الدكتور خالد عبيدات

عودة إلى الصفحة الرئيسية

الفصل الثالث:
أشكال الإرهاب وتمييزه عن الجرائم التي تشبهه

             سبق وأن بذل "المشرع الدولي" جهوداً مرموقة في تعريف العديد من أنواع العنف وتحديد أركانها، كما توصل إلى إفراز محاكم دولية مؤقتة؛ أحدثها محكمة جنائية دولية دائمة قابلة لتطوير الاختصاص في المستقبل. وقد مَيَّزَ المشرع عدة طوائف من الإنتهاكات المسلحة مثل جريمة الحرب، والجريمة ضد الإنسانية، والعدوان، وإبادة الجنس، بالإضافة إلى الإنتهاكات غير المسلحة مثل التمييز العنصري، والاتَّجار بالرقيق الأبيض، والمخدرات. وجميعها فجَّرت عنفاً على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي( ).

            إذن فكل الإنتهاكات التي سبق وحُدِّدت وأُطّرت بنصٍ صريح؛ فالمنطق يقتضي أن يُسمى كل إنتهاك باسمه؛ فلم يحمل أي منها إسم "الإرهاب" رغم أن كلاً منها كان ينشر الرعب والترهيب والتخويف. وليس الإرهاب كل ذعر أو خوف. فمثلاً مذابح دير ياسين التي أودَت بجميع سكان قرية دير ياسين من قبل القوات الإسرائيلية، والمذابح الشبيهة لها في فلسطين التي سبقتها والتي جاءت بعدها تنطبق عليها أوصاف، "جريمة الإبادة الجماعية"، ويُصَنِّفها البعض "جريمة المفاهيم" على حوادث في التاريخ؛ والأمر خاضع جداً للنقاش، وبالمناسبة هل جريمة الإبادة أو الجريمة ضد الإنسانية أقل خِسَةً أو تحقيراً أو حِدَّةٌ في الإجرام من الإرهاب! وليس من السلوك الأكاديمي تتبع "الموضة" كما تفعل الجميلات!

            وقد يَدَّعي البعض أن ليس هناك "جريمة إرهاب" في القانون الدولي مستنداً إلى عدم القدرة على تحديدها، والأصح عدم الرغبة-ولم تنته بعد معركة تصارع الرغبة والقدرة-لا ينفي وجودها؛ وإلا على ماذا كل هذه الهوسة المسيطرة على العالم وبهيمنةٍ منذ أحداث 11/9 في أمريكا! المشرع لا يبتكر جريمةً بل يُقرُّ ويرسي ما إستقر من قِبَل الأسرة الدولية؛ فلم يبتدع هو جرائم الحرب ولا جريمة العدوان! ولا بد بالتالي أن يأتي ذلك اليوم ليقف فيه المشرع تجاه الإرهاب كما وقف تجاه الجرائم الأخرى، وإلى أن يأتي ذلك اليوم تسقط جرائم الإرهاب- التي لم يتم تعداد إلا القليل منها. مثل جرائم الطيران، والإعتداء على الشخصيات المحمية واستعمال السلاح النووي من قبل الأفراد و… و…- في إطار الجرائم التي سبق للمشرع الدولي أن حددها.

            وللاسترسال في الموضوع، فجريمة القتل يمكن أن ترتكب:

•           خلال هجوم عسكري واسع النطاق أي ضمن إطار جريمة العدوان.

•           أو خلال هجوم مخطط ضد مجموعة من السكان المدنيين فتكون جريمة ضد الإنسانية( ).

•           أو خلال القضاء على مجموعة عرقية أو اثنية أو قومية أو دينية، فتقع تحت إطار جريمة الإبادة الجماعية.

•           خلال عملية عسكرية واسعة النطاق فتكون في إطار جريمة حرب.

•           عن طريق الغدر بهدف سياسي ودوافع سياسية فتكون إرهاباً.

وكذلك إن من يخطف طائرة لدوافع شخصية ليس إرهابياً بل هو مجرم عادي، أما خاطفها من أجل هدف سياسي فهو إرهابي( ). لذلك فللإرهاب مميزات وخصوصية تفصله عن باقي الجرائم رغم وجود التداخلات والتشابهات والأقنِعة؛ خاصة وأن أعتى الأجهزة تتعامل به ومعه وقدراتها على التمويه والتضليل هائلة. ولعل هذا ما هوّل الإرهاب أكثر فأكثر. فالإرهاب مرتبط بالسياسة سواء إرتكبه فرد أو مجموعة أو دولة، ونعود من جديد للتأكيد-ولعل ذلك لا يوقع في الحيرة-إنّ ذلك لا يعني قطع صلة الجرائم الأخرى بالسياسة. جريمة الحرب، الجرائم ضد الإنسانية وغيرها لا يمكن إرتكابها بدون قرار سياسي ولا تُجَرَّدُ من الأهداف السياسية ولكن ليس لهذه الخصوصية فقط تتميز عن باقي الجرائم.

إرهاب الجيل الرابع-اللاتساوقي:

            بدأت تظهر على الساحة الدولية مؤشرات تساعد على الإعتقاد بأن هناك تنظيمات إرهابية مكتفية ذاتياً وكاملة السيادة تمارس الإرهاب كوسيلة لتحقيق أهدافها. قد تكون "القاعدة" حتى الآن الحالة الوحيدة الظاهرة على السطح، ولكن ليس هناك ما يُطمئن بأنها ستبقى الوحيدة لا سيما وأن أهم صفات هذه التنظيمات أنها لا ترغب بالإعلان عن نفسها حينما ترتكب أعمالها الإرهابية، فهمُّها الأول يبقى دائماً زيادة الدمار وتوسيع مدى عملياتها.

            لذا ومع وجود هذه التنظيمات الظاهر منها وغير الظاهر- ولعل المخفي ليس أعظم-لا يبدو أنه في مستطاع الباحثين في المستقبليات التنبؤ بما يمكن أن يحصل. صحيح إن إمكانية التنبؤ كانت متوفرة حينما كانت "الدول" هي المُسِّيرَةُ للأحداث على الساحة العالمية حيث أنها تمكنت من التحكم إلى حدٍ ما وبقدرٍ أكبر في تسيير الأمور. لقد تمكن مثلاً من ضبط الأمور الدولية وتحمل مسؤوليتها كل من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية-مع من كان تحت لوائيهما- في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية طوال مرحلة الحرب الباردة وحتى تفكك الاتحاد السوفييتي. كانا نظامين مختلفين أيديولوجياً ويمتلك الواحد منهما قدرة كافية للتدمير الشامل تلجم الآخر وترغمه على التوقف عند خطٍ أحمر يستحيل عليه تجاوزه، يضاف إلى قوة الكبح هذه أن الدول الأخرى-التي لم تكن تحت جناحيهما-قد تميزت بضبط النفس وحصر النزاعات داخل دائرة الإقليم؛ آنذاك لم يشكل الإرهاب خطراً هائلاً. إما لأن مَن يُسنده كان مرغماً ومضطراً على ذلك؛ وإما لأن القسم المرعب من الإرهاب كان منضبطاً تبعاً "لطول حباله" التي يتحكم بها السادة العمالقة.

            القُدرة على ضبط المسار الآن مشكوك جداً بفعاليتها لأن الوضع متفاقم؛ فإمكانية إستخدام أسلحة الدمار الشامل من قبل الإرهاب أصبحت مدار بحث، فالوضع أصبح يساعد على إندماج السلاح المدمر بالإرهاب بالإضافة إلى أن الإرهاب قد خرج عن الدولة وشبَّ على فضائها-ولم يُبق للدولة إلا إرهابها الخاص بها-إلى فضاء رحب لا حدود له ولا قيود عليه ولا قانون يلتزم به مكتفياً ذاتياً يستغل كل شيء ويسخره؛ حتى العولمة نفسها يسخرها بما يفيده فتنساب تحت عصاه سيول المعلومات والتسهيلات خاصة السلاح النووي الصغير الحجم، وإنتاج السلاح الكيماوي والبيولوجي في ظروف أصبحت هذه الأسلحة لدى دول يمكن أن تكون متورطة أو تتورط في نزاعات إقليمية أو لدى دولٍ مارقةٍ( ).

            وبعد أحداث 11/9 في الولايات المتحدة تغيرت النظرة إلى الإرهاب نفسه، وبدأنا فجأة نستمع إلى أوصاف كان قاموسنا السابق يصنفها بأقصى درجات المبالغة، وبدأ الكلام عن إرهاب مفرط لتميزه عما سبقه لأنه إخترق عتبات لم تكن ترد على بال أو في حسبان. وبلغ حداً من الإفراط بحيث أنه لم يشبه أي حدث معروف إلى المستوى الذي من القليل تسميته بأنه "حرب" أو "هجوم" أو "عدوان". لقد إخترق الحد الأقصى؛ والعودة إلى الوراء أصبحت ضرباً من المحال؛ بل وشكل بداية ستستمر، كشف قَساوةً عجيبةً تنم عن إقتدار عالٍ، فَضَرَبَ بذهول: ضرب العقول والقلوب فأحدث خسائر مادية وصلت إلى حوالي ثلاثة آلاف قتيل-من 90 جنسية مختلفة-ومحى رمز الاقتصاد برجي مركز التجارة وجناحاً من رمز القوة العسكرية/ وزارة الدفاع وكاد يدمر رمز السياسة البيت الأبيض لولا تحطم الطائرة الرابعة فوق بنسلفانيا. فكيف لو أن هذه الطائرات استهدفت وتمكنت من المحطات النووية أو السدود العملاقة! يبدو أنها كانت ستحقق ما هو أقرب إلى "يوم القيامة" أو "نهاية العالم". كما إستهدف في نفس الوقت، تحقير الرموز الرئيسية لعظمة أمريكا فأحدث إنقلاباً إعلامياً إحتل فيه بن لادن واجهته فسيطر رغم أسف الجميع على شاشات العالم وكأنه "مسيح الإعلام"، والنبيهُ كان يمكن أن يسرح في الخيال بعد تتبع التغطية الإعلامية العالمية لقضية "الأميرة ديانا" وربما أثناء السرح يمكن أن يرى أن أحداً عبقرياً الكترونيا- خَيِّرٌ أو شرير-يمكن أن يستغل قدرة الإعلام على هذا المنوال( ).

            لقد جاءت أحداث 11/9 الإرهابية خاتمة لحقبة كانت الولايات المتحدة قد نجحت فيها بامتياز وهي "الحرب بدون أي قتيل" النظرية التي إبتدعها الجنرال "كولن باول" الذي قاد قوات التحالف في حرب الخليج الثانية زمن الرئيس جورج بوش الأب والذي أصبح وزيراً للخارجية زمن الرئيس جورج بوش الإبن. وكانت أمريكا تتوقع أن لا تقدم خسائر بشرية في حروبها المستقبلية على أن تُنزل بالعدو أفدح الخسائر. ولكن في هذه المرة أعلن الرئيس الأمريكي الحرب على عدو ليس بدولة، ومتنقل وعابر للحدود، هذا العدو الذي نجح في ضربته لأمريكا في 11/9 دون أن يترك وراءه أي عنوان. إنه عدو لا يلتزم بأية شريعة لحقوق الإنسان ولا يعترف بأية سلطة أخرى على الأرض. جاء هذا الحدث فاتحاً الباب لنوع جديد من الحروب-أو الإرهاب بالأصح- يمكن وصفها بالحروب "اللامتساوقَة"( ).

            نحن نعلم أن أمريكا قد خاضت حرب الخليج الثانية وحرب الخليج الثالثة-التي سحقت فيها العراق-بالقصف الصاروخي عن بعد وبالتفوق الجوي المدعوم بكفاءة عالية ومتطورة جداً للاستعلام من الأرض والجو والفضاء يضمن لها النصر وتدمير العدو. غير أن تحويل أربع طائرات ضخمة تجارية مدنية إلى صواريخ هائلة القوة على التدمير ومن قبل سبعة عشر شاباً ليس بحوزتهم أي سلاح-إلا ملاعق وشوك وسكاكين السفرة ومن الطائرة نفسها-ولكنهم مستعدون للموت من أجل قضيتهم؛ لا بد إلا وأن يضع حداً للنظرية الأمريكية. كيف؟

أولاً: بالمزيد من القوة الهائلة وعن بعد-أي لا تراجع عن النظرية السابقة بل بالعكس بالإصرار عليها ولكن مع المزيد من القوة في جميع المجالات، تركز على الدفاع والهجوم معاً وبجميع الأسلحة. وفي هذا المجال يمر في الذهن إلقاء الرئيس الأمريكي هاري ترومان القنبلتين النوويتين على كل من "هيروشيما" و"ناجازاكي" وتأثيرهما الذي إمتد عقوداً من السنين في إرهاب البشر أكثر من أية عملية إرهابية سابقاً ولاحقاً حتى الآن( ). إن حروب اليوم بعددها وعتادها وفظاعة جرائمها هي "الإرهاب" بعينه الأسوأ أثراً وإرعاباً في النفوس:

•           إن الدمار والخسائر والسلاح الذي استخدم في أفغانستان في سنة 2002 فاق جميع ما استخدم في حرب الخليج الثانية-ضد العراق لتنسحب من الكويت سنة 1990.

•           إن كمية ونوعية السلاح والدمار في حرب الخليج الثانية تزيد على ما تم إسقاطه فوق "فيتنام".

•           والذي وقع في فيتنام زاد على ما استخدم طيلة الحرب العالمية الثانية( ).

والاعتقاد أن ما تم إستخدامه ضد العراق في الحرب الأمريكية التحالفية الأحتلالية ضد العراق قد فاق جميع ما تم استخدامه في الحروب السابقة المشار إليها.

ثانياً: أو بخوض حرب من نوع جديد تتناسب و"الجيل الرابع من الإرهاب" أي "بصراع لا دولي" أي "بحرب لا متساوقَة" طرفها الأول: أناس لا مقر لهم-دولة، أمة-، بل لهم أيديولوجية أو قضية أو دين مثل: المافيات الدولية، تجار المخدرات، ناشطون لا يمثلون دولة مثل أولئك الذين واجهوا أمريكا في الصومال-فانسحبت أمريكا-، وفي لبنان 1983 أودت سيارة متفجرة بحياة (239) عسكرياً أمريكياً، وبعدها بثلاث دقائق أودت سيارة أخرى بـ(73) عسكرياً فرنسياً-وانسحبت أمريكا وفرنسا-. فما الفائدة إذن من رصد الموازنات لتطوير الطائرات المقاتلة والمدمرات-التي تكلف مليارات الدولارات-في حين أن رجلين يركبان قارباً شخصياً صغيراً تمكنا من تدمير "المدمرة كول" التي بلغت كلفة صنعها ثلاثة مليار دولار في عدن في 12/10/2000 ولم يتم بعد وضع اليد على خيوط العملية، إذن الفاعلية الحقيقية للمواجهة في مثل هذه الحالات أمام هذا النوع من الإرهاب" إرهاب الجيل الرابع" هي "للتكنولوجيا الرفيعة المستوى"( ).

            ومن المفارقات التي تسحق الذكر أن هناك توافق في المصالح بين إرهاب "اللامتساوقين"، والشركات العملاقة (سوني، وماكدونالدز، واديداس، أمريكان أون لابن) وهي إضعاف سيادة الدولة ودعم نفوذ قوى السوق. والطرفان يعملان في "المناطق الرمادية" حيث تتفكك الهيكلة القانونية ليضمنا الفائدة القصوى ويتحللا من القوانين الشرعية، وبتحللهم هذا يتحررون من الدول والنظام الدولي-مثل هيئة الأمم-لتنفتح أمامهم هوامش المناورة التي لا تملكها الدول نفسها. وبهذا المعنى فهم جميعاً من نتاج نظام العولمة "النيولبرالي(1).

            إن إرهاب 11/9 وكذلك الرد عليه لم يغير وجه العالم بقدر ما عكس التحولات في عالم مُتغير يتوجب فهمه، "والإنتقام" أقل بكثير من "التفهم" من حيث القضاء على"الجيل الرابع" من الإرهاب، فالقوة الفظة لا تهزم "اللامتساوقية" ولا حتى التكنولوجيا إلا بمشروع سياسي وراءها.

     أما فيما يتعلق بالتمييز بين "اللاتكافؤ" و"اللاتساوق" فهو "الكم" في القوة في الأول، بينما في الثاني هو الفرق "النوعي" في الوسائل والأسلوب والقيم التي يستخدمها الأعداء الجدد. فقد وصف البنتاجون هذا العدو الجديد بأنه يقاتل بلا شرف ولا عنوان ثابت له فالعالم بأكمله عنوانه وحقل عملياته.

            لدى جورج بوش الابن مفهوم محدود للإرهاب-بالنسبة له في عالمٍ أصبح أحادياً بعد زوال اتحاد السوفييت-" وهو كل شيء عنيف من أشكال الرفض للقيادة الأمريكية، وعلى الشعب الأمريكي أن يعرف أن إرهاب اليوم يختلف كلياً عن سواه من أعدائنا في الماضي. لقد عرف بلدنا الشر في 11/9 وخبر أسوأ ما في طبيعة الإنسان"( ).

هذا الإرهاب لا دين له ولا جنسية له برأي الرئيس الأمريكي السابق "كلنتون"( )، وعندما كان صغير السن قُتل الرئيس الأمريكي الأسبق "كنيدي" من قِبل أحد مواطنيه الأمريكيين، كما قُتل الزعيم الهندي الكبير "غاندي" على أيدي أحد الهندوس وليس بيد أحد المسلمين. كما نجا الرئيس المصري حسني مبارك نفسه من محاولة إغتيال، وأغتيل الرئيس المصري السابق أنور السادات ليس بيد أحد الإسرائيليين بل بأيادي مصرية إثر صُنْعِهِ السلام مع إسرائيل. واغتيل اسحق رابين رئيس وزراء إسرائيل( ) الأسبق على يد إسرائيلي سعى باغتياله رابين إلى إغتيال عملية السلام.

            وأشارت إحصاءات إلى أن نصيب دول العالم المتقدم العددية من المنظمات الإرهابية بلغت ما معدله 25 منظمة لكل دولة؛ 13 منظمة لكل دولة من دول العالم الثالث، أما بالنسبة للدول الإفريقية فقد وصل المعدل إلى 7 منظمات في كل دولة، ويستنتج الدكتور حسين شريف من هذه الإحصائية إلى أن الإرهاب هو صناعة تصديرية غربية في المقام الأول، ويؤكد أن الأخلاقيات شيء نسبي في السياسة الدولية وأن عملية تشريحية للإرهاب تبين أنه إرهاب واحد من الناحية السياسية ولا تشكل الجغرافيا حاجزاً ضده( ).

إرهاب الدولة:

            ولد الإنسان حراً، والحرية حق طبيعي للإنسان تُمليه إرادة الحياة وإرادة العيش المشترك وهذا الحق يُصْبِحُ قانوناً بعد أن يدخل حيز الوجود العيني والجماعي أي يصبح حقاً وضعياً. وبيَّن "هيغل" ذلك حينما قال "إن ما هو بذاته الحق يتحدد في وجوده الموضوعي أي يُعرِّفه الفكر للوعي على أنه الشيء العادل ويصبح هو القانون.

            أما فيما يتعلق بمصلحة الدول العليا، فالمفروض أن تكون مُقَدَّرة ومُحْتَرمةً من الجميع في داخل إقليم الدولة، ومن الجميع في المجتمع الدولي؛ وعكس ذلك يدفع الدولة بدورها إلى الدفاع والمحافظة عن حقها الطبيعي هي أيضاً إذا خُدشت كرامتها ومصلحتها. وما تقوم به الدول حينئذٍ-بواسطة حكامها- لا يأبه بالمقاييس الأخلاقية ولا بالأعراف السائدة حتى ولا بالقوانين الوضعية، فالمهم هو سلامة الدولة التي تشكل المقياس الوحيد تقريباً ودونه تهون التضحيات. فالسلامة العامة هي الضرورة وأي شيء يناقضها يجب أن يُزال، ويمكن إطلاق "الشرعية" على كل ما يضمن هذه السلامة إبتداء من الدكتاتورية أيام الرومان إلى كل ما قامت به "لجنة السلامة العامة" في فترة حكم الإرهاب الذي مارسه اليعاقبة في الثورة بالفرنسية سنة 1792، إلى فرامانات التفويض بالسلطة والتعذيب أو الإرهاب أو المجازر النازية.

            يتضح من هذا، أن الصراع سيقع بين طرفي الإدعاء بالحق الطبيعي: الدولة من جهة والآخرون من جهة أخرى. فالكل يَدّعي الشرعية أو لكلٍ شرعيتهُ. لذلك فإن ما تقوم به السلطة في الدولة وبصورة تعتبر غير قانونية لا يمكن الوقوف ضدها إلا بوسائل غير قانونية ولكنها شرعية من وجهة نظر أصحابها( ). فكما أن للسلطة حق يتأرجح بين الصرامة والمرونة التي تتجلى بالإرهاب، فللشعب أن يرفض القوانين التي لا يريدها باسم حق المقاومة.

            أي أن السلطة تسعى إلى السيطرة لأنها أهل للشرعية التي أولاها لها الشعب، بينما يسعى الشعب إلى التمكن من تجسيد إرادته لتصبح شرعية، ويبدو أن مصلحة الدولة العليا تتعارض مع حق المقاومة، ولم يَصْفُ هذا التعارض إلا حينما يلتقي الطرفان على هدف واحد وهو بناء الدولة أو إعادة بنائها. وبعبارة أخرى بينما يُعبّرُ الإرهاب عند الأقوياء عن قدره في طريق الإنهيار أو عن تقويض لضعف يهدد بإنهيار الدولة، هو عند الضعفاء قدرة في طريق التكوين". والمقصود إرهاب الدولة وإرهاب المقاومة( ). وتلجأ بعض الدول إلى الإرهاب حينما تفشل في تحقيق أهدافها بوسائل سلمية أو بوسائل أقل عنفاً، ولنفس الأسباب تلجأ المقاومة وحركات التحرر الوطني إلى العنف والإرهاب أي حينما لا تجد وسيلة أخرى لتحقيق أهدافها.

            ويرجع مفهوم "إرهاب الدولة" في العصر الحاضر إلى أنظمة الرعب التي صاحبت الثورات الكبرى مثل إرهاب "روبسبير" و"ستالين" وتندرج تحته صور عديدة من سلوكيات الدول الشمولية والعنصرية مثل فظائع النازية في ألمانيا أيام هتلر، وجرائم "عيدي أمين" في أوغندا، و"بوكاسا" في افريقيا الوسطى، و"موبوتو" في زائير، و"بول بوت" في كمبوديا، وممارسات الدكتاتوريات العسكرية المدعومة سراً أو علناً من المخابرات المركزية في أمريكا اللاتينية، والممارسات العنصرية التي تمارسها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني وبأبشع الصور. ولا تقتصر ممارسة الإرهاب على ذلك النوع من الأنظمة التسلطية، بل وتمارسه أيضاً الدول الديمقراطية حينما تتعرض مصالحها أو أمنها للتهديد أو لحروب داخلية أهلية أو لهجمات إرهابية خارجية أو داخلية؛ فتقع هي نفسها في إغواء إستخدام الإرهاب بحجة مقاومة الخطر أو مقاومة "الإرهاب بالإرهاب" كما يشهده العالم الآن من ممارسات إرهابية من دول عُرِفَتْ بأنها معقل الديمقراطية، مثل قتل الأسرى ومعاملة الأحياء منهم كقطيع من الحيوانات كما حصل في أفغانستان وجوانتانامو والعراق. وطبيعي أن الآليات القانونية تكون في خدمة إرهاب الدولة من أجل تحقيق أهدافه. فالإرهاب الذي تتعفف الدولة عن إرتكابه علناً توكل أمره إلى أجهزتها السرية، والأجهزة السرية هي عالم قائم بذاته( ).

            ومن الملاحظ أن دولاً جبارة تطلق وصمة الإرهاب على دول أخرى ذات سيادة-فالويل لها حينئذ-، فالولايات المتحدة تضع وزارة خارجيتها قائمة سنوية بالدول التي تصفها بالإرهاب تعيد تقييمها ومراجعتها دورياً حسب تطور علاقاتها معها سلباً أم إيجاباً، وقائمة وزارة الخارجية تتبناها أتوماتيكياً العديد من الدول إما إقتناعاً أو إنصياعاً أو إنبطاحاً. وعلى القائمة الأمريكية الحالية سوريا، ليبيا، إيران، كوريا الشمالية والعراق، بل ومنها محور الشر، العراق إيران كوريا الشمالية. سقط الآن من القائمة ومن المحور العراق وتتولى أمريكا حملة رفع العقوبات عنه في مجلس الأمن تلك العقوبات التي تم تبنيها من قبل المجلس نتيجة حملة أمريكية أيضاً!!

إذن فالإرهاب ليس نظاماً سياسياً بل "وصمة عار" قد تلصق بدولة أو بأخرى في مجتمع دولي تزاحمت فيه المصطلحات السياسية التي تتقارب بسرعة إلى التجمع في يدٍ واحدة تقريباً. وفي حقيقة الأمر إن هناك دولاً تمارس الإرهاب بأجهزة فصَّلتها خصيصاً لهذه الغاية، كتكوين أقسام خاصة في أجهزتها الأمنية إما للقيام بهذه الغاية بالإضافة إلى مواجهة الإرهاب الموجه ضدها؛ أو تكوين أجهزة خاصة مظهرها مموه تنشؤها وترعاها لهذه الغاية كي تصبح ذراعها في الزمن المطلوب وفي الجهة المطلوبة( ). فمثلاً جهاز "الموساد" الإسرائيلي هو من أكثر الأجهزة التي نفذت عمليات إرهابية لصالح إسرائيل في الخارج، وتعد إسرائيل أول دولة تقوم بعملية إختطاف الطائرات إذ فعلت ذلك سنة 1954 فخطفت طائرة مدنية سورية لمبادلة ركابها بعملاء إسرائيليين في سوريا، وأسقطت فوق سيناء طائرة مدنية ليبية سنة 1973 وبنفس العام قامت بخطف طائرة لبنانية. وقامت فرنسا في 22/11/1956 بخطف الطائرة المغربية المتوجهة من المغرب إلى تونس وعلى متنها الزعماء الجزائريون الستة واعتقلتهم وكان من بينهم الرئيس أحمد بن بيلا والرئيس محمد  بوضياف. وقامت أمريكا بخطف طائرة مصرية فوق البحر المتوسط سنة 1985( ) بمفاخرة من الرئيس بوش الأب وسط تصفيق هائل من الكونغرس، كما قصفت مصنع الشفاء للأدوية في الخرطوم، ومدينة طرابلس في ليبيا سنة 1986 في محاولة لقتل القذافي.

            إن فهم ظاهرة إرهاب الدول يتطلب فهم أجهزتها الإستخبارية التي تقوم سراً بما عجزت عن تحقيقه الدولة علناً أو الذي لا ترغب الدولة بأن يُنسب إليها مباشرة كتمويل بعض المنظمات الموجودة في دول أخرى لاستخدامها كوسيلة للتخريب أو الضغط، أو للتصفيات الجسدية كما عملت فرنسا حينما دعمت منظمة "الجيش السري" لتفتك بحركة التحرير الوطني الجزائرية.

            هذا وكشفت تقارير إستخبارية أن الإرهاب الداخلي الذي كان يقع في فرنسا وألمانيا واسبانيا وإيطاليا في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي لم يكن إرهاباً داخلياً فقط بل كان بتعاون بين منظمات إرهابية من خارج الدولة إلى المستوى الذي سُمِّيَ "بالإرهاب الأوروبي" وهذا التعاون كان لوجستيكياً وأيديولوجياً من قبل جماعات تحمل أفكاراً تتناقض من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. وما عانت منه أوروبا من "الإرهاب الأوروبي" عانت منه كثيرٌ من الدول الأخرى حيث لا تَلتزم بعض الدول باحترام السيادة لدولة أخرى فتتدخل في الشؤون الداخلية وتدعم المعارضة فيها لإرتكاب سلوك عنيف وإرهابي. إنه "الإرهاب الداخلي القادم"-وأسبابه خارجية-من دولة أخرى ويمكن أن "يمتد" بدوره إلى دولة ثالثة ورابعة…( ).

            إذا كانت بعض وجهات النظر تنفي من حيث المبدأ نَعْتَ الدولة بالإرهاب لأنها هي صاحبة الولاية الشرعية وكل ما تقوم به إذن فهو مشرع وبقانون؛ فهناك وجهات نظر مضادة تنعت الدولة بالإرهاب كما تنعت به أي جهة أخرى فرداً أو جماعات أو منظمات.

            يقع كثير من الباحثين في الخلط بين الإرهاب والسلطة الدكتاتورية، فإذا ما إستخدمت السلطة الدكتاتورية العنف والخوف والقهر فينظر إليها على أنها إرهابية، بل وتزداد وتتوالى التهم بأنها مسؤولة أيضاً عن تفشي ظاهرة الإرهاب. والحقيقة أن هناك سمات مشتركة بين الدكتاتورية والإرهاب مما يُتيح التداخل بينهما. وكثيراً ما تلجأ الدكتاتورية إلى أساليب الإرهابيين كالتصفية الجسدية للمعارضين أو الاختطاف أو إحتجاز الرهائن والسحل وعمليات الحرق بالأفران أو النفي إلى مناطق الصقيع. كما نجد أن هناك مجموعة سياسية صغيرة في كل من الدكتاتورية والإرهاب حازت على مركز نفوذ هائل وقوة هائلة لا تتناسب مع حجمها العددي وذلك من خلال إشاعة الخوف والقهر. ويشترك الإرهاب والدكتاتورية في أن لكل منهما هدف سياسي. ورغم هذه التشابهات والتماثلات موجودة بينهما فإن الإرهاب يختلف عن صور العنف الدكتاتوري الذي يمارسه بعض الحكام ضد رعاياهم( ).

إرهاب المنظمات:

            تقوم بعض المنظمات التي تدافع عن حقوق شعبها بما يسمى "بحرب العصابات" كالمنظمات الثورية ومنظمات التحرير. ورغم التشريح القائم بحقها من حيث وصفها بالإرهاب أو تنزيهها عنه فإن "حق الكفاح المسلح" حق معترف به دولياً ومن قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم 3246/في 29/11/1972 الذي أكد شرعية حق الشعوب في الكفاح للتحرر من السيطرة الأجنبية بكافة الوسائل المتاحة بما في ذلك الكفاح المسلح. ولكن العديد من الدول لم تعترف بهذا الحق، أو إذا إعترفت به ظاهرياً فهي تخالفه عملياً، حيث تفتك قوات الاحتلال والأنظمة الحاكمة بهذه الحركات التي تنشد استقلال بلادها والدفاع عن الحقوق المشروعة لشعوبها الأمر الذي يدفعها دفعاً إلى خارج القانون؛ فيصبح الطرفان يمارسان دورهما خارج الساحة القانونية بممارسة العنف والإرهاب. ذلك أدى بالمقاومة الفلسطينية إلى أن ترتكب أعمالاً تُسمع من خلالها صوتها للعالم حتى ولو كانت هذه الأعمال مُدانة وعنيفة وإرهابية. فاختطفوا الطائرات واحتجزوا الرهائن يصرخون في وجه العالم لعل العالم يعطيهم بعض الاهتمام بقضيتهم وخاصة الدول الأوروبية علّها تتذكر عدم عدالة قرارات إتخذتها مجحفةً بحق الفلسطينيين، ولعل العالم يعترف بأنهم شعب وليسوا لاجئين طبقاً لما جاء في قرار الجمعية العامة رقم 2535 تاريخ 15/12/1970. وأن لهم حق تقرير المصير حسب القرار رقم 2672 تاريخ 8/12/1970م.

            وفي حقيقة الأمر إن ما إرتكبته المنظمات الفلسطينية من أعمال عنفٍ سُميت إرهابية هو الذي أقنع العالم وبيّن له الجور والظلم الواقع على الشعب الفلسطيني   الأمر الذي أدى إلى أن تتخذ الأمم المتحدة القرارات لصالح الشعب الفلسطيني والاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية وإعطائها صفة مراقب في الجمعية العامة للأمم المتحدة وأكسبهم ود وتعاطف الكثير من شعوب العالم، ولكن هذا لا ينفي أن الأمر سلاح ذو حدين ويجب التعامل معه بمنتهى العقلانية والحكمة والتبصر السياسي.      إن صورة ظهرت تكاد تكون عكسية نتيجة ما سمي "بعسكرة المقاومة". ولكن الأمر يستحق النظر إليه بصورة أكثر موضوعية بمعزل عن الضغوطات إذا بقي هناك "معزل" جغرافي أو حتى في الفكر والتنظير!! فالصراع غير المتكافئ هو من باب أولى صراع غير عادي وليس غريباً إذن أن تكون أدواته غير عادية أو غير متكافئة أو لا متساوقة، وليس من المبالغة أن هذا الصراع ليس فقط جوهر الصراع في الشرق الأوسط ولكنه في جوهر "وجدانية" البحث في موضع علاج الإرهاب طالما قالها قادة عرب وباحثون عرب على حدٍ سواء. هناك إذن ما يمكن تسميته ولأغراض البحث "إرهاب فلسطيني" أتى رداً على "الإرهاب ضد الفلسطيني"، ولكن ليس من الحكمة هنا القول والبادئ أظلم!! ( ).

            إرهاب الدولة وإرهاب المنظمات هو في معظمه خاضع لدوافع وأهداف سياسية لا يكتفي بالعمل داخل الحدود الوطنية، قد يكون عمليات إغتيال أو إختطاف أو حرق أو إغتصاب وهي بالأصل أفعال إجرامية؛ والناحية الدعائية فيه هي أهم عامل يعمل لها كل حساب، وأول ما يتبادر إلى الذهن حين البحث فيهما القضية الفلسطينية وإسرائيل ومن يدعمها( ).

 

أجيال الإرهاب:

            إذا كانت أحداث 11/9 في نيويورك وواشنطن بمثابة نقلة نوعية في تطور الإرهاب وشَكّلَتْ ما أصبح يسمى في بعض منتديات البحث بـ"الإرهاب الجديد" وليست شكلاً من الأشكال التقليدية القديمة للإرهاب، فإنها جعلت للإرهاب شكلاً متميزاً عما قبله تحركه الأيديولوجيا الأثنية أو الأيديولوجيا الدينية المتشددة يعتمد على شبكات عنكبوتية مُصَمِّمُ على إستخدام أفتك الأسلحة ضد أهدافه. وشاع إستخدام مصطلح الإرهاب الجديد في اللجان العديدة التي شكلها الكونجرس التي حذرت منه بشدة وخاصة من إحتمال إستخدامه أسلحة الدمار الشامل، وغدا الإرهاب الجديد الشكل الرئيسي للصراع المسلح على الساحة الدولية، وأصبح القضاء على هذا النوع من الإرهاب هو الشغل الشاغل لأمريكا ومن معها. لذلك فقد تبدلت السياسة الخارجية الأمريكية بصورة جذرية وتوجهت بالكامل إلى مكافحة مُخَصِّصةً مواردها المالية والبشرية وأعادت في سبيل ذلك تشكيل تحالفاتها الدولية( ) بحيث أصبح الصراع ضد الإرهاب الشكل الرئيسي للصراع المسلح على الساحة الدولية.

•           كان الجيل الأول للإرهاب هو الإرهاب ذو الطابع القومي الذي إجتاح أوروبا أواخر القرن التاسع عشر وحتى حقبة الثلاثينات من القرن العشرين؛ أغلبية قادته من الوطنيين المتطرفين اعتمدوا على استخدام المتفجرات اليدوية والأسلحة النارية.

•           أما الجيل الثاني للإرهاب فهو الإرهاب ذو الطابع الأيديولوجي الذي غلب فترة الحرب الباردة وشكل أداة للصراع بين الغرب والشرق؛ إذ نشأ العديد من الحركات اليسارية في أوروبا الغربية واليابان مثل: بادر ماينهوف الألمانية، والعمل المباشر الفرنسية، والألوية الحمراء الإيطالية، والجيش الأحمر الياباني التي مارست جميعها العنف الأيديولوجي ضد مجتمعاتها مستخدمة أيضاً الأسلحة النارية والمتفجرات.

•           أما الجيل الثالث للإرهاب فله صفات مختلفة، فمن حيث التنظيم هو عابر للحدود متعدد الجنسيات ولا تجمعها قضية وطنية أو قومية بل أيديولوجية سياسية أو دينية تنتقل باستمرار لا عنوان لها، ومن حيث الأهداف فهو يركز على إحداث أكثر الخسائر مادياً وبشرياً وليس فقط لفت النظر الإعلامي إلى مطالبة السياسة والعقائدية بعكس ما كان في السبعينات والثمانينات، ولا تنحصر أهدافه داخل إقليم عدوه بل أينما كان في العالم ويستخدم سلاحاً متطوراً ومعقداً بما في ذلك الأسلحة البيولوجية والكيماوية والشعاعية، تنظيماته عنقودية ومصادر تمويله متعددة يصعب إختراقها والتنبؤ بحركاتها أو ردود أفعالها، وليس له أهداف واضحة أكثر من الكراهية للسياسة الأمريكية وتمريغ هيبتها وتحقير مكانتها. يستخدم تكتيكاً إرهابياً جديداً إخترق عمق الولايات المتحدة عكست قدرة فائقةً في سرية التخطيط والتجهيز أوقعت أمريكا في مأزق؛ إذ رغم جبروتها العسكري لم تستطع شيئاً في مواجهة هذا الإرهاب( ).

لقد أظهرت أحداث 11/9 بجلاء ووضوح صنفاً جديداً من الإرهاب أكثر خطورة من أي صنف سابق وهو وجود منظمة مكتفية جداً ذاتياً لا تخضع ولا ترتبط بأية دولة، إقتحمت الساحة الدولية عبر إرتكابها الجرائم التي حصدت الآلاف من الأرواح باعتبارها لاعباً جديداً-وربما القطب الثاني حيث لا قطب ثالث- على الصعيد الدولي( ). والخطر بعد زوال الاتحاد السوفيتي يأتي من الدول التي لا عقيدة لها ولا قانون يحكمها “Les Pays sans foi ni loi” إذ يمكن أن تتسرب منها أسلحة الدمار الشامل إلى الأيادي التي ستستخدمها. وواقعياً هناك هاجس عند بعض الدول من أن يستعمل ضدها سلاح الدمار الشامل( ).

لا يحمل الإرهاب الجديد مطالب محددة كتنازلات سياسية معينة، ولا المطالبة بقيام نظام خاص، ولا يطالب بالاستقلال، إنه إرعاب يبدو وكأنه نوع من عقاب أو قصاص بسبب سلوك عام غير محدد تُتهم به الولايات المتحدة وبصورة عامة البلدان الغربية. وقد عمد كل من بوش وبن لادن إلى وصف المواجهة بعبارة "صدام الحضارات" لا بل "حرب الأديان"، فقررت الولايات المتحدة الرد من خلال قلب معطيات السياسة الدولية( ).

أشكال الإرهاب:  هناك شكلان للإرهاب:

الأول: إرهاب المجموعات الوطنية التي تطالب بحق تقرير المصير والتي تستخدم الإرهاب كجزءٍ من مخططها للوصول إلى تحقيق هدفها، ويعتقد أفرادها بوجوب الكفاح المسلح مثل المجموعات الأرمنية منذ 1975، والجيش الجمهوري الإيرلندي، ومنظمة الباسك، وفي تاريخ الصهيونية كان هناك عدة تنظيمات إرهابية قبل قيام الدولة العبرية مثل "شتيرن" و"الأرغون" لم تلبث أن تحولت إلى جزء من الهيكلية الرسمية للدولة، كما أن في تاريخ القضية الفلسطينية عدة تنظيمات مارست وتمارست الإرهاب والأمر فيها خاضع للنقاش بين وجهات نظر متناقضة من حيث كونها إرهابية أم نضال وطني مشروع( ).

الثاني: هناك إرهاب تمارسه جماعات عقائدية وهدفها معلن وهو تغيير الأنظمة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية القائمة، منها مجموعة بادر ماينهوف في ألمانيا، والألوية الحمراء في إيطاليا، والجيش الأحمر في اليابان، والمنظمات اليمينية المتطرفة في أمريكا وطائفة الحقيقة السامية في اليابان( ).

            وللباحثين وجهات نظر متعددة في "أشكال" الإرهاب، فمنهم من ينظر إليه من زاوية شكل العمل الإرهابي، ومنهم من ينظر إليه من زاوية دوافع العمل الإرهابي، وتوصل مؤتمر الإرهاب المنعقد في العاصمة الأمريكية سنة 1976 إلى تصنيف الإرهاب إلى أربعة أشكال.

أ-          إرهاب أيديولوجي ويشمل إرهاب جماعات أقصى اليمين وجماعات أقصى اليسار.

ب- إرهاب وطني يهدف إلى تحرير الوطن من المحتمل.

جـ- الإرهاب العرقي أو الديني أو اللغوي مثل إرهاب "التأميل" في سريلانكا، وعمليات السيخ ضد الهندوس، والهندوس ضد المسلمين.

د-          إرهاب الحالات "المرضية" مثل العمليات التي يقوم بها المرضى نفسياً كقتل الأطفال دون غيرهم، أو قتل النساء فقط.

            وفي سنة 1979 في بحثه المنشور في مجلة علم الإجرام قسم "جاستون بول" الإرهاب إلى الأشكال التالية:

1-         إرهاب السلطة الذي تمارسه ضد رعاياها مثل حملات التطهير الستالينية في الاتحاد السوفيتي والجستابو في المانيا، ومحاكم التفتيش في اسبانيا، وحكم الإرهاب لليعاقبة في فرنسا، "الكاميكيز" اليابانية في الحرب العالمية الثانية( ). أو الإرهاب الذي تمارسه السلطة عن طريق مساعدة الإرهاب خارج حدودها مثل مساعدة الإنجليز للبروتستانت أثناء الحرب الأهلية.

2-         إرهاب المقهورين ويتمثل في حرب العصابات التي تشنها الشعوب التي لا تملك القوة أو الموارد لشن حرب معلنة صريحة.

3-         إرهاب الحرب الأهلية مثل الصراع الديني أو الأيديولوجي بين مجموعات من السكان تتعايش مع بعض منذ عقود كما هو واقع في إيرلندا، أو كما هو واقع في الجزائر منذ سنة 1991م.

4-         إرهاب الترعيب والتخريب وغالباً ما يكون أعضاؤه جزءاً من منظمة كبيرة قيادتها خارج البلاد.

5-         وهناك إرهاب المخدرات إذ يستخدم المهربون أساليب لتخويف وإرعاب المسؤولين في الأجهزة الأمنية وأجهزة القضاء بهدف التقليل من إحتمال اعتقالهم أو ملاحقتهم.

6-         وهناك إرهاب الشركات عن طريق تلويث منتجات شركة أخرى خلسة بهدف الإساءة لسمعتها وبالتالي تعريضها للإفلاس لتنزاح من طريقها.

ويمكن كما رأينا سابقاً تقسيم الإرهاب من حيث فاعليه إلى نوعين:

الأول: إرهاب الدولة ويكون مباشراً عندما تقوم قواتها المسلحة بشن هجوم على دولة أخرى بهدف خلق حالة من الرعب لتحقيق أهداف سياسية كالغارة الجوية الإسرائيلية على مطار بيروت سنة 1968، وعلى المفاعل النووي العراقي سنة 1981، وعلى تونس سنة 1985 مستهدفةً منظمة التحرير الفلسطينية، واعتراض طائرات عسكرية أمريكية لطائرة مدنية مصرية سنة 1985 والغارة الجوية الأمريكية على ليبيا سنة 1986، وعملية عناقيد الغضب سنة 1996 وذهب ضحيتها مئات المدنيين اللبنانيين في قانا.

الثاني: إرهاب الأفراد أو الجماعات بهدف تحقيق أغراض سياسية أو ربما أغراض شخصية( ).

أساليب وأنماط للإرهاب:

            تتعدد أساليب الإرهاب وتتبدل وتتطور وتتغير باستمرار تبعاً للظروف والمكان والقيادات والزمان والأهداف وتتفاوت تبعاً للقدرات وأكثرها شيوعاً:

            خطف الطائرات أو الأشخاص": ويلاحظ أن 64.4% من عمليات الاختطاف كانت بدوافع سياسية( ) إما للإحتجاج على أوضاع سياسية واقتصادية واجتماعية، وإما للإعلان عن قضية بإعلام واسع وإما للضغط على حكومة لتعديل موقف معين أو لإطلاق زملاء إرهابيين من السجون أو للتأثير على مواقف دولة تجاه القضايا التي يعمل من أجلها الإرهابيون أو لإرغام حكومة، أو منظمة، أو شخص طبيعي أو إعتباري، أو مجموعة من الأشخاص على القيام أو الامتناع عن عمل معين.

            أما ضحايا المتفجرات فعادة ما يمثلون قيمة بحد ذاتها كالدعاية للقضية الإرهابية أو رموز ممثلة في تلك الضحايا أو إزالة عقبة تحول دون الهدف، وما أتعس حظ الضحايا من الأبرياء الذين لا ذنب لهم إلا تواجدهم صدفة في مكان العملية الإرهابية( ).

            وكذلك أنماط الإرهاب متعددة ويمكن النظر إليها من حيث إرهاب الماضي والإرهاب المعاصر. إرهاب الدولة أو إرهاب الأفراد والمجموعات. وإرهاب داخلي وإرهاب عابر للحدود، وإرهاب ثوري وإرهاب رجعي.

            لاحظنا سابقاً إرهاب الدولة ولا بأس من العودة إلى إرهاب الثورة الفرنسية 1793-1794 حيث تم ضرب أعداء الحكم بكل وحشية إذ صدر أمر إلى وزير الداخلية "فوشيه" بإزالة مدينة "ليون" بأكملها من خارطة البلاد، أو قول أحد اليعاقبة "يجب أن نقتل كي لا نُقتل. أو أسلوب قضاة الثورة آنذاك المتمثل في: لم نجلس في قاعة المحكمة لننصر الحقيقة والعدالة بل لنقدم الرؤوس إلى المقصلة"، وكانت النتيجة أن تم قطع رأس أربعين ألفاً من الخصوم في المقصلة وتم سجن ثلاثمائة ألف آخرين( ).

            وكثيراً ما ترسل الدولة مجموعات إرهابية للخارج للتنكيل بالمعارضين و/أو للتخريب في أراضي دولة أخرى، البعض يحلل ذلك بأنه عائد إلى وقوع الدولة في هوةٍ ناتجة عن الفرق بين أهدافها المعلنة والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها خِلسة.

            وهناك من يصنف الإرهاب إلى: إرهاب محلي وإرهاب دولي، ويقصد بالإرهاب المحلي محلية الهدف والوسيلة والعمل والصدى أي أن جميع أطرافه موجودون داخل الدولة وبتخطيط داخلي ونتائجه محصورة في الداخل وليس له دعم مادي أو معنوي من الخارج.

   أما الإرهاب الدولي فيقصد به هو الإرهاب الذي يأخذ طابعاً دولياً حين تتوفر فيه المواصفات التالية:

-           يتم بمساعدة ودعم من الخارج.

-           يقع بتحريض من دولة أخرى أو منها مباشرة.

-           تتعدد أمكنة التخطيط له وتجهيزه وبعيدة عن مكان التنفيذ.

-           يتجاوز أثره الإقليم إلى دول أخرى.

-           الفعل الإرهابي موجه ضد وسيلة أو موقع دولي.

-           مسرح العملية تحت سيادة دولة أخرى.

-           إختلاف في جنسيات الضحية والإرهابي والمشارك.

-           أو عندما يكون هدفه إحداث تغيير في الأدوار العالمية أو بنية النظام الدولي. أما عقوباته فتحكمها القوانين المحلية بالإضافة لقوانين الشرعية الدولية الواردة في المعاهدات والمواثيق الدولية( ).

الإرهاب الثوري:

            يسعى هذا الشكل من الإرهاب إلى إحداث تغييرات جذرية سياسية واقتصادية واجتماعية، ويهدف إلى القضاء على الرأسمالية والديمقراطية بجميع وسائل العنف كي تتسلم الطبقة العاملة مقاليد الحكم، يؤمن بالماركسية، ويريد سلطةً من نوع دكتاتوري توزع الثروة بشكل إشتراكي مِثل:

 

-           الألوية الحمراء في إيطاليا تريد هدم النظام الرأسمالي فيها وسيطرة العمال( ) على السلطة بل وتريد تفتيت حلف شمال الأطلسي. نشأت سنة 1970.

-           وتسعى الجبهة الألمانية للجيش الأحمر القضاء على النظام السياسي القائم وصولاً إلى الاشتراكية، نشأت سنة 1968.

-           وهناك منظمة "بادرماينهوف" التي انشقت عن الجبهة الألمانية.

-           منظمة العمل المباشر في فرنسا وتعمل لإنسحاب فرنسا من تحالفاتها العسكرية وتفكيك حلف شمال الأطلسي.

-           منظمة "تيوماروس" ونشاطاتها في أمريكا اللاتينية منذ سنة 1962.

الإرهاب الرجعي:

            يسعى للمحافظة على الأوضاع القائمة للهيمنة العنصرية والتيارات اليمنية وهو نقيض للإرهاب الثوري ونقيض للشيوعية والإشتراكية وخلفياته مرتكزة على قيم تاريخية وخاصة القيم ذات الطابع غير القابل للتطور.

الإرهاب الأثني الإنفصالي:

            يعمل من أجل مصالح مجموعات عرقية وفصلها عن الدول التي تنتمي إليها لتقيم كياناً خاصاً بها إما ببقائها داخل الدولة أو تشكيل دولة أخرى. مثل منظمة الباسك-إيتا-الاسبانية، والجيش الجمهوري الايرلندي، وجبهة "تحرير كوبك" في كندا، وجبهة التحرير الوطني في "كورسيكا"/فرنسا، والجيش السري لتحرير أرمينيا.

الإرهاب الانتحاري:

            ويعمل من أجل قضية يعتبرها وطنية بأن يفجر الإرهابي نفسه أثناء تفجيره لأهداف يعتقد بأنها خدمة لِقَضِّيتهِ، وأكبر مثل على ذلك أحداث 11/9 في أمريكا وتفجير المدمرة الأمريكية كول ونسف السفارات الأمريكية في افريقيا؛ ولكن من يقوم بهذا العمل يقدم عليه على أنه قمة في العمل النضالي والبطولي المشروع، يمجده ويصفق له جميع المتعاطفين معه ويتمنون لو يقومون بمثله. أما الطرف المتضرر من هذا العمل فيصمه بأقذع صفات التجريم والإنحطاط، والموقف الحيادي من حيث التمجيد والتجريم يجعل من صاحب الموقف عدمية لا تلاقي الاحترام، فالموقف يجب أن يكون موضوعياً علمياً لا حيادياً. والجدلية ستبقى قائمة حوله إلى أن يتبين على الساحة نفسها الخط الأبيض من الخط الأسود( ).

الإرهاب الفكري:

            يهدف إلى محو وقمع مفاهيم قائمة، وفرض بدلاً منها مفاهيم جديدة بإستخدام القمع والكبت وزرع ثقافة تروج لها جميع وسائل الإعلام صاحبة السيطرة بشكل مكثف تصل إلى حد محو الذات وتحويلها إلى آلة فاقِدَة الإرادة والإحساس وتعمل بشكل تلقائي ولا شعوري لخدمة النظام المسيطر( ). وبعد سقوط أفغانستان وسقوط العراق تكثفت وسائل الغزو الفكري على منطقة الشرق الأوسط وأصبحت "الرجرجة" الفكرية "تدوخ" ميدان الفكر. وتقوم الفضائيات التي بدأت تنتشر منذ مطلع التسعينات بدور كبير في الموضوع لا يمكن إلا التكهن بعدم نزاهته إلى حين التمكن من معرفة الهوية الحقيقية لهذه الفضائيات والعاملين فيها. وهذا موضوع آخر الجدلية حوله غزيرة جداً ويضاف إليه وسائل الاتصال التكنولوجية الأخرى مثل الشبكة العنكبوتية للإنترنت( ).

الإرهاب النفسي:

            يقوم هذا الإرهاب وحسب خطة مدروسة بممارسة الأكاديب والاتهامات والتلفيقات ضد هدف معين-إما شخصية كبيرة أو مجموعة أو تنظيم-حتى ينهار ولا يعود يجد ذاته ولا يعرف رأسه من رجليه، وغالباً ما تمارسه أجهزة رسمية وغير رسمية تحت إسمه الفني وهو "عملية غسل الدماغ" وَتَفْريغهُ من كل ما علق فيه ثم يتلو ذلك تسريح الشخص المعني ليعود غريباً على مجتمعه، أو يتلو ذلك الغسيل وضع عبوات جديدة في دماغه بدلاً من المفرغة ليصبح المعني شخصية جديدة لا علاقة لها بالأصل. ولعل هذا ما يفسر كيفية إنتقال بعض الأفراد من أقصى الشمال إلى أقصى اليمين بل وربما الانتقال فجأة "من قاع القفة إلى أذنيها"( ).

            ويبقى الإرهاب، الفكري والنفسي هو المحرك الأساسي لكل أعمال العنف والتطرف، والفكر الصهيوني مثال صارخ على ذلك أي على دور التكوين الفكري في ممارسة الإرهاب. كما أن المقابلات والحوارات واستطلاعات الرأي التي تجريها "عُصبة الفضائيات العربية" تؤكد هذه الحقيقة. يعتقد اليهود في فلسطين أن من حقهم إستباحة الأرض والمقدسات وانتهاك الحقوق والتمييز العنصري.

            إن الإرهاب الذي مارسه اليهود في ذبح الفلسطينيين ابتداءً من مذبحة دير ياسين وصولاً إلى مذابح صبرا وشاتيلا و … و… ما هي إلا برهان على تعمق الفكر الصهيوني في الإرهاب. إن حقيقة الإرهاب الفكري أمر معروف وممارس كثيراً من قبل دوائر صنع القرار في العالم العربي من خلال الحوار مع "طلائع" تنصاع باغواء لبريق الفكر السياسي الغربي المهيمن على العالمية والعولمة. وظاهرة الإرهاب الفكري قد أحرزت تطوراً وتقدماً في التاريخ المعاصر في عصر الحرب الباردة وعصر الحروب التي تفجرت علناً أو الحروب التي تغلي ولم تنفجر بعد، ومورست عمليات غسل الدماغ بشدة على جبهات الصراع في مجالات التخابر، والإعلام والأمن مستخدمة التقنيات المتطورة الأمر الذي ساعد على "عولمة الإرهاب".

            والمفارقة تكمن في أن الإرهاب الفكري قد ساعد على تشكيل التكوين الفكري المضاد للإرهاب عبر "المناعة المكتسبة" ضد التشويه والإنحراف الفكري في عمليات غسل الدماغ وعبر التحديات التي فرضتها عمليات الإرهاب الفكري( ).

إرهاب المخدرات:

            يمتلك الإرهابيون الآن أموالاً أكثر من أي وقت مضى، وستبلغ أموال المخدرات لوحدها في سنة 2004 ألفين وخمسمائة مليار دولار أي ما يساوي مخزون الذهب في العالم. وسيتجاوز في سنة 2014 ما يساوي مجموع الناتج المحلي السنوي لأمريكا سنة 1998، وترتفع أرباح الأعمال التجارية القائمة على المخدرات والأنشطة الإرهابية الأخرى إلى (500) مليار دولار أي ما يزيد عن 2% من إجمالي الناتج القومي للعالم.

            بلغت قيمة مبيعات الكوكايين في أمريكا سنة 1996 (30) مليار دولار بالإضافة إلى (18) مليار دولار للهيروين، علماً بأن مبلغ (48) مليار دولار يزن (6200) طن من أوراق الدولارات فئة 5، 10، 20 دولار.

            أفصح "ريموند كندال" الأمين العام لمنظمة الانتربول في نيسان سنة 1994 أن تهريب المخدرات أصبح في يد الجريمة المنظمة. ولدى المنظمة ملفات لحوالي ربع مليون من كبار المجرمين بلغت نسبة المرتبطين بتهريب المخدرات منهم (80%)( ).

الإرهاب وأموال الأنابيب:

            قبل ثلاثة آلاف عام كان التجار الصينيون يخفون أموالهم إنقاذاً لها من إستيلاء الحكام عليها، بتحويلها إلى أصول غير سائلة، ربما كان ذلك هو أول ظهور لما عرف فيما بعد "بغسل الأموال"( ).

            لكن هناك قصة أخرى رواها رئيس الجمعية الاقتصادية الكويتية منذ ثلاثة عقود تذكر أن "غسيل الأموال" مصطلح ظهر في أمريكا لأول مرة في السبعينات من القرن الماضي نتيجة ما لاحظه رجال مكافحة المخدرات على التجار الذين كانوا يبيعون المخدرات للمدمنين "بالمُفَرَّقْ" أو بالقطعة وبالتجزئة، فكانت تتجمع لديهم فئات صغيرة من النقود الورقية والمعدنية يأخذونها إلى محلات غسيل الملابس لتنظيفها من آثار المخدرات بالبخار أو بالكيماويات ثم يستبدلونها بنقود من فئات أكبر يمكن إيداعها بالبنوك، هنا نشأ ذلك الإصطلاح "غسل الأموال والذي يعني أيضاً وهو الأعم تحويل الأموال القذرة إلى أموال نظيفة لا تحمل شبهة الجريمة".

            وبغض النظر عن أصل المصطلح فإن القصة لم تبدأ عند من يذهبون إلى محلات غسيل الملابس، ولم تنشأ المعاهدات والمنظمات الدولية من هناك، كما أنها لم تنشأ في الاقتصاد "الخفي" أو الاقتصاد "الأسود"، إن البداية تكمن في "منسف الاقتصاد العالمي"( ) الذي يكبر ويسمن بقدر هائل ترافقه حركة الأموال بوتيرة متسارعة في عالم التكنولوجيا والكمبيوتر الذي سهل إنتقال الأموال وتنجز بضغطه زر على جهاز الكتروني، وتنتقل الأموال بالمليارات يومياً عبر أوامر الكترونية لأسواق المال والبورصات. وهذه الحركة تضم حركات رسمية تعلم بها الحكومات، وحركات غير رسمية مشروعة وغير مشروعة من باعة متجولين لا تعرف دوائر الضرائب عنهم شيئاً منهم باعة المخدرات وهم جزء من الاقتصاد الأسود الذي يجهد "لتبييض" وجهه أمام المجتمع ولتبييض أمواله. فينصبُّ المال الملوث في أواني متعددة مثل "الذهب"، و"العقارات" والشركات الحقيقية أو شركات الواجهة، أو "التحف"( ). ثم يعاد سحب هذه الكميات النقدية الهائلة لإيداعها في البنوك التي تشتم رائحتها القذرة ولكنها تقبلها !! هذا بالإضافة إلى أن هناك أموال نظيفة ولكنها تتسخ بتهريبها من الضريبة إلى "الواحات الضريبية" التي ترحب بالأموال الفارَّة من ملاحقة الضريبة مثل جُزر "الكايمن" في البحر الكاريبي الخاضعة لبريطانيا التي لا تزيد مساحتها عن 24 كيلومتراً مربعاً ولا يزيد سكانها عن أربعة عشر ألف ولكنها تأوي خمسمائة بنك كفروع لبنوك عالمية مشهورة، وهناك "لكسمبورغ" أيضاً وهناك "لشتنشتاين"( ).

            وثبت أن هناك صلة مباشرة بين عالم السياسة وغسيل الأموال والتنظيمات الإرهابية التي يزداد نفوذها بفضل إمكاناتها المالية الهائلة الناتجة عن التجارة غير المشروعة وغسيل الأموال والمخدرات و… مثلاً يبلغ نصيب الشبكات الباكستانية من تجارة الهيروين العالمية حوالي مائة مليار دولار سنوياً أي نحو ثلث الحجم العالمي لهذه التجارة والتي تمثل 10% من الأموال القذرة المغسولة سنوياً( ).

            والخطورة تكمن ليس فقط في تحقيق الأرباح الحرام الهائلة بل تكمن أيضاً في تحويلها إلى إسناد لتنظيمات إرهابية سياسية عالمية وليست التنظيمات الإسلامية فقط. لم تتنبه قوى مكافحة الإرهاب لهذا الأمر قبل أحداث 11/9 من حيث علاقة غسيل الأموال بالإرهاب والتي بلغت وفقاً للتقديرات الأمريكية ترليون دولار سنوياً. في آب سنة 2001 نشرت مجلة نيويورك الأمريكية أن تحقيقات في أوروبا تجري مع مدير إحدى الشركات الروسية الألمانية حول غسيل الأموال التي قد تطال الرئيس "بوتين" الذي تولى إدارة هذه الشركة "سباج" لبعض الوقت! والرؤساء أيضاً يمكن مساءلتهم في جريمة جديدة إسمها "غسيل الأموال" والتي لم يكن بعيداً عنها رؤساء سابقون مثل "سوهارتو"، وماركوس" وعدد من الرؤساء الأفارقة وربما غيرهم( ). كان الأمر قبل 11/9 يتعلق بجرائم مثل المخدرات والدعارة والرقيق الأبيض وتجارة السلاح، والفساد، الأمر الذي غدا مختلفاً بعد ذلك التاريخ فهو يرتبط بتمويل الإرهاب وبما جرى في نيويورك وواشنطن.

            إن التقدير لحجم أموال "المال الحرام" التي تُغْسَلُ سنوياً رغم صعوبته يتراوح سنوياً بين 600 إلى 1500 مليون دولار، وبلغ الرقم حسب التقرير الصادر عن البنك الدولي سنة 1999 ستمائة مليار دولار وهو ما يتراوح بين 2 إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي لكل دول العالم؛ ويعادل 25% من حجم التجارة العالمية، وأكثر من سبعة أضعاف مجموعة الصادرات السنوية لمنظمة "أوبك" من النفط، وما يوازي ثلاثة أضعاف إحتياطات البنوك، ويُقدِّر "إكرام الحق" في دراسته المنشورة قبل 11/9/2001 أن الأموال التي تُغْسَلُ سنوياً تصل إلى ألف مليار دولار-ترليون-( ).

الإرهاب الوظيفي:

            والمقصود به ذلك الإرهاب الذي يُمارس ضد الموظف والإرهاب الذي يمارسه الموظف نفسه. والموظف هو الشخص الذي يعمل في خدمة الأجهزة الرسمية بالإضافة إلى الذي يعمل لحساب غيرهِ في الأجهزة غير الرسمية، وظاهرة الإرهاب الوظيفي منتشرة في معظمها في البلدان النامية حيث أنها جزء من ظاهرة إنتشار الظلم والفقر والمحسوبية وغياب القانون وعدم وجود الديمقراطية. وقطاع الموظفين-في بعض البلدان- يشكل الأغلبية في قطاع العمالة، لذلك فله الوزن الكبير في المجتمع. وفي غياب التنمية الإدارية والسياسية يتحول هذا القطاع البشري إلى الخمول وعدم الإنتاجية يَنْخُرُه الصدأ فيفتك به إضافة إلى الآفات الأخرى التي تفتك به "يتخيل عليه مَلْطاً" بين الفينة والأخرى نوعيات تغلب عليها صفة "فرسان الكلام" التي تشبعهم شتماً وتفوز في النهاية بالأبل.

            والموظف عموماً هو شخص مرعوب مستقبله مرعب وواقعه مرعب( ) تربى على الخنوع والروتين وعبارة "أمرك سيدي" عبارة تتسلسل بمتوالية تضخمية من الأسفل إلى الأعلى( ). وحينما يتجسد مرض العظمة في الواحد منهم ولا يجد مَنْ يخاطبه حتى في غرفة نومه بهذه العبارة، فإن أجهزة التنصت-الملصقة خلف مغسلة الحمام إذا لم يصبها الصدأ أو إذا لم يحصل خطأ في تركيبها أو إذا لم يتم شراؤها بسمسرة عالية، فهي بدورها أشرف موظف على شرائها وتركيبها-ستثبت أنه كان يقف أمام المرآة ليردد أمامها وبتكرار "أمرك سيدي"، والمفارقة العجيبة أنه في اليوم التالي وهو يهم بدخول باب عرينه في العمل يفاجئه مراسل عيي النطق يمسك بيده جريدة ذلك الصباح ويتأتئ بكلمات للمواساة ولكن في أغلب الحالات بفرح ليقول له "حلقولك"( )، فيعود من حيث أتى لا أحد يسأل عنه ولن "يرن" هاتفه بعد الآن الذي لم يكن ينقطع رنينه لا في الليل ولا في النهار( ) يطفح بعبارات التبجل والمديح والتعظيم والغزل وجميع أنواع النفاق.

الإرهاب الإسلامي:

       بعد أن أصبح مصطلح "الإرهاب الإسلامي" يتردد على كل لسان في الولايات المتحدة بعد هجمات 11/9، ثم تسلل بتدفق من المحيط الأمريكي فانتشر في القارة الأوروبية بأكملها. ثم وفجأة جاءت عملية تفجير المنتجع السياسي في "بالي" في أندونيسيا والتي ذهب ضحيتها حوالي (200) شخص أغلبهم سواح إستراليون، فدخل ذلك المصطلح كل بيت في استراليا. ثم وبشكل مثير للحزن ومفاجئ تعلن السلطات الأمريكية أن "القناص" الذي روع أهل واشنطن بقنصه ببندقيته عدة ضحايا مدنيين هو مواطن أمريكي مسلم وإسمه "محمد"، وتلقفت ماكينة الإعلام الجاهزة والمستعدة والمتمنية لمثل هذا الخبر، الخبر وراحت تبثه لتؤكد أن قتل الأبرياء قام به شخص مسلم ومرتبط بالإرهاب الإسلامي.

            وفجأة بدت الفضائيات المتحفزة تبث خبراً عاجلاً من موسكو حيث تقوم مجموعة من المسلمين-ومعظمهم إناث-باحتجاز ألف مواطن روسي يستمتعون بسلام بمشاهدة مسرحية راقية، وتهدد بتفجير المسرح الذي إحتجزتهم فيه كرهائن، وتبث هذه الفضائيات مع الخبر فيلماً تظهر فيه إناثٌ محجبات يمسكن بالسلاح ووراءهن على الحائط يافطة مكتوب عليها "لا إله إلا الله" وتفصح الواحدة منهن عن رغبتها في الاستشهاد والاستعداد لقتل جميع الرهائن الأبرياء، يتحدثن باسم الإسلام رافعات المصحف. ومرة أخرى يدخل مصطلح "الإرهاب الإسلامي" كل بيت في روسيا( ).

            وأنهت القوات الروسية الخاصة صباح 26/10/2002 عملية الاحتجاز للرهائن في مسرح موسكو بأن شنت هجوماً إستخدمت فيه الغازات أسفر عن قتل تسعين رهينة، وخمسين خاطفاً بالإضافة إلى المئات (646) الذين يعالجون في المستشفيات. "وطلب الرئيس الروسي من الرأي العام" الصفح لأنه لم يتمكن من إنقاذ الجميع ولكنه أثبت أنه لا يمكن تركيع روسيا( ).

            وفي واقع الأمر إن الإرهابيين يبحثون عن هدف بارز ولا فرق عندهم إن قتلوا رجالاً أو نساءاً أو أطفالاً ولا يهمهم إذا كان بين الضحايا مسلمون فهم يهاجمون في أي مكان من دون تمييز، "وكثير منهم إنتحاريون مستعدون للتضحية بأرواحهم لتحقيق هدفهم السياسي، ليس لديهم أي إحترام للقيم الديمقراطية، وغالباً ما يُفَسِّرُ هؤلاء أعمالهم بأنها "طِبقاً للشريعة الإسلامية". إن في ذلك تشويه للإسلام فالإسلام يشجع على حقوق الإنسان وهو متقدم على الغرب بقرون عديدة في العديد من مجالات حقوق الإنسان( ).

الإرهاب زمن السلم والإرهاب زمن الحرب:

            تقع معظم أعمال الإرهاب زمن السلم فهي الوسيلة التي يستطيع البعض التعبير عن مواقفهم بواسطتها للأسباب التالية:

-           لا تمتلك بعض الجماعات القدرة على إقناع الغير بأفكارها الأمر الذي يؤدي بها إلى الفشل والتراجع والسقوط في مستنقع الإرهاب.

-           تمارس السلطة في أحيان كثيرة الضغط على جماعات لا تجد مفراً من الرد بعنف للتعبير عن ذاتها.

-           هناك مجتمعات تفتقر إلى الاستقرار حيث أن الدولة بأكملها مسرح لنزاع داخلي لم تتبلور قواه، وهناك مجتمعات يُفرض عليها من الخارج الدخول في نزاعات، وكلا الحالين يفرزان إرهاباً.

أما ما يتعلق بالإرهاب في النزاعات المسلحة فقد نظم القانون الدولي طرق ووسائل العمليات القتالية: نظمها كل من:

قانون لاهاي – قانون النزاعات المسلحة.

وقانون جنيف – القانون الدولي الانساني.

نظّم القانونان العمليات القتالية والتخفيف من ويلاتها وتأمين الحماية لبعض الفئات، وحرّما اللجوء إلى الإرهاب كوسيلة من وسائل القتال. وأعمال الإرهاب زمن الحرب ليست هي الإنتهاكات التي حددها القانونان السابقان إنما هي:

1-         جرائم الحرب المفصلة في النظام الأساسي لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية في مادته 8/1 أ، ب والتي ورد فيها (36) جريمة من جرائم الحرب.

2-         جرائم ضد الإنسانية إذا عدد النظام الأساسي في مادته 7/1 (11) جريمة ضد الإنسانية.

3-         جريمة إبادة الجنس التي جاء تعريفها في النظام الأساسي لروما في المادة الخامسة كل فعل من الأفعال التالية يرتكب بقصد إهلاك جماعة قومية أو أثنية أو عرقية أو دينية بصفتها هذه إهلاكاً بالكامل أو جزئياً بالقتل، أو إلحاق الضرر الجسدي أو العقلي بالأفراد، أو إخضاعهم لأحوال حياتية بقصد الإهلاك الكلي أو الجزئي أو بفرص تدابير تستهدف منع الانجاب داخل الجماعة أو نقل أطفال الجماعة عنوة إلى جماعة أخرى.    

لذلك يحرم على القوات المسلحة أو مَن تستخدمهم اللجوء إلى الإرهاب كوسيلة للقتال والمقصود بالإرهاب: الاستخدام غير المشروع للعنف المسلح فذلك خرق لقواعد القانون الدولي التي حرمت اللجوء إليه كالنص الوارد في الاتفاقية الرابعة لجنيف سنة 1949 والمتعلق بحماية المدنيين، أو بنصوص تتعلق بفئة من الأعيان أو الأشخاص كالتحريم الوارد في المادة الرابعة لاتفاقية لاهاي سنة 1954 التي تمنع أية أعمال عدائية ضد المنشآت الثقافية من تدمير أو إتلاف أو سرقة؛ والمادة 46 من البروتوكول الأول سنة 1977.

قد يتبادر إلى الذهن أن الإرهاب لا يُعتبر إرهاباً إلا إذا وقع في زمن السلم. إن هذا التصور لا يرى إرهاباً في الخروقات لقوانين الحرب زمن الحرب، ولكن بماذا يمكن أن يوصف العمل الذي قامت به أمريكا سنة 1945 في الحرب العالمية الثانية حينما ضربت مدينة "هيروشيما" اليابانية بقنبلة نووية، ألحقتها في اليوم التالي بقنبلة نووية ثانية-ربما كانت هي الثانية في المخزون الأمريكي والأخيرة-دكت فيها مدينة "ناجازاكي"، وأحدثتا خراباً وضحايا ورعباً فاق كل تصور ولم يكن له شبيه بكل التاريخ السابق، والرعب كما هو معروف هو الجوهر الدال على الإرهاب والمميز له.

إن ما استخدمته أمريكا من أسلحة دمار في حرب أفغانستان فاق ما تم إستخدامه في حرب الخليج الثانية الذي فاق بدوره جميع ما تم استخدامه من سلاح في حرب فيتنام الذي فاقَ أيضاً جميع ما تم استخدامه طوال الحرب العالمية الثانية. ويمكن إفتراض أن ما استخدم من وسائل لسحق العراق فاق جميع ما مر، ولكن "كورس المبررين من مختلف الكفاءات سيؤكدون بأن للحرب ضروراتها وأدواتها ووسائلها وأن لا مجال لمقارنتها بالإرهاب( ).

إن الضحايا هم من البشر ومعظمهم من المدنيين الأبرياء سواء كان الإرهاب زمن السلم أو زمن الحرب طبعاً مع الفارق العددي إذ أن ضحايا الإرهاب على أيدي المقاتلين دائماً كانوا أكثر من عدد ضحاياه زمن السلم( )، ومعروف أن هدف الإرهاب كان دائماً إحداث الرعب والرهبة لدى الضحايا غير المباشرين-على السواء زمن الحرب وزمن السلم-، ولأن الهدف من القنبلتين النوويتين الأمريكيتين على مدينتي هيروشيما وناجازاكي المأهولتين بالمدنيين الأبرياء هو إحداث الرهبة والرعب لدى كل اليابان سكاناً قبل القياديين لتستسلم اليابان وبالفعل إستسلمت مذعورة، فإنه لا يمكن إذن وضع خطٍ فاصل بين الإرهابَيْن المشار إليهما وهما الإرهاب زمن الحرب والإرهاب زمن السلم. وكذلك كان هدف إسرائيل عبر حملاتها الإرهابية لتهجير سكان جنوب لبنان في السنوات 1978، 1982، 1993، 1996، وهو إحداث رعب التهجير لدى كل اللبنانيين.

إن مفهوم الولايات المتحدة وإسرائيل للإرهاب هو ذلك الذي يقع من قبل الأفراد أو من قبل غير المقاتلين أو ضدهم فحسب، فالإرهاب في نظرهما هو إرهاب مدنيين ضد مدنيين وتستبعدان صراحة الإرهاب زمن النزاع المسلح. فالهجوم على هيروشيما وناجازاكي ليس إرهاباً لأنه ارتكب من قبل عسكريين في زمن الحرب، وكذلك المذابح الأمريكية في فيتنام ليست إرهاباً وفي أفغانستان وفي العراق إذ تقع خارج نطاق المفهوم الأمريكي للإرهاب، وتنظر أمريكا بنفس المنظار عن ذبح الفلسطينيين من قبل الجيش الإسرائيلي، إنه مفهوم مؤيد من قبل قسم من الباحثين له وزنه ورصانته.

تنويعات إرهابية:

            ينوع أحد الباحثين الإرهاب إلى: إرهاب فردي، إرهاب جماعي، وإرهاب منظم وإرهاب عشوائي، إرهاب الدول وإرهاب المجموعات، إرهاب مقبول وإرهاب ممجوج، وإرهاب مقنع وإرهاب مغلف، إرهاب كرد على الإرهاب، الإرهاب للإرهاب. الإرهاب المسرحي أو الدعائي، الإرهاب الهادف، الإرهاب المبرر، إرهاب الابتزاز( ). بينما يرى آخرون أن من أصعب الصعوبات التي تعترض وضع تعريف محدد للإرهاب هي الأشكال المتعددة لأعمال العنف بصورة غريبة؛ فالإرهابيون قد أثبتوا قدرة فائقة  وذكاءاً خارقاً في إختلاف شكلية ونوعية الإرهاب وتعدد الوسائل وتطوير تقانتها( ). فنوعوها إلى:

-           أعمال إرهاب ضد وسائل النقل الدولي بأنواعها المختلفة كخطف الطائرات أو السفن أو القطارات أو الحافلات أو احتجاز ركابها كرهائن.

-           العنف الذي تتعرض له وسائل النقل وهي رابضة في مكانها كالهجوم على المطارات ومكاتب شركات الطيران.

-           العنف ضد الأشخاص بالإعتداء على سلامتهم الجسدية كالإغتيالات الموجهة ضد رموز الدولة.

-           عنف ضد الأموال بإشعال الحرائق وبالمتفجرات وتدمير الممتلكمات العامة والخاصة.

وجميع هذه الأعمال من شأنها إشاعة الرهبة لدى الجميع وتهدد سلامة واستقرار المجتمع الدولي وأمنه وسلامة المرافق الحيوية وتخريب العلاقات الودية التي من المفروض أن تكون هي الأساس في التعامل والسلوك الدولي.

الإرهاب بالأسلحة غير التقليدية:

            لقد شهد "الإرهاب التقليدي" تقدماً واضحاً وضخماً أثبتته عمليات "أوكلاهوما" وتفجير بالسفارة الأمريكية في كل من "كينيا" و"تنزانيا" سنة 1998 وبلغت قمتها في 11/9 داخل أمريكما فانتهت بذلك مرحلة "التقليدي" وبدأت مرحلة الحداثة".

الإرهاب النووي:

            تتردد المعلومات عن إحتمال حيازة مجموعات إرهابية على رؤوس نووية ومواد نووية تم تسريبها من الجمهوريات السابقة للاتحاد السوفيتي نتيجة لحالة الفوضى التي سادت أثناء فترة إنحلال الاتحاد إذ أصبح كل شيء معروضاً للبيع في سوق النخاسة مثل القنبلة القذرة التي هي عبارة عن مادة مشعة يمكن وضعها مع مواد متفجرة تقليدية يؤدي إنفجارها إلى نشر الإشعاع على مساحة واسعة محدثة أضراراً فادحة مادية وبشرية، وكذلك "الحقيبة النووية" إذ تحتوي على رأس نووي صغير وهي من تطوير المخابرات السوفيتية في الخمسينات لاستخدامها حين اللزوم في بؤر التوتر العالمية، وهناك إحتمال قوي بتسرب أعداد منها إلى أيادي الإرهابيين.

الإرهاب الكيماوي:

            ويَستخدِمُ سلاحاً كيماوياً سهل الصنع وسهل الاستعمال يحدث خسائر بمنتهى الفظاعة وهو نوعان: نوع يتوجه تأثيره للفتك بالأنزيمات في جسم الإنسان مثل "الأسيتيل" و"كولين ستريز"، ونوع موجه ضد الأعصاب مثل السارين والخردل. قامت منظمة يابانية "أوم" أو "الحقيقة المطلقة" باستخدام غاز "السارين" السام في أحد أنفاق طوكيو في شهر آذار سنة 1995 أسفر عن مقتل عشرة أشخاص وإصابة خمسة الآلاف( ).

الإرهاب البيولوجي:

            شهدت الساحة الدولية هذا النوع بعد أحداث 11/9. وانتشر الذعر في أمريكا بعد العثور على رسائل فيها البودرة الحاملة للجمرة الخبيثة، وانتقل الذعر إلى العالم بأكمله مما أحدث تحولاً جذرياً في العمل الإرهابي. ومن المعروف أن دولاً عديدة تمتلك تراسانات متطورة من هذ1 السلاح البكتيري وأشهره الجمرة الخبيثة والجمرة المتموجة والكوليرا والطاعون، وهناك السلاح "الفيروسي" وأشهرها الجدري والتوكسينات والسموم البكتيرية وأشهرها "البوتيولينوم" و"الريسين"( ).

الإرهاب المعلوماتي:

            ويتمثل بتطويع شبكات المعلومات والكمبيوتر والانترنت لخدمة الإرهاب. لم تجد الشبكات الإعلامية بقدرتها العلمية صعوبة في استخدام هذا التقدم العلمي. ويمكن للإرهاب المعلوماتي بحيازته لهذه القدرات أن يلحق الشلل بأنظمة الاتصالات والقيادة والسيطرة أو قطع شبكات الاتصال أو "تعمية" أنظمة الدفاع الجوي أو تغيير مسارات الصواريخ أو إختراق الأنظمة المصرفية أو دربكة حركة الطيران المدني أو تعطيل قدرات المحطات النووية المنتجة للطاقة.

            يقول نائب رئيس الوزراء / وزير الداخلية في ماليزيا عبد الله أحمد بدوي في اجتماع لوزراء داخلية الـ" آسيان" الذي انعقد تحت عنوان تبادل المعلومات حول خبرات كل دولة مع الإرهاب: هناك الإرهاب الألكتروني والإرهاب البيولوجي، وستتولى "سنغافورة" القيادة في مساعدة دول المنظمة على التعاون في التعامل مع الإرهاب الألكتروني. إنه شيء جديد لا أعتقد أن لدينا التشريعات المناسبة للتعامل معه، وقال إن المنظمة تدرس الإسراع في تبادل المعلومات الاستخبارية حول الموضوع( ).

            أما تشكيل الإرهاب إلى شكل إرهاب داخلي، وإرهاب دولي فهناك رأي غالب بأن الإرهاب كله "إرهاب دولي" إنطلاقاً من المحافظة على حقوق الإنسان التي عليها إجماع دولي، وما دام الاتفاق على تعريف للإرهاب لم يزل بعيد المنال، ولم تحدد محاكم دولية خاصة له، فيبقى الإرهاب إرهاباً بغض النظر عن مكانه وكل ما ورد في الاتفاقات الدولية حتى الآن والتي تسمى تجاوزاً" إتفاقيات مكافحة "الإرهاب" ثنائية كانت أم إقليمية أم عالمية ما زالت تركز على القاعدة القانونية "حاكم أو سلّم".

التمييز العنصري عمل إرهابي:

            "تُعلن الدول الأطراف أن الفصل أو التمييز العنصري جريمة ضد الإنسانية وأن الأفعال غير الإنسانية الناتجة عن سياسات وممارسات الفصل العنصري والمشابهة لها هي جرائم تنتهك مبادئ القانون الدولي خصوصاً مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة وتشكل تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين، هذا الإعلان ورد في المادة الأولى من الاتفاقية الدولية لقمع ومعاقبة جريمة "الفصل والتمييز العنصري" التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 3/11/1973. والمقصود بالخروقات التي تشكل ميزاً عنصرياً:

1-         إنكار حق الحياة والحرية الشخصية إما بقتل أفراد تابعين لمجموعة عرقية معينة، أو الإيذاء الجسدي أو العقلي، أو إنتهاك الحرية والكرامة أو التعذيب أو المعاملة والعقوبة القاسية أو غير الإنسانية وبالإعتقال بدون قانون وبشكل تعسفي والسجن ظلماً.

2-         جعل الحياة قاسية أو لا تطاق بشكل مدروس ومخطط حتى تؤدي بمجموعة عرقية إلى الزوال.

3-         كل التدابير التشريعية التي تهدف إلى منع مجموعة من الناس من المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية في البلاد، ووضع قيود مقصودة تحول دون تطور تلك المجموعة بإنكار حقوقها الإنسانية وحرياتها الأساسية كالحق في العمل والتعليم وتنظيم نقابات وحرية الخروج والدخول إلى البلد، وحرية الرأي والتعبير والإجتماع السلمي وتشكيل الجمعيات.

4-         جميع الأنظمة والتدابير الهادفة إلى تقسيم السكان على أسس عرقية كإقامة أحياء خاصة فقط بعرق معين أو إقامة مناطق محذورة أو حذر الزيجات مع أو بين مجموعات معينة أو نزع ملكية الأراضي من جماعات بالذات.

5-         إخضاع مجموعة سكانية معينة للعمل الإجباري والاستغلال الجشع.

6-         الاعتقال والإضطهاد والحرمان لمن يقف ضد سياسة التمييز العنصري.

يتبين أن جريمة التمييز العنصري تتضمن في ثناياها التوصيف الإرهابي للجريمة فهي تهدف إلى الهيمنة على السلطة عن طريق إثارة الذعر والتهديد الأمر الذي يدخلها أيضاً في إطار الجريمة الدولية. وأكبر مثل على التمييز العنصري هو الممارسات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، والممارسات التي كانت في جنوب افريقيا وفي "ناميبيا". إذا كان المجتمع الدولي قد وقف ضد التمييز العنصري في جنوب افريقيا فإنه لم يقف وقفه مشابهة ضد السلوك الإسرائيلي. الأمر الذي يبين أن "مكافحة الإرهاب" هو سلوك سياسي وليس مذهباً قانونياً بل أداة من أدوات السياسة الخارجية فحسب. وهذا يستدعي دائماً الإنتباه للخروج من هذا السلوك في سبيل عمل حقيقي للقضاء على الإرهاب( ). حينما قدمت لجنة "الإرهاب الدولي" مشروعاً لاتفاقية موحدة بشأن الرقابة القانونية على الإرهاب الدولي سنة 1980 بينت أن الإرهاب لم يُعتبر بعد جريمة بحد ذاته وسعت إلى تحديد مفهوم الجريمة الإرهابية أي تحديد الجريمة الإرهابية التي يحظرها القانون الدولي بدلاً من ترك الأنشطة الإرهابية "كضيوف يحلون في مضافة الإرهاب"(1).

الإرهاب الرقيق:

            ارتفعت أصوات في المجتمعات الديمقراطية من أجل الرفق بالحيوان وحماية الحيوانات خاصة التي تستعمل في التجارب العلمية. ونشأت حركات لتحرير الحيوان وبدأت تنتقد بسهامها شركات صناعة الأدوية والمعامل الطبية وأدوات التجميل بل وقامت أحياناً بالهجوم المسلح بالقنابل والمتفجرات على تجهيزات ومعدات تلك المعامل وأطلقت سراح الحيوانات، وفي بعض الحالات وقعت اعتداءات على سلامة علماء مرموقين. واستخدم المجرمون الإرهابيون في هذا المجال أسلوب الإبتزاز كسلاح حديث يزعم أن هذه المعامل والمختبرات والعلماء يلوثون البيئة. ويبدو أن هناك تحالفاً في هذا المجال يمكن تسميته بـ"إخوان الإرهاب" قد حل محل التهديد المنقسم على نفسه( ).

الإرهاب والعدوان:

            كانت الجهود الدولية لتعريف العدوان جهوداً بطيئة ومتعثرة أحياناً( ) للاعتبارات السياسية التي هيمنت على تلك الجهود. تشكلت أربع لجان خاضعة توالت على القيام بـ العمل بين 1967-1974 حيث تم إنجاز المهمة سنة 1974. إستغرقت عملية وضع تعريف للعدوان وقتاً تراوح-حسب تعدد وجهات نظر الباحثين بين 20 إلى 32 عاماً الأمر الذي يُثبت أن العدوان جريمة سياسية. عرفت الجمعية العامة العدوان بقرارها رقم 3314 (29) ديسمبر سنة 1974:

            هو استخدام القوة من قبل دولة ضد سيادة وسلامة أراضي دولة أخرى واستقلالها السياسي بما يتنافى مع ميثاق الأمم المتحدة، ثم عدد قرار الجمعية العامة في الفقرة الثالثة الأعمال التي تشكل عدواناً ومنها: غزو ومهاجمة أراضي دولة من قبل القوات المسلحة لدولة أخرى والاحتلال العسكري أو ضم أراضي الدولة بالقوة، وقصف القوات العسكرية لدولة أراضي دولة أخرى واستخدام أي نوع من الأسلحة ضد أراضي تلك الدولة وحصار مرافئها وشواطئها، ومهاجمة القوات المسلحة البرية والبحرية والجوية والسفن التجارية والطائرات المدنية؛ وإرسال دولة باسمها أو لحسابها لعصابات مسلحة أو لقوى غير نظامية أو لمرتزقة لتقوم بأعمال مسلحة ضد دولة أخرى.

            والعدوان جريمة دولية متفق على تعريفه وهو في نظر الكثير من الباحثين "إرهاب مركز بل وأخطر من الإرهاب( ).

الإرهاب الإعلامي:

     إذا كان الإرهاب في الأصل يستخدم الإعلام كوسيلة تنقل الرعب الذي يزرعه في سبيل نشر قضيته وتطويع المرعوبين لخدمتها، فإن الإعلام بذاته مع نشوء الجيل الثالث للإرهاب أفرز شكلاً جديداً من أشكال الإرهاب ألا وهو الإرهاب الإعلامي وليس الإعلام الإرهابي الموجود على الساحة منذ الأجيال الأولى للإرهاب، وكمثل عليه ذلك الإعلام الإرهابي الذي يمارس ضد العرب والمسلمين مسخراً وسائل الإعلام الغربية الكاسحة ومطوعاً لخدمته وسائل إعلام العرب والمسلمين أنفسهم بقصد في أغلب الأحيان وبغير قصد في أحيان قليلة؛ ووصل الأمر به أنه، حتى أعمال التخريب والإرهاب التي تحدث في المجتمعات الغربية وبتخطيط وأيادي غربية، يسارعون إلى إلصاقها بالعرب والمسلمين وأصبح في العقل الباطني الغربي: "فتش عن عربي مسلم" قبل أي شيء آخر حينما تقع حادثة إرهابية لإلصاقها به( ).

            أوردت الصحف خبراً يقول إن التلاميذ في إحدى مدارس كوريا الجنوبية أخذوا ينشدون أغنية تشيد بابن لادن وعنوانها "أنشودة الولع بابن لادن" الأمر الذي أثار رعب المدرسين في ا لمدرسة فاستدعوا الشرطة فوراً التي وضعت حداً لهذا الميل عند الطلاب. وينشد الكوريون الصغار على لحن مستوحى من الرسوم المتحركة "أسامة بن لادن هو أكثر من يعجبني"، بينما الرئيس بوش هو اكثر مَن أكره، وعندما أكبر أريد أن أصبح إرهابياً( ).

الإرهاب وحرب الإشاعات:

            يمكن اعتبار الإشاعة المدخل الآمن لتنفيذ العملية الإرهابية، ولو قام المتطرفون بتأسيس جامعة لتعليم الإرهاب لكانت مادة المتطلب الإجباري على جميع طلبة الجامعة، والشعار الذي يرفع على مدخل الجامعة، وعلى مطلع كل درج من أدراجها وعلى كل باب من أبواب قاعات الدراسة: "لا تتسرع بإطلاق الرصاص" بل إبدأ أولاً بإطلاق إشاعة، لأن الإشاعة تستقر بسهولة في أحاسيس ووجدان المتلقي وتشكل دعوة مفتوحة للثأر الأمر الذي يمهد ويهيء الجو لحادث إرهابي بعد ذلك( ).

 

الإرهاب ومكافحة التدخين:

            حسب إجراءات جديدة تم إتخاذها من قبل السلطات في كل من البرازيل وكندا، أصبحت علبة السجائر في البرازيل تحمل صوراً فوتوغرافية مصحوبة ببيانات توضح المخاطر الصحية الناجمة عن التدخين في إطار حملة شاملة للتوعية بأضراره، ولكن المدخنين من جانبهم وصفوا هذه الحملات بالإرهابية أو بالترهيب لمكافحة التدخين.

تشمل الصورة الفوتوغرافية جانباً بأكمله من علبة السجاير. تبين إحدى الصور سيدة ورجلاً في سرير حيث تعلو مشاعر الإستياء وجهيهما؛ وأسفل الصور تحذير يقول "التدخين يُسبب العِنّة-العجز الجنسي( ). وتظهر صورة أخرى مريضاً يرقد على سرير في المستشفى وسط الأجهزة الطبية يتنفس عبر جهاز تنفس اصطناعي ويقول التحذير تحت الصورة "التدخين يسبب سرطان الرئة"، وهذا التحذير مقنن في الأردن منذ زمان طويل ولكن بدون صورة. يؤكد مسؤولوا الصحة في البرازيل أنهم يحاولون دفع المدخن إلى الإقلاع عن هذه العادة السيئة من خلال العلاج بالصدمة-التي يعتبرها المدخنون إرهاباً-بسد نفسه عن السيجارة، حذت السلطات البرازيلية في ذلك حذو كندا التي كانت حملتها أكثر قوة( ).

الإرهاب والاغتصاب:

            أشارت منظمات غير حكومية على هامش مؤتمر "يوم المرأة" المنعقد في باريس في 8/3/2002 إلى أن الاغتصاب أصبح بشكل متزايد يفوق الاعتقاد السائد سلاحاً إستراتيجياً في حرب تقوم على الإذلال وسط الرعب يلحق بالإنسان أضراراً دائمة. وتبين من دراسة أجرتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر سنة 1999 في خمس عشرة دولة من مناطق تسودها النزاعات أن شخصاً من أصل تسعة أشخاص يعرف إما إمرأة تعرضت للاغتصاب أو رجلاً مارس الاغتصاب، ورغم النصوص لحماية المرأة فهي تتعرض لأعمال العنف الجنسية التي باتت تعتمد كسلاح حربي حقيقي في بعض النزاعات حسبما أكدته منظمة "أطباء العالم" في ندوة عنوانها "النساء والنزاعات" إنعقدت في باريس في 1/3/2002، أوردت مثالاً من بين آلاف الأمثلة: لاجئة كانت تهرب مع زوجها وأطفالها من "سيراليون" إلى "غينيا" قبضت عليهم عصابة من عشرة أشرار إقتادوا زوجها جانباً لقتله كما يعتقد، ثم أبعدوا أطفالها ثم رموها أرضاً واغتصبوها الواحد تلو الآخر عشر مرات.

            وتساءلت باحثة فرنسية كيف تحول الاغتصاب إلى سلاح حربي إرهابي جديد بعد أن كان عملاً غريزياً؟ وبينت أن الاغتصاب لم يعد نتيجة للحرب بقدر ما أصبح سلاحاً يستخدم لنشر الرعب السياسي واستئصال جماعة معينة سواء في إطار أعمال الإبادة أو التطهير العرقي، وذكرت مثالاً النساء اللاتي اغتصبن في "البوسنة" بهدف أن يَحْمِلْنَ سفاحاً من عرق منتصر، ونساء كوسوفو، وكذلك نساء التوتسي" سنة 1994 في رواندا. والنساء الجزائريات كذلك، ولا يبقى للمُغْتَصبَات بعد ذلك إلا الصمت وفي غالب الأحيان الطفل المولود( )، وتشك الباحثة في أن المغتصبات سيقدمن الشكاوى إستناداً إلى معاهدات جنيف سنة 1949 والتي عُززت بمجموعة قوانين سنة 1977 التي اعتبرت الاغتصاب من جرائم الحرب. والأمر في نظرها يتطلب بذل الجهود على المستوى الثقافي.

            وتساءلت "مارسيلا دانييال" من المفوضية العليا للاجئين عن الوسيلة التي تحمي المرأة من تعرضها للاغتصاب محذرة من الأشخاص الذين يستغلون المجال الإنساني ورأت أنه من الضروري منح المزيد من السلطات للنساء في إدارة مخيمات اللاجئين.

            وذكرت منظمات غير حكومية أن أعمال عنف جنسية واغتصاب تمارس ضد الرجال وهي ظاهرة مُذِلة أيضاً وغالباً ما يستخدم المغتصبون "الخصي" والتشويه وغيرها من وسائل العنف بهدف تدمير الشخص.

            أما "كريستان سرامينو" الصحفية التي كانت في الشيشان فذكرت أنه لم تحدث إلا حالات قليلة من الأغتصاب ولكنها أبدت شكوكاً في الأمر إذ أن النساء لا يتكلمن في الأمر. إذن كيف يمكن التوفيق بين الرغبة في الإدانة من جهة والحق في لزوم الصمت من جهة أخرى!‍ إن الضحية وبصورة تقليدية تلزم الصمت، تحترم المحامية "وسيلة مزالي" ذلك الصمت ولكنها تصر على إحراز تقدم مع الضحية، ولا ترى فضيلة الصفح إلا بعد إثبات الإدانة. وإحقاق حق الضحية لا يتم إلا عبر إدانةٍ صادرة عن هيئة رسمية.

            فالاغتصاب إذن هو شكل من أشكال الإرهاب يمارس بقصد الإرعاب وهو خرق لحقوق الإنسان وحرياته( ).

الإرهاب وعسل النحل:

            أمر مثير للاستغراب أن تكون هناك علاقة بين الإرهاب وعسل النحل وابن لادن! ربما لأن أفضل أنواع العسل تأتي من اليمن مسقط رأس عائلة بن لادن( ) وضعت أمريكا شركة هيتا-لتجارة العسل على القائمة السوداء من بين (39) فرداً أو شركة يشتبه بتعاملها مع بن لادن والتي تسعى أمريكا عن طريق تجميد أموالها إلى تجفيف منابع الإرهاب. والمعروف أن اليمن تنتج سنوياً 1700 طن من عسل النحل الفاخر الذي يُصدر معظمه إلى منطقة الخليج العربي فالإقبال عليه هناك شديد جداً، لأنه يحل محل الفياجرا". وتؤكد نيويورك تايمز أن بن لادن يستخدم شبكة بيع وتوزيع العسل كغطاء لتجارة السلاح والمخدرات وتبييض الأموال وغسيلها.

"وهكذا يكتسب عسل النحل اليمني الفاخر طعماً لا حلاوة فيه إنه الطعم المر الذي يذيقه بن لادن للآخرين في أمريكا".

الإرهاب الأبيض:

            تم إستخدام تعبير الإرهاب الأبيض في الثورة الفرنسية من قبل القوى التي دافعت عن النظام الملكي، استخدمت هذه القوى "الإرهاب الأبيض الأول" ضد أنصار "روبسبير" في شهري أيار وحزيران سنة 1795. وتم إستخدام تعبير "الإرهاب الأبيض الثاني" من قبل الملكيين ضد أنصار "نابليون بونابرت" في صيف سنة 1815 أثر معركة "واترلو"( ).

            كما تمَّ إستخدام تعبير الأرهاب العظيم في 10/6/1794 وهو الأرهاب الذي مَسَحَ الضمانات القانونية لصالح المتهمين، ولكنه إنتهى بسقوط روبسبير في التاسع من "ثيرميدور".

صور الإرهاب من خلال الاتفاقات الدولية:

            تتخذ العمليات الإرهابية صوراً متعددة ومتجددة للضغط من أجل تحقيق الهدف، وحين نحاول التطرق إلى صور الإرهاب بصفة عامة فلا بد من ذكر حقيقة تؤكد التطور الهائل في العمليات الإرهابية في إستخدام أحدث ما توصل إليه الإنسان من إنجازات علمية. وتعرضت الإتفاقات القطَّاعية لمواجهة الإرهاب إلى صور عديدة للإرهاب وأهم هذه الاتفاقيات:

اتفاقية منع ومعاقبة الإرهاب-جنيف 1937:

            عددت الإتفاقية في مادتها الثانية الأفعال التي اعتبرتها إرهاباً وهي:

•           كل فعل متعمد يهدف إلى التصفية الجسدية، أو إصابة، أو فقدان حرية أي من: رؤساء الدول والقائمين بأعمالهم أو ورثتهم أو خلفاؤهم وزوجاتهم أو أزواجهن؛ أو الشخصيات القيادية التي تشغل مناصب عامة في الدولة.

•           التخريب المتعمد أو إتلاف بالممتلكات المخصصة لأغراض عامة وكذلك المتعلقة أو الخاضعة لسلطة دولة أخرى.

•           كل فعل متعمد يعرض حياة الناس للخطر.

•           تصنيع أو الحصول أو حيازة أو إمداد الأسلحة والمتفجرات أو أي مواد ضارة قصد ارتكاب أي من الأفعال السابقة في أية دولة من الدول( ).

 

الاتفاقية الأوروبية لقمع الإرهاب سنة 1977:

            تم إبرام هذه الاتفاقية في 27/1/1977 في إطار المجلس الأوروبي ووصّفت الجريمة الإرهابية بالأفعال التالية: خطف الطائرات؛ الأعمال التي وردت في اتفاقية مونتريال سنة 1971؛ الأعمال الموجهة ضد الأشخاص المتمتعين بحماية خاصة أو حماية دبلوماسية، إستعمال القنابل والديناميت والقذائف والصواريخ التي تهدد حياة الإنسان، أخذ الرهائن؛ الشروع أو الاشتراك في الأعمال السابقة. سبق للمجلس الأوروبي أن قام بخطوات لمكافحة الإرهاب فأصدر في 24/1/1974 قراراً بإدانة الإرهاب الدولي وضرورة تسليم مرتكب الإرهاب إلى الدولة صاحبة الشأن. كما أن المجتمع الدولي قد عقد عدة إتفاقات تتعلق بتهديد الأمن والسلام وحث الدول على التعاون لمواجهتها وهي:

-           إتفاقية الجرائم والأفعال الأخرى التي ترتكب على متن الطائرات، طوكيو 14/9/1963.

•           الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، نيويورك 2/12/1965.

•           إتفاقية قمع الإستيلاء غير القانوني على الطائرات، لاهاي 16/9/1970.

•           إتفاقية قمع جرائم الاعتداء على سلامة الطيران المدني، مونتريال 23/9/1970.

•           إتفاقية قمع جريمة التمييز العنصري (الأبارثيد) ومعاقبة مرتكبيها نيويورك 3/11/1973.

•           اتفاقية منع وقمع الجرائم المتركبة ضد الأشخاص المتمتعين بحماية دولية بما في ذلك الدبلوماسيون نيويورك في 24/12/1973.

•           الاتفاقية الدولية لمناهضة إختطاف الرهائن، نيويورك 17/12/1979.

وحسب رأي د. محمد عزيز شكري فقد توقف البحث في موضوع الإرهاب منذ إتفاقية جنيف سنة 1937 التي لم يتم إبرامها رغم أن ضحايا الإرهاب بلغت ألوف البشر، وبُعث البحث من جديد في موضوع الإرهاب بعد خمسة وثلاثون عاماً بالحملة المقدسة على الإرهاب إثر الهجوم الإرهابي من حدثين يابانيين على مطار اللد في أيار سنة 1972، وبعده إثر مقتل الرياضيين الإسرائيليين في أولومبياد ميونخ في أيلول سنة 1972، ثم إشتعلت الحرب على الإرهاب من جديد في مؤتمر شرم الشيخ في 14/3/1996 بعد العمليات الفدائية التي قامت بها "حماس"، و"الجهاد الإسلامي". ويعود د. محمد شكري ليؤكد أنه وبعد أن قام بمراجعة الاتفاقات الدولية منذ سنة 1945 لم يعثر على مسمى لجريمة "إرهاب" بمقتضى قواعد القانون الدولي العام-لغاية شهر نيسان 2002 الذي أصدر فيه مؤلفه عن الإرهاب بالإشتراك مع د. أمل يازجي-، وغالباً ما يُزْعَمُ بأن الإرهاب الدولي هو عنوان أو شعار تنطوي تحته الجرائم التالية:

•           أخذ الرهائن.

•           خطف الطائرات

•           الهجوم على الشخصيات أو الممتلكات التي تتمتع بحماية دولية.

•           الاستعمال غير المشروع للبريد.

•           الهجوم على أنواع من المباني أو الممتلكات التي ترمز إلى شيء ما كمركز التجارة الدولي في نيويورك، والمدمرة "كول" في خليج عدن( ).

أولاً: خطف الطائرات:

            وهي من أخطر أنماط الإرهاب؛ وحظرتها الاتفاقات الدولية التالية:

أ- إتفاقية تتعلق بالأفعال والجرائم التي ترتكب على متن الطائرة، تم توقيعها في طوكيو سنة 1963 وأصبحت سارية المفعول سنة 1969. وتتعرض إلى الجرائم التي تعرض أو قد تعرض الطائرة أو ركابها أو الممتلكات التي عليها للخطر، أو الهدوء أو النظام في الطائرة أثناء تحليفها في أعالي البحار أو خارج الأقاليم الدولية.

ب- إتفاقية لقمع الإستيلاء غير المشروع على الطائرة وقعت في لاهاي سنة 1970 وأصبحت نافذة سنة 1971.

جـ- إتفاقية "مونتريال" سنة 1971 التي أصبحت نافذة سنة 1973 لقمع الأعمال غير المشروعة ضد الطيران المدني( ).

د – البروتوكول المعدل لاتفاقية الطيران المدني الموقع في مونتريال. والذي تم إقراره، في 10/5/1984 في مونتريال في الدورة الخامسة والعشرين "الإستثنائية" للجمعية العمومية لمنظمة الطيران المدني( ).

            ويلاحظ على الاتفاقات أنه لم يرد فيها مصطلح "إرهاب" ولا إشتقاقاته، كما لم ترد فيها إشارة إلى الدوافع السياسية للخاطفين، ولم يشترط فيها وجوب معاقبة حالات الاختطاف بدوافع شخصية( ).

            هاجمت إسرائيل في 28/6/1968 بسلاحها الجوي مطار بيروت ودّمرت ثلاث عشر طائرة رابضة في المطار وقتلت ما يزيد عن خمسين، وجرحت خمسة       وسبعين من المسافرين والمتواجدين الأبرياء، وفي 21/7/1971 قامت طائرة عسكرية إسرائيلية بإسقاط طائرة مدنية ليبية وقتلت ركابها البالغ عددهم مائة وسبعة. وفي 10/8/1973 خطفت إسرائيل طائرة مدنية عراقية في الأجواء اللبنانية وأجبرتها على النزول في إحدى القواعد الجوية في إسرائيل بحثاً عن ركاب مشبوهين لم تجدهم على متنها( ).

            يعتبر خطف الطائرات من أخطر الأنماط الإرهابية لأن وسائل النقل الجوي هي أهم وسائل النقل للإنسان، الأمر الذي يرتب على الإخلال بها نتائج خطيرة وأبعاد عديدة إذ تعرض حياة الركاب للخطر وتسيء لحركة الاتصال الجوي بأكملها( ).

            ولا بد في هذا المجال من تبيان أن إختطاف الطائرات ليست ظاهرة ذات منبع شرقي أو عربي أو إسلامي، بل هي من صنع العالم الغربي تم تصديرها إلى الآخرين. كانت تخطف الطائرات من المعسكر الحديدي وتتوجه إلى أوروبا الليبرالية وتستقبل إستقبال الأبطال! إسرائيل خطفت الطائرة المدنية السورية سنة 1954 لتساوم على ركابها من أجل الإفراج عن جواسيس لها محتجزين في سوريا. وقامت فرنسا باختطاف الطائرة المغربية التي تقل الزعماء الجزائريين الستة 1956 وهي متوجهة من المغرب إلى تونس ومن بينهم الذي أصبح رئيساً للجزائر أحمد بن بيلا، ومحمد بوضياف( ).

بين 1950-1970 وقع في الولايات المتحدة 73 حالة إختطاف للطائرات، وفي أمريكا اللاتينية 51، وفي البلاد العربية 3، وبين 1975-2000 حصل 542 اختطاف للطائرات في العالم 19% منها فقط وقعت في أمريكا ومع فظاعة هذا الرقم، فإنه يبقى هزيلاً جداً أمام حجم وكثافة الطيران المدني الدولي إذ في سنة 2000 لوحدها تمت تسعة ملايين عملية إقلاع في الولايات المتحدة أي 241 ألف عملية في الأسبوع ولم يحدث إلا 47 حادثة معظمها بسبب أخطاء في القيادة( ). وبلغ عدد الاتفاقات الثنائية المنظمة للطيران بين الدول أكثر من (600) إتفاقية، أول حادث خطف طائرة في الشرق الأوسط كانت سنة 1954 عندما اختطفت اسرائيل طائرة مدنية سورية إلى مطار اللد. وقعت أول حادثة إختطاف سنة 1930 في "البيرو" عندما قام المعارضون باختطاف طائرة محلية ليهربوا على متنها من البلاد( ). وبعد ذلك من 1947-1953 حصلت موجة من الاختطاف للطائرات في دول "الستار الحديدي" في يوغوسلافيا، وتشيكوسلوفاكيا، ورومانيا وبلغاريا هروباً من الديكتاتورية، ثم بدأت موجة أخرى في كوبا سنة 1958 بعد نجاح الثوار في السيطرة على الحكم وانتقل الأمر من الأقطار الشيوعية إلى أوروبا الغربية وأمريكا إذ أصبحت مسرحاً لارتكاب هذه الجرائم، وبدأت تتصاعد بشكل مفاجئ منذ سنة 1968 وبلغ الأمر أوجه 1985، 1986.

وقد تم توقيع ثلاثة إتفاقيات دولية وضعت التنظيم القانوني والتشريعات للأمور المتعلقة باختطاف الطائرات والجرائم التي ترتكب على متنها أو ضد سلامتها اتفاقية طوكيو 1963، واتفاقية لاهاي 1970، واتفاقية مونتريال سنة 1971 التي تعالج أعمال العنف والتخريب الموجهة ضد الطائرات ومنشآت الملاحة الجوية، ثم استكملت بجزء مكمل لها في 24/1/1988.

أما أهم حوادث تفجير الطائرات:

•           أسقطت إسرائيل طائرة ليبية مدنية فوق سيناء.

•           أسقطت أمريكا طائرة مدنية إيرانية فوق الخليج العربي سنة 1988.

•           تفجير طائرة بأن أميركان فوق مدينة "لوكربي" سنة 1989( ).

يؤخذ على هذه الاتفاقيات أنها لم تتطرق إلى الأسباب السياسية للاختطاف علماً بأن الكثير من حالات الاختطاف كانت للتعبير السياسي حينما أغلقت في الوجه جميع الطرق السلمية والقانونية، وقد تلجأ الدول نفسها أيضاً إلى الاختطاف سواء بطريق مباشر أو غير مباشر، كما أنها هي المالكة للسلاح الجوي وتستخدمه في العمليات الإرهابية مثلاً:

-           الغارة الإسرائيلية على مطار بيروت الدولي سنة 1968.

-           الغارة الإسرائيلية على مطار "عنتيبي" في أوغندا سنة 1976.

-           الغارة الإسرائيلية على المفاعل النووي في بغداد سنة 1981.

-           الغارة الإسرائيلية على مدينة تونس مقرات منظمة التحرير سنة 1985.

-           اعتراض الطائرات الأمريكية لطائرة مصر للطيران وإجبارها على الهبوط سنة 1985.

-           الغارة الجوية الأمريكية على ليبيا سنة 1986.

الإرهاب الموجه ضد سلامة الطيران المدني شقان يركز أحدهما على عمليات خطف الطائرات والقسم الثاني يركز على الأعمال ضد سلامة الطيران المدني، وتكمن خطورة هذه الجرائم الإرهابية في كثرة ضحاياها ففي الفترة 1980-1989 ارتكبت 695 حالة اعتداء ضد الطيران المدني نتج عنها 2990 ضحية و16112 إصابة( ).

ثانياً: إختطاف وأخذ الرهائن:

            إتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 146 (33) سنة 1977 بالموافقة على الاتفاقية التي تقمع أخذ الرهائن، وإشترطت على الدول المتعاقدة فرض العقوبات على أخذ أو محاولة أخذ الرهائن. ونحن نعلم أن الخطف وأخذ الرهائن من أكثر الأنماط الإرهابية إنتشاراً والأمثلة على ذلك:

•           قامت إسرائيل بخطف "ادولف ايخمان"-أحد كبار زعماء النازية-في 23/5/1960 من الأرجنتين إلى إسرائيل ونفذت فيه حكم الإعدام في القدس في 29/5/1962.

•           إختطفت الأجهزة لإسرائيل "لود فنج زند" من نابولي إلى إسرائيل.

•           خطفت إسرائيل العالم الألماني "هيمتزكروج" في 11/9/1962 الذي كان يعمل في مصر.

•           أقدمت إسرائيل على خطف أطفال من أسر أردنية كرهائن إستخدمتهم للضغط من أجل الإفراج عن أسرى إسرائيليين في حرب سنة 1967.

•           قامت إسرائيل بأسر فلاحين وأخذهم كرهائن حينما تسللت إلى "الدفرسوار"، و"فايد" و"حنيقة المصرية بعد حرب سنة 1967( ).

وتعني عملية الاختطاف سلب الضحية حريتها باستخدام العنف وذلك بحجزها في مكان يسيطر عليه الخاطف من أجل تحقيق هدف محدد؛ الأمر الذي يوتر العلاقات الودية بين الدول. وكان هذا الأسلوب الإرهابي هو الأكثر شيوعاً في أمريكا اللاتينية( ).

ثالثاً: إلقاء القنابل وزرع المتفجرات:

            وهذا النمط من العمل الإرهابي من أقدم الأنماط إذ تمت ممارسته بشكل كبير في روسيا القيصرية وفرنسا في القرن التاسع عشر. وقد ساعد على إنتشاره سهولة الحصول على المتفجرات إما بالصنع أو الشراء أو السرقة؛ فكانت تزرع المتفجرات بسهولة في المقاهي والميادين العامة والمرافق الحيوية للدولة ووسائل النقل، ذكرت مصادر من الجيش الأمريكي أن أكثر من أحد عشر ألف قطعة سلاح قد سرقت من مستودعات الجيش بين 1970-1975 ومن ضمنها صواريخ أرض جو( ).

            ولجأ النظام الإسرائيلي إلى هذا النمط إذ مارسه بشكل واسع فمسح عن الخارطة بالتفجير الكثير من القرى الفلسطينية وشرد أهلها وقتل سكانها؛ ودمر المنشآت الحيوية بالقصف الجوي كالمستشفيات ومدارس الأطفال والمصانع المدنية والمقرات الإدارية ضارباً عرض الحائط بالقوانين الدولية والأخلاقية( ). ولا يمكن تجاهل القصف الأمريكي لملجأ العامرية في بغداد الذي أودى بحياة المئات من الأطفال والنساء.

 

رابعاً: الاتفاقية البريدية العالمية:

            تم توقيع هذه الاتفاقية سنة 1974، وأُبرمت سنة 1976؛ تعهدت الدول بموجبها بتبني التدابير الضرورية لمعاقبة من يقوم بإدخال المواد المتفجرة والمواد القابلة للاشتعال بسهولة بواسطة البريد حينما لا يكون إدخالها مرخّصاً حسب القوانين المُطبَّقة.

خامساً: إرسال الطرود المتفجرة:

            أُستخدم هذا النمط الإرهابي بكثرة من قبيل تصدير العمل الإرهابي إلى مناطق لا علاقة لها بموضوع الإرهاب، وقد مارسته منظمات إرهابية بكثرة في مطلع السبعينات ومطلع الثمانينات ضد شخصيات أردنية سياسية بإرسال الرسائل المفخخة لهم بالبريد، وحاولت إسرائيل إغتيال علماء ألمان يعملون في مصر باتباع هذا النمط، وإغتالت بهذا النمط عالمة الذرة العربية د. سميرة موسى في 5/8/1972، والعالم النووي د. نبيل القليني سنة 1975 في براغ، والعامل النووي د. يحيى المشد في 14/6/1980 في باريس.

            واغتالت إسرائيل "عز الدين قلق" ممثل منظمة التحرير في باريس في 3/8/1978 بزرع متفجرة في الهاتف في منزله أودت بحياته( ). واغتالت مجموعة من القادة الفلسطينيين في ليلة واحدة في بيروت في 9/4/1973 منهم كمال ناصر، وأبو يوسف النجار، وكمال عدوان. كما إغتالت خليل الوزير-أبو جهاد-في تونس في 16/4/1988.

سادساً: إبادة الجنس:

            تم التوقيع على الاتفاقية التي تمنع إبادة الجنس سنة 1948 وأصبحت نافذة المفعول سنة 1961 إذ تنص في مادتها الثانية على أن إبادة الجنس جريمة دولية تلزم الدول الموقعة بمنعها ومعاقبتها. ورغم أن هذه الجريمة من أسوأ أنماط الإرهاب إلا أنه قليلاً ما يتم التطرق إليها؛ إذ ليس من العدل ذرف الدموع والتباكي على خطف الطائرات وأخذ الرهائن-وهي بالفعل أنماط إرهابية بشعة-في الوقت الذي تُغْمَضُ فيه العيون عن فظائع الذين يؤمنون بسمو وتفوق الرجل الأبيض على غيره من مخلوقات ربنا، وعن الذين يمارسون التمييز العنصري وعن الذين يبيدون أقليات أو أجناس أو أعراق بأكملها( ).

 

الإرهاب والجريمة السياسية:

            هناك شبه إتفاق قانوني دولي على عدم إعتبار الإرهاب جريمة سياسية بأي حال من الأحوال حتى ولو كانت دوافعها سياسية، بل هو جريمة عادية تخضع لقواعد وشروط وتسليم المجرمين أو محاكمتهم وعقابهم( ). والجريمة السياسية هي كل جريمة ترتكب ضد الدولة ويكون الدافع لها سياسياً حتى لو كانت سبباً في القتل والتخريب فهي جريمة سياسية( ).

            يتماثل الإرهاب والجريمة السياسية بارتكاب العنف المنظم الذي له طابع سياسي ولكنهما يتمايزان من حيث الهدف من اقتراف العنف، فالإرهاب يهدف إلى العنف بإرسال رسالة للتأثير على السلطة السياسية لإتخاذ موقف معين، بينما ليس لدى الجريمة السياسية مثل تلك الرسالة فكل عمل إرهابي فيه جريمة سياسية ولكن ليس كل جريمة سياسية فيها إرهاب( ). أكدت ذلك اتفاقية جنيف في 16/5/1937 لمكافحة الإرهاب مبينَةً أن الجريمة الإرهابية لا تقع في إطار الجريمة السياسية ولا تمت لها بصلة( ). وكذلك إعتبرها المؤتمر الدولي السادس لتوحيد قانون العقوبات المنعقد في "كوبنهاجن": سنة 1935. كما استثنت الاتفاقية العربية لتسليم المجرمين جريمة الإرهاب من الجرائم السياسية( ).

            هذا التمييز بين الجريمتين يترتب عليه تمييز في العقوبات وطريقة تنفيذها وإمكانية تسليم المجرم أو عدم تسليمه، فعقوبة الجريمة السياسية هي النفي أو التجريد المدني، بينما الحبس العادي أو الإعدام من عقوبات جريمة الإرهاب. وعقوبة الجريمة السياسية خاضعة للتغيير والتبديل فالمجرم في طليعة المتمتعين بالعفو باستمرار وبعكس ذلك جريمة الإرهاب. وهناك إستقرار في عدم تسليم المجرم السياسي. فالتشريع الفرنسي كان طلائعياً في موضوع التسليم فيرى أن المجرم السياسي لا يشكل خطراً على الدولة التي يلجأ إليها ولم يرتكب الجريمة السياسية بدوافع إجرامية أو شخصية بل بدوافع غير أنانية. أما المجرم العادي فالمجتمع الدولي مجمع على بذل كل الجهود لتمكين العدالة من الفارين. وتقوم المنظمة الدولية للشرطة الجنائية-الأنتربول-بدور نافذ في الملاحقة والاعتقال( ).

 

الإرهاب والعنف السياسي:

            يمكن تعريف العنف السياسي بأنه إستخدام القوة المفرطة والمدمرة ضد الأشياء أو الأفراد من أجل إحداث تغيير في أشخاص الحكم أو في نظامه السياسي بدون أي إعتبار للقوانين السائدة. فالإرهاب والعنف السياسي يشتركان من حيث السعي لتحقيق هدف سياسي باستخدام القوة وبصورة منظمة ولكن على وجه غير مشروع. والإرهاب يهدف إلى الدعاية لقضيته بشد إنتباه العالم إليها فهو يرسل رسالة للعالم متجاوزاً بذلك الهدف المباشر وهو الضحايا والدمار يريد أن يؤثر على قلب وعقل الجماهير. بينما العنف السياسي لا يتجه إلى جذب إنتباه العالم فهدفه مباشر دون التركيز على المؤثرات النفسية ودون الرمزية التي يتميز بها العمل الإرهابي، والعمل الإرهابي يعتمد بصورة أساسية على استخدام الوسائل للاتصال بالجماهير لمساعدته في تحقيق أهدافه، بينما هذا لا يشكل محوراً في عمل العنف السياسي. وللإرهاب في معظم الأحيان بعد دولي، بينما طابع العنف السياسي هو طابع محلي بحت وهناك هالة قيمية تجلل العمل الإرهابي؛ فما يعتبره البعض إرهاباً يعتبره آخرون عملاً بطولياً، بينما لا يتمتع العنف السياسي بمثل تلك الهالة. وكما لاحظنا سابقاً فإن النظرة القانونية إلى الإرهابي أنه مجرم عادي دون النظر إلى هدفه السياسي وعلى نقيض ذلك النظرة إلى مرتكب الجرم السياسي فبواعثه السياسية هي موضع إعتبار حين محاكمته( ).

            وبما أنه لا بُدَّ مِن التذكير دائماً بالاعتقاد بأن العنف هو من مكونات الشخصية البشرية، وبما أن مفهوم "العدو" هو جوهر الشأن السياسي الغالب على سلوك الإنسان الأمر الذي يجعل من "العنف السياسي" من أبرز قضايا البشرية. ومن هذا المنطلق فإن ظاهرة العنف السياسي ترتدي أشكالاً متعددة تتراوح بين الحرب ومجرياتها المدمرة والقمع الأمني الذكي والحاذق في السرية والتستر والتخفي.

            الإرهاب السياسي هو العنف بأوضح صوره وأجلى معانيهِ ومظاهره رغم أن العنف ليس هو الإرهاب لأن للإرهاب خصائصه التي تميزه عن باقي مظاهر العنف السياسي. صحيح أنه يأتلف مع بعضها إئتلافاً يتراوح في حدته بإختلاف تلك الظواهر العنيفة( ).

            إن طبيعة العلاقة بين الإرهاب والسياسة لا تُمَكِّنُ من إجراء فصل بينهما بل تتسارع إلى المزيد من التشابك والتواصل في المقاصد والأهداف وصحيح أن الجريمة تحتاج إلى توفر مميزات لِتَصنّف إرهابية أي أن يكون لها مقاصد خاصة وهي تحقيق هدف سياسي، أي أن يكون المحرك لها محركاً سياسياً سواءاً كان وضعياً أم نبيلاً.

 

مثال أول:

-           قامت مجموعة من اللصوص الذين لهم سوابق قضائية باختطاف طائرة قصد الحصول على فدية من وراء إحتجازها للرهائن، بينما في نفس الوقت قامت مجموعة أخرى ليست لها سوابق قضائية بخطف طائرة واحتجزت الرهائن وطلبت فدية بهدف تمويل المنظمة التي تنتمي إليها المجموعة لتمكينها من مواصلة نضالها ضد المظالم.

مثال ثاني:

-           تم إطلاق الرصاص على رئيس الوزراء فخر صريعاً من قبل شخص سرَّحه رئيس الوزراء من عمله، تم إطلاق الرصاص على رئيس الوزراء الذي فارق الحياة لأنه يمثل تياراً متخلفاً ويجب محاربته والقضاء عليه حسب إعتقاد الشخص الذي أطلق الرصاص والمجموعة التي ينتمي إليها.

        نلاحظ أن الفعل الإجرامي يتشابه في المثالين ولكن القصد العام من طلب الفدية في الشق الأول يختلف عن القصد في الشق الثاني من المثال الأول. والقصد في الشق الأول من المثال الثاني هو إغتيال رجل السياسة، بينما القصد في الشق الثاني من المثال الثاني هو محاربة تيار متخلف. يتضح إذن أن للإرهاب قصداً إضافياً يميزه عن الجرائم التي تشبهه من حيث الوقائع المادية وهو العامل السياسي الذي لن يقع الحدث أبداً لولاه. إذن فالإرهاب جزء من الجرائم السياسية رغم أن الإتفاقيات رفضت ذلك كما رأينا سابقاً لأن الدول لا تريد منح المجرم الإرهابي بعض الميزات التي منحت للمجرم السياسي. كما أن ما يمكن أن يميز الجريمة الإرهابية عن الجريمة العادية هو عامل يجوز أن نسميه مصطلح "المنطق الإرهابي"، فجريمة القتل مثلاً يمكن أن تتم بفعل مقصود أو غير مقصود؛ وقد تكون دوافعها دنيئة أو مشروعة كالدفاع عن النفس كما ربما تكون بدافع الرحمة. وقد تكون فعلاً داخل سياق إرهابي له خلفية سياسية. أوردت إتفاقية مكافحة الإرهاب الأوروبية سنة 1977 في مادتها الأولى تعداداً مجموعة من الأفعال أوجبت إعتبارها جرائم غير سياسية وليس لها بواعث سياسية، وأوردت في مادتها الثانية مجموعة من الأفعال إعتبرتها أفعالاً إرهابية إذا كانت موجهة ضد الأشخاص وسلامتهم الجسدية وحرياتهم أو موجهة ضد الممتلكات إذا كانت تسبب خطراً جماعياً.

تعتقد الدكتورة أمل يازجي أن الإرهاب غير وارد إلا مع السياسة، ومحاربة الإرهاب لا تنجح إلا في محاربة أسباب إندلاعه وهي أسباب سياسية. لكن التشريعات الدولية شأنها شأن التشريعات الداخلية فصلت في معظمها بين الإرهاب والجرائم السياسية، فالإتفاقية الدولية الأوروبية 1977 لقمع الإرهاب أخرجت الجرائم الواردة في إتفاقية لاهاي 1970، ومونتريال 1971، وإتفاقية 1973 من إطار الجريمة السياسية بغية استثناء مرتكبيها من الاستفادة من مبدأ عدم التسليم( ).

نعتقد بأن الأكاديمي الباحث في شؤون الإرهاب والراغب حتماً في وضع حد للعنف الإرهابي لا يستطيع أن يضع جانباً مُثُلهُ وأخلاقه كما لا يستطيع إلا أن يحتفظ بالحد الكافي من الأخلاق رغم أن "الأخلاق" لا تقبل التجزئة، وأيضاً فمن واجبه الحرص على الأمانة العلمية. وتعود المعضلة هنا من جديد وهي إشكالية علاقة "المفكر" بـ"السلطان" والكمبارس والكورس. ويبقى الأمر على ما هو عليه في معظم الأحيان أن "المغلوب" على أمره هو وحده الذي يُعد مُجرماً، والأقلَ قوةً هو دائماً الواجب والمحتم وصفه بالإرهاب على الرغم من تشابه أو تطابق عنف الإرهاب في جميع الحالات.

         وعلى المستوى الدولي الرسمي، ما زال المجتمع الدولي حتى الآن يحدد جريمة ما بأنها إرهابية بإضافتها إلى قائمة الجرائم الإرهابية المودعة لديه على شكل اتفاقات دولية وبالقَطَّاعي. إذن، ومن هذا المنظور، فمن الخطأ إسقاط مفهوم الإرهاب على الجرائم الدولية التي إسمها ليس مدرجاً على القائمة الإرهابية. وبالمقابل مثلاً فقد عدد ميثاق روما لإنشاء محكمة جنائية دولية 34 إنتهاكاً ووصف من يقوم بأي منها بأنه: "مجرم حرب" ولم يَصِفْهُ بأنه إرهابي. لذلك فليست من الجرائم الإرهابية قانوناً كل من:

أولاً: جريمة الحرب العدوانية" وهي الاشتباك المسلح غير المبرر الذي تقوم به دولة ضد دولة أخرى مهما فعلت من تخريب وتقتيل وإلقاء قنابل تحمل رؤوساً كيماوية أو نووية أو جرثومية مما يبث الرعب في نفوس الناس، لأنها جريمة مستقلة نودي بتجريمها منذ زمان طويل. وكان أول إنتاج دولي قانوني للعقاب بحق الجرائم ضد السلام، وضد خرق قوانين الحرب وما يرتبط بها من جرائم ضد الإنسانية هو عقاب مجرمي الحرب العالمية الثانية الذين حاكمهم الحلفاء أمام المحكمتين الدوليتين العسكريتين الأولى عقدت جلساتها في "نورمبيرغ"/ألمانيا لمحاكمة مجرمي المحور الأوروبي والثانية في طوكيو / اليابان لمحاكمة مجرمي الحرب في الشرق الأقصى.

ثانياً: جرائم القتل والتخريب والنهب والسلب والاغتصاب وأخذ الرهائن أو الإجهاز عليها التي ترتكبها الجيوش في البلاد المحتملة، فهي تعتبر جرائم ضد قوانين وعادات الحرب مع ما تنطوي عليه من إفزاع كضرب المستشفيات والمدنيين والمدن. فهي جرائم مؤطرة في معاهدات لاهاي الأولى سنة 1899 والثانية 1907 ثم معاهدات جنيف 1949 والبروتوكول الملحق بها سنة 1977 التي تم الإشارة فيها إلى لائحة "نورمبورغ"( ).

ثالثاً: والأهم من كل ما سبق أنه يجب إخراج أعمال مقاومة الشعوب المقهورة والمغلوبة على أمرها والمحتلة من التوصيف الإرهابي لأنها تقف في وجه "عدوان" وقع عليها. لقد توالت المساعي الدولية لوضع تعريف للعدوان منذ معاهدة لندن سنة 1933 إلى أن تم التوصل إلى تعريفه بقرار الجمعية العامة رقم 3314 (29) سنة 1974 (وهو استخدام القوات المسلحة ضد سلامة إقليم أو استقلال أو سيادة دولة أخرى بكيفية لا تتسق مع ميثاق الأمم المتحدة). لذلك يتضح من تعريف العدوان أنه لا يحول دون حق الشعوب في النضال للحصول على حق تقرير مصيرها باستخدام العنف والسلاح.

الإرهاب تكتيك حربي:

            الحرب نزاع مسلح دموي بين جماعات بشرية منظمة( )، إذن هي ظاهرة جماعية فيها على الأقل مجموعتان متنازعتان. وبعكس ذلك الإرهاب فهو ليس مواجهة مباشرة بين الأطراف إنما هو مستتر ومموه وغير معلن والضربة تأتي من طرف واحد أي أنها أُحادية(2). ولا يُعتبر الإرهاب نزاعاً مسلحاً لأن السلاح فيه يستعمل من طرف واحد خلال العملية الإرهابية، فالمواجهة إذن غير موجودة. ولكن ذلك لا يعني أن الحرب تستثني الإرهاب كلياً أثناء عملياتها العسكرية. بمعنى أن وجود الواحد لا ينفي وجود الآخر فيلجأ العسكريون أحياناً إلى الإرهاب "كأجراء تكتيكي" لتنهار إرادة الخصم بتأثير الرعب والفزع الذي ينشره في صفوف الخصم وقادته خاصة ليضعف قتاليتهم، فيلجأ إلى قصف المدن التي ليس لها أي وزن عسكري وتكثر ضحايا المدنيين  وتهدم المنشآت المدنية ويضرب المراكب التجارية ويستعمل الأسلحة المحرمة. ولكن يجب العلم والحذر فكل هذه التصرفات خارجة عن قوانين الحرب وأصولها بل هي خرق فاضح لها. ومع ذلك فالإرهاب في الحروب التقليدية النظامية هو إستثناء ولا قانوني ولكنه ليس كذلك في الحرب الأهلية.

            يتواجد في الحرب الأهلية العناصر التي تتواجد في الحرب النظامية من حيث أنها ظاهرة فيها جماعتان أو أكثر تتصارعان في إطار نزاع مسلح، ولكن الحرب الأهلية تختلف من حيث أنها لا تتبع ولا تخضع للقوانين التي تحدد التصرفات ولعل ذلك هو السبب الجوهري في إستشراء الأعمال الإرهابية في الحروب الأهلية كالتصفيات الجماعية للمواطنين الأبرياء دون تمييز في الجنس والعمر والمكانة بغض النظر عن علاقة الضحايا بالنزاع، ففي نظرها ليس هناك أبرياء، فمن ليس من هذه الجماعة فهوة خصمها كما وقع في الحرب الأهلية في لبنان والحرب الأهلية في الجزائر التي بدأت في نهاية 1991 وما زالت مستمرة( ).

            فالحرب إذن لها خاصية التنظيم والالتزام بالقانون العرفي أو المكتوب فهي شكل مُقونن ومنظم للعنف المسلح، وبعكسها الإرهاب الذي يكتسب فعاليته وقوته من كونه لا يلتزم بشيء، لذلك فهو مخيف ولا يهتم إلا بما يخدم هدفه وقضيته الأمر الذي يبرز "الوجه العدمي" للإرهاب فهو خارج على القانون وخاصة قانون الحرب والحكم عليه دائماً بأنه مجرم وغير قانوني.

            ولكن هناك تداخل بين الظاهرتين الحرب والإرهاب إنما تبقى كل واحدة منهما تحتفظ بحدودها الخاصة بها وبفروضها، ولكلٍ مجالها ونمطها وممارساتها التي تميزها عن الأخرى.

            وقد يعتقد البعض أن الإرهاب أصبح بديلاً للحرب، فالحرب أصبحت غير مأمونة العواقب وليست محمودة النتائج؛ بينما تقوم مجموعات صغيرة بعمليات إرهابية كنوع جديد من أنواع الحرب لا تلتزم بأية قواعد ولا تخضع لأية قوانين ولا تظهر في ساحة محدودة وليست جزءاً من جيش ولا تتبع لأية سلطة. إستطاعت مثلاً منظمة "الجهاد الإسلامي" أن تُذل أمريكا عسكرياً في لبنان وتكلفها مئات الضحايا بسيارة مفخخة وتضطرها للأنسحاب فوراً بعد أيام قلية من تأكيد الرئيس الأمريكي أن القوات الأمريكية لن تنسحب من لبنان إلا بعد تحقيق أهدافها! ونفس الشيء حصل للقوات الفرنسية. وتلقت أمريكا نفس الدرس في الصومال. فساحة المعركة الإرهابية تمتد لتجعل من العالم كله مسرحاً لها وربما لا يستطيع أحد أن يتخذ موقفاً محايداً تجاههما( ).

الإرهاب والجريمة العادية:

            رأينا أن الإرهاب يسعى إلى تحقيق أهداف سياسية، بينما يسعى المجرم إلى الحصول على مكاسب بطرق غير مشروعة، ومهما بلغت درجة عنف الجريمة العادية فإنها لا تشكل ضغطاً على اتخاذ القرار السياسي. المجرم العادي يتحرك بدوافع شخصية، بينما يرتكب الجرم الإرهابي شباب بدوافع أيديولوجية وليس بدوافع شخصية بل يضحون بمصالحهم الشخصية في سبيل الهدف الذي يتطلعون إليه ويعتبرون دوافعهم –النضال مثلاً- جهاداً في سبيل الله. فدوافع الإرهابي دوافع نبيلة وشريفة من وجهة نظره في سبيل العدالة والحق، ويضحي بذاته من أجلها. ولكن يختلط مفهوم الإرهاب مع "الجريمة المنظمة" التي ترتكبها عصابات منظمة فكلاهما يحاول نشر الرعب والذعر في النفوس والفرق بين رعبهما هو النوع وليس الدرجة.

            وبين الإرهاب والجريمة المنظمة تعاون أحياناً. إذ أن الإرهاب يحتاج لخدمات بعض أفراد المنظمات الإجرامية لخبراتهم في التخطيط والتجهيز وتزييف الوثائق والحصول على الأسلحة وعلاج المصابين، وقد تقوم منظمة إرهابية باستئجار عصابة للإجرام لتنفيذ أحد عملياتها.

            ويتضح هذا الخلط بين الإرهاب والجريمة العادية داخل الولايات المتحدة إذ أن الشرطة تعتبر كل العمليات التي يتم فيها إحتجاز الرهائن إرهاباً، ولكن نلاحظ أن لصوص البنوك يقومون باحتجاز الرهائن تغطية لتأمين هروبهم وانسحابهم، وهؤلاء الذين يخلطون بين الجريمتين لا يأخذون بالإعتبار جوهر الإرهاب وهو تحقيق غايات سياسية، ومع ذلك وكما لاحظنا فإن المؤتمر الدولي لتوحيد قانون العقوبات سنة 1935 بالإضافة إلى ما تلاه من إتفاقات دولية لا يعتبر الإرهاب جريمة سياسية بل من ضمن الجرائم الاجتماعية العادية( ).

            والجريمة المنظمة هي تلك الجريمة التي ترتكبها مجموعات أو منظمات أو عصابات إجرامية منظمة لتحقيق مكاسب ذاتية أو منافع مالية( )، ويتماثل الإرهاب والجريمة المنظمة من حيث: العنف المنظم الذي تمارسه مجموعات لها أساليب متشابهة وإمكانات تنظيمية وتخطيطية وسرية ومتعاونة مع دقة في التنفيذ. ولكن إذا كان بينهما قواسم مشتركة، فبينهما تمايز:

-           هناك تمايز في الأهداف، فالإرهاب كما تكرر معنا يهدف إلى تحقيق مطالب سياسية ونشر دعاية لقضيته باستخدام العنف.

-           بينما هدف العصابات الإجرامية المنظمة تحقيق مكاسب شخصية ومادية، فليس للإرهاب منافع شخصية بل يدافع عن مثل لديه ومقتنع بها.

-           غالباً ما تتركز الأعمال الإرهابية في المناطق الحضرية، بينما تمتد الأنشطة الإجرامية إلى الريف أيضاً.

-           نتائج العمل الإجرامي مقصورة على الضحايا، بينما في العملية الإرهابية تمتد إلى ما هو أبعد وأوسع من ضحاياه.

ومن نافلة القول التأكيد على أن الجريمة المنظمة تشكل خطراً على المجتمعات البشرية إذ تسلبها الأمن والاستقرار وتهدد مختلف أوجه الحياة وتخلخل العلاقات والروابط الإنسانية وتخرق الحقوق الأساسية للإنسان حق الحياة والتملك والسلامة والكرامة، إنها تشكل إنتهاكاً للبناء الإنساني في القيم والتقاليد والمثل وتضرب المصالح الخاصة وأيضاً المصالح العامة. في سنة 1971 وقعت في الولايات المتحدة ستة ملايين عمل إجرامي، منها 17630 جريمة قتل. ذلك يعني أن 3% من السكان الأمريكيين تعرضوا لشكل من أشكال الجريمة( ).

الإرهاب والجريمة الدولية:

            الجريمة الدولية هي جريمة تخالف قواعد وتقاليد النظام العام الدولي وقواعد الإنسانية تتجاوز حدود الدولة وقد تصل إلى الإضرار بالنظام الدولي وتصنف إلى:

•           جرائم ضد السلام التي حددها المبدأ السادس من مبادئ محكمة نورمبورغ وهي "كل تدبير أو تحضير أو مباشرة لحرب عدوانية أو لحرب تخالف أحكام المعاهدات الدولية".

•           وجريمة "العدوان" إذا قامت بها دولة ضد دولة أخرى فيجب إعتبارها صورة من صور العدوان بدلاً من إعتبارها جريمة "إرهاب الدولة" لأن جريمة العدوان محددة وواضحة بعكس الثانية. كما أن تعريف الجمعية العامة للعدوان أشار إلى صور العدوان التي من ضمنها ما ينطبق على الأعمال الإرهابية مثل إرسال وإيفاد العصابات المسلحة ومجموعات المرتزقة.

الجرائم ضد الإنسانية:

            وهي الجرائم التي تشكل عدواناً صارخاً على الإنسان أو جماعات إنسانية لاعتبارات معينة، والهدف من التجريم هو ردع جبروت السلطة التي توقع الظلم بالأقليات العرقية أو الأثنية أو القومية كما تهدف إلى تحقيق الحماية اللازمة للقيم الإنسانية ومبادئ العدالة ومقتضيات الضمير الإنساني ومنع القتل والإبادة والإبعاد والإسترقاق وكل فعل يرتكب ضد المدنيين قبل وأثناء الحرب أو في إطار جريمة ضد السلام كجرائم الإبادة الجماعية والتمييز العنصري والتعذيب واستخدام الإنسان في التجارب.

            ولكل دولة الحق في أن تحاكم من يقع بين يديها من أفراد العدو على ما ارتكبوه من جرائم ضد الإنسانية أو جرائم الحرب-الأبعاد، الإكراه، قتل الرهائن، نهب الأموال، التخريب التعسفي للمدن والقرى-وفقاً للاتفاقات الدولية لا فرق فيما إذا كان المجرم حاملاً لرتبة عسكرية أو حتى رئيس دولة إذا ثبت إرتكابه للجريمة( ).

الإرهاب والاغتيال:

            لا بد من الإشارة في البداية إلى أنَّ كل حادثة تؤدي إلى قتل إنسان تترك دائماً في النفس البشرية الخوف والفزع بمقدار يتناسب وبشاعة عملية القتل نفسها، ويتناسب مع وزن الضحية الاجتماعي والسياسي. مثلاً نشرت حادثة اغتيال الرئيس كندي الرعب في نفوس الذين تمثلهم الضحية. وكذلك حادثة إغتيال المغفور له عبد الله بن الحسين في المسجد الأقصى( ) في القدس في 20/7/1951، وقبلها بيومين حادثة إغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رياض الصلح في عمان وهو في طريقه للمطار، وكذلك حادثة اغتيال رئيس الوزراء هزاع المجالي في مكتبه سنة 1960، وحادثة اغتيال رئيس الوزراء وصفي التل في القاهرة سنة 1971.

            ولعمليات الاغتيال تفاوت في درجاتها وفي معناها ومدلولاتها والأشكال التي ترتد بها نظراً إلى دوافعها ومحركاتها وأهدافها.

            وتعريف حادثة الإغتيال: إعتداء يذهب ضحيته شخص أو أشخاص أو ممتلكات عامة أو خاصة بصورة مفاجأة وغير منتظرة من الضحية، والإغتيال لا يعني تلقائياً الإرهاب، وهو نوعان ضد الأشخاص وضد الممتلكات-بالنسف والتفجير-.

            اغتيال الممتلكات غالباً ما يرتكب للثأر مما تمثله هذه الممتلكات أو للثأر من أصحابها كما حصل في الاعتداء الذي وقع على محلات "ماركس أند سبنسر" في لندن لكون أصحابها من الصهاينة. هذا النموذج يمكن إعتباره إرهاباً لأنه يهدف إلى بث الذعر والتهديد لدى أصحابها لردعهم عن مشاريعهم ومواقعهم السياسية وإفهامهم أن الضربة القادمة قد توجه لهم شخصياً إذا لم يرتدعوا. إن عملية التمييز بين كون الاغتيال إرهاباً أو عنفاً تتطلب دراسة الحالة والكشف الكامل لتفاصيلها وأسبابها وأهدافها.

            ومن جهة أخرى يمكن أن يكون الاغتيال للشخصية قد وقع بسبب سياسي ودون أن يعتبر إرهاباً فمقتل "يوليوس قيصر" على يد "بروتوس" يدخل في نطاق المؤامرات السرية والتاريخ مليء بأمثلتها وخاصة في التاريخ العربي الإسلامي، واغتيال رياض الصلح كان إنتقاماً لإعدام انطون سعادة. فاغتيال يوليوس قيصر، واغتيال رياض الصلح ليسا عملاً إرهابياً لأن الهدف توقف عند تصفية الضحية وليس أكثر. ولكن بالمقابل يلجأ الإرهاب إلى عمليات اغتيال بهدف زرع الرعب في نفوس القياديين الآخرين "فمنظمة أيلول الأسود التي اغتالت وصفي التل لم تقم بذلك إنتقاماً فقط بل وأيضاً نشر الرعب لدى من يمكن أن يأتي بعده أو بين مريديه أو في صفوف نظام الحكم، وكذلك حالة إغتيال هزاع المجال ومن قبلهما حادثة إغتيال الملك المؤسس.

            إن الإغتيال رغم أنه في أحيان كثيرة وسيلة يستخدمها الإرهاب، تبقى له خصائصه التي تحول دون إنصهاره تلقائياً في الجسد الإرهابي، الإرهاب والاغتيال تبقيان ظاهرتين تشتركان في وجوه متماثلة ولكن لكل منهما شخصيتها المستقلة عن الأخرى( ).

الإرهاب وحرب العصابات:

            "حرب العصابات" هي مرحلة من الحرب التقليدية ويجب أن تخضع لكل قوانينها، ولكن لا بد لها من قوانين إضافية تتناسب مع خصوصية حرب العصابات. لقد وضع ذلك التوصيف لحرب العصابات "ملك" هذه الحرب "تشي جيفارا" متأثراً بكتابات "ماوتسي تونج" عن الحروب الثورية( ). ثم يُضيف على التوصيف بأنها نضال جماهيري لأن العصابة هي طليعة القتال لشعبها وقوتها مستمدة من سند جمهورها، تعتمد على دعم ومشاركة الجمهور في التموين والسلاح والمأوى.

            ولفظه “Guerrilla” تعني عند البعض المقاومة الشعبية، وعند البعض الآخر تعني حرب العصابات، وهي أصلاً لفظة إسبانية تصغير للفظة الحرب، ويسمى الأفراد المشاركون فيها Guerrillas أي ثوار( ).

            وتعني "حرب العصابات" في موسوعة السياسة أسلوباً من أساليب حرب الشعوب في مواجهة العدو المحتل( ). كما أن مجموعة "غيريلّلا" تعني مجموعة مقاتلين تحارب خلف خطوط العدو فتفاجأه بهجمات متكررة؛ وهي في أحد أشكالها "حرب أعصاب".

            ساهم في مفهوم حرب العصابات أبرز قادتها ومنظموها منهم: "كارل ماركس"، وماوتسي تونج و"لورنس العرب"، والجنرال "جياب" في "فيتنام". تلعب حرب العصابات دوراً مسانداً للحرب النظامية أو دوراً مستقلاً في الكفاح والنضال ضد القوات الغازية( ).

            وحرب العصابات حسب مفهوم الدكتور عبد الناصر حريز هي نمط من الحروب تمارسها قوات غير نظامية في نطاق محدود وعمليات محدودة ضد قوات عسكرية تقليدية( ).

            وحرب العصابات يلجأ إليها الطرف الأضعف فهي سلاحه؛ الأمر الذي يعيدنا إلى الإرهاب الذي فُسر من قبل الكثيرين بأنه أيضاً هو سلاح الطرف الأضعف. إذن هناك قاسم مشترك بينهما وهو "محدودية" الوسائل لدى كل منهما. وتستطيع حرب العصابات أن تمارس الإرهاب بعمليات محدودة لتحقق هدفاً تكتيكياً يستحيل تحقيقه بوسائل أخرى. يقول "تشي جيفارا": "إن لأعمال التخريب قيمة كبرى. ولكن يجب التمييز بين التخريب كوسيلة ثورية وبين الإرهاب الذي هو وسيلة غير فعالة لأنها توقع الضحايا بين الأبرياء وتهلك أناساً تحتاج الثورة لهم. والإرهاب وسيلة قيمة لمعاقبة أحد القياديين في قوى القمع فتصفيته أمر مفيد. ولكن يجب عدم قتل الأشخاص قليلي الأهمية لأن ذلك يؤجج القوى القمعية".

والشعب حينما يحتضن حرب العصابات لعملها الوطني، لا يبدي إلا الذم للعمليات الإرهابية. وهنا يبدو الفرق الكبير بين حرب العصابات والعمليات الإرهابية، أي أن الشعب حاضِنُ للعصابات ورافض للإرهاب. "فالإرهاب لا يتكنه حرب العصابات، فلكلٍ حدوده ووظيفته ضمن الإطار العام للنضال السياسي"( ).

 

التمايز بين الإرهاب وحرب العصابات:

•           من حيث الأسلوب، فالعصابات تمارس مهامها بقوات عسكرية تقليدية وبهجمات مفاجأة مُتّبعةً القاعدة "إضرب واهرب"، فتهاجم الجيش والشرطة والمقرات الرسمية. بينما تغلب العشوائية على العمل الإرهابي فلا يفرق بين مدنيين وعسكريين ولا يركز على المؤسسات الرسمية أو القوات العسكرية.

•           تضرب العصابات العدو بالتركيز على تواجده في الغابات والمناطق الجبلية والمستنقعات ومفارق الطرق. بينما يضرب الإرهاب في المناطق الحضرية في المقاهي والأندية والملاهي ووسائل النقل العامة.

•           تركز العصابات على القوات المسلحة والمتعاونين معها، بينما يركز الإرهاب على غير العسكريين كركاب الطائرات وأطفال المدارس أو رجل دين أو مواطن عادي أو وزير.

•           تسعى العصابات إلى دحر العدو الغازي وتضييق مساحات تواجده تمهيداً ومساعدة على التخلص منه، بينما يهدف الإرهاب إلى الإعلام وإثارة المشاعر وإرسال رسالة سياسية للتأثير على السلوك السياسي للدولة.

•           رجال العصابات عادة ما يتحولون بعد نهاية الحرب إلى الجيش النظامي مثلما وقع في الصين وفي كوبا وفيتنام وكمبوشيا فالقانون الدولي يعاملهم كمحاربين ويستحقون معاملة الأسرى. بينما لا يتمتع الإرهابيون بذلك حسبما أُقر في المؤتمر الدولي السادس سنة 1935 في كوبنهاجن، وحسبما جاء في الاتفاقية العربية لتسليم المجرمين( ).

الكفاح الوطني والإرهاب:

            نلاحظ أن هناك خلطاً-وفي معظم الأحيان مُتعمداً-بين الإرهاب والكفاح الوطني رغم أن قرارات الأمم المتحدة جاءت واضحة في إقرار حق الشعوب في الحصول على حقوقها بمختلف الوسائل بما في ذلك إستعمال القوة. والخلط ناتج من أن الطرف القوي لا يقبل بالطرف الضعيف ولا بحقوقه ولا يعامله إلا بالقمع والقتل والاستغلال والتشريد؛ ولا يترك مجالاً للأمل لدى الضعيف إلا اللجوء إلى الدفاع عن حقوقه مستخدماً العنف حين اللزوم. وهو لازم في جميع الحالات. والغريب الذي يصل إلى حد التناقض مع الذات هو أن كفاح الشعب الأمريكي للحصول على إستقلاله هو أمر مشروع، وكفاح الشعوب الأوروبية ضد إحتلال النازي أمر مشروع أيضاً-وهو بالفعل أمر مشروع- بينما كفاح شعوب العالم الثالث ضد النفوذ الغربي عموماً هو أمر غير مشروع بل هو إرهاب ولسان حالهم يقول "حلال عليَّ حرام على غيري"، ويتجسد التناقض بشكل صارخ في نظرة معظم المجتمع الدولي إلى نضال الشعب الفلسطيني. فيعتبر ما تقوم به إسرائيل في قمع وذبح وتهديم وتجريف كل شيء فلسطيني أمراً مشروعاً ويقع في إطار الحرب المشروعة ضد الإرهاب. ولبُّ مشكلة الإرهاب هو هنا في الموضوع الفلسطيني والحق المشروع في الكفاح، وفي القمع الإسرائيلي للإنسانية في فلسطين.

            وللتمييز العلمي بين الكفاح والإرهاب نتطرق إلى:

* الطابع الشخصي: هناك إقبال شعبي نابع من الشعور الوطني والحس الطبيعي لدى الإنسان للانخراط في صفوف المقاومة ضد المحتل المعتدي، لا بل من العار على الإنسان أن يقف متفرجاً أو غير مبال بفظائع الاحتلال؛ والشهادة يستعذبها المسلم في سبيل دينه وأمته ووطنه؛ والجهاد أحد أركان الإسلام. وبالمقابل فالعمل الإرهابي عمل معزول شعبياً بل ولا يُقْبِل عليه أي مواطن شريف، ولا يمثل الإرهابيون أية شريحة في المجتمع وهم فئة قليلة منبوذة( ).

•           الحس الوطني: يندفع المواطن إندفاعاً طبيعياً للوقوف مكافحاً في سبيل وطنه، تلك هي أسس التربية الوطنية في جميع بلدان العالم( )، بينما ينطلق الإرهاب من أفكار مقبولة عنده ولا علاقة لها بالصالح العام ولا بالحس الوطني. ولا بد من التحذير هنا من عدم الوقوع بالخلط بين الإرهابي والمكافح الوطني، فالإرهابي فرد ممجوج مكروه لا وطنية في أعماله.

•           عدو الحركة الوطنية: إن العدو الذي تكافح ضده القوى الوطنية هو المعتدي على الوطن سواء بالاستعمار أو بالاستغلال المباشر أو المقنع بأي شكل من أشكال الأقنعة الحديثة، والأمر لا ينطلي على الشعوب. أما العدو بالنسبة للإرهابي فهو هدف داخل المجتمع أو خارجه لأستغلاله رمزياً من أجل إرسال رسالة تحمل مطالبهُ غير المشروعة.

ويبقى دائماً الفارق الأهم بين الكفاح والإرهاب هو المشروعية والشرعية حسبما تأكدت في القانون الدولي وحسبما جاءت في آراء الفقهاء القانونيين. لا سند شرعي للإرهاب فهو فاقد للشرعية وجرائمه مستثناه من الجرائم السياسية( ).

            لاحظنا في مراحل سابقة من هذا البحث أن الإرهاب لا يقتصر إرتكابه على الأفراد والجماعات بل فالدول نفسها تقوم به وتمارسه، فالغزو الإسرائيلي للبنان سنة 1982 يقع في دائرة جرائم الإرهاب رغم إعتراض البعض على ذلك بل وبه عدة جرائم دولية أخرى فهو جريمة "عدوان"، ثم فيما بعد إرتكبت إسرائيل جرائم القتل الجماعية في معتقل الأنصار ومعتقل الخيّام خرقاً لقواعد القانون الدولي الإنساني.

            كما أن سلوك إسرائيل في قمع إنتفاضة الشعب الفلسطيني لا يقع فقط ضمن جرائم الإرهاب بل يقع في إطار مجموعة إنتهاكات لقواعد القانون الدولي الإنساني ومن جانب آخر فإن ما قامت به حركات الكفاح الفلسطينية خارج فلسطين تم تصنيفها بين أعمال الإرهاب، كالهجوم على استاذ ميونخ وإختطاف الطائرات وتمت محاكمة الفلسطينيين الذين تم إلقاء القبض عليهم من الذين قاموا بتلك الأعمال رغم القصد السياسي الواضح منها. ولكن هذه الأعمال كانت السبب المباشر في تعريف العالم بالظلم الواقع على الفلسطينيين الذي لا مثيل له في التاريخ، كما أنها "كانت السبب الحقيقي لاعتراف الأمم المتحدة بالشعب الفلسطيني وقضيته وبمنظمة التحرير، وليس –كما يرى البعض- بفعل الخطب والمؤتمرات ولا حتى بسبب القرارات الدولية المختلفة"( ).

            وفي مثل هذه الحالات من الكفاح-رغم البواعث السياسية له، تمت محاكمة المناضلين كمجرمين عاديين ففقدوا حقهم السياسي لأن الصفة السياسية منزوعة عن الفعل الإرهابي-يجب التوقف ملياً عند "السياسة فيها توخياً للموضوعية رغم ما فيها من إرهاب". والأهم هو عدم التقصد بالإساءة إلى عدالة القضية الفلسطينية. نقدر تعقيدات الأمر وتناقض وجهات النظر؛ ولكن لجوهرية القضية ودورها في السلام والأمن الدوليين فهي تستحق التوقف عندها ملياً.

            صحيح أن "المصلحة" هي محرك السلوك السياسي للدولة في اتخاذ الموقف سواء تطابق أو لم يتطابق مع مفهوم العدالة، وصحيح أن القوة هي التي تعطي الشرعية لمن ليس له حق وتساعد الظالم على المظلوم، ولكن الأصح من الصحيح هو أن الحق لا يموت، وما مات حق وراءه مطالب. لينظر هؤلاء ما جرى في مؤتمر "دربن" في جنوب افريقيا سنة 2001 وليتوقفوا ملياً عند الرأي العام الذي قهر حياء الكثير من الحكومات ووصم الصهيونية بالعنصرية-أعاد بذلك قرار الجمعية العامة الذي محته أيضاً الجمعية العامة وهي تمثل رأي حكومات طبعاً-رغم أن هذه الحكومات قيمت إسرائيل بأنها نظام يُمَثِّل أرقى درجات الديمقراطية والحرية.

تعريف الجريمة الدولية:

            القانون الدولي الجنائي هو ذلك القسم من القانون الدولي الذي يحدد العقوبة ضد سلام وأمن البشرية بالنص على الجزاءات وتحديد شروط مسؤولية الأفراد والدول وغيرها من التنظيمات الدولية بهدف الدفاع عن النظام الدولي. وكان الفضل في بلورة ملامح هذا القانون لمحاكمات مجرمي الحرب العالمية الثانية من النازيين الألمان واليابان على ما ارتكبوه من جرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، في محكمة نورمبيرغ في ألمانيا ومحكمة طوكيو في اليابان سنة 1945م( ).

            والاتفاقيات الدولية والعرف الدولي تشكلان مصدر "القانون الدولي الجنائي"، بينما القانون "الجنائي الدولي الداخلي" يتعلق بالعقوبات الداخلية ويحدد إختصاص السلطة في مكافحة الجريمة الداخلية ذات الطابع الدولي، ولكل دولة تشريعاتها الداخلية التي تبين الجريمة وعقوبتها.

            وتتحقق الصفة الدولية للجريمة إذا لامست المصالح والقيم التي يحميها المجتمع الدولي أو تشكل خطورة على مَرَافِقِه، أو إذا كان الجناة ينتمون إلى أكثر من دولة أو إذا كانت الجريمة ضد أشخاص يتمتعون بحماية دولية. وليس شرطاً لدولية الجريمة أن ترتكبها دولة ضد أخرى، أو أن تكون الدولة مدبرة أو محرضة عليها. والجرائم التي ترتكب أثناء الحرب أو بسببها هي جرائم دولية يُحاكم مرتكبوها سواء كان إرتكاب الجريمة بناءً على أوامر من الدولة إلى المجرم أو قام بها من تلقاء نفسه. وتعتبر القرصنة من الجرائم الدولية-ولا علاقة للدولة بها-لأنها إرتكبت في المياه الدولية( ).

            أما العلاقة بين الإرهاب والجريمة الدولية، فهناك شبه إجماع على أن الجريمة الإرهابية هي جريمة دولية بغض النظر عن مكان إرتكابها والأطراف التي إرتكبتها لأن أثرها لا يقتصر فقط على مكان محدد أو أشخاص بالذات ولا حتى على حقبة زمنية دون غيرها( ).

التطرف:   التطرف هو مصدر الفعل تطرّف، وتطرّف الشيء صار طرفاً (تاج العروس مادة طرف). قال الراغب: "طَرَفُ الشيء تعني جانِبُهُ ويُستعمل في الأجسام والأوقات وغيرها (المفردات للراغب الأصفهاني، مادة طرف). وعادة يكون طرف الشيء بعيداً عن الحماية بخلاف الوسط، "والتطرف" و"التنطع" و"التشديد" هي ألفاظ لها نفس المدلول كما جاءت في نصوص القرآن والسنة والآثار( ).

            وعرف التطرف في لغة العرب بأنه مجاوزة الحد والخروج عن القصد في كل شيء فهو نقيض "التقصير". وأصله في المحسوسات الوقوف عند الطرف بعيداً عن الوسط كالتطرف في الجلوس أو المشي، ثم انتقل إلى المعنويات كالتطرف في الدين والفكر والسلوك( ).

            والمقصود بالتطرف هو إعتقاد إنسان أو مجموعة من الناس أنها تحتكر الحقيقة، وهي فقط على حق وصواب، والغير هو على باطل وخطأ، ولذلك فهي جادة في فرض رأيها على الآخرين بجميع الوسائل وبدون أية ضوابط، "والإرهاب أحد وسائلها لفرض معتقدها وتنفيذ مآربها"( ).

            لم تَخْلُ في أيامنا صحيفة أو نشرة أخبار في الراديو أو الفضائيات من حوادث خرق سببها التطرف المتزايد حدة باستمرار. وفي إسرائيل أخذ التطرف مداه وبلغ أبشع صوره حين قُتل رئيس الوزراء "رابين" من قبل المتطرفين اليهود وهو بطل الكثير من حروبهم؛ فلا يأبهون ولا يكترثون بتاريخه بل تناسوه عندما أراد السير في طريق السلام خلافاً لمعتقدهم وسياستهم فهم عندما يقتلون" ينفذون أمر ربهم وعندما يغتصبون إنما يستردون ما وهبه لهم إلاههم "يهوه"( ).

            ويبدو أن المتطرفين مقتنعون بأنهم وكلاء الله على الأرض، يكفرون من يشاؤون ويحاكمون ويحكمون غيابياً وينفذون أحكامهم فيزرعون الفوضى والدمار والخراب( ).

في فرنسا بلد الحريات ومبادئ الثورة الفرنسية في الحرية والإخاء والمساواة هناك من يثور ضد النساء المحجبات، وفي ألمانيا تطل النازية الجديدة، وفي أمريكا لا يتوانى شرطي أبيض حين ينفرد بسائق أسود البشرة بالإنهيال عليه بالضرب المبرح، وفي الهند يقتل الهندوس المسلمين، وفي إسرائيل يتخفى الفلسطيني الذي يقوم بتفجير نفسه ليفجر حافلة ركاب مليئة بالمدنيين بثياب رجل دين يهودي متشدد متطرف. تلك هي صور عن المتطرفين الذين لا يخلو منهم مكان أو زمان، إنما في هذه الأيام تبدو أكثر إستشراءً بسبب ترويج وسائل الإعلام لها-جرياً وراء السبق الإعلامي أو قصداً لنشر وترويج الثقافات الخبيثة-من جهة ولسهولة الحصول على عمل وسائل التخريب من جهة أخرى. ومع ذلك فالمتهم الأول الذي توجه إليه كل أصابع الإتهام من مختلف أرجاء المعمورة هو الإسلام والمسلمون؛ لأن السيطرة كاسحة للإعلام المعادي! ولا تُنسى تلك النصيحة التي قامت مدرسة فرنسية بتقديمها لذوي الطفل "إسلام" بضرورة تغيير إسمه هذا إلى إسم آخر حتى يتجنب إزعاجات زملائه من الأطفال الفرنسيين.

"والإسلام أُقحم في موضوع التطرف والإرهاب إقحاماً لأن الأجهزة الأمريكية مخترقة من قبل الصهاينة وهذا أمر مُبيت". مناهج التعليم في العالم الإسلامي هي أكثر مناهج العالم تسامحاً، ورئيس وزراء إيطاليا هو نتاج مناهج متعصبة خاطئة"( ).

والتدين يختلف عن التطرف. التدين يعني الالتزام بأحكام الدين والسير على مناهجه وذلك أمر مرغوب لما فيه من خير للفرد والمجتمع ويستدعي الدعم والتأييد وليس المطاردة، وبعكسه التطرف الديني الذي يعني الإغراق الشديد بالأخذ بظواهر النصوص الدينية على غير علم بمقاصدها فيسيء فهمها إلى درجة "الغلو" المستنكر دينياً. والوصف الصحيح "للتطرف" برأي د. محمد سليم العوا هو "الغلو" وهو اللفظ الذي إستعمله القرآن الكريم( ). لقد نهى الله أهل الأديان السابقة على الإسلام عن الغلو في موضعين في الكتاب الكريم: "يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق"، سورة النساء (17). وفي سورة المائدة (77) "قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا هواء قوم ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا سواء السبيل".

وإذا كانت "الجريمة" هي خروج عن القواعد القانونية والاجتماعية، فالتطرف هو حركة في إتجاه تلك القواعد ولكنها تتعدى الحدود التي رست عليها القاعدة ورضى بها المجتمع.

والتطرف شيء والإرهاب شيء آخر. يفترض التطرف أن هناك "وَسَطاً" متفقاً عليه يمثل الاعتدال؛ والابتعاد عن هذا "الوسط" إلى الطرف سواءاً أقصى اليمين أو أقصى الشمال يُعد "مُروقاً" أو "إنحرافاً". والعبارة الشهيرة التي صاغها فلاسفة اليونان تقول: "الفضيلة وسط بين طرفين إفراط وتفريط؛ والشجاعة وسط بين التهور والجبن؛ والكرم وسط بين البخل والتبذير".

فالإنحراف إذا أخذ مداه أصبح تطرفاً لأنه ابتعد عن الوسط، والمتطرف إعتنق أفكاراً قد تكون خاطئة أو مائلة عن القصد والقصد هو الطريق الواسع الميسر للسلوك. ويبدأ هذا الموقف بالعزلة والمقاطعة وبالردّة والعودة إلى الجاهلية لا يلبث أن يتحول إلى مرحلة التطرف الفكري ثم إستعمال العنف ضد الغير. ويرى المتطرف أن هدم المجتمع ومؤسساته هي جهاد في سبيل الله وتقرب إليه بحجة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ثم يخرج عن حدود الفكر إلى فضاء الجريمة ويتحول إلى إرهابي، قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً".

فالتطرف إن كان دينياً أو عقدياً من نوع آخر يشكل الوجه الآخر للعملة التي وجهها الأول الإرهاب. فالتطرف لا يكتفي بالوقوف عند العقيدة بل يتجاوزها للممارسات اليومية ليصبح سمة للعلاقات. وقد وصل عنف التطرف إلى حد قتل الأب لإبنه، وقتل الإبن لأبيه. هناك الأب المتطرف، والمدرس، والرئيس، والرجل السياسي الذي لا يقبل بالحوار ولا بالرأي الآخر( ).

العنف السياسي: بدأ العنف مع الإنسان منذ بداية الخليقة وذلك حين إستبعد "قابيل" أخاه "هابيل"، ورفض الإقتناع بالقاعدة حينها التي تحرم زواج التوأم التي بها بدأت قاعدة المحارم. فالعنف من سمات الطبيعة البشرية يظهر في جميع مظاهر التعبير عنها. ويتسم به الفرد كما تتسم الجماعة أيضاً. والعنفُ يبدأ حين يتوقف العقل عن قدرة الإقناع أو الاقتناع فيلجأ حينها صاحب العقل هذا إلى وسائل الإقناع المادية باستبعاد الآخر من أمامه إما مؤقتاً بشلّه أو نهائياً بإنهائه. فالعنف يكون دائماً حين يعجز العقل عن الاقناع؛ ويبدأ بالعجز عن الإدراك والفهم أي عن ممارسة عمله الأساسي وهو إستيعاب ما حوله وفهمه، فثمة إذن عجز من العلم والفهم والحجة فينغلق العقل على الهوى والطمع. ومتى إنغلق العقل إنطلقت اليد.

            لذلك نلاحظ على جميع أنواع العنف مهما كانت إدعاءاته العنصرية أو الدينية أو اللغوية أو العرقية، التشنج والانغلاق-رغم وجود الأدلة ضده-والعجز عن الحوار مع الغير، لأن الحوار مع الذات مقطوع في الأصل فتسيطر غريزة فرض الإدعاء بالقوة باعتبارها حجة لا تحتاج إلى دليل. ونظرة فاحصة إلى مرتكب العنف تبين عليه تشوه العقل والنفس في الوجه وفي الفكر( ).

            انتشر العنف حالياً؛ يمارسه أفراد ومنظمات ودول وتعتدي على الغير المختلف عنصرياً أو جنسياً أو دينياً أو ثقافة؛ وتبالغ في الاعتداء بحجة الدفاع المزعوم عن النفس؛ وتحتكر لنفسها تحديد القيم وتفسير النصوص والانفراد بالحق. كل ذلك في الوقت الذي لا يوجد فيه دين أو أخلاق أو قانون إلا ويحظر القتل والاعتداء على النفس والمال والتدمير حتى ويحظر السب والشتم. وتتأجج ظاهرة العنف حدة حينما يطغي اليأس وبؤس النفس بانغلاق العقل والقلب من شدة التدهور والبؤس المادي.

            إن إعتبار العنف عملاً فعالاً لا يؤدي أبداً إلى التوصل إلى حلول للمشاكل الاجتماعية والسياسية، والأسوأ من ذلك أن الشفاء صعب من الجراحات التي يحدثها لأن العنف لا يؤدي إلا إلى العنف( ) والذي يزيد الطين بلةً إستشراء "المفهوم الوحشي" للسياسة على المفهوم "المدني" لها( ).

            والعنف كما جاء في "لسان العرب" هو الخرق بالأمر وقلة الرفق به. وهو ضد الرفق وكل ما في الرفق من خير ففي العنف من الشر مثله. والتعنيف هو التوبيخ والتقريع واللوم. وهناك عنف عشوائي بدون تمييز وهو شر بلا نقاش، وهناك عنف هادئ يريد مستخدمه ردع الظلم أو إسترداد الحق أو تأديب الآخر ممن تحت ولايته وهو نوع مقبول من العنف، وبمقدار ما يكون قتال الأعداء شرفاً ونبلاً، فإن إستخدام العنف ضد الأخ وضد المواطن لتسعير الاقتتال جريمة لا تغتفر( ).

            والعنف ليس صفةً يتميز بها العرب عن غيرهم كما تصورهم وسائل الإعلام الغربية المغرضة وكأن العنف مزروع في الجينات العربية. وإذا كان العرب مسؤولين عن جزء من هذه التهمة فالغرب ليس بريئاً من زرع هذه الصفة في المنطقة العربية بما بذره من بذور للصراعات الدموية والتي شارك واحتضن نموها وترعرعها. والنزاع العربي الإسرائيلي يكاد يصرخ وهو يشير بالإتهام إلى صانعه الذي هو الغرب بأكمله وكذلك حرب الخليج وحروب لبنان( ).

            وينقسم العنف إلى عنف اللسان أو التعبير الذي لا يقل إيلاماً عن العنف الجسدي، فهو يُخرسُ كل حوار ويُميت الفكر بالإتهامات التي يقذفها تكفيراً وتخويناً. "هناك حروب إبادة كلامية لإبادة الفكر". وحرمان الإنسان من إشباع حاجاته ومن حقوقه الأساسية هي عنف آخر. وهناك عنف الدولة غير المشروع ضد رعاياها أو غيرهم إضافة إلى عنفها المشروع المقنن لتطبيق القانون وحفظ الأمن. العنف ظلم يخرب كل البنيان.

            والظلم والاستغلال والطغيان تشكل ينابيع العنف ولا بد من القضاء عليها أولاً لتمهيد الطريق للقضاء على العنف أو تقليصه كما اكتشف كل باحث موضوعي( ). والعنف مبرر فقط في حالتين، حينما يقع إعتداء على الوطن فالدفاع عنه حق شرعي، وحينما يكون إعتداء على حقوق الإنسان فالدفاع عنها أيضاً حق شرعي وفي كلا الحالين يشترط عدم التعرض للمدنيين الأبرياء، ولا ننسى أن للسلطة حق إستعمال العنف حسب الأنظمة والقوانين( ).

            ويمكن أن يُعَرَّفَ "الصراع" بأنه التصادم والتعارض بين طرفين أو أكثر بسبب إختلاف في المصالح والقيم، فتنخرط الأطراف في سلسلة من الأفعال وردود الأفعال القهرية بهدف إلحاق الضرر والأذى بالطرف الآخر مع إصرار كل طرف على تعظيم مكاسبه وتأمين قوته عل حساب الأطراف الأخرى"( ). والفرق الجوهري بين الصراع والعنف في أن الصراع أوسع من العنف، والعنف يشكل إحدى آليات إدارة الصراع وحسمه، فالعنف هو مظهر للتعبير عن الصراع، والإرهاب شكل من أشكال العنف وشكل من أشكال الصراع ويرمي كل خصم خصمه بالإرهاب، الأمر الذي أثار الخلط واللبس والتخبط، والذي زاد الأمر تعقيداً استخدام الإرهاب بانحيازات قيمية وأيديولوجية وسياسية فأصبح يُقدفُ صَفة" في وجهِ جهةٍ مُعينةٍ كسلاح دعائي للتشويه ولتبرير الانتقام منها( ).

            والعنف ظاهرة "عدمية" ولا مرجعية قيمية أو دينية أو وضعية تحبذه أو تحث على استخدامه إلا الأيديولوجيات التدميرية ورموزها كما هو حال "الشارونية" و"البنلادنية". إن الشارونية والبنلادنية أيقظت العالم مفزوعاً في محاولةٍ جادة للبحث عن الوسائل الناجعة للحد من العنف العسكري والاقتصادي والسياسي والثقافي والفني الذي يمارسه الإنسان ضد أخيه الإنسان( ).

            وقد يختلط "العنف" السياسي في إذهان البعض "بالإرهاب" بسبب التقارب الشديد بينهما إذ أنهما يسعيان إلى تحقيق مقاصد سياسية، وكل منهما يستخدم أو يهدد باستخدام وسائل عنيفة وغير مشروعة لتحقيق تلك المقاصد الأمر الذي يعتبر خروجاً عن القيم والعلاقات المألوفة والمتعارف عليها.

            والعنف ملازم للإنسان منذ البداية، فحيث هناك خلاف ونزاع بين بني البشر فهناك أيضاً العنف. ويختلف العنف من مجتمع إلى مجتمع ومن حضارة إلى أخرى تبعاً للقيم السائدة. مثلاً في بعض الأدغال الإفريقية يعتبر تقديم الأضحيات البشرية أمراً عادياً وليس عنفاً في حين أن التنافر بين البشر يعتبر جرماً لا يُغتفر. إن ذبح بقرة في الهند عند الهندوس يمثل قمة العنف، بينما ذبح بقرة في المجتمع الإسلامي أمر عادي. فالعنف يختلف باختلاف القيم والمعايير في المجتمعات المختلفة.

            وتشهد المجتمعات المعاصرة بروز علم خاص بالعنف وهو “Violencology” كفرع مستقل من المعرفة تقوم بتدريسهِ المعاهد والمؤسسات الحكومية والأسباب الدافعة لذلك:

-           تكاثرت نشاطات الدول فخرج البعض منها عن المهمة الأساسية للدولة بالتورط في مهام ليست محمودة.

-           هناك فجوة تتفاقم بين طبقات المجتمع تخصب الصدام.

-           تقدم التكنولوجيا وتطور إنتاج آلات العنف وتقدم تقنيات الاتصالات.

وإذا كان العنف السياسي قد تبلور وارتبط بالدولة؛ فالعنف الاجتماعي سبق ظهور الدولة وأوسع من العنف السياسي ففيه ظواهر القمع والقوة في مختلف مجالات الحياة بما فيها العنف السياسي. والعنف السياسي هو اللجوء إلى القوة ضد الأفراد خرقاً للقانون بهدف تغيير في نظام الحكم أو أشخاصه؛ كما أنه يتضمن أفعال التدمير والتخريب وإلحاق الضرر والخسائر في أهداف محددة لإحداث نتائج ذات لون سياسي. وهو تدخل في حرية الآخرين لحرمانهم من حرية التفكير والرأي واتخاذ القرار لتحويلهم إلى وسيلةٍ في مشروع. وتتنوع أنماط العنف السياسي كعنف مبرر أو غير مبرر، عنف مشروع أو غير مشروع، عنف مباشر أو غير مباشر، عنف نفسي أو عنف هروبي.

            وينتمي إلى العنف المشروع كل استخدام للقوة لإحقاق حق ورفع الظلم، كطرد الاحتلال بالقوة. أما العنف غير المشروع فهو استخدام القوة للاحتفاظ بحق مزعوم كالقوة التي تمارسها سلطة من قمع وتنكيل بالمعارضين( ).

            إن عامل النزاع المصاحب دائماً للمضمون السياسي من شأنه خلق حالة دائمة من العنف، وفي الأوقات الراهنة القائمة على "التقنية" تقوى إغوائية العنف لما لها من خاصيَّة الفعّالية، وبالذات لدى الدول الأقوى التي تستخدمه بشكل صريح أو مستتر لفرض سيطرتها. ومن المؤكد أن الدول التي يبدو أن العالم واقع في حوزتها ما كانت لتصل إلى ما هي عليه من هيمنة إلا بمهاراتها في توسل العنف بشكلٍ مُؤسسي في طريقةِ التفكير والعمل والإنتاج والإستهلاك( )؛ فإذا كانت السياسة نشاطاً اجتماعياً لتنظيم الأفراد والجماعات داخل الكيان السياسي وتأمين المصلحة والرفاهية له، فهي تعتمد على القوة في تأمين الاستقرار الداخلي والقدرة على ردع العدوان الخارجي، فالقوة هي المرتكزات التي تقوم عليها السياسية؛ والقوة تعني العنف الموزون-مبدئياً-المدعوم بالقانون والأنظمة.

            وإذا كانت السياسة إتخذت معنى "فنُّ الممكن" لفترة طويلة، فالآن هي ليست كذلك، إنها وبكل فظاظة "تحقيق المصلحة" تحقيقاً مجرداً مطلقاً وبمعزل عن أية توصيفات تجميلية. ذلك يضفي على السياسة معنى لم يكن سابقاً مما يجعلها تقترب تماماً من "الإرهاب السياسي".

وللتمييز بين الإرهاب والعنف السياسي:

•           هدف الإرهاب هو الدعاية لقضية ما وجذب الرأي العام لها ولأبعادها المختلفة، وهذا ليس موضوع إهتمام العنف السياسي.

•           يحرص الإرهاب من خلال العنف على تجاوز الهدف المباشر إلى أفراد وطوائف أخرى عبر رسالة يرسلها أو إيحاء يفرضه. بينما العنف السياسي ذو هدف مباشر دون التركيز على المؤثرات النفسية ودون الرمزية التي يتميز بها الإرهاب.

•           يركز الإرهاب على قلب وعقل الجماهير للتأثير على سلوكهم وهذا ليس وارداً في صور العنف السياسي الأخرى.

•           ينظر إلى الإرهابي كمجرم عادي بدون مراعاة بواعثه أو أهدافه السياسية، وذلك على النقيض من النظرة إلى مرتكب العنف السياسي حيث يؤخذ بالإعتبار بواعثه وأهدافه حين المحاكمة والعقوبة( ).

•           يعتمد العمل الإرهابي كثيراً على إستغلال وسائل الإعلام في الوصول إلى أهدافه وتوصيل رسالته وهذا ليس أمراً جوهرياً لدى معظم أشكال العنف السياسي الأخرى.

•           في معظم الأحيان يتجاوز أثر الإرهاب الإقليم إلى الفضاء الدولي، بينما تبقى آثار العنف السياسي الأخرى محليةً ونادراً ما تتوسع إلى الإقليم( ).

•           هناك قيم في الإرهاب، إذ هنالك مَن يعتبره نضالاً وكفاحاً للدفاع عن الحرية، وهناك مَن يجرده من أية قيم نبيلة. وهذا الجدل لا يرافق صور العنف السياسي الأخرى( ).

 

تصميم وتنفيذ
مركز عمان لدراسات حقوق الإنسان 2007