايات المتحدة وإسرائيل معاً في نضال مشترك ضد الإرهاب، ويدين التفجيرات الانتحارية الفلسطينية، ووافق مجلس النواب بأغلبية 352 صوتاً واعتراض 21 فقط على قرار يتهم الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بالإرهاب وقال النائب الجمهوري "توم ديلاي" الذي أعد القرار: "فليعلم كل إرهابي إن الشعب الأمريكي لن يتخلى أبداً عن الحرية أو عن الديمقراطية أو عن إسرائيل"( ).

العلاج الأمريكي للإرهاب:

            تختلف الكرة الأرضية من وجهة نظر مَن يمسك السوط عما هي عليه في رأي مَن يتلظى بلسعات ضرب السوط. والمثل الأردني يقول "إللي بيوكل ضربات العُصي مش مثل اللي بيعدها". ووسائل الإعلام العالمية تختلف في ممارستها للمهنة حسب الجهة التي تصطف فيها علماً بأنها تصطف في أغلبيتها الساحقة طوعاً أو إغراءاً أو تسخيراً بجانب من يُمسك بالسوط، ولذلك فقد تم تقديم الإرهاب من قبل الدوائر الحاكمة الأمريكية ثم الغربية من خلال إمبراطورياتها الإعلامية على أنه مساوٍ تماماً للصراع ضد وباءٍ يشبه الطاعون أو السرطان ينشره الهمج المنحطون البرابرة أعداء الحضارة. فأنشأت أمريكا شبكة قوية لا سابق لها -في إدارة حكم الرئيس الأمريكي السابق "ريجان"-مهمتها القضاء على "الإرهاب حسب مفهومها له" إرتكبت من الفظاعات بأعداد لا تحصى في الطرف الآخر من الكرة الأرضية خاصة في أمريكا اللاتينية.

            وهناك مثل صارخ على التوجهات الأمريكية حينها وهو الفظاعات التي إرتكبتها في "نيكاراغوا" التي حسمت تقييمها محكمة العدل الدولية، إن الحرب التي شنتها إدارة "ريجان" على نيكاراغوا كانت أخطر وأفظع من أحداث 11/9 فأوقعت خمسة وسبعين ألف ضحية بينها تسعة وعشرون ألف قتيل ودمرت بلداً يبدو أن لا أمل في قيامه ثانيةً! طبعاً ليس في مقدور نيكاراغوا الرد عسكرياً على واشنطون بل لجأت إلى محكمة العدل الدولية التي جاء حكمها لصالح نيكاراغوا مُدينةً أمريكا إستخدامها غير المشروع للقوة طالبةً من أمريكا وقف جرائمها والتعويض عن المصائب والخسائر التي أنزلتها بالشعب النيكاراغوي. وكانت ردة الفعل الأمريكية على حكم محكمة العدل الدولية أنها رفضت الحكم، ولم يبق أمام نيكاراغوا إلا اللجوء إلى مجلس الأمن تطلب إصدار قرار يطالب المجتمع الدولي -ولم تطلب من أمريكا بالذات رغم أن المقصود هو أمريكا- باحترام القانون الدولي، ولم يكن من أمريكا إلا المعارضة مستخدمة حق النقض -الفيتو-. إذن كانت أمريكا هي البلد التي حكمت ضدها محكمة العدل الدولية ورفضت الحكم، وكانت أمريكا هي المعترضة الوحيدة على قرار يطالب الدول باحترام القانون الدولي. وتجاه ذلك لم تسكت نيكاراغوا البلد الصغير فتوجهت إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة تطالبها بتبني القرار الذي أسقطته أمريكا في مجلس الأمن ولم يلق القرار إعتراضاً إلا من أمريكا وإسرائيل والسلفادور. وبعد ذلك لم يعد لدى نيكاراغوا أية وسيلة قانونية تلجأ إليها. وفشلت جميع الوسائل القانونية في عالمٍ تحكمه القوة. مرت تلك الحادثة في جوٍ يشبه الصمت إذ لم تتحدث عنها وسائل الإعلام إلا فيما ندر( ). ويمكن إستخلاص الاستنتاجات التالية من ذلك الحدث:

-           إن قدرة الولايات المتحدة قدرة هائلة تُمَكِّنُها من فرض نفسها على ضحاياها.

-           ليس الإرهاب إلا سلاح الضعفاء فقط وهم الموصوفون به؛ لأن الأقوياء مهيمنون على أجهزة الإعلام والثقافة والأيديولوجيا التي تؤهلهم من التمويه بأن "إرهابهم" ليس إرهاباً بل هو شيء آخر.

-           يستعمل الأقوياء وسائل تمحو الحدث المزعج من الذاكرة فلا يعود يتذكره أحد.

لقد أكدت الإدارة الأمريكية أنها عازمة على استمرار شن الحرب على الإرهاب وضمن إستراتيجية مفتوحة المدى -وليس قصيرة المدى وليست محددة المدى-. إن الإدارة تؤمن بأن التاريخ قد إختار أمريكا ودعاها للتحرك كي تمارس كل قدراتها لتجعل من العالم عالماً أكثر سلاماً وأماناً وحريةً، وتُمسك أمريكا بهذه الدعوة التاريخية ولن تُفَوِّت هذه الفرصة. وتشدد الإدارة الأمريكية بأن على جميع قادة العالم أن يعرفوا ويتيقنوا أن لا يساورهم أدنى شك بأن أمريكا حينما تقول شيئاً فهي تكون قد سبق وفكَّرت فيه ملياً ودرسته جيداً لذا فإن ما تقوله ليس كلاماً في الهواء بل هو حقائق راسخة، وعندما تقول إنها تدعم الدفاع عن الحرية فهي تعني ما تقول( ).

            وقامت الولايات المتحدة بتشكيل محاكم تحكم بسرعة على المتهمين بالإرهاب من غير الأمريكيين، وهذه المحاكم التي تَشَكَّلتْ بمرسوم رئاسي لا تلتزم بالإجراءات القضائية أو توجيه لائحة إتهام أو الالتزام بتقديم البراهين ولا حتى حق المتهم بتعيين محام عنه، ويُكتفي بعرض القضايا بناءاً على أدلة سرية وشهود مجهولين. وتتمتع هذه المحاكم بصلاحية الحكم بالإعدام وحكمها قطعي غير قابل للاستئناف. ويتضح أنه لا يحق للمتهم غير الأمريكي بالتمتع بالحماية التي جاءت في الدستور( ).

            وتصر الولايات المتحدة على مواصلة حربها ضد الإرهاب حتى يتم –كما ترى- إنقاذ الحضارة من هذا الوباء، "ولن تذوق أمريكا طعم الراحة" ما لم يتحقق ذلك. ولقد إضطرت أمريكا إلى سحق نظام طالبان الذي كان يحمي القاعدة وأسامة بن لادن( ) لأن نظام طالبان رفض الطلب الأمريكي بتسليم ابن لادن، فدفعوا الثمن غالياً بسبب رفضهم( ).

            وفي بعض الأحيان -وحينما تضطر- تتراجع الإدارة الأمريكية ولكن "قيد أنمله" فتذكر أن بعض الجماعات توصف أحياناً بأنها إرهابية بينما في واقع الأمر أنها قد تكون تطالب برفع المظالم أو كسب الحقوق أو تحقيق الحرية من قوى ظالمة، فليست كل الأشياء "إما أبيض أو أسود" بل هناك مناطق رمادية يتعين معالجتها سياسياً، فقد تدخل أمريكا في بعض المناطق تجد فيها الرجل الإرهابي هو بالنسبة لشخصٍ آخر يعتبر مقاتلاً من أجل الحرية، ولا بد في مثل هذا الحال من الحكمة فهناك تحدٍ حقيقي أمام أمريكا في شرح هذه الإختلافات بالذات في منطقة الشرق الأوسط. وباعتراف وزير الخارجية الأمريكي كولن باول فقد أهملت أمريكا لسنوات عديدة الإهتمام بانعكاسات صورتها في العالم الإسلامي فعليها إذن تحسين جهودها في هذا الاتجاه خاصة وأنها سمحت لمجموعات راديكالية عربية بطرح الولايات المتحدة وكأنها على إختلاف كبير مع مبادئ الإسلام، ولذا فلا بد من الاستعانة بالمسلمين الأمريكيين لتوضيح القيم الأمريكية وأنها متوافقة مع الدين الإسلامي( ).

مقارنة تاريخية لمواقف أمريكية:

            كانت آخر مرة برزت فيها أمريكا كحاكم مطلق للعالم -كما هي اليوم- في نهاية الحرب العالمية الثانية، ولكنها لم تستثر مشاعر الغضب عند الآخرين كما تشعلها الآن، والسبب أن أمريكا حينما أمسكت بالقيادة العالمية آنذاك كانت جادة في أن تقود العالم إلى السلام والأمان، وأنفقت من أجل ذلك الكثير حينما خصصت مشروع "مارشال" لإنعاش أوروبا. إن الأمر بعد 11/9 مختلف جداً، صحيح أن أمريكا تريد السلام والأمان للعالم ولكن ليس كما يبدو بأن تجعل من العالم عالماً أكثر "صحة" يتمتع ببيئة نقية وأقل فقراً، لهذا لا يبدو أن هناك من الفرص الكثيرة في أن يصبح العالم أكثر أمناً حتى لأمريكا نفسها. لقد إستطاع الواعون العاقلون الحكماء ما بعد الحرب العالمية الثانية إقناع الآخرين من اللحاق بركب الولايات المتحدة ليسَ لأنهم ينصاعون لسلطتها بل لأنهم معجبون بأخلاقياتها التي جعلت منها مثالاً لهم( ). "ولم يضرب الإرهابيون في 11/9 لأنهم فقراء بل لأن فقراء العالم منحوهم ضمناً التأييد لبغضهم للجشع الأمريكي والدعم الأمريكي لحكامهم الأكثر جشعاً الذين يمارسون ضدهم القمع والظلم.

            ويقدم "فريدمان"( ) سبباً واضحاً وهو: أن السبب الذي يجعل البعض أن يرى الإسلام بأنه دين غاضب، هو لأن المسلمين أنفسهم غاضبون فهم يعيشون تحت تسلط أنظمة غير ديمقراطية اقتصادياتها متدهورة لا فرص للشباب فيها وكل ذلك بدعم أمريكي لهذه الأنظمة.

    يبلغ عدد السكان المسلمين 20% من سكان العالم، ولكن حصتهم من التجارة العالمية لا تتجاوز 4% فقط، والمعروف أن التجارة وإزدهارها تفتح المجال لتبادل وإنسياب الأفكار، فأكثر البلدان الإسلامية إنفتاحاً وتسامحاً هي البلدان المزدهرة التجارة مثل دبي، والبحرين وبيروت وجاكارتا. على الولايات المتحدة أن تصادق على إتفاقية "كيوتو" للتغير المناخي إذا أرادت أن تحافظ على حلفائها في مكافحة الإرهاب، وأن تجعل من نفسها الأفضل إنتماءاً إلى الدنيا إنه أسلوب بغيض ومزيج من الأنانية والغرور أن يستهلك 4% من سكان العالم –أمريكا- 25% من طاقة العالم، إنه جشع ذميم كريه: لقد أخبر بوش العالم مراراً إذا لم تكونوا معنا فأنتم ضدنا. عليه أن يتنبه بأن العالم إذن سيقول له نفس الشيء( ).

            يجب أن يتطور الفهم الأمريكي وخاصة بعد 11/9 بأن الإرهاب ليس وليد الرفض للسياسة الأمريكية أو وليد التناقض بين الغني والفقير أو التقدم والتخلف التكنولوجي فقط وإنما أيضاً هو وليد مظالم وفساد داخل أنظمة عديمة الديمقراطية حُرمت شعوبها من التمثيل الحقيقي فاتسعت الفجوة بخطورة بين الفقير والغني فهب المحبطون في تلك الأنظمة يرفضون الأنظمة القائمة يمارسون إجراماً طال الولايات المتحدة نفسها، وما على الولايات المتحدة إلا أن تكف عن دعم الأنظمة القاهرة لشعوبها إذا لم تكن راغبة في إحداث تغييرات في أنظمة تتحكم وتقهر في مناطق كثيرة من العالم( ).

القانون الجديد لمكافحة الإرهاب:

            آثار القانون الجديد لمواجهة الإرهاب الذي أجازهُ الرئيس بوش في 26/10/2001 الجدل حول القدر من الحرية الذي يمكن التنازل عنه مقابل تحقيق المزيد من الأمن للفرد والمجتمع والدولة. لقد خول القانون سلطات واسعة وخطيرة للأجهزة الفيدرالية منها:

-           تفتيش المواطنين سراً دون إبلاغهم بذلك.

-           التنصت على الاتصالات عبر جميع وسائلها.

-           رصد ومراقبة البريد الالكتروني وذاكرة الكمبيوتر.

-           إعتقال الأجانب المشتبه بهم دون اتهام ودون محاكمة.

-           جمع المعلومات عن الطلاب الأجانب.

-           عقوبات قاسية على إيواء وتمويل الإرهاب.

-           توسيع عدد الجرائم المعتبرة إرهاباً وتغليظ العقوبات عليها.

والتبريرات التي أعطاها الرئيس لهذا القانون هي أن أجهزة الأمن تعمل في ظروف صعبة حيث يستخدم فيها الإرهابيون أساليبَ وتقنياتٍ متطورةً لم يكن وجودٌ لبعضها حين نفاذ القوانين السابقة لهذا القانون لمكافحة الإرهاب.

            أما الملاحظات على القانون:

-           لأول مرة تعرف أمريكا سلق القوانين إذ تم إقراره بسرعة غير مسبوقة، طبيعي لأن الظرف خطير وإستثنائي.

-           ومع ذلك فقد حظي بتأييد قوى في مجلس النواب إذ فاز بأغلبية 257 مقابل 66، وفاز في مجلس الشيوخ بـ98 صوتاً وعارضه شيخ واحد ديمقراطي.

-           نجح النواب الذين تخوفوا من أثر القانون على الحريات العامة واحتمال إساءة إستخدامه بأن تم تحديد مدة سريانه بأربع سنوات فقط.

وهناك بعض التفاصيل حوله منها:

•           إذا تم اكتشاف أن أحد المستأجرين مشبوه، يتعرض المؤجر إلى تهمة التجريم بإيواء الإرهاب.

•           للمباحث الفيدرالية التسلل والتلصص لجمع المعلومات عبر الانترنت.

•           يحق للأجهزة الأمنية الاطلاع عن حسابات الأشخاص في البنوك وحركتها.

•           يحق للأجهزة الإطلاع على سجلات الائتمان والتقارير الطبية وتاريخ حياة الأشخاص.

•           عُرّفَ الإرهاب المحلي بأنه محاولة إكراه أو تخويف سكان مدنيين أو محاولة تغيير سياسة الحكومة عن طريق التهديد والإكراه. فهو بفضفاضيته يمكن أن يشمل المعارضة السياسية والمدافعين عن البيئة أو حتى أنصار حقوق الإنسان إذ اعتبرتهم الأجهزة الأمنية يعرضون الأرواح للخطر.

•           للمباحث الفيدرالية الصلاحية بمداهمة أي مكان بدون إعطاء تبرير.

•           تتمكن الأجهزة الأمنية من طرد أي مهاجر تجاوز فترة التأشيرة بيوم واحد أو سجنه لمدة غير محددة إذا رفضت دولته إستقباله( ).

خطة البيت الأبيض:

            دَأَبَتْ الأجهزة الأمنية منذ 11/9 على وضع الخطط الكفيلة بمكافحة الإرهاب تبلورت في خُطةٍ قدمها البيت الأبيض للكونغرس وهي كفيلة بوضع أمريكا في مأمن من أية اعتداءات يجري تنفيذها بأسلحة دمار شامل. وبموجب الخطة وُضِعَتْ الأجهزة المختصة تحت إمرة وزير جديد على رأس وزارة جديدة مكونة من مائتي ألف شخص وتضم أجهزة موزعة على أكثر من مائة وكالة فيدرالية.

وأكد الرئيس الأمريكي أن بلاده ستبقى تواجه تهديداً جديداً ومتغيراً يكتسب أشكالاً عدة غير منظورة في غالب الأحيان داعياً المواطنين إلى مواجهة التحدي وإلا فإن موجة جديدة من الإرهاب قد يتم تنفيذها بأكثر الأسلحة دماراً في العالم سَتُلقي بثقلها على مستقبل أمريكا.

            والخطة التي نشرها البيت الأبيض تتضمن تدابيرَ عديدةً لتوسيع سلطات الرئيس لينظم القدرات الفيدرالية ويعيد النظر بالمهمات الموكلة للجيش حتى يتمكن من التدخل لحماية الأمن الداخلي. ومن محاور خُطة البيت الأبيض:

•           منع وقوع إعتداءات إرهابية على التراب الأمريكي.

•           التقليل من الأضرار في حال حصول اعتداء.

•           إنشاء وزراء فيدرالية للأمن الداخلي تتولى أمن الحدود والنقل والبنى التحتية.

•           تنسيق الجهود بين مختلف الإدارات على المستوى الفيدرالي.

•           دعوة القطاع الخاص إلى إعداد أنظمة معلومات وإقامة أجهزة رصد وتكنولوجيات أخرى. وتركز الخطة على المهام التالية:

-           الاستخبار والتنبه وتعزيز قدرات التحليل لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي وبناء قدرات جديدة داخل قسم حماية البنى التحتية وتحليل معلومات وزارة الأمن الداخلي الجديدة وتطبيق نظام إنذار وطني.

-           ضمان أمن الحدود وأمن النقل بإقامة "حدود ذكية" وتعزيز أمن الشحن الدولي وزيادة فاعلية خفر السواحل وتطوير أجهزة الهجرة.

-           تحسين عمليات التنسيق بين أجهزة الشرطة القضائية ومواصلة تطوير وتفعيل مكتب التحقيقات الداخلي FBI وخنق وقمع تمويل الإرهاب ومطاردة الإرهابيين الأجانب.

-           حماية البنى التحتية وتفعيل التعاون بين الأجهزة الفيدرالية والأجهزة المحلية والقطاع الخاص وتوفير الأمن للانترنت.

-           تطوير الدفاعات ضد هجمات كثيفة، والحيلولة دون إستخدام الإرهابيين أسلحة دمار شامل باستخدام وسائل رصد أفضل وتعزيز رصد العناصر الكيميائية والبيولوجية وتقنيات إزالة التلوث أو العدوى وإعداد تشكيلة واسعة من لقاحات ومضادات الأسلحة الجرثومية وعلاجاتها.

-           إستعداد ورد عاجل ضمن خطة شاملة وضمان وسائل إتصال ناجحة وإعداد الجهاز البشري لمواجهة الكوارث الإرهابية وزيادة مخزون الأدوية واللقاحات( ).

وذكرت مصادر دبلوماسية غربية أن الإدارة الأمريكية قد مضت قدماً بمشروع "الحكومة العالمية الالكترونية" الذي يعني ربط العالم بكافة وحداته وقطاعاته بالمؤسسات الأمنية الأمريكية من خلال اعتمادها سياسة الترغيب والترهيب لمشروع "الدرع الأمني الالكتروني"، والمشروع يربط الأجهزة الأمنية والأحوال المدنية والقطاع الصناعي والتجاري والمالي بوحدة معلومات أمنية داخلية تمرر معلوماتها فوراً إلى المركز الأمني الأمريكي، والمشروع يَقسم العالم إلى دوائر أمنية مركزية وستكون تل أبيب المركز الأمني لمنطقة الشرق الأوسط( ).

            هذا بالإضافة إلى جهود أخرى على مستوى المواطنين –قد يكون موعزاً بها من جهات رسمية لإثارة أوجه قانونية في معالجة الإرهاب- إذ أقام أكثر من خمسمائة من أقرباء ضحايا هجمات أيلول في 11/9، دعوى ضد السودان وثلاثة أمراء سعوديين وثماني جمعيات خيرية إسلامية وسبعة مصارف دولية وعدة ممولين بتهمة تمويل شبكة القاعدة، وتستهدف هذه الدعوى الجماعية باسم عائلات الضحايا في 11/9 مجتمعة"( ) ضرب أسامة بن لادن وميليشيات طالبان وتطالب بتعويضات بقيمة ترليون دولار من الهيئات وألف مليار دولار من الأفراد. وجاء في بيان الدعوى المقدمة إلى المحكمة الفدرالية في واشنطن أن أصحاب الشكوى يستندون إلى دولة القانون لجعل أولئك الذين شجعوا ومولوا ورعوا أو ساندوا مادياً الأعمال الوحشية التي وقعت في 11/9 مسؤولين عن أعمالهم، ولفضحهم وإخضاعهم لأحكام القانون( ).

عمل غير إرهابي:

            بما أن الذُعر الذي أحدثته ضربات 11/9 ما زال مخيماً، فالهلع اشتعل من جديد مع الانقطاع المفاجئ للتيار الكهربائي عن خمسين مليون أمريكي في جنوب شرق الولايات المتحدة بما فيها مدينة نيويورك منذ يومين في 14/8/2003 وما زال مستمراً. لم تعرف أسبابه حتى اليوم الموافق 18/8/2003 وتناقضت الأنباء حولها. لكنه أمر لم يسبق له مثيل أبداً فهو ليس شبيهاً بانقطاع التيار عن نيويورك سنة 1977 حيث شهدت المدينة أعمال نهب وسلب استمرت أربعاً وعشرين ساعة-وليس فقط سقوط بغداد الذي يشهد النهب والسلب!!-. قال الرئيس الأمريكي معلقاً على انقطاع التيار "الشيء الوحيد الذي أستطيع أن أقوله بكل تأكيد هو أن الحادث ليس ناجماً عن عمل إرهابي". لم تعرف قائمة الخسائر المادية حتى الآن التي سببها الحادث لكن من المؤكد أنها ستكون كبيرة خاصة لشركات الطيران التي أوقفت رحلاتها من وإلى، وشبكة المترو والشركات والمنازل التي تخزن أغذية مثلجة. لقد امتلأت المساحات والطرق وقاعات الفنادق والساحات ومداخل المباني بعشرات الآلاف من الباحثين عن مكان يرقدون فيه بانتظار عودة الكهرباء وعودة المواصلات.

            المهم في الأمر أن الحدث ليس إرهابياً، ولكن الذعر الذي أحدثه ليس شبيهاً بذعر الإرهاب، بل أقوى منه، ولقد أثبت الحادث أن الإرهاب موجود حتى وهو غير موجود حسب نفي الدولة، فالأمر إذن ليس إرهاباً بل قمة في الإرهاب( ).

تقرير وزارة الخارجية الأمريكية عن الإرهاب:

            من مسؤوليات وزارة الخارجية الأمريكية أن تُقدِّم إلى "الكونجرس" تقريراً سنوياً عن الإرهاب في شهر نيسان يتضمن بالتفصيل تقييم وزارة الخارجية لكافة أعمال الإرهاب التي جَرَتْ طوال السنة. يشتمل التقرير على معلومات عن الجماعات التي صَنَّفتها وزارة الخارجية بأنها إرهابية وعن الدول راعية الإرهاب. يترتب على هذا التصنيف أن على أمريكا والأمريكيين الأمتناع وبقوة القانون عن تقديم أية مساعدة أو أي دعم أو تمويل لأي من الأسماء الواردة على القائمة دولاً أو جماعات أو أفراداً ويُحذر على المواطن الأمريكي أن يكون عضواً فيها. وبسبب النفوذ الأمريكي الواسع، فهناك دول عديدة تسلك نفس السلوك الأمريكي تجاه الأسماء المدرجة على القائمة.

            هناك ست دول ما زالت راعيةً للإرهاب وهي: إيران، العراق -قبل سقوطه- سوريا وليبيا والسودان وكوريا الشمالية، وما زالت في نظر أمريكا إيران هي الدولة الأولى التي تدعم الإرهاب الدولي، بينما ليبيا والسودان أحرزتا تقدماً في الابتعاد عن المنظمات الإرهابية، أما العراق فهو متهم بدعم مختلف الحركات الإرهابية، والحقيقة أنه البلد العربي والبلد المسلم الوحيد الذي لم يصدر عنه إدانة رسمية لإعتداءات 11/9.

            لم يتخذ أي من الدول الست جميع الإجراءات لقطع أي علاقة له بالإرهاب، هذه الدول مدرجة منذ سنوات على لائحة وزارة الخارجية الأمريكية التي تتضمن عقوبات اقتصاديةً من جانبها.

            اعتبر التقرير أن جسامة وبشاعة هجمات 11/9 جعلت من العام 2001 أسوأ أعوام الإرهاب الدولي على الرغم من انخفاض عدد الهجمات الإرهابية مقارنة بالعام السابق. بلغت 346 هجمة في عام 2001، بينما بلغت 426 هجمة في عام 2000. كان عدد ضحايا هجمات سنة 2001: 3547 ضحية تسعون بالمائة منهم في هجمات نيويورك وواشنطن( ). أما عام 2001 فقد بلغ عدد الضحايا 1409 "ضحية".

            وبينما تركز الكثير من إهتمام العالم على الحملة الأمريكية والعمل العسكري ضد شبكة القاعدة ونظام طالبان، ذكر التقرير أن أكثر بقليل من نصف عدد الضحايا للهجمات الإرهابية سنة 2000 تمثلت في تفجيرات لانبوب النفط في كولومبيا. وذكر التقرير أنه في الوقت الذي اتخذت فيه إيران وسورية وكوريا الشمالية خطوة بسيطة لمساعدة الجهود الدولية ضد الإرهاب، فإن إيران وسورية تسعيان للعب على الحبلين عن طريق استمرار مساندة حركة حماس وحزب الله بوصفهما حركتي تحرر وطني. بينما الخطوات المتعاونة من كوريا الشمالية قد توقفت فجأة. وَوَفْقاً للتقرير فإن تركيز إيران لمساندة الإرهاب كان محصوراً في مساندة حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة بتوفير الملاذ الآمن والتدريب والتمويل والسلاح( ).

            إن إصدار وزارة الخارجية لهذا التقرير هو وجه من أوجه المكافحة للإرهاب التي تمارسها أمريكا لأن إدراج دولة على القائمة التي تصدرها عن الإرهاب يعني أنها تخضع لحظر على المبيعات والصادرات الأمريكية -ومن يجاريها- التي تتعلق بالأسلحة ولقيود على تصدير السلع إليها التي لها "إستخدام مزدوج ويمكن أن تستخدم لأغراض عسكرية. كما تخضع للحظر المفروض على المساعدات الاقتصادية ولعدد من القيود المالية والقيود الأخرى. ويذكر تقرير 2003م أن العراق-قبل سقوط النظام- هو الذي مَهَّد لهجمات محتملة ضد أهداف مدنية وعسكرية في أمريكا ودول غربية أخرى سنة 2002. يُشير التقرير إلى أن تقدماً حصل في سوريا وليبيا في سنة 2002م حيث أبدتا الرغبة في مساعدة الولايات المتحدة في الصراع ضد الإرهاب ولكن سورية واصلت تقديم الملاذ الآمن ونقاط عبور لبعض الجماعات الفلسطينية، وما زالت أمريكا قلقة بشأن تأييد الحكومة السودانية لمنظمات من بينها حماس والجهاد الإسلامي، بينما إيران شجعت أنشطة مناهضة لإسرائيل سواء حزب الله أو حماس أو الجهاد الإسلامي. ويصف التقرير رد فعل كوريا الشمالية على الجهود الدولية لمحاربة الإرهاب بأنه مخيب للآمال لأنها تقاعست عن الاستجابة لمقترحات أمريكية بإجراء محادثات في هذا الشأن ولم تُبَلِّغ عن جهود لتجميد أموال أشخاص يرتكبون مثل هذه الأعمال( ).

نظرة الآخرين إلى أمريكا والإرهاب:

            المقصود هنا "بالآخرين" المحللون السياسيون والسياسيون من خارج الولايات المتحدة والذين ينظرون إلى الموضوع نظرة موضوعية –حسب وجهة نظرهم-.  والمقصود كذلك بعض المحللين من داخل الولايات المتحدة والذين ينتقدون-نقداً بناءاً- سياسة الإدارة في بلادهم، وسيتم التركيز على آراء المحللين من الشرق الأوسط بالذات.

            فبعد أحداث 11/9 لم توافق أمريكا إلا على تعريف واحد للإرهاب الذي يتلاءم مع مفهومها، وعلى الآخرين أن يؤمنوا به أينما كانوا وهو "الإرهاب عمل من أعمال العنف المادي أو المعنوي الذي يُوَجَّهُ بالذات ضد الولايات المتحدة أو ضدَّ مصالحها في أية بُقعةٍ على وجه الكرة الأرضية، وكذلك ضد إسرائيل"، فأصبح المعيار الوحيد للإرهاب الذي تنشره أمريكا هو أعمال العنف أو الذي تعتبره عنفاً كل من أمريكا وإسرائيل بغض النظر عن مسؤولية أي من الدولتين فيه. ويبدو أن العالم كله قد ظَهَرَ مطواعاً ومُنصاعاً لقبول هذا التعريف الجديد بعد أن وجدت الحكومات نفسها تحت الضغوطات والتهديدات والإبتزاز. فأصبح أمراً عادياً أن تتلقى حكومة ما أمراً من الـ CIA لتُلقي القبض على أي مُشتبهٍ فتعتقله فوراً ثم تضعه تحت تصرف محققين تابعين لوكالة الاستخبارات المركزية.

            وبذا تكون الحرب ضد الإرهاب قد تحولت إلى أداة تكسر إرادة الدول وشعوبها فتفسح المجال للتدخل الأمريكي. ويبدو أن معظم الدول قد أَقْدَمَتْ تِلقائياً على قمع المعادين لأمريكا( ).

            وترفض أمريكا تقسيم الإرهاب إلى نوعين:

أ-          إرهاب دولة وإن تَستَّرَ بالقانون ومارسته الأجهزة الرسمية.

ب- إرهاب يقوم به بعض المجتمع غير الرسمي وإن كان غرضه حماية الحرية.

ترفض أمريكا ذلك التقسيم لأنها تُعدُّ نفسها ببساطة الحكومةَ الشرعيةَ للعالم فهي القادرة على التعبير عن مصالح شعوب الكرة الأرضية وتجسيدها. كما تعدُّ نفسها الجهاز القانونيَّ والسياسيَّ والشرعيَّ لبني البشر مهما كانت دياناتهم وأجناسهم، وتؤمن أمريكا أنها قد وصلت إلى المستوى في قيادة العالم الذي أصبح من الضروري تغيير طبيعة وعمل المنظمات الدولية وطبيعة عمل الدولة الوطنية وطبيعة الحياة الدولية ونواظمها القانونية والشرعية كي يتأقلم عملها مع بزوغ دولة العالم العليا التي هي الولايات المتحدة لكي يفسح لها المجال لممارسة مهامها الكونية بدون( ) تشويش يضر بالبشرية ويثير الاضطرابات ويشجع "الدولة المحلية الأدنى" على عصيان سلطة دولة العالم العليا، وهذا العصيان يُعد إرهاباً ينشر الفوضى في السلوك الدولي. لذا فمفهوم أمريكا للإرهاب هو كل عمل مضاد لها أو ضار بها مهما كان مصدره؛ وبالمقابل فكل ما تقوم به هي من عمل مهما كان عنيفاً ومعادياً لمصالح الآخرين ليس إرهاباً بما أنها الدولة العليا. ولا بد إذن أن تكون لها الأولوية السيادية على الدولة الوطنية، ولا بد أن تكون القوانين الأمريكية لها الأولوية المطلقة على القوانين الأخرى. وفي المفهوم الأمريكي هناك نوعان من الإرهاب:

أ- إرهاب تمارسه الدولة الخارجة على الإرادة الأمريكية وتسميها واشنطن "دولة مارقة".

ب- إرهاب يمارسه أفراد أو جماعات كمنظمة القاعدة.

فالإرهاب هو كل عمل أو "قول" يمس بسيطرتها على العالم ويضر بمصالحها أو هيبتها أو يؤدي إلى موت أحد مواطنيها أو يوجه إلى دولة حليفة لها سواء كان هذا العمل نضالاً وطنياً كنضال الشعب الفلسطيني أو نضالاً من أجل العدالة كنضال الحركات الثورية في أمريكا اللاتينية. وقد ساعدت على نشر هذا المفهوم أحداث 11/9 التي طوَّعتها أمريكا لترسيخ هذا النمط من الفهم على المستوى الدولي فانتزعت القرارات الدولية المكرسة لهذا المفهوم على حساب مفاهيم الشعوب التي ترى الإرهاب في أعمال الدول القوية ضد الضعفاء.

            والإرهاب حسب المفهوم الأمريكي لا يعود إلى سياسات وممارسات الدول الكبرى ولا إلى ردود الفعل عليها؛ إنما هو مرض داخلي يصيب بعض المناطق بسبب ممارسات وأفكار ومصالح وثقافات وحضارات بعينها. ومثله مثل الأمراض إذ لكل مرض فترة حضانة؛ ويستحيل علاجه دون إستئصال العوامل المنتجة له، هذه العوامل التي يطلق عليها الرئيس بوش تسمية "الشر". والقضاء على الإرهاب يتطلب أنماطاً جديدة من الحروب، كما يتطلب أشكالاً جديدة من الممارسات والأفعال والأفكار والعواطف لا ضير في أن تفرض فرضاً على الشعوب والأفراد.

            وكما نوهنا مراراً في السابق فإن أمريكا ترفض عقد مؤتمر دولي لتحديد الإرهاب وترفض التمييز بينه وبين المقاومة، أمريكا لا تريد فرز وتوضيح "قوة الحق" عن "حق القوة" و"المقاومة" عن "الإرهاب"( ).

المخاطر المحتملة على أمريكا:

            إن المخاطر المحتملة ضد أمريكا وأمنها ومصالحها لها مصادر محددة ومعروفة:

•           دول "مارقة" وعت درس حرب الخليج، فأنصَّبتْ كل جهودها على اكتشاف نقاط الضعف الأمريكية التي تستطيع أن تنفذ من خلالها وتستغلها وتضرب ضربتها.

•           دول صديقة اهترأت قدراتها فَوصَلَتْ إلى حافة الهاوية فهي توشك على الانهيار. ومع أن أمريكا لا تسمح بحدوث مثل هذا الانهيار إلا أنها في الوقت نفسه لا وسيلة لديها للمساعدة على منعه. إن بعض الدول قد أصبحت عبئاً هي وأنظمتها على الولايات المتحدة، وليس مستبعداً أن ترسل إليها أمريكا من "يدفشها دفشةً ناعمة" بحذائه تكفي لوقوع المحذور‍‍‍.

•           إرهاب "مُتَعْولِمٌ" قادر ومتمكن لا يقل عولمة عن الدول المتعولمة.

•           أصبحت الحرب ليست حرباً بأشكالها التي عرفتها البشرية فظهر النوع الجديد وهي الحرب غير "المتساوقة"، والحرب غير "المتوازية" Asymmetrical War( ).

فالعمل الإرهابي لا يحتاج لجيش بل إلى عدد قليل من الأشخاص الواحد منهم مستعد للموت لأنه يعمل لقضية يراها أثمن من حياته-خاصة وأن حياته أصبحت لا قيمة لها من شدة الإحباط- بل إن العدد القليل أصبح مزية الإرهاب فيزيد من خطورته. وتسأل أمريكا السؤال لماذا يكرهوننا لدرجة الاستعداد للموت حتى يُلحقوا الأذى بنا‍،‍ والجواب على ذلك في نظر بعضهم يتلخص في أن السبب يكمن في أن الإرهاب أصبح "ابن السفاح" للسلوك السياسي الأمريكي تجاه الكثير من مناطق العالم وخاصة البلاد العربية. فأمريكا أيدت وتؤيد وستبقى تؤيد وتدعم وتسلح وتتعهد بإبقاء إسرائيل الأقوى دائماً من كل العرب، إنه أمر يُفَرِّخُ الإرهاب كخيار وحيد لمقاومة سياسة أمريكا المنحازة لإسرائيل بدون كوابح. يضاف إلى ذلك الموقف الرسمي حتى والشعبي الأمريكي ضد الإسلام والمسلمين، فأمريكا ضربت ليبيا والسودان والصومال وسحقت أفغانستان وحطمت العراق وتهدد علناً سورية وإيران وحزب الله وحماس لمجرد أنها تقاوم الاحتلال الإسرائيلي.

            لم تترك أمريكا خياراً ثالثاً إلا فقط أن تكون معها أو مع الإرهاب. والحل لا يحتاج إلى كثير من ذلك العناء، فالخيار مع أمريكا طبعاً ولكن المشكلة والمعضلة في أن أمريكا نفسها مع الإرهاب( ):

•           فهي تدعم حكومة شارون "الإرهابي": ليفتك بالشعب الفلسطيني.

•           السلوك الأمريكي يخلق الفرصة للإرهاب، فإذا كان صحيحاً إنتاج الإرهاب في السعودية، فقد حصل ذلك في فترة وجود القوات الأمريكية هناك.

لذلك فإذا أرادت أمريكا بالفعل محاربة الإرهاب فعليها أن تضع حداً للهائج الإسرائيلي. وليس صحيحاً أن أمريكا مستهدفة حقداً وحسداً على ديمقراطيتها وازدهارها ورقيها‍ بل حقداً على سلوكها غير الإنساني المناقض للقيم التي قامت عليها أمريكا. لا يطلب أحدٌ في هذه المنطقة إلى أمريكا أكثر من أن تحترم قيمها وتقاليدها محط إعجاب البشرية، ولتنظر إلى اليابان وسويسرا والسويد اللاتي في منأى بعيد عن الإرهاب. إن أمريكا قضت على أهم ما كسبته وأنجزته البشرية في القرن العشرين وهو نبذ الحروب، ووقف التهديد باستخدام القوة في العلاقات بين الدول، وإثبات حق تقرير المصير، ولا يجوز ضم أراضي الغير بالقوة، ولا مكافأة للمعتدي. فهل العودة إلى ما قبل تلك المكاسب ينقل البشرية إلى مستوى أنبل؟ الجواب حتماً كلا، أصبحت القاعدة المسيطرة وفي جو مكفهر: "ليس مهماً أن تكون مع أمريكا، الأهم أن تكون أمريكا معك، وليس مُقلقاً أن تكون ضد أمريكا فالمصيبة أن تكون أمريكا ضدك"، وما دامت أمريكا تعتمد سلوك "مخفر الشرطة" وليس سلوك "قصر العدل" فإن هجمتها ضد الإرهاب لن تحقق النتائج المرغوبة( ).

            ويؤكد الشيخ حسن نصر الله أن تُهمة الإرهاب الأمريكية الموجهة ضد حزب الله مردها إلى مقاومة الحزب لإسرائيل؛ فإذا أعلن الحزب التخلي عن نضاله ضد إسرائيل فإن اسمه سيشطب من لائحة الإرهاب( ).

            أما يوسف الدرويش / رئيس تحرير الراية القطرية فيصرخ قائلاً: نحن نخشى أمريكا ونخشى الإرهاب معاً، وإستعماله للفظة الخشية فيها خوف هائل( ). والولايات المتحدة تستخدم الإرهاب لتوطيد دعائم إستراتيجيتها في السيطرة على العالم( ).

            ولو امتلكت واشنطون من قوة العقل ما تمتلكه من قوة الفعل لما كانت هناك مشكلة، والحرب الأمريكية على الإرهاب موضع تساؤل فهل هي صحيح كذلك أم إنها حرب إسرائيلية على العرب والإسلام( ).

            ويظهر وكأن أمريكا مفوضة من قبل السلطة الالهية لتدير شؤون الكون، فهي تعطي العز لمن تشاء وتحجبه عمن تشاء دون أن تكلف بإعطاء أي تبرير، فشخص إرهابي يداه ملطخة بالدماء مثل شارون/ رئيس وزراء إسرائيل يصبح بالمشيئة الأمريكية رمزاً للسلام وأنموذجاً للرقي الإنساني، ولا عجب فهو الذي وقف باستمرار لسحق الإرهاب الفلسطيني. فالمعايير الأمريكية للعربي إنه "إرهابي إبن إرهابي حفيد إرهابي يجب حرق أمه وأبيه بشتى الوسائل" وبما أن بعض الدول العربية وبعض المواطنين العرب قدموا شيئاً من المساعدة للإرهابيين الفلسطينيين فهم إذن إرهابيون لأنهم ساعدوا وموَّلوا الإرهاب يستحقون الملاحقة والإدانة. ويقول الكاتب السياسي جورج حداد لو أن أمريكا "قوبلت بعين حمرا عربية لما تعنطزت" هكذا ويضيف وإذا كان الماء لا يروَّب فلماذا أمريكا تتوب"( ).

            والتساؤل المستغرب كيف تريد أمريكا أن تقضي على الإرهاب وقد نشأ الإرهاب من صنع يديها الملطخة بدماء الأبرياء منذ مجازر الهنود الحمر فاستولت على أراضيهم وثرواتهم مستخدمة أبشع أنواع الإرهاب. ومن أبرز صور الإرهاب الأمريكي في نهاية القرن العشرين عدوانها الظالم على شعب العراق. وأمريكا تتناسى وتريد للعالم أن يتناسى معها أن الإرهاب صناعة أمريكية وُلد مِن رحمها وأرضعته عنفها وجبروتها والأساليب اللاإنسانية عديمة الأخلاق لأجهزتها الاستخبارية خاصة تجاه الأمة العربية والإسلامية( ).

            إن أمريكا تمارس إرهاباً إعلامياً وسياسياً وعسكرياً، ولا تريد التمييز بين الإرهاب والمقاومة بل تريد قصر تسمية الإرهاب على المقاومة. وتسمية الإرهاب لم تعرف إلا كوصف للمقاومة. "وأكبر تجمع دولي تحت شعار مقاومة الإرهاب الذي إنعقد في شرم الشيخ 1996 كان مخصصاً لإدانة حزب الله وحماس والجهاد على التحديد"، بل إن وكالة المخابرات المركزية والجيش الأمريكي يختص بمكافحة حركات المقاومة-ويفتخر بذلك ويعتبره جزءاً من تاريخهم-. لذلك فإنه من السذاجة الطلب إلى أمريكا التفريق من الإرهاب والمقاومة( ).

            تُصور الولايات المتحدة والغرب عموماً ومن ورائهم الإعلام الصهيوني الإسلام كأنه عدو للبشرية ضد الحرية وضد الديمقراطية، ويصور المسلمين كأنهم قتلة أطفال ونساء ودعاة حرق وتدمير وتخريب، وتدعيم المتطرفين بشتى الطرق لتقديم صورة قبيحة للإسلام، "لا أحد ينكر أن النموذج الأفغاني للإسلام ترعرع ونما على أيدي الأمريكيين"( ).

            وتعتمد الاستراتيجية الأمريكية العداء تجاه الأمة العربية ومشروعها النهضوي فتعرقله وتعمل على إفشاله لتبقى مسيطرة على ثروات العرب، وجعلت من إسرائيل ركيزةً لها في هذه الاستراتيجية التي ورثتها من بريطانيا وطورتها. وجعلت من الإسلام بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي العدو الأول لها وأخذت تطرح نظريات مشبوهة كصراع الحضارات، وباشرت بمعونة صهيونية بشن حملاتها على الإسلام وتصمه وتدْمَغُهُ بالإرهاب مستهدفةً تشويه الحضارة الإسلامية( ). ومع ذلك فقد حصلت الولايات المتحدة على تأييد مُطْلَقٍ من العرب والمسلمين والتعاطف معها نتيجة أحداث 11/9، ولكن لم يستطع أحد أن يُطالبها بوصف قانوني متفق عليه للإرهاب، وطبيعي لم يجرؤ أحد أن يطالبها بتقديم أدلة، فأصبح إذن بمقدور أمريكا إدانة أية دولة أو منظمة أو حزب أو فرد بالإرهاب وسيطاله العقاب. فالإرهاب إذن جريمة تمثل أمريكا في محاكمتها المحكمة والإدعاء والدفاع( ).

إستطلاع للرأي:

            قام مركز "بيو للأبحاث" ومركز "برنستون للأبحاث" وصحيفة هيرالد تريبيون بإجراء إستطلاع علمي حول الدور الأمريكي في العالم بيّن فجوة كبيرة بين الطريقة التي ينظر بها العالم لأمريكا، ونظرة الأمريكيين لأنفسهم. أجرى الاستطلاع مقابلات مع 275 شخصية متنفذة في مجالات الحكم أو السياسة أو الثقافة أو الإعلام أو المال أو الأعمال في الفترة بين 12/11-13/12/2001 بعد الهجمات في 11/9 وفي غمرة الحرب على أفغانستان. تم إجراء 40 مقابلة منها داخل الولايات المتحدة، وعشر مقابلات في دولة من دول أوروبا وأمريكا اللاتينية وآسيا وافريقيا والشرق الأوسط. تبين من عينة من النخب السياسية والإعلامية والتجارية في خمس قارات أنهم مقتنعون بأن أمريكا تتصرف بشكل أحادي ضد الإرهاب، بينما قال 70% من صانعي الرأي الأمريكي حسب الاستطلاع أن الولايات المتحدة تتصرف بشكل مشترك مع أصدقائها وتأخذ بعين الإعتبار مصلحة حلفائها في حربها ضد الإرهاب.

وأعرب عدد كبير عن رأيهم في أن السياساتِ الأمريكيةَ كانت السببَ الرئيسي في هجمات 11/9. بينما أعرب صانعو الرأي الأمريكيون بشكل ساحق عن رأيهم بأن الولايات المتحدة غير محبوبة في العالم بسبب دعمها لإسرائيل، وجاء هذا الرأي متطابقاً مع أمثالهم في منطقة الشرق الأوسط( ).

موقف فريد لوزراء الخارجية العرب:

            عقد وزراء الخارجية العرب إجتماعاً طارئاً بناءاً على دعوة فلسطينية لبحث الأوضاع المتردية في الأراضي المحتلة واستمرار العدوان الإسرائيلي المتصاعد على الشعب الفلسطيني، وذلك بتاريخ 20/12/2001 أي بعد ثلاثة شهور من أحداث 11/9 في أمريكا وإثر إستشراء الهجمة الإسرائيلية على شعب وأرض وبيوت وشجر الفلسطينيين. وإنتهى المؤتمر إلى بيان فريد في قوته مستعملاً تعبيرات تنم عن غليان في النفوس.

            حيث تابع الوزراء الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة التي تتدهور يوماً بعد يوم جراءَ تعرضها للإرهاب الإسرائيلي الرسمي القائم على إغتيال الأفراد وهدم وتخريب البيوت والمباني وقطع الأشجار وتخريب المزارع وحصار المدن والقرى إضافة إلى إستشراء بناء المستوطنات كل ذلك لإرغام الفلسطينيين على الاستسلام وقبول سلام مهين يُعتبر بحد ذاته وصفة لإضطراب هائل في مِنطقة الشرق الأوسط إذا تم فرضه.

            إنعقد الإجتماع في ظروف غاية في السوء والخطورة تحل بفلسطين وفي الشرق الأوسط عموماً بسبب إمعان إسرائيل في العدوان على الشعب الفلسطيني، والذي يصدر عن يقين وقناعة إسرائيلية بأن هناك حمايةً لها ولسياستها الرافضة للسلام العادل، وأنه مهما تجاوزت إسرائيل مبادئ القانون الدولي والقوانين الإنسانية والأعراف الدولية التي سارت عليها المجتمعات المتمدنة، فلن يتمكن أحد من وقفها عند حدها أو حتى إدانتها بما في ذلك مجلس الأمن الدولي بسبب حُظْوَتها وتمتعها بالفيتو الأمريكي ظالمةً كانت أو مظلومة-طبعاً لم يحصل في يوم من الأيام أنها كانت مظلومة ومَن هو ذلك أو أين هو الذي يجرؤ على كسر خاطر إسرائيل!!-كما أن الدول الأخرى والحكومات والمسؤولين فيها ترزح وتئن تحت الضغط والتهديد لو حاولت أو حتى فكرت في إتخاذ موقف متوازن إزاء النزاع العربي الإسرائيلي( ).

إن تحدي الشعوب والمشاعر العربية والاستخفاف بها سواء باعتبار الإجراءات الإسرائيلية دفاعاً عن النفس-وهي قوة إحتلال-، أو استخدام الفيتو الأمريكي لحماية الاحتلال وممارساته؛ ووصف المقاومة بالإرهاب دون تفرقة بين الإرهاب من جهة، ومن جهة أخرى المقاومة المشروعة للاحتلال وإهمال واجب حماية المدنيين والاكتفاء ببيانات أو توجهات تعلن دون تنفيذ أو تفرض شروطاً على جانب واحد، كل هذا سيؤثر سلبياً على مصالح كثيرة‍.

            واعتبر المؤتمرون شارون / رئيس وزراء إسرائيل بعد أن ثبت لهم وبما لا يدع مجالاً للشك أنه لا يوثق به في عملية سلام عادلة، هذا في الوقت الذي تعتبر فيه أمريكا شارون رجلاً مثالياً للسلام.

            ووجه الوزراء دعوة إلى أمريكا بأن تعود لتلعب دور الوسيط النزيه فتعيد النظر في مدى تأييدها للسياسة الإسرائيلية المتطرفة. إن علاقة الولايات المتحدة بأي من دول العالم أمر يخصها؛ ولكن تأييدها لسياسة التوسع الإسرائيلية واستخدامها الإرهاب واستمرار احتلالها العسكري للأرض العربية أمر يخص الدول العربية ومصالحها الإستراتيجية وأمنها القومي ولا يمكنها أن تتعاون فيما يهدد كل ذلك( ).

            لقد قام اللواء د. معن أبو نوار بتسجيل الخطاب التاريخي للرئيس بوش وأعاد مشاهدته مرات لكي يفهم أهدافه ومراميه ووجد أن بوش لا يترك مجالاً للتساؤل حول موقع القوة العاتية التي تنطلق منها لهجته وتتناغم معها عباراته وينسجم معها فكره الواضح. كان الخطاب طافحاً بمصطلح الإرهاب الذي كرره الرئيس ثلاثة وأربعين مرة خلال أحد عشر دقيقة التي هي مدة الخطاب، فبدا الرئيس وكأنه مشدوهٌ بحربه ضد الإرهاب( ).

            ويذهب صالح القلاب إلى القول بأن الإرهاب هو الذي تعرفه غرفة العمليات في واشنطن، وليس وزراء خارجية منظمة المؤتمر الإسلامي ولا وزراء الخارجية العرب تحت مظلة الجامعة العربية ولا دول عدم الانحياز ولا دول الاتحاد الأوروبي. ومَنْ يبقى يُصر على المكابرة والمناكفة سيدفع الثمن غالياً والسعيد من اتعض بغيره والشقي من إتعض بنفسه، وكلامه هذا تشخيص للواقع وليس إحباطاً للعزائم كما يقول( ).

            وإذا كان الخيال يلعب دوراً أساسياً في الإرهاب، فأن تكون مع أمريكا وواقفاً بجانبها (أو عفواً ليس بجانبها بل قريباً جداً لتُحسن تلقي الرغبات للمشاركة معها في حملتها ضد الإرهاب) فإن ذلك ليس مكسباً تستطيع أن تحرز منه شيئاً وبالتالي ليس مهماً، ولكن الأمر الفظيع الذي يستحق العقاب الساحق الماحق أن لا تكون مشاركاً في الحملة‍‍ والمشكلة لا تتعلق بالقانون بل ذات صلة بالسياسة والاستراتيجيات( ).

            إن هذه الحرب الأمريكية ضد الإرهاب لن تؤدي إلى سقوط الإرهاب لأنها    تُقام بمفهوم إرهابي، كما أن إغراق أمريكا في مستنقع الإرهاب هو لتمكين السلطة من الحصول على تبرير للحرب التي تقوم بها. كان الأمريكان يسكنون في الطابق الثالث من العمارة، ولكن أحداث 11/9 أنزلتهم إلى الأرض فاكتشفوا أنهم غرباء عن العدالة وهموم البشر، فما هو هذا الكيان الدولي الذي يهزُّهُ من جذوره كيلو طحين يوزع في رسائل بريدية!!‍‍( ).

            لا يوجد في المنطقة العربية مَن يعترض على مبدأ بوش "من ليس معنا فهو مع الإرهاب" فكل المنطقة تتشرف بأن تكون معه، ولكن معضلة المنطقة أن بوش ليس مع نفسه، مما يُعقّد الأمر في المنطقة فلا يعودون يعرفون، ما الذي تريده أمريكا؛‍ ورغم أن محاربة الإرهاب هي الأولوية الأولى لأمريكا لكنها لا تظهر كذلك في سياسات أمريكا في المنطقة إذ تُصر الإدارة الأمريكية على أن لا ترى في الإرهاب تعبيراً سياسيا وحاجةً للتعاطي السياسي معه، بل هي تُصر على معالجة الإرهاب عن طريق معالجة التعليم" وربما بعد حين عن طريق الملابس وطرائق الأكل وكيفية تنظيف الأسنان" دون أن تتمكن الإدارة الأمريكية من رؤية إنتاج الإرهاب في السياق السياسي الذي تشكل أمريكا مركزه في المنطقة. ولا تريد أن ترى أمريكا هذه الحقيقة لأسباب متعلقة بأوضاعها الداخلية. وبذا يبدو أن الدول الكبرى أيضاً تكذب على شعوبها وليس فقط دول العالم الثالث؛ تخون شعبها وتضحك على جماهيرها، والدليل على ذلك التهم الموجهة الآن للمخابرات المركزية التي قدمت تقريراً غير صحيح للرئيس عن امتلاك العراق اسلحة الدمار الشامل الذي كان كما يبدو السبب الرئيس لشن الحرب الأمريكية التي أودت بالعراق( ). يبقى دائماً الإرهاب الذي تتحدث عنه أمريكا هو "الإرهاب" ذو المواصفات والمقاسات الأمريكية، يتم احتلال الأراضي الفلسطينية من قبل إسرائيل وبدعم أمريكي ولا يُسمى هذا إرهاباً؛ وتحتل الأرض والثروات العربية ولا يُسمى هذا إرهاباً، فماذا يقال إذن عن "من ليس معنا فهو مع الإرهاب" إلا الإرهاب بعينه. إن العدوان الإسرائيلي على العرب هو ذروة الإرهاب المركز وبدعم أمريكي( ).

ثقافة الاخضاع عندهم وثقافة الإذعان عندنا

            من الملاحظ بعد أحداث 11/9 أن "مفردة" جديدة دخلت قاموس المصطلحات السياسي الأمريكي وأصبحت أكثر المفردات تناولاً في وسائل الإعلام الأمريكية وفي أحاديث المجتمعات العادية؛ وإختلاط عابر بالأمريكيين العاديين سيلاحظ تردد المفردة أكثر من مرة وفي أكثر من سياق. وهذه المفردة هي "الاخضاع" بمعنى الانصياع أو الاجبار أو القهر الذي تفرضه الامبراطورية العظمى الوحيدة في الكون على خصومها وبالقوة بشتى أشكالها وفي الاتجاهات المختلفة حتى يخضع هؤلاء الخصوم ويذعنوا للإرادة الأمريكية.

            وإرتبطت هذه المفردة في الخطاب السياسي الإعلامي الأمريكي بالإرهاب-وبالتداعي بالإسلام-. فأصبح هذا الثلاثي راسخاً في الذهنية الأمريكية العامة حتى صارت جزءاً أساسياً من الثقافة. ورغم ما في الأمر من مجافاة للحقيقة خصوصاً ربط الإسلام بالإرهاب إلا أنه لاقى ترحيباً وارتياحاً لدى الرأي العام الجريح بسبب أحداث 11/9 والمتعطش للثأر والانتقام مما يشكل خطراً على الأمة العربية والإسلامية وتهديداً نامياً ضدها.

            ولكن الأخطر من "الإخضاع" لدى الأمريكيين هو "الإذعان" الذي تسلل وبتدفق ليس فقط إلى ثقافة الأجيال الصاعدة في البلاد العربية والإسلامية بل وإلى ثقافة النُخَب فأصبحت رائجةً ليل نهار هنا كما رواج الأخضاع هناك. وغدت تتردد وبكثرة مقولة "كيف لنا أن نواجه جبروت أمريكا وكيف نتمكن من مقاومة الاذعان لها، فلا بد من القبول حتى لا تسحقنا"، فالجو مهيأ تماماً بعد سقوط العراق بالإضافة إلى الضغوطات الهائلة التي تمارسها أمريكا لإجراء إصلاحات سياسية وثقافية وتعليمية تراها أمريكا ضرورية لمكافحة الإرهاب من جذوره.

            إن الأمة تتعرض أكثر من أي وقت مضى-أكثر بكثير من مراحل "التغريب"-لموجات غزو وقهر وغضب وهيمنة تُمارسها أمريكا نيابة عن حضارة غربية متفوقة ومتقدمة ليس فقط بقوة السلاح والغزو والاحتلال-كما في العراق وفلسطين-ولكن أيضاً بقوة الاقتصاد والتقدم التكنولوجي، وبقوة مفاهيم وقيم ثقافية تضخها في كل أذن وعين وأنف ومنزل وسائل إعلام جبارة في التأثير وواسعة في الانتشار فتستقطب وتغوي الملايين؛ فإذا بهم يرددون صباح مساء ما ضُخَّ في عقولهم وكأنها مسلماتٌ قدريةٌ لا فكاك منها، وليس من بُدِّ إلا الاذعان والاستسلام أمام هذا الجبروت الذي لا حيلة لمقاومته( ). والأكيد أن الهيمنة هذه لم تكن لتحصلَ لو لم يكن البنيان الداخلي هشاً وقابلاً للاختراق حتى "عن بعد" في بيئة لا ديمقراطيةَ ولا حرية فيها. وأصل البلاء يكمن في هزيمة حرية الفكر والبحث والاجتهاد والرأي وتلاشي الدور الإيجابي للمثقفين الحقيقيين، والسبب المعادلة الغلط بين السلطان والمثقف، فأصبحت المعادلة السائدة "ثقافة السلطة" وليس "سلطة الثقافة"، فانبطح المثقفون وتحولوا إلى البحث عن الرواتب العالية مما أنتجَ دوراً مشوهاً للثقافة ودوراً غريباً جوهره "التسويغ" و"النفاق" وعبادة السوط والصمت المطبق؛ فتغَّوْل دور السلطة على كل شيء، وإنتهى الأمر إلى الانصياع والإخضاع والإذلال والأذعان. إن نموذج ألمثَقَّف في النظام "الصَدّامي" البائد ليس هو النموذج الوحيد الذي وصلت بمنظِّر ذاع صيته أن يصف صدام حسين بأنه هبة الله إلى الأمة، فاحكم فأنت الواحد القهار ومشيئتك أقوى من الأقدار!!‍‍ وانتهى الأمر بهم فيما بعد ليتحولوا إلى "جيوش الاحتلال" يسوغونها على أنها "جيوش تحرير وحرية"، وها نحن نجني ثماراً عفنة تحت وطأة نيران الاحتلال الأمريكي والإسرائيلي وغطرستها اللعينة فاحتُلت الأوطان وفُرضت السياسات وأمليت الإصلاحات وقُيدت الإرادات( ).

 

أمريكا "تخاصم" الإرهاب:

            بتواطؤٍ أمريكي فاضح قاد الدكتاتور الجنرال "بينوشيه" في تشيلي إنقلاباً عسكرياً على نظام الحكم الاشتراكي "لسيلفادور الليندي"، فكانت بداية نظام إرهابي إستمر خمسة عشر عاماً. وشاركت أمريكا بمؤامرات سرية في أمريكا اللاتينية وافريقيا والشرق الأوسط وآسيا نتج عنها أرتال من الذين عانوا الاعتقال والنفي والتعذيب والقتلى والمفقودين. لذلك فليس مستغرباً أن يكون موقف بعضهم من هذه المناطق تجاه أحداث 11/9 "بأن ما حصل للأمريكان أمر مُزعج لكنهم سَعَوْا إليه". ولفهم ردّة الفعل هذه فمن المفيد الإشارة والتذكير بـ"الحملة المركّزة"، التي قادتها أمريكا ضد الشيوعية على طول السنوات التي عرفت فترتها "بالحرب الباردة" من 1948-1989. واتخذت هذه الحملة شكل الإبادة مرات عديدة مثل: القضاء على آلاف الإيرانيين الشيوعيين، وفي غواتيمالا تم القضاء على مائتي ألف معارض؛ وأُبيد حوالي مليون شيوعي في أندونيسيا، ناهيكم عن أهوال الحرب الأمريكية في فيتنام مِن 1962-1975. إن أبشع صفحات تاريخ الإرهاب الإمبريالي قد خُطّ في تلك الحروب التي كانت توصف بأنها "حرب الخير ضد الشر"، وكانت أمريكا تعتبر دعمها للإرهاب والإرهابيين "عملاً أخلاقياً"‍‍. فقامت أمريكا بواسطة أجهزتها الاستخبارية بتفجير أماكن عامة، وبعمليات تخريب واغتيال وخطف الطائرات، فعملت الكثير من تلك الأعمال في كوبا ضد حكم "كاسترو"؛ وفي "نيكاراغوا" ضد "الساندينيين"، وفي أفغانستان ضد الاجتياح السوفيتي حيث أنشأت أمريكا بل وصنَّعت الكتائب الإسلامية-ضامنةً الدعم لها من السعودية والباكستان-المسلحة في العالم العربي والإسلامي، وأطلقت الآلة الاعلامية الأمريكية الجبارة عليها إسم "مقاتلون من أجل الحرية". كما أن وكالة الاستخبارات المركزية هي نفسها التي أنشأت ودعمت ابن لادن وقاعدته.

            ولا يخفى على الأوساط السياسية أن أمريكا قد أصبحت ومباشرة منذ حرب الخليج الثانية القوةَ العظمى في العالم صاحبة ما سُمي آنذاك بالنظام العالمي الجديد، فهمَّشت أمريكا كيان منظمة الأمم المتحدة ووعدت بعالم جديد أكثرَ عدالةً من أجله خاضت الحرب ضد العراق بحجة احتلاله للكويت، وبنفس الوقت زادت من انحيازها المفضوح لإسرائيل ضاربة عُرْضَ الحائط بالحق العربي، وفرضت حصاراً ظالماً على العراق ضحاياه أطفال العراق أجيال المستقبل الأمر الذي أثار ضد أمريكا مشاعر الغضب في العالم العربي والإسلامي مما هيأ البيئةَ الخِصبةَ لإزدهار التيارات المناهضة  لأمريكا منها التيارات الإسلامية المعتدلة والتيارات الإرهابية.

            وها هي أمريكا ترى صنيعتها القديمة "ابن لادن"، وترى "صدام" الذي دعمته في حربه ضد إيران يناصبانها العداء الجنوني-طبعاً على درجات متفاوتة وعلى صورة الدكتور "فرانكستاين"-فشنَّت عليهما حرباً مدعومة من الدول التي ساهمت معها منذ ثلاثين عاماً في نشر الشبكات الإسلامية في العالم وعن طريق الإرهاب عند الحاجة. والمفارقة المُحِّيرة أن السعودية تتلوى الآن تحت وطأة التهم الأمريكية أحدثها حجب 27 صفحة من التقرير الأمريكي عن أحداث 11/9 والتي قيل عنها إنها تتعلق بالدور السعودي في تلك الهجمات( ).

            ويبدو أن الموجِّهين (عتاة أقصى اليمين الأمريكي صانعي القرارات) للرئيس بوش مرتاحون لأحداث 11/9 من زاوية أنها أعادت إليهم هذا المعطي الأستراتيجي الذي حُرموا منه بسبب انهيار الاتحاد السوفيتي منذ 1990-فبدا وكأنه منحةٌ لهم من السماء-ألا وهو "الخصم"، وتحت إسم الإرهاب وجدت أمريكا "الخصم" في ما أصبح يُسمى التيارَ الإسلاميَّ المعروفَ لدى الجميع. ويخشى "إنياسو رامونه" من بزوغ صيغة حديثة للمكارثية" لتسحقَ "خصم" العولمة. ويقول "لقد أحييتم العداء للشيوعية، ستعشقون إذن العداء للنزعة الإسلامية"( ).

 

تصميم وتنفيذ
مركز عمان لدراسات حقوق الإنسان 2007