الدكتور خالد عبيدات

عودة إلى الصفحة الرئيسية

الفصل السادس:
 أ- الإرهاب وصراع الحضارات
ب- الإرهاب والعولمة

تعريف الحضارة:
 عَرَّفَ قاموس اكسفورد تحضَّرَ
to Civilize بمعنى الخروج من الحالة البربرية إلى حالة بناء دولة بكامل تنظيماتها. وعرّف حضارة Civilization بأنها مرحلة متقدمة من التطور الإجتماعي.

            والحضارة كما قال "فرويد" "هي مجموع الإنجازات والقواعد التي تُميّز حياتنا عن حياة أسلافنا والتي تهدف إلى حماية الإنسان من الطبيعة وتكوين منظومة للسلوك لعلاقات سعيدة بين الإنسان وأخيه الإنسان.

            وعَرَّفَ الدكتور "مراد وهبي" في معجمه الفلسفي الحضارة تعريفاً أكثر عمقاً     -ربما بسبب بعده الفلسفي- بأنها "الحالة المقابلة للفطرة. وتطلق على جملة من مظاهر التقدم الأدبي والفنَّي والعلمي والتقني تنتقل من جيل إلى جيل في مجتمع واحد أو عدة مجتمعات متشابهةٍ، فنقول الحضارة العربية الإسلامية، أو الحضارة الصينية أو الحضارة الأوروبية …". فالحضارة "محضن" تاريخي جغرافي فكري علمي ثقافي يتزايد وينمو جيلاً بعد جيل؛ تتفاعل هذه المكونات فكراً وثقافة وعاداتٍ وقيماً وتقاليد وعباداتٍ وكل ما ينعكس عنها من أساليب في التعامل والحوار والفن والإبداع والمعاملات والأزياء واللغات. وتتراكم جميعها وتنصهر في هذا المحضن، فينصهر الجديد مع القديم والسلبي مع الإيجابي والعلمي والمعرفي، المنقول والمبتكر لتنتج فيما بعد سبيكة واحدة تبقى دائماً قابلة للتجديد والتطوير. فالحضارة كأنها المعدة المعافاة التي تعمل باستمرار فتهضم ما ينزل فيها لتجري عليها بعد كل التفاعلات عملية إمتصاص ينضمُّ نَتَاجُهُ إلى خلايا نسيج الجسم لتستمر حيويته وشبابه( ).

            وإذا وفرنا الجهد للإطلاع على التعريفات والتخريجات لعلماء الإجتماع والانثروبولوجيا والثقافات المقارنة والفلسفة والتاريخ والسياسة فبالإمكان القول إن الحضارة: هي الإسهام المادي والمعنوي الذي يقدمه شعب للتراث الإنساني في حقبة زمانية معروفة. ويحتوي ذلك التقديم على: الفكر والقيم التي تحدد سلوك الإنسان مع الإنسان ومع المحيط الطبيعي، كما يحتوي أيضاً على ما أسهم به ذلك الشعب من إثراءٍ للوجدان البشري وإثراءٍ للعلوم والفنون والثقافة وفي مساعدة الإنسان على النجاح في التعامل مع المشكلات المادية التي تواجهه في علاقاته مع الطبيعة( ).

 

الإرهاب لقيط لا نسب له:

            سيبقى الإرهاب ظاهرة نعيشها زمناً طويلاً فالإحصائيات المتوفرة تشير إلى أنه يتصاعد كماً ونوعاً وتتزايد ضحاياه. ورغم توفر الوسائل التقنية لمكافحته إلا أن المنظماتِ الإرهابيةَ قد إستخدمت التقنيات بنجاح في أعمالها مما أدخل إلى مراكز الدراسات والأبحاث مصطلح "إرهاب ما بعد الحداثة"( ).

            وشهد القرن العشرون وخاصة في عقوده الأخيرة كل صور العنف التي حاول الباحثون تأطيرها قدر الإمكان. فتوالت الحروب دون توقف، وكذلك الحروب الأهلية، وكفاح حركات التحرر وغيرها من صور الإقتتال غير المنظم؛ وتوالت بالتوازي مع تلك النزاعات صور العنف غير المسلح كالعوز والبطالة والإستبداد. وتحكمت حفنةٌ في مصير دولٍ وبمصير شعوبها. فكان القرن الماضي حقاً قرناً دموياً طفحت دماؤه لِتُغْرِقَ مطلع هذا القرن، ووصلت فيه حدة تناقض المصالح إلى قتل إنسانية الإنسان. وتخَّبط دور الحضارة وكأنه لا وجود لها في هذا العالم لتصبح "المدنية" هي الغاء الآخر والسيطرة عليه. والأنكى من كل ذلك أنه حتى المحاولات التي أفرزتها الحاجة الماسة لقمع أشكال هذا العنف- أو كبحه وذلك أضعف الإيمان- جاءت "مُعَوَّقةً" وعلى شكل "شركات إحتكارية" يحق لصاحب الحصة الأكبر الصوت الأعلى والنافذ. فأصبح عالم اليوم ضحيةً لعدة براكين ما إن يخمد أحدها حتى يثور الآخر وأضحى التعايش مع العنف قدراً ينال الجميع أينما كانوا وكائناً من كانوا( ).

            ووسط شلالات البحث والمقالات والمواقف التي إنبرت للسباحة في محيط حدث 11/9 الهادر والتي أشارت في معظمها إلى أن العالم الإسلامي بدينه الإسلامي هو المنبع المفرّخ للإرهاب على الكرة الأرضية وبشكل تلقائي؛ فكأنها خلعت عن نفسها "وقار ورصانة البحث" وعامت عارية من القيم يسيرها الحقد، اللهم باستثناء القلة من الباحثين الذين سلطوا الأضواء على أن الإرهاب ليس لصيقاً بمجتمعات دون غيرها ولا بدين دون غيره؛ ولكنه يمكن أن يوجد في أي مجتمع إذا ما توافرت الظروف المنتجة  له ويمكن أن ينتقل إلى أي مجتمع بأسرع مما إنتقل فيروس الإنفلونزا بل وبأسرع مما إنتقل مرض السيلان( ). إنه لقيط لا نسب له ويبدو أنه لا يدَّعي شرف الإنتساب، بل نجد بعضهم يريد لصقه بشعب ما أو حضارة ما‍‍!!

من ضمن هؤلاء الكتاب القلة، كتب "جورج مون بايوت" في "الجارديان" البريطانية الصادرة 30/10/2001، متسائلاً بسخرية عما يمكن أن يفعله الرئيس الأمريكي بذلك "المركز" الذي يُخرِّج الإرهابيين والموجود في ولاية جورجيا منذ خمسة وخمسين عاماً والذي خرّج حتى الآن ستة آلاف قاموا بدورهم في الحروب القذرة، وهل سيستهدف الرئيس الأمريكي الدولة الراعية لهذا المركز ضمن حملته ضد الإرهاب!! وفي نهاية مقالته قال الكاتب "ربما نستطيع إقناع حكومتنا البريطانية بالضغط دبلوماسياً على واشنطن وأن تطلب منها تسليمها قادة المركز لمحاكمتهم بتهمة التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية. وإذا لم ترضخ الولايات المتحدة فسنطلب إذن من حكومتنا أن تهاجمها عسكرياً وأن تدمر قواعدها العسكرية ومطاراتها في محاولة للإطاحة بحكومتها غير المنتخبة وتبديلها بحكومة تحت إشراف الأمم المتحدة، وإذا إنزعج الشعب الأمريكي لذلك فستسترضيه بإلقاء فتات الخبز وعلب البيرة والمعلبات من الجو في عبوات لا تنكسر ومرسوم عليها العلم الأفغاني وتحته بعض العبارات بلغة الطاجيك أو الأوردو. ويختتم صاحب المقال قائلاً: في حالة معارضة القراء لهذا العرض لسخفه ولأنه مضحك، فأنا أتفق معهم على أنه كذلك ولكنني لا أرى أي إختلاف أخلاقي بين   ضرب الأهداف في أمريكا وبين الحرب التي تشنها أمريكا على أفغانستان أو-وهنا إضافة من عندي- في الحرب التي شنتها على العراق لتدمير أسلحة الدمار الشامل العراقية!! ( )     -والتي ما زال البحث جارياً عنها حتى اليوم 10/8/2003-.

الصراع الحضاري المزعوم وموقف الإسلام من ذلك:

            إن الرصيد التاريخي لكل الشعوب يَدُلُّ على إيمان متبادل بوحدة القيم والثقافة بين البشر، ويدحض المزاعم الخاصة بصراع الحضارات وتصادمها ورفض كل منها للأخرى. فمفهوم الصراع الحضاري مفهوم خطأ ينطلق من رؤية خطأ وإحساس مشوه بتفوق حضارة على أخرى، وهو شبيه بالمفهوم الخطأ بتفوق جنس بشري مُعين على غيره من الأجناس الأخرى. وتلك مفاهيم عفا عليها الزمن ولا يمكن السماح لها بالإستفحال بالتفريق بين إنسان وآخر والعودة بالبشرية إلى عهود الظلام التي كان فيها الإنسان تائهاً بين أن يتقدم وبين أن ينصاع لمفاهيم خارجة عن العلم والدين والمنطق. إن رفض الآخر لأنه مختلف في الأسلوب أو في التقدم أو في العقيدة هو الجهل الأكبر فالحضارة الإنسانية حضارة واحدة مهما كانت أو تعددت روافدها.

            والعلاقة بين الحضارات كما يفهمها المسلمون علاقات تفاعل وتعاون وأخذ وعطاء وليس بالصراع أو بالصفقات التجارية بل بالإنسياب الحر السليم. إن من المبادئ الأساسية للدين الإسلامي الإيمان بالأديان السماوية التي سبقته لأنه جاء متمماً وخاتماً لها لا للصراع أو التصادم معها. قال تعالى: " آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ " [البقرة 286] ولا يفرق المسلمون بين أحد من رسُل الله. والدين الإسلامي لا يسمح بأن يستغله أحد من أجل الصدام، فقال تعالى " لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ " [البقرة 256]. والعلاقات في الإسلام بين الشعوب والحضارات هي الحوار فقال تعالى: " يأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ " [الحجرات 13] وقال أيضاً: " وَلاَ تُجَادِلُواْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ " [العنكبوت 46].

            فالرؤية الإسلامية الصحيحة لا ترى أبداً إنفراد الحضارة الإسلامية بالعالم، ولم تر إطلاقاً تفوقها على الحضارات الأخرى، دَيْدَنُها التفاعل مع الحضارات الأخرى مؤكدة على ضرورة التعددية على إطلاقها بما فيها التعددية الحضارية والتعددية الثقافية وهذا هو الوضع الطبيعي. إن الإسلام دين عالمي وعالميته ترضى وتقبل بالتنوع والإختلاف وترى أن التفاعل مع الحضارات الأخرى يقوم على الوسطية فلا عزلة ولا تبعية، ولا صراع ولا ذيلية.

            لم تأت الحضارة الإسلامية نقضاً للإرث الحضاري الإنساني بل مكملة وباعثة وناقلة ومتفاعلة ومثريةً له. لقد نهل الفكر الإسلامي من الفكر اليوناني –في وقت من الأوقات- بل كان للفكر الإسلامي الفضل في بعث الفكر اليوناني ونقله من جديد إلى الحضارة الأوروبية بعد أن طعّمه ومَزَجَهُ بمبادئ الدين الإسلامي فأصبح للتراث اليوناني لونٌ وشكلٌ سهّل قبوله في أوروبا المسيحية.

            ويفخر ويعتز المسلمون بأنهم لم يحملوا وحدهم رايات الإزدهار للحضارة الإسلامية العربية، فالمسيحيون واليهود الذين عاشوا في كنفها أسهموا فيها بإسهامات بارزة الأمر الذي يؤكد الجوهر السامي للحضارة العربية الإسلامية وبكل تجرد من مفهوم الصدام الحضاري أو الديني. والحضارة الأوروبية الحالية ليست فقط من ثمار الإبداع الأوروبي الرائع وحده وإنما هي إستكمال لما سبقها من حضارات إمتدت آلاف السنين في الشرق الأوسط والشرق الأقصى. لذلك فإن حلقات التواصل الحضاري تتكامل وتترسخ عبر العصور فتنمو وتزدهر؛ إنها تتكامل وتتفاعل ولكنها لا تتصارع ولو كان الأمر صراعاً لما ورثت البشرية ‘إلا جيفاً بدلاً من القيم الراقية والتقدم الرائع( ).

            لذلك فهنالك أهمية قصوى لخلق إجماع دولي ضد الإرهاب وإيجاد الوسيلة لمواجهته وتجنب حفر فجوةٍ بين العالمين الإسلامي والغربي أو خلق مفاهيم لتصادم للحضارات؛ وعلى العالم الإسلامي أن يواجه كل من يحاول أو يساهم في تهيئة الأجواء لتصادم حضاري( ).

            إن دحض ترويج "صراع الحضارات" يتطلب جهداً من جميع الإنسانيين الحواريين. ويقع عبء خاص على المسلمين الذين تقع على رؤوسهم سلبيات هذا الترويج. وانعقد في اسطنبول/تركيا "منتدى حوار الحضارات" لإدانة الإرهاب والدعوة للتفهم والتسامح بين الحضارات في 12، 13/2/2002، إشترك فيه وزراء خارجية من منظمة المؤتمر الإسلامي ومن الإتحاد الأوروبي بالإضافة إلى باحثين من العالم الإسلامي والعالم الغربي. لم يستطع المؤتمر إيجاد حل للتباينات العميقة بين الأطراف ولم ينجح في تجسيد اللقاء بصيغةٍ مؤسساتيةٍ-رفض الغرب ذلك- ولم تؤخذ رغبة العرب في وضع تعريف للإرهاب وتحديد مسبباته. وشهدت المناقشات مواجهات لم يكن بالإمكان تفاديها بين الغرب والإسلام، والحداثة والإسلام. الحوار في نظر الوزراء الغربيين يجب أن لا يتناول مشكلات اجتماعية جوهرية عندما لا يكون لدى الطرفين الرؤية نفسها لحقوق الإنسان. بينما ترى منظمة المؤتمر الإسلامي أن الإتحاد الأوروبي لا يملك سياسة حقيقية مستقلة عن السياسة الأمريكية خاصة فيما يتعلق بالنزاع العربي الإسرائيلي. ولكن يبقى هذا المؤتمر يشكل "رسالة أمل" كما قال وزير الخارجية التركي( ).

            إن إنتفاء هذا الصدام المسمى صدام الحضارات من سجلات الحضارة الإسلامية يشكل دليلاً واضحاً على عدم إعتراف الإسلام به، والإسلام لا يؤيد إلا الإحتكاك الحضاري الإنساني ولا يرى فيه صداماً يستوجب فناء فريق وبقاء آخر.

            إن سنة الله في خلقه سنة التعارف " إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ " –الحجرات 13-. إن الآية الكريمة تشير إلى وحدة الأصل الإنساني حيث لا أفضلية للونٍ أو جنسٍ أو عرقٍ، ثم تؤكد أن أحد أهداف هذا الخلق هو التعارف فهي على هذا تفتت أكبر عوامل الصدام بين البشر حيث لا فريق أفضل من آخر. وبعكس ذلك ما نراه في الغرب الذي يحتقر الحضارات كافةً باستثناء اليونانية والرومانية ولا يُقيم وزناً لحضارات الآخرين.

            كما أن الاختلاف من سنن الله في خلقه وتتجسد في قوله تعالى: " لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً "-المائدة 48- وقوله تعالى: " وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً "-هود 118-. إن الحضارة الغربية تريد جمع الناس على نمط حضاري وعقائدي ومنهجي واحد وبالقوة، الأمر الذي يعتبرهُ الإسلام نقضاً لسنن الخلق ومن ثم فهو أمر محكوم عليه بالفشل.

            الإسلام لا يُقر إلا تعدد المناهج الحياتية ولا يعترف إلا بتعدد السبل والحضارات ويعترف بالحضارات الأخرى والتعارف مع شعوبها فالله لم يخلق الخلق نسخاً مكررة "طبق الأصل" من كل واحد وإلا لانتهى العالم والتاريخ البشري؛ بل هناك تعدد حضاري وشرائع ومناهجُ متعددة. وهذا التعدد لا يعني أبداً التناقض أو التناحر أو التضاد كما لا يعني تبعيةً متبادلة أو تقليداً متطابقاً. وبالعكس من كل ذلك إنه نعمة إلهية أنعم بها على البشرية ومزيّةٌ رائعة لها تقوم على فهم إنساني مشترك لحقائق وقوانين العلوم الموضوعية والطبيعية. كما يقوم على الخصوصية في الهوية والثقافة والعقيدة والفلسفة؛ "فهناك إشتراك بالإيمان بالخالق وخصوصية في آفاق تدبيره، وهناك إشتراك في إنسانية الحضارات وخصوصية في مكانة الإنسان في هذا الكون، وهناك إشتراك في العقل وخصوصية في ماهيته العقلانية"( ).

            فالأمم الأخرى التي لها عاداتها الخاصة بها ليست أعداءً بل هبة من الله    فالناس يتطلبون في جيرانهم قرابةً تكفي للفهم وإختلافاً يكفي لإثارة الإنتباه وجلالاً يكفي لإثارة الإعجاب"( ).

            يرى الإسلام في التنوع الحضاري حافزاً للتدافع الإيجابي وسباقاً رياضياً نحو الأروع والأفضل لا يحتكره جنس أو لون أو أتباع دين بعينهِ قال تعالى: " وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ "-البقرة 251-.

            ويخلو تاريخ الإسلام من أية أحداث تشير إلى أن المسلمين قد سعوا إلى القضاء على الحضارات أو الثقافات المغايرة بما فيها حتى تلك الوثنية، بل كان التلاقح الحضاري الإسلامي مع اليونان والرومان وفارس والهند. وأقرب تشبيه إلى المحضن الإسلامي الحضاري هو: إن المسلمين كالنحل والحضارة الإسلامية كالشهد الصافي، لقد إمتص المسلمون بأدب وشرعية وإنسانية رحيقاً من الحضارات الأخرى وهضموه وتمثلوه فابتدعوا حضارة ليست بمعزل عن الآخرين لكن لها وهجها الخاص بها تبهر الناظرين، وهي ملك لهم جميعاً، إنها للإنسانية كلها. وقد دامت واستمرت في كل مكان مر منه الإسلام من أوروبا إلى الصين بل وبدأت حديثاً تبهر مناطق لم تزرها سابقاً؛ لم تؤمن يوماً بالصدام أو بفناء الآخر. بل آمنت بالتعددية والتمايز الذي أدى إلى إنتشار الإسلام في شتى أنحاء المعمورة وما زال ينتشر.

            قال تعالى: " وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً " –الاسراء70-. وهذا التكريم هو الذي يحكم أسلوب التعامل والعلاقات بين البشر مهما تنوعوا لأن الاعتبار الأساسي هو أن يتعارفوا ويتحاوروا على أساس التكريم لعموم الآدميين. وحمل الإسلام تفاصيل تشاريع التكريم حفظاً لِحُرُماتِ الإنسان وصونه من الأذى والظلم.

            وتبدأ كرامة الإنسان أو تكريمه بحرية الاعتقاد إذ بين له الله طريق الإيمان وطريق الكفر وترك له حرية الاختيار، والآيات التي تُبلغ حرية الاعتقاد نعيد ذكر بعضها: " لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ "-البقرة 256-، " وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ "-الكهف 29-. كما أن دعوة الأنبياء أتت من باب التبليغ ولم تأت من باب الإكراه. فقال تعالى مخاطباً الرسول-صلى الله عليه وسلم- " فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ "-الغاشية 21، 22-.

            كما ضمن الإسلام للإنسان حق الحياة وحرم عليه الإعتداء على حياة الآخرين لأن الإنسان هو بنيان الله الذي جعله في أحسن تقويم، واللعنة على من يهدم هذا البنيان. قال تعالى: " وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً "-النساء 93-. ويتولد عن حق الحياة حق كسب الرزق والمعاش للجميع بدون تمايز. فالأرض لله وهو مقسم الأرزاق فقال: " هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ "-الملك 15-. وحق الملكية للجميع. كما ضمن الإسلام سمعة الإنسان ونهى الله عن الأغتياب والتشهير فقال: " وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ "-الحجرات 27-. حتى حرمة المنزل جاء ذكرها في القرآن الكريم: " يأَيُّهَا الَّذِينَ امَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا ذلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ "-النور27-.

            والحضارة الإسلامية تقوم على السلام، والود يحكم العلاقات بين الناس، وغايتها سعادة الإنسان والإرتفاع والرقي بمستوى الحياة. الصراع والتطاحن ضد السعادة وضد الدين وليس أمراً حضارياً فهو محرم( ).

سيطرة المصالح وليس صراع الحضارات:

            في أواخر القرن العشرين تَفَتَّقت مفاهيم تتصاغر أحياناً إلى عبارات قصيرة خاطفة تم نثرها على سطح الساحة الفكرية؛ غطَّتْ على أو حَيَّدْت مفاهيم مثلها بالأوصاف كان لها بريق وجاذبية إلتصقت على ألسن الكثيرين تَغَنّوا بها بألحان مختلفة. ومن المفاهيم التي غطست ولم تعد تطفو: القومية، الاشتراكية، الإمبريالية، حركة التحرير، الرجعية، التقدمية، الأيديولوجية، الصراع الطبقي …، ومن المعروف أن تلك العبارات كانت تغلف فكراً راج وانتشرَ وفعَّل طوال القرن العشرين بأكمله.

            العبارات المفاهيمية الجديدة التي غلفت الفكر الرائج بعد ذلك والتي بدأت تؤسس لتفكير جديد مختلفة عن السابقة طبعاً، ومن أكثرها شيوعاً وإنتشاراً: صدام الحضارات، نهاية التاريخ، "النظام العالمي الأجدد"، حوار الأديان، حوار الحضارات، الإرهاب-أكثرها إنتشاراً بدون منازع-الحرب على الإرهاب، المقياس بمكيالين، من ليس معنا فهو ضدنا( )، العولمة.

     كان الرئيس الأمريكي "ريتشارد نيكسون" من أوائل الذين تحدثوا عن صراع الحضارات إذ ذكر في آخر كتاب له بعد سقوط الشيوعية- والقصد زوال الاتحاد السوفييتي- أنّ القرن الحادي والعشرين سيشهد صراعاً جديداً ومن نوع جديد بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية، وتوقع الرئيس نيكسون لهذا الصراع بين الحضارتين أن يستمر طويلاً بل وكاد أن يجزم بإنتصار الحضارة الغربية.

وعندما سخر رئيس وزراء ايطاليا "برلسكوني" من الحضارة الإسلامية مؤكداً تفوق الحضارة الغربية عليها لم تكن "زلة لسان" منه بل هي حقيقة في تكوينه الثقافي وتكوين الكثير من المتعصبين، ولم تُجدِ في شيء تجاه تلك الحقيقة محاولات التبرير الضعيفة التي حاول أن يُبرر نفسه بها عندما كثرت ردود الفعل الساخطة في العالم الإسلامي على زلة لسانه. وأصبحت "زلة اللسان" عنده وكأنها الأصل وليست الاستثناء ففي 2/7/2003 أثار تعليقه في وجه أحد النواب الألمان "بأنه يصلح أن يكون ضابطاً في مركز إعتقال يقيمه النازيون"، أثار حفيظة الشعب الألماني والرئيس ورئيس الوزراء الألماني وطالبوا برلسكوني بإعتذار رسمي علني في الوقت الذي تستعد فيه إيطاليا لتسلم الرئاسة الدورية للإتحاد الأوروبي للستة أشهر القادمة( ).

ومن النتائج الجانبية البسيطة لهذا الأزدراء الحضاري: رفض الركاب العرب على الطائرات، رفض الطلاب العرب في الجامعات، الطلب من الطفل الصغير في الإبتدائية الذي عانى في "باريس" من هجوم زملائه الفرنسيين عليه وتعقيده ووصفه بأنه إرهابي، وجاء الطلب من قبل المرشد الاجتماعي في المدرسة إلى والد الطفل-كعلاج للمشكلة- أن يغير إسم إبنه من "إسلام" إلى أي إسم فرنسي، وزيادة على ذلك أن يتم نقله بعد تغيير إسمه إلى مدرسة أخرى.

وأيضاً من قبيل التندر بالنتائج الجانبية لهذا الأزدراء الحضاري التصريح الذي أدلى به رئيس وزراء تركيا تعليقاً على أن أمريكا تملك الأدلة على تورط أفغانستان وابن لادن والقاعدة في أحداث 11/9 بدون أن تعلن هذه الأدلة، قال رئيس وزراء تركيا "طالما أن أمريكا مقتنعة بالأدلة فنحن مقتنعون بها وبدون أن تُطلعنا عليها!!" ( ). ولذلك يشاهد الشعب العربي بشوق برنامج "حمدي قنديل" على الفضائية المصرية فيستمعون إلى صرخاته التي رددها:

-           هل يمكن أن يُقال أُكلتُ يوم أُكل الثور الأبيض؟

-           لأول مرة تُمنح جائزة نوبل لأفضل ساكت عن الحق!

-           الفارق بين النملة والفيل يكون ضئيلاً إذا دخلت النملة أذن الفيل( ).

لقد أصبح من المألوف الحديث عن صراع الحضارات أو أن صراع الحضارات مستشرٍ على الساحة الدولية. إن تجربة المسلمين ويشهد لهم تاريخهم بذلك تنفي هذا الطرح نفياً قاطعاً. فالمفهوم القائل "بوجود صدع عميق يمتد عبر ديانات العالم وعبر الدين الإسلامي بالذات سيسفر بصورة حتمية عن نشوب صراع".. مثل هذا المفهوم "تشويه خبيث سواء على الصعيد الدولي أو الصعيد الداخلي. وتعلق "سونيا غاندي" / رئيسة حزب المؤتمر الهندي-بعد أن أكدت أن الهند ليس بلداً هندوسياً أو إسلامياً أو مسيحياً رغم إحتوائه على كل من هذه الديانات أكثر من أي بلد آخر-بأن ما يكفل الحفاظ على البشرية هي الفكرة التي عبر عنها بوضوح المرسوم الصخري الثاني عشر الذي أصدره الإمبراطور الهندي "أشوكا" في القرن الثالث قبل الميلاد وهي "إن جميع الديانات جديرة بالاحترام والتبجيل لسبب أو لآخر، وحينما يوقرها الفرد فكأنما يُعلي من شأن دينه وفي الوقت نفسه يخدم الديانات الأخرى. وإذا تصرف عكس ذلك فهو يسيء إلى دينه وإلى ديانات الآخرين"( ).

والمشكلة الحقيقية القائمة بين العالم الغربي وبلدان العالم الثالث هي عدم إحترام مصالح العالم الثالث والجور عليها دائماً. فالعلاقة القائمة بين هذين العالمين هي علاقة السيد بالعبد، فالسيد يضطهد العبد ويحرث عليه، والعبد يعاني من السيد ولكنه يحتاج إليه. وهذه المعادلة غير المتوازنة في المصالح أصبح من الصعب جداً تغييرها نظراً لجبروت السيد الذي بيده كل خيوط العولمة ووسائل الدمار والإعلام والتخابر والتمويه التي تجعله لا يتردد في تكرار ما فعله في أفغانستان والعراق ويتوعد بتكراره في أي مكان. ولم تعد تُجدي "ثورة العبيد".

لذلك فإن طرح موضوع "حوار الحضارات" المفعم بالغموض لن يؤدي إلا إلى مزيد من الالتباس لأنه بعيد عن جوهر الموضوع الذي هو "توازن المصالح"؛ ومصالح الغرب هي فقط المحسوب حسابها وعلى رأسها النفط والسوق العربي للإستهلاك! ويبدو أن الظروف الحالية التي مُسحت فيها من الوجود "ثورة العبيد" لن تسمح إلا بهامش- يكاد يكون لا أبعاد له وضيق جداً- من العمل قد يفيد في إستعطاف غلواء السيد( ) وهو العمل على الأسلوب النقابي الذي قد يجرؤ-بالمقدار الذي تسمح به القوانين السائدة المرسومة- على المطالبة ببعض الحقوق أو بالهتاف من بعيد من قعر واد؛ أو من وسط غابة وفي الليل مع التشَّبُه بنظرية الرئيس التونسي بورقيبة "خذ وطالب". فمنظمة أوبك مثلاً تتضامن جيداً! وتحافظ على سعر النفط على النطاق المرغوب!

ومن الملاحظ أن العرب والمسلمين يتحدثون اللغات الغربية بكثرة وبشرائح واسعة جداً حتى أن كثيراً من اللغات الغربية طمست على لغة أهل البلد المسلم وأصبحت هي اللغة الرسمية( ). لماذا لا يكون في الأمر نوع من التوازن ولو هامشي فيسمح للغة العربية والثقافة العربية مثلاً بمكانة ما في المدارس في بلاد الغرب وفي جامعاته. والأمر هذا نطرقه في سياق الحديث عن حوار الحضارات أو صدام الحضارات. أليس من تعلم لغة قوم أمِنَ شرهم؟

يؤكد الدكتور محمد عابد الجابري أنه بدلاً من مناقشة مفهوم ضبابي لا عقلاني وعدواني كصراع الحضارات أو مناقشة عبارة إستسلامية غير محددة ولا تؤدي إلى ملموسات كحوار الحضارات، بدلاً من ذلك فهو يدعو إلى العمل لتحقيق نوع من توازن المصالح إقتصادياً وتجارياً ولغوياً وثقافياً-ولكنه لم يذكر شيئاً بل لم يأت عليه إطلاقاً وهو التوازن السياسي-( ).

والسؤال المحرج كما يقول د. فهد الفانك الذي يوجه تساؤلاً إلى أنصار الحوار بين الحضارات أو بين الأديان ما هي الأشياء التي هيأتم أنفسكم على التنازل عنها للجهة المقابلة؟ وهل هناك في دينكم أو حضارتكم أشياء قابلة للتفاوض؟ وواضح أنه لا يمكن لمحاور، لأنه لا يمتلك الحق، أن يتنازل عن شيء من حضارته أو عن شيء من دينه-والعياذ بالله- لذلك فهذه الهالة الخيالية التي تلف الحوار المزعوم لن يحكم عليها ولن تؤدي إلا إلى الفشل. والخطير جداً أن الحوار ليس حواراً أو أن الصراع ليس صراعاً بل هو جلوس على طاولة لِتَلَقِّي مغلفات مغلقة مكتوب عليها بالأحمر "سري جداً" تحمل تعليمات يجب التقيد بها وتنفيذها! ( ).

هناك تيار من الكتابات المعتدلة الموجودة على حد سواء في الشرق وفي الغرب لا توافق على بل لا ترى وجوداً "لصراع الحضارات" الذي طرحه الأستاذ الأمريكي في "هارفارد" د. "هنتنجتون"، بل الموجود فعلاً وبشكل مكشوف هو "صراع المصالح" تقوده أمريكا وتتبعها دول أوروبا وتنجرُّ من ورائها دول تابعة مرتبطة بها من دول العالم الثالث. وفي نظر بعضهم أن نظرية هنتنجتون لا تستحق النقاش ولم تفهم التاريخ. وقيمتها تكمن فقط في أنها تحاول إيجاد التبرير المقبول للتصرفات الأمريكية، أي من باب الدعاية والترويج كما يعمل أصحاب السلع الجديدة من إعلانات ودعاية لترويج سلعهم وإقناع المستهلك بفائدتها. خاصة وأن هنتنجتون طرح نظريتهُ بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وانفراد أمريكا بزعامة العالم وبالتالي بروز حاجتها الماسة لعدو لتحافظ بفضله على حشد طاقاتها وتعاون وتعاضد شعبها. تصادف ذلك مع بداية بروز الصحوة الإسلامية والمد الإسلامي الذي قام بدوره على ركام المد القومي واليساري العربي الذي إنهزم هو أيضاً مع إنهزام الاتحاد السوفيتي فبدأت الأنظار تتجه إلى مواجهة حركات التحرر التي لم يبق لها طابع إلا الطابع الإسلامي. وكانت مواجهة أمريكا لها تحت يافطة الحرب ضد الإرهاب وهي في حقيقة الأمر مواجهة ضد الإسلام( ).

وفي حديث مع "جان ماري دولاغورس" في قصر الصنوبر في الجزائر في الاحتفال الذي أقامه الرئيس الجزائري" اليمين زروال "بمناسبة عيد إستقلال الجزائر في مطلع شهر تموز 1995 دافع دولاغورس عن الفرنسيين بأنهم لا يخلطون بين الإسلام والإرهاب بل إن الطبقة المثقفة الفرنسية تدين مثل هذا الخلط، وعلق على نظرية صراع الحضارات مؤكداً على أن معظم الصراعات تاريخياً كانت تقع بين أبناء الحضارة الواحدة كالصراعات البينية الأوروبية والصراعات اليابانية الصينية والصراعات الافريقية، وما أكثر الصراعات الإسلامية. إن المشكلة تكمن في الهوة السحيقة التي تتعاظم بين الأغنياء والفقراء والتي تكبر يوماً بعد يوم( )، لذلك فإن نظرية هنتجتون تبدو قاصرة للوقوف أيضاً أمام ما نشاهده من تعايش وتفاهم بين الأديان والحضارات والثقافات.

إن ما يحدث ليس صدام حضارات بل هو تحرك مظلوم ضد ظالم رغم إختلال ميزان القوة. ويبلغ الأمر "دَرْك" الإسفاف من الكتاب والمحللين العنصريين حينما يروجون لمقولة "العين الحاسدة" العربية الإسلامية حيال الغرب على ما أحرزه من إنجازات باهرة في ميادين التقدم العلمي، فكيف يعنُّ لمفكر مرموق أن يقرأ التاريخ وهو مكهرب بالحسد ! ليته يذهب إذن إلى "سقف السيل" في عمان ويشتري أطناناً من "الخرز الأزرق" و"الشَبَّه البيضا" ويشحنها على عجل بطائرات C130 ثم يبدأ بتعليق خرزة وَشَبّه في مدخل كل موقع إستراتيجي!

لقد إبتدع مفكرو اليمين الغربيون قضية الصراع الحتمي بين الإسلام والغرب وروجت لها قوى كثيرة. أول من روج لها "برنارد لويس" سنة 1990 في مقال له تحت عنوان "جذور الغضب الإسلامي" ونشرها في مجلة Atlantic Monthly في أيلول سنة 1990( ). يقول فيه "إن الصدام الواقع الآن بين الإسلام والغرب قد لا يكون عقلانياً لكنه بالتأكيد رد فعل تاريخي ضد منافس قديم لتراثنا اليهودي المسيحي ولِعَلمانيتنا المعاصرة وضد توسعهما وإنتشارهما". وقد ذكر الرئيس الأمريكي السابق نيكسون صراع الحضارات قبل برنارد لويس.

طرح هنتنجتون فكرة حتمية الصراع لأول مرة سنة 1993 في المجلة الأمريكية “Foreign affairs" سنة 1993 وطورها فيما بعد سنة 1996 في كتابه الشهير “The Clash of Civilizations" الذي قال فيه بدأت الحدود السياسية تُرسم من جديد لتتوافق مع الحدود الثقافية العرقية العقائدية والحضارية. فالجماعات الثقافية تحل اليوم محل تكتلات الحرب الباردة، وخطوط الحدود الحضارية في طريقها لأن تكون مركزاً للصراع السياسي في العالم( ).

إن الخلل في سلوك الدول العربية والإسلامية جاء نتيجة الثقافة الإسلامية التي ترفض الأفكار الغربية الأساسية في الديمقراطية والحداثة وحقوق الإنسان، والخلاف الغربي مع المسلمين قائم منذ الصراعات الدموية في الأندلس والحروب الصليبية، ثم يقول هنتجتون إن الإختلاف بين الحضارات هو الذي يولد الحرب". ويمكن ببساطة نقد ما ذكره هنتجتون لأنه بمثابة دعوة تحمل في طياتها عنصرية ثقافية تحريضية هي   من أشد أنواع العنصرية-أشد من التمييز العرقي أو اللون- والتي لا تقبل إلا بالحل الإقصائي العسكري. وفي واقع الأمر إذا كان هناك من أسباب تزرع "الريبة" بين المسلمين والغرب فلا تعود إلى التنوع الحضاري-وإلا لكانت العلاقات كلها تصادمية على مر التاريخ-بل هي عائدة لعدم توازن المصالح. "والحقيقة التي لا تقبل الشك أن هذه المصالح هي التي جعلت الولايات المتحدة تقود الهجمة ضد نظام الحكم الأفغاني الموالي للسوفييت وضد الوجود السوفييتي هناك في مطلع الثمانينات الذي أفرز في النهاية طالبان والملا عمر والقاعدة وابن لادن وغيرهم ممن يصنفون أمريكا بالإرهاب". القضية ببساطة هي نزاع مصالح وليست صراع حضارات( ).

بعض أفكار هنتنجتون حول "صراع الحضارات":

            في واقع الأمر حظي هذا الكتاب بالكثير جداً من النقد والتحليل قل أن حظي به كتاب آخر ومما جاء فيه من أفكار:

•           لن تكون العلاقات بين الدول ذات الحضارات المختلفة علاقات جيدة بل غالباً ما ستكون عدائية صدامية. إن أشد خطوط التقسيم الحضاري عنفاً هي الخطوط بين المسلمين وجيرانهم.

•           يقول الغربيون إن الغرب ليس بينه وبين الإسلام مشكلة، إنما المشكلة مع بعض المتطرفين الإسلاميين، إن أربعة عشر قرناً من التاريخ تقول عكس ذلك.

•           إن الصراع الذي ساد ردحاً طويلاً على مسرح القرن العشرين بين الديمقراطية الليبرالية من جهة والماركسية اللينية من جهة أخرى لا يشكل إلا مظهراً سطحياً إذا ما قورن بالصراع المستمر والعميق بين الإسلام والمسيحية.

•           الحضارة الإسلامية هي الوحيدة من بين الحضارات التي شككت دائماً ببقاء الحضارة الغربية.

•           إن نصف الحروب في العالم التي وقعت من 1820-1929 كانت حروباً بين مسلمين ومسيحيين.

•           سيستمر الصراع بين الحضارتين الإسلامية والمسيحية وأساليبهما في الحياة، تماماً كما كان مستمراً طول الأربعة عشر قرناً الماضية.

•           المشكلة الأساسية بالنسبة للإسلام هي "الغرب" بأكمله وليس المخابرات المركزية الأمريكية وليس وزارة الدفاع الأمريكية فقط.

•           الحرب الأفغانية تحولت إلى حرب حضارات لأن المسلمين تجمعوا ضد الاتحاد السوفيتي( ).

•           إن حرباً كونية قد تنشأ طرفها الأول دول إسلامية والطرف الآخر دول غير إسلامية.

•           غالبية الصراعات التي وقعت كانت على إمتداد الحدود الفاصلة بين المسلمين وجيرانهم.

•           العداوات متأصلة بين الشعوب الإسلامية من جهة وغير الإسلامية من جهة أخرى.

•           كانت العلاقات دائماً عدائية بين المسلمين وشعوب الحضارات الأخرى: الكاثوليك البروتستانت، الأرثوذوكس، الهندوس، البوذيون، الصينيون، واليهود.

•           حينما ينظر الإنسان إلى إمتداد حدود الإسلام يلاحظ أن المسلمين لهم مشكلات للعيش بسلام مع جيرانهم.

•           كانت الصراعات  التي يكون المسلمون طرفاً فيها دائماً كثيرة الضحايا، فالإسلام دين للسيف منذ البداية، إنه طابع الإسلام.

•           القرآن وغيره من مصادر التشريع الإسلامية لا تحتوي إلا على القليل مما يحرم العنف. كما أن مفهوم "اللاعنف" مُغيب عن الفكر والممارسة الإسلاميين".

•           الإسلام مصدر لعدم الإستقرار لأنه لا يمتلك قيادة مركزية( ).

نظرية نهاية التاريخ لفوكاياما ونظرية صراع الحضارات هنتنجتون:

            إن نهاية الحرب الباردة بانهيار الاتحاد السوفيتي، شكلت نهاية للصراع الأيديولوجي ولكنها لم تكن حتماً نهاية للصراع، إن إنهيار النظم الإشتراكية لا يعني وصول قطار التاريخ إلى محطته الأخيرة للإحتفال بانتصار الليبرالية الغربية. فالصراع سيستأنف؛ وتفصيل ذلك حسب رأي هنتنجتون الأستاذ في جامعة هارفارد-الذي جاء مخالفاً لنظرية "فوكاياما" صاحب نظرية نهاية التاريخ والرجل الأخير سنة 1992( ):-

            إن المصدر الأعمق للصدام في العالم الجديد لن يكون أيديولوجيا أو إقتصادياً في الدرجة الأولى، بل ستكون الثقافة هي مصدره وستكون هي ينبوع الإنقسامات والصدامات الكبرى بين البشر. وستبقى الدولة القومية أقوى لاعب على مسرح الحدث العالمي، لكن الصراعات الرئيسية ستقوم بها دول أو مجموعات دول ذات حضارات مختلفة، وسيسيطر صدام الحضارات على السياسة العالمية وستكون حدود القتال بينها هي الحدود الثقافية. إذن فالعالم حسب هذه النظرية ينقسم إلى كيانات أساسها اللغة والدين والتقاليد والتاريخ، وبما أن العالم المعولم يشهد تطوراً إلى كيانات أساسها اللغة والدين والتقاليد والتاريخ. وبما أن العالم المعولم يشهد تطوراً يضعف الكيانات السياسية التقليدية-الدولة- فإن أعضاء الكيانات الجديدة سيعرفون أنفسهم بهويتهم الحضارية وليس على أساس جنسية الدولة ذات السيادة.

وبعكس ما توقع المتفائلون، فإن التطور التقني في الاتصالات والمواصلات والإزدهار الاقتصادي، لم تُؤدِ إلى التقارب والتفاهم بل إلى حدة الوعي بالإختلاف الحضاري الذي سيُفضي إلى صراع حتمي يؤدي بالنتيجة إلى إنتصار ساحق ونهائي للغرب. يتحدث هنتجتون عن ثماني حضارات رئيسية انصب كل إهتمامه على الصدام بين إثنتين منها فقط: الإسلام والغرب.

            وفي الناحية المقابلة كان يقف "فرانسس فوكاياما بنظريته عن نهاية التاريخ والتي اعتبرها بعضهم أنها توارت مع إنهيار بُرجي مركز التجارة من سماء نيويورك في ذلك اليوم العجيب 11/9، وأشار المنتقدون أنه إذا كان لا بد من نهاية فهي "نهاية نهاية التاريخ". غير أنه راجع نظريته في مقالته الشهيرة سنة 1999 ليؤكد أن الفاشية الإسلامية هي أشد خطراً على الغرب من الشيوعية( ). يقول فوكوياما في مقالته إن أحداث 11/9 تتحدى القيم والنموذج الأمريكي لأن "محمد عطا" ومن معه الذين تعلموا وعاشوا في الغرب نفروا مما شاهدوهُ لدرجة أنهم كانوا راغبين في الانقضاض على البنايات بالطائرات. ويضيف إن الإسلام هو الحضارة الوحيدة التي لها إشكالات أساسية مع الحداثة بسبب الأصولية الإسلامية الحديثة لأنها تعتبر المجتمعات الغربية مجتمعات فاسدة تزخر بالموبقات وبالإباحية، ومن ثم فهو يرى أن الحرب هي بالدرجة الأولى ضد الأصوليين الذين يشكلون خمس المسلمين ويخلص فوكوياما إلى القول بأن بحر الفاشية الإسلامية الذي يقوم فيه الإرهابيون يشكل تحدياً أيديولوجياً أكثر خطراً مما كانت تشكله الشيوعية( ).

محو الهوية والتناسل:

            معظم الأبحاث والمواقف الغربية تلقي بمسؤولية الإرهاب على العرب والمسلمين بل وتراه ملازماً للثقافة الإسلامية العربية لأنه نابع منها دائماً، يؤكد ذلك كل من "فرانسيس فوكوياما"، و"صموئيل هنتجتون".

            يصف "فوكوياما" الراديكاليين المسلمين بأنهم الخطر الحقيقي. والقسوة في موقفه تتمثل في أنه توجه في هجومه إلى نمط التعليم الإسلامي أكثر بكثير من توجهه إلى الإسلام السياسي بتنظيماته المتطرفة أو المعتدلة منها. ركز هجومه على تعديل تشكيل "الشخصية" في بلاد المسلمين، فتحدث عن دور المسجد ودور تعليم القرآن والمساعدات التي تصرف عليها في جميع بلاد المسلمين وخارجها. فوكوياما يستهدف الشخصية أو الهوية ويعتبرها الخطر الحقيقي.

            وتبعه "هنتجتون" الذي حدد المشكلة في القوى البشرية المسلمة وبالذات في الشباب أكثر من غيرهم وفي نسبة التكاثر المرتفعة في هؤلاء الشباب، فالمسلمون قاوموا تسويق فكرة تحديد النسل. والحل عنده إذن يكمن في إنفاذ تلك الفكرة لتخفيض عدد المواليد حتى يتناقص عدد الشباب في العشرين سنة القادمة وبذلك يقل عدد الإرهابيين المحتملين حسب رأيه. لذلك فلا يكفي من الدول العربية والإسلامية التعاون الأمني والسياسي فقط لمكافحة الإرهاب"( ).

            المطلوب هو تعديل الهوية بتعديل مناهج التعليم الإسلامية لتصبح ملائمة ومقبولة للنموذج والتصور الغربي وملبيةً لحاجاته، بالإضافة إلى تحديد النسل. لذلك تم الطلب إلى العرب والمسلمين-السعودية مثلاً-بتخفيض عدد ساعات دراسة الشريعة الإسلامية من 25 ساعة في الإسبوع إلى أربع ساعات فقط على أن تقتصر فقط على دراسة العبادات.

            إذن يتضح أن هناك توجهاً-بالإضافة للاعتقاد-غربياً جوهره أن الإسلام منتج للإرهاب ولذلك يجب وقف إنتاجيته هذه بتغيير نمط الثقافة. فالمطلوب رأس الثقافة ورأس الشباب أيضاً( ).

            لذلك وبعد هذا الوضوح في طرح كل من فوكوياما وهنتجتون، نعتقد أن الدفاع عنهما من قبل محللين عرب-يَطُبُّون على السياسة طبَّاً-لا يفيد في شيء( ): كأن يقال في أحد الدفاعات: أن هنتجتون لم يدع إلى صراع الحضارات ولكنه حاول تفسير الصراعات القائمة في العالم بسبب الاستقطاب الحضاري بعد إنهيار مرحلة الصراع الأيديولوجي؛ وهدفه فقط هو تفسير ما يحدث في العالم. وينسى مثل هذا المحلل –حتى ولو قبلنا بالتفسير- أن القصد الحقيقي هو توجيه متخذ القرار السياسي وإقناعه بضرورة الإنتباه ومقاومة الخطر.

 

 

 

الفصل السادس

ب- الإرهاب والعولمة

 

ب- الإرهاب والعولمة        

-           ما هي العولمة     243

-           الجبهات التي فتحتها العولمة            246

-           سيناريوهات الصراع بين الإرهاب والعولمة     248

-           إشكالية تواجه أنصار العولمة وخصومها        250

-           محاولة لحل الإشكالية        252

 

ما هي العولمة:

            هل هي ثورة تقنية وإجتماعية واقتصادية وسياسية؟ هل هي إبداع في مسار الاقتصاد العالمي؟ هل هي هيمنة "الأمركة" على العالم بدون إعطاء أية حصة أو أية فرصة حتى "للذيليين"!!

            العولمة أساساً أو "الكوكبة" هي تَدَفُّقاتٌ لا تُقَدِّر حُرمَةَ الحدود السيادية الوطنية ولا المقومات الثقافية للشعوب أو حضاراتهم المتعددة، والعولمة هي "عربدةُ قوى الإحتكار على أسواق العالم؛ وهي طغيان الشركات العملاقة المتعددة الجنسيات-شكلاً وذات جنسية وحيدة في الجوهر والمضمون- على تدفقات وتحركات الأموال أو حجبها حسب مشيئة "الجبَّار"-إنها شركات ذات صولٍ وهولٍ وطولٍ تخترق القوميات وتعجن النظمَ والسياساتِ في العالم على هواها-طبعاً على هوى "مُحَرِّكها" الحقيقي-لتوائم مقاصدها.

            إن ما يحدث بسبب "العولمة" هو تكريس لذيليةٍ تقنية ومالية واقتصادية وتجارية وبالتالي سياسية( ). ولذلك فهناك مقاومة جماهيرية عالمية واسعة ضدها، وبنفس الوقت هناك أيضاً إذعان عالمي لها. والخشية أن هناك ثغرات بين المقاومة والإذعان يمكن أن يتسلل منها الإرهاب فهو أيضاً "معولم" قابع متربع في ثنايا العولمة!! بل ربما يسري في عروقها. الكياسة والحس العالي بالمسؤولية الإنسانية فقط تستطيع كشفه.

            هناك جهات أيديولوجية وغير أيديولوجية، رسمية وغير رسمية، أفراد أو جماعات أو دول، متدينون أو لا دينيّون، بيض أو سود أو حمر أو صفر. جميع هؤلاء قد يلجأون للإرهاب لتحقيق مقاصدهم. والذين يستخدمون الإرهاب لهم عموماً صفات مشتركة منها:

-           إنعدام المقر الدائم؛ أو الإقامة في المناطق التي لا يمكن الوصول لها إلا بصعوبات هائلة.

-           همجية صفاتها، فهي جزئياً سياسية وجزئياً إجرامية.

-           لها مقدرة سريعة على تغيير شكلها.

-           لها قدرة متفوقة بتوظيف الدولار وتوظيف سلطة الدولار.

-           لها قدرة فائقة على القتل مقارنة بالأيام التي كانت قدرتها تقريباً رمزية أيام الحرب الباردة. مثلاً أرادت أو خططت جماعة الحقيقة المطلقة اليابانية "أوم" لقتل أربعين ألف شخص في مترو الانفاق في طوكيو في نيسان سنة 1995 إلا أنها فشلت بسبب دخان أعاقها( ).

-           التستر والإخفاء، إذ يسعى المخططون للإرهاب إلى ستره وإخفائه بدءاً من تصوره كخطر، وتدبُّرهِ كفكر، وتخطيطه كمشروع، وتدبيره كمحاولة، وإعداده كخطة، وتنفيذه كعمل، وعدم السماح بوجود أدنى تعارف أو تواصل بين أشخاصه.

-           التغيير والتطوير، فقدرةُ الإرهابيين عالية في إضفاء الشرعية على عملهم وتطويره ليذوب ويختفي في الحياة اليومية والمظاهر العادية الطبيعية.

-           قدرة هائلة على التغلغل والاندماج في الناس تمكن الإرهابي من الوصول بسهولة للضحية، والانقضاض عليها قبل أن يَلفت نظرَ الأمن.

-           يستطيع الإرهاب العدولَ عن خطته والتحولَ إلى مجال آخر له بشكل شرعي حتى يزول الخطر الأمني.

-           التحين والانتهاز، السيطرة، المفاجأة.

-           القدرة على الاتصال مع الأعوان في الخارج وأينما كانوا مع يُسر مصادر التمويل والسلاح( ).

-           أصبح الإرهاب قطباً دولياً يكتسب قدرات متزايدة من حيثُ الفعلُ والتأثيرُ.

-           إن الحرب قد تهزم فصيلاً إرهابياً وليس كل الفصائل.

-           كلما إزداد التقدم بجميع أنواعه إزدادت قوة الإرهاب وسَهُلَتْ مَهمتُه وتعاظمت الفرص أمامه في توجيه ضرباتٍ أكبرَ وأخطرَ أثراً وتدميراً( ).

لقد كتبت أحداث 11/9 غير المسبوقة الحروف الأولى في تاريخ جديد للعالم. فكان الانتقال من تاريخ إلى تاريخ آخر تبلور فيه هذا القطب الجديد الصاعد، الذي ليس هو دولة؛ إنما هو الإرهاب بكل ما يعنيهِ ذلك التعبير من معنى الذي ركّع العالم ليصبح ثنائي القطبية وليس أحادياً كما كان، هذا القطب الجديد المكون من كل شيء أفراد وحركات ومنظمات و.. و.. يجمع بينها أشياء كثيرة ولكن أهم هذه الأشياء الرغبة العارمة في القضاء على القطب الآخر. وهذا النظام ذو القطبين يبدو أنه سيكون طويل العمر لأسباب كثيرة وليس قصير العمر كالنظام الذي سبقه. حوادث 11/9 شكلت فظاعةً رهيبةً وأكبر خسارة في الأرواح البشرية مرة واحدة تتسبب بها جريمة في زمان لا حرب فيه، ولا مثيل لها في تاريخ الجريمة. وبمقارنتها بـ "بيرل هاربر" سنة 1941، إستهدف اليابانيون قواعدَ عسكريةً أمريكيةً في مستعمرتين كانت قد استولت عليهما أمريكا في "ظروف غير جديرة بالإحترام"-كما يقول نعوم شومسكي، ولم يستهدفوا الأراضيَ الأمريكيةَ نفسَها( ). وكلفةُ الخسائر المادية الأمريكية بسبب أحداث 11/9 حتى تاريخ 3/11/2001 بلغت خمسة وستين مليار دولار بينما بلغت:

-           4710 مليار دولار في الحرب العالمية الثانية.

-           577 مليار دولار في الحرب العالمية الأولى.

-           572 مليار دولار في الحرب في فييتنام.

-           400 مليار دولار في حرب كوريا.

-           80 مليار دولار في حرب الخليج الثانية.

وبما أن أمريكا هي الشريكُ الأولُ التجاريُ لتسع وأربعين دولة في العالم، فإن الاقتصاد الأمريكي يغدو هو محرك الاقتصاد العالمي، وعندما يكون اقتصاد أمريكا بخير يكون الاقتصاد العالمي بخير وذلك في 80% من الحالات( ).

            بلغت الأعمال الإرهابية من 1995-2001، (729) عملية إرهابية في أمريكا اللاتينية، (608) في أوروبا الغربية. 67%من العمليات الإرهابية طالت قطاع الأعمال.

            وفي سنة 2000، 86% من العمليات الإرهابية الموجهة ضد المصالح الأمريكية وقعت في أمريكا اللاتينية وتسعون في المائة منها كانت بالمتفجرات. وكملاحظة جانبية يتبين أن الاعتداءات على الولايات المتحدة وقعت في جنوب أمريكا وليس في المنطقة العربية.

            ويبحث الإرهابيون دائماً عن هدف بارز ولا يهمهم إن قتلوا رجالاً أو نساءاً أو أطفالاً، ولا يهمهم إن كان بين الضحايا مسلمون أم يهود أم مسيحيون، فهم يسعون إلى تخريب الاقتصاد العالمي ولا يبالون بحاجة الملايين للهرب من الفقر( )، والعالم مسكون بهاجس الإرهاب، والكراهية لا تولد إلا الكراهية، والسياسة العرجاء هي التي دفعت الناس لقلب الطاولة على الجميع وأن يضحوا بأنفسهم. ومهما كان وقع الضربة في 11/9 قاسياً على أمريكا، فإن العالم لن يعود إلى ما قبل أحداث 11/9. ومن الأكيد أن من حق الشعب الأمريكي على حكومته أن تُبيّن له أسباب الكراهية ضد أمريكا؛ ولكن من السخف تبرير ذلك بالحسد والغيرة فالشمس لا يغطيها غربال. وما زالت حرب أمريكا ضد أشباح فهي في مأزق حقيقي! وعلى أمريكا أن تعيد النظر في سياستها تجاه إسرائيل التي تجلب لها كراهية العرب والمسلمين( ). لتتذكر أمريكا أنها إستخدمت الفيتو سبعاً وثمانين مرة ضد العرب والفلسطينيين والمسلمين دعماً لإسرائيل، وليس صحيحاً "أن من ليس مع أمريكا هو مع الإرهاب". إن هذه المقولةَ هي قمةُ الإرهاب-كما يقول د. محمد عمارة-الذي أكد أن الذي كسر فرعون هي عصا موسى، وأن عداء الغرب للإسلام ليس بسبب جهلهم للإسلام بل لعلمهم به وخوفهم من حضارته. وما إنتشار مراكز البحث المتخصصة بالإسلام بهذه الكثرة إلا دليل على هذا الخوف غير المبرر( ).

            لم يعرف المشرق العربي الإرهاب إذ عاش قروناً طويلة في أمن وسلام حتى بدأت الحملة العنصرية الصهيونية فجاءت ومعها الدمار والمتفجرات التي أدخلتها إلى فندق الملك داوود  في طناجر الحليب لتقتل الإنجليز، ثم هجَّرت مليوناً ونصف المليون عربي. ولم تكتف بذلك، بل ولم يصدق أو يتصور العرب أن إسرائيل وبمساعدة الغرب سترهب وتقتل اليهود من بني جنسها في القاهرة وبغداد وغيرهما الذين رفضوا الهجرة إلى إسرائيل لتهجرهم قسراً إلى فلسطين وقد أثبتت التحقيقات صحة ذلك( ).

            والدول الغربية بدورها لم تتوانَ في استخدام الأسلحة المحرمة لنشر الذعر والإرهاب. فكان البريطانيون أولَ من استعمل القذائف التي تحتوي على الكيماويات القاتلة، وقيل إن الأوروبيين استخدموها ضد الهنود الحمر في أمريكا كما استخدمت في الحرب الأهلية الأمريكية سنة 1863. واستخدمها الألمان في الحرب العالمية الأولى على نطاق واسع على الجبهتين الروسية والفرنسية واستخدموا غاز الكلورين السام ضد بلجيكا. وبلغ عدد ضحايا الأسلحة الكيماوية المحرمة في الحرب العالمية الأولى( ).

-           275 ألف إصابة من الروس.

-           190 ألف إصابة من الفرنسيين.

-           181 ألف إصابة من البريطانيين.

-           80 ألف إصابة من الألمان.

-           70 ألف إصابة من الأمريكان( ).

الجبهات التي فتحتها العولمة:

            "العلم بدون ضمير دمار للنفس"، تلك العبارة التي قالها الفيلسوف العالم الفرنسي "بليز باسكال" مؤلف كتاب الأفكار، والذي لم يعش إلا 39 عاماً من 1623-1662، وهو الذي إبتكر -وهو في سن الثامنة عشرة- أول آلة حاسبة. وعبارة "بليز" هذه أو بالأحرى حكمته تستحق التذكر ليس لأنها خير تعبير للتعليق على أحداث 11/9 بل وعلى ما جرى وسيجري بعدها مروراً بقرار مجلس الأمن رقم 1373 تاريخ 30/9/2001 الخاص بمنع تمويل الأعمال الإرهابية وحظرها وملاحقة كل من يشترك أو يساعد أو يؤوي أو يسكت عنها أو لا يتعاون في مكافحتها مروراً بالتحضيرات الجارية للعمليات الأمنية والعسكرية( ).

            إن العولمة الليبرالية فتحت هجوماً على ثلاث جبهات:

•           الجبهة الأولى وتطال كل البشرية وهي الجبهة الاقتصادية تحت قيادة محورٍ مكونٍ من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، ويفرض هذا المِحورُ على العالم ديكتاتورية السوق، والأولوية للقطاع الخاص، وتقديس الربح، وإنزال أضرار جسيمة في كل أنحاء المعمورة من "الإفلاس الإحتيالي الضخم لشركة "أنرون" إلى الأزمة النقدية في تركيا والإنهيار المشؤوم في الأرجنتين وصولاً إلى الخراب البيئي في كل مكان( ).

•           الجبهة الثانية وهي جبهة الأيديولوجيا التي تعمل تحت أغطية مختلفة بصمت وبخفية. مثلاً هناك تعاون فاعل قائم بين الجامعات ومعاهد البحث المشهورة وإمبراطوريات وسائل الإعلام-شبكة CNN، وفاينانشل تايمز، وول ستريت جورنال، والأيكونومست (الله أعلم عن الفضائيات العربية) والتي تجد في فرنسا حشداً من الصحافيين يقلدونها وفي دول عديدة أخرى-، وبفضل هذا التعاون تكونت "صناعة" فعلية للإقناع هدفها جعل سكان العالم يصدقون بأن العولمة الليبرالية ستجلب معها السعادة لجميع البشر. وهكذا تمكن المنظرون -باستخدام وسائل الإعلام ومع التواطؤ السلبي للجماهير- من تشييد ما يمكن تسميته بـ "الاستبداد اللطيف". قامت وزارة الدفاع الأمريكية بعد 11/9 بتأسيس ما اسَمَّتْهُ "مكتب النفوذ الاستراتيجي" مهمته فبركة الأخبار لتضليل الصحافة الدولية والتأثير على الرأي العام والمسؤولين في جميع بلدان العالم. والأمر يشبه تماماً ما كان يحصل في حقبة "المكارثية" والحرب الباردة فأصبحت وزارة الدفاع تمارس التضليلَ والدعايةَ لإظهار الحقيقة، ولكن من وجهة النظر الرسمية فقط شبيهاً بما يحدث في الدكتاتوريات العمياء.

•           الجبهة الثالثة وهي الجبهة العسكرية التي فتحت مباشرة بعد 11/9 لتمكن العولمة الليبرالية من استخدامها كأداة أمينة ومضمونة. وأمريكا التي إنتزعت هذا التوكيل في وقتٍ من الأوقات من حلف شمال الأطلسي قررت هي نفسُها وليس غيرَها القيامَ بهذه المَهَمَّة. لقد توصلت أمريكا بعد حربها في أفغانستان ضد طالبان والقاعدة، إلى القناعة بأن لا فائدة من الحلفاء الاستراتيجيين أمثال بريطانيا وفرنسا وحلف الناتو في هذا النوع من المهام إلا لمساعدة عسكرية في حدها الأدنى. ولم تعد أمريكا تعير إهتماماً للمواقف الدبلوماسية الأوروبية المعارضة، وما على أوروبا المكونة من دول "عجائز"( ) إلا التبعية‍! وأصبحت أمريكا تتبع أسلوب السيطرة المطلقة لأنها أصبحت "دولة عالمية أولى وقادرة على قيادة الكون وما على أعضاء الامبراطورية إلا الرضوخ طوعاً. وليترك جانباً موضوع حقوق الإنسان؛ يَشهد على ذلك هذا "السجن المُشين في "جوانتانامو" وفيه معتقلون من فرنسا واسبانيا وبريطانيا داخل أقفاص بالإضافة إلى جنسيات أخرى لا تستحق الذكر!

ويقول "رامونيه" كان محور الشر-صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، منظمة التجارة الحرة-يُقنِّعُ وجهه ولكنه بعد 11/9 خلع القناع وبدا على حقيقته ! ( ) 

سيناريوهات الصراع بين الإرهاب والعولمة:

            سببت العولمة تداخلاتٍ معقدةً بين الحكومات في دول العالم، كما كانت أيضاً سبباً لتعقيد المصالح الاقتصادية للأفراد، ولذلك فإن بعض المحللين لا يَروَن في هجمات الإرهابيين إلا عدواناً مباشراً على قُوى العولمة. والعولمة في مواجهتها للإرهاب تحتمل السيناريوهات التالية:

أولاً: ستستمر العولمة في مسيرتها رغم النكسات التي تسببها لها الهجمات الإرهابية، إعتقاداً بالرأي الفلسفي الذي يقول "إن أفضل وسيلة للانتقام هي أن تعيش وأن تتكيف مع الواقع على أفضل الممكن". وهذا يَعني العودةَ إلى ما كانت عليه الأمور السياسية والاقتصادية والاجتماعية قبل أحداث 11/9، ولكن يبدو أن هذا السيناريو قد تعدَّته الأحداث وأصبح غيرَ واردٍ إلا إذا تم إعادة النظر فيه مستقبلاً.

ثانياً: الأمنُ وسلامة البلاد في قمة إهتمامات الدولة والمجتمع الدولي. أي الأمن أولاً وقبل كل شيء. وذلك يعني تشديد الإجراءات الأمنية على الهجرة والأعمال التجارية والاتصالات لتجنب ويلات الإرهاب، كما يَعني أيضاً إبتداع تكنولوجيا وخدمات جديدة لتأمين أمن المجتمعات الغربية من أهمها الوقاية الطبية، وإنشاء شركات طبية، واكتشاف امصال واقية من البكتيريا والأسلحة الكيميائية والبيولوجية وتطوير خدمات "تيليفيديو" بامكانات جديدة تسهل عقد المؤتمرات دون الحاجة للترحال والسفر عبر الحدود.

ثالثاً: إحتمال التخلي عن العولمة خاصة بعد إستفحال المظاهرات في كل بلدٍ يُعقد فيه مؤتمر، بل اصبح مكان إنعقاد المؤتمر عبئاً على الدولة المضيفة حتى ولو كان مكاناً نائياً في جزيرة بعيدة يمكن عزلُها عن العالم، وبهذه الحالة ستصبح العولمة هي الضحية للهجمات الإرهابية. وإذا استمر التدهور ولم تستطع الدول المتأثرة مباشرة أو غير مباشرة بالهجمات الإرهابية أن تُصلح إقتصادها فبهذه الحالة لا يمكنها الاستمرار في مسيرة العولمة وتحمل المزيد من الخسائر.

            وتبقى دائماً عملية الموازنة هي الأساس بين:

الاستمرار بحرية التجارة والاستثمارات والاتصالات والشفافية والحدود والسماوات والأسواق المفتوحة وبين: الإجراءات الأمنية المشددة على غاربها وتأمين سلامة البلاد والعباد.

ومهما كانت النتيجة لصالح العولمة والحرية أو لصالح الأمن؛ يبقى العلاج أقل كلفة وأفضل بكثير من استفحال دمار الإرهاب أو سيطرة الخوف من التقدم والانطلاق( ).

            ولكن وبعد أحداث 11/9 بدا واضحاً أن النظرة إلى العولمة قد تغيرت؛ فبدلاً من أن تكون الولايات المتحدة والغرب معها هما المهيمنْينِ على ثقافة العالم، فإن الأمر أصبح يسير في إتجاهين، يؤثران في العالم ويتأثران بالعالم. ولعل هذا التأثير المتبادل كان الدافع لتنامي القوى الغربية المعادية للأقليات وللمهاجرين والتشديد تجاههما عكس ما كان عليه الحال في إطار الحرية والديمقراطية السائدة قبل 11/9( ).

            إن نتائج 11/9 كشفت هشاشة العولمة، فأصبحت تُصر الولايات المتحدة على الضرورة الملحة لإقامة "جهاز لأمن العولمة"، ويبدو أن الظروف لذلك أصبحت أكثرَ قبولاً مع إنضمام روسيا والصين إلى منظمة التجارة العالمية، بالإضافة إلى حُجِّية مكافحة الإرهاب على المستوى الدولي والتي تسمح أو تبيح تقليص الحريات وتضييق الديمقراطية، واتجهت الأنظار في البداية إلى حلف شمال الأطلسي ليشرف على هكذا جهاز أمني( ).

            لكنَّ هناك أصواتاً قد تعالت واتهمت العولمة الليبرالية بمسؤولية أحداث 11/9 ولو جزئياً لأنها كانت السبب في إستفحال الظلم والفقر في كل العالم، فانتشر اليأس والقهر والإحباط لدى الملايين المستعدين لإرتكاب أقصى درجات العنف والتمرد. فالعولمة أضعفت الدولة وفككت القوانين وأفقرت السياسة وشجعت على نمو وإنتشار المنظمات ذات التنظيم الرخو غير التراتبي وغير العمودي الشبيه بالشبكة، فأصبح هناك الكثير من المنظمات الطفيلية التي تُحسِنُ الاستفادة من هوامش الحرية، مثل المافيا وشبكات الإجرام بمختلف أنواعه، والطوائف والمجموعات الإرهابية. وما "القاعدة" إلا منظمة مرتاحة ومنسجمة مع عصر العولمة السائد.

            لقد ظهر في التاريخ ما عُرف "بالمدينة الدولة"-أيام دولة أثينا، ودولة البندقية، ودولة مكة-قبل الإسلام، وظهر في التاريخ أيضاً في حقبة بعد ذلك "المنْطِقَةُ الدولة" تجلى ذلك في فترة انتشار نظام الإقطاع في أوروبا؛ وفي القرن التاسع عشر والعشرين تجسدت "الدولة الأمة "التي تضم أمة بأكملها مثل فرنسا وانجلترا، و"الدولة الأمم" مثل الاتحاد السوفيتي، و"الدولة القطر" مثل أي من الدول العربية. ومع تلك الدول ظهرت "المنظمات الدولية" والمنظمات الإقليمية. ولكن أخطر وأعجب ما في الأمر في عصر وإستفحال العولمة أن الدولة نفسها بدأت تضعف ودخلت في طريق التفكك فاسحة الطريق لما يمكن تسميته "بالشبكة الدولة" أو حتى "الفرد الدولة"، وأول مثال على ذلك "إبن لادن" وهو الآن يبحث عن دولة (بعد أن كانت له الصومال بالأمس، وتلاها أفغانستان) يقيم فيها ويوظفها. وشجعت العولمة وتشجع ظهور "الشركة الدولة"، فشركة عابرة للحدود ستنزل على دولة-على الطريقة الابنلادنية- تُفَرّغها من السلطة القائمة فيها ثم تستخدمها كما يعنُّ لها( ).

            أدت العولمة إلى إضعاف الكثير من دول العالم الأمر الذي فسح المجال وفتح الباب على مصراعيه لنشوء تنظيمات دولية جديدة إرهابية وغير إرهابية: كمنظمة اقتصادية تسعى لتحقيق مرابح فاحشة، أو منظمات للجريمة المنظمة كتجارة الرقيق والمخدرات وغسيل الأموال. إن نشوء مثل تلك التنظيمات مرتبط بمدى ضعف الدولة حيث تصبح غيرَ قادرة على مقاومة تلك التنظيمات أو الهيئات كما كان عليه الحال بالنسبة "للقاعدة" التي استخدمت أفغانستان، وبعض التنظيمات في الصومال أو غيرها من مناطق العالم التي تشهد ضعفاً في سلطة الدولة( ).

            صحيح أن "الدولة" ما زالت قائمة، ولكن في نهاية الأمر فالخوف في أنه إذا طغت العولمة وأسيادها، فإن ذلك سيؤدي إلى إضعاف الدولة وربما إنهيارها "كوحدة" أساسية في تفعيل العالم؛ كما سيؤدي إلى جبروت الحرية الفردية المتحدية لكل شيء، الأمر الذي سيوسع من نطاق المواجهة، وبالذات المواجهة الإرهابية التي تُصبح أكثر حريةً، حرية مطلقة طالما أن الإرهابي مستعد للموت مطلقاً؛ فلم تعد تحكمه القوانين أو الضوابط. فصارت مرجعيته الوحيدة "الخيال الواسع" وليس الواقع. وبعبارة أخرى وبمفاهيم الثورة المعلوماتية "أصبحنا نواجه عالماً تصورياً فيما وراء العالم الواقعي"( ).

إشكالية تواجه أنصار وخصوم العولمة:

            وجد الإنسان نفسه مضطراً للوقوف أمام حتمية الاختيار بين أمرين أحلاهما مر في زمن للإرهاب فيه سطوة "لخمت" أعتى الدول: أن يختار بين الأمن والحرية. فالمجتمع الحر المفتوح سيدفع ثمناً غالياً حين يتعرض للعنف والهدم والقتل، ولكن لا يمكن القبول بإهدار كل ما حققه الإنسان من مكاسب من أجل الحصول على المزيد من الحقوق والحريات العامة. ولا يمكنه القبول بمصادرة الحقوق والحريات بحجة أن "المجتمع في خطر" أو أن "الحضارة في محنة". إن إضطرار الإنسان إلى الموازنة بين الحرية والأمن يعني أن الإنسان ليس في وضعٍ طبيعي! ونفس الشيء بالنسبة للدولة التي تضطر لسد الثغرات في قوانينها وإجراءاتها الأمنية لمقاومة الإرهاب فإذا بها وهي تفعل ذلك تشدُّ الخناق على حرية المواطن وتضيق على حقوقه المدنية! إن تلك الإشكالية تعني أن الإنسان عموماً يواجه إحتمال تغيير في طريقة الحياة. لقد قبل المجتمع الدولي ظاهرياً وعلى مضض "حق الدفاع عن النفس" الذي أُضيفَ إليه عبارة "بضربة إستباقية" ولكن ضد دولة أخرى أو عدو خارجي، ولذلك يُشك كثيراً في أن يقبل المجتمع من الداخل أن تستخدم حكومته ضده ضربة إستباقية باللجوء إلى الوسائل القمعية والقسرية كحرب على الحرية والديمقراطية خوفاً من الإرهاب. ولكن تبقى الإشكالية قائمة بين الحقوق الفردية والأمن الجماعي( ).

            والإشكالية تواجه على حدٍ سواء أنصار وخصوم العولمة وترتبط بالقدرة على لجم إستغلال الإرهابيين لمنجزات العولمة من دون الإخلال بجوهر العولمة في أسس ومنطلقات فكرها.

ولتبيان ذلك:

-           إن تقييد حركة إنتقال الأموال إما بمنعها أو بوضع رقابة قاسية على الأموال الساخنة المتحركة عبر الحدود العالمية يَعني التناقضَ مع أحد أهم آليات التجارة الحرة التي تعتمد عليها العولمة وتنادي بها. إن أهم معنى للعولمة هو إزالة كل القيود على حركة المال لأن العالم سوق واحد.

-           إن وضع قيود على شبكات الإنترنت-التي قد تُتَّهَمْ بخدمة الإرهاب-هو بمثابة انتهاك لمبدأ الإنسياب الحر للمعلومات بكلفة رخيصة؛ الأمر الذي سيؤثر سلباً على البشر الذين لديهم قدرة ووسائل الاتصال. كما أن هذا القيد يحرم الأسواق، والبشر من الفرص المتكافئة التي تنادي بها العولمة عبر سوق عالمية واحدة مفتوحة أمام الجميع.

-           إن من مبادئ حقوق الإنسان الأساسية حرية الانتقال، والتضييق عليها خرقٌ لتلك المبادئ، وخرقٌ أيضاً لمفهوم السوق الواحدة المعولمة، وخرقٌ لمبدأ التنافس بين البشر على أساس الكفاءة والرشاد في الاستهلاك والإنتاج والاستثمار، والأمر الذي يزيد الطين بلة ويضاعف حدة الوطأة هو أن القيد على حرية الانتقال يمارس على أرضية التمييز بين البشر على أساس الأصل أو الجنسية أو الدين.

-           إن تلك النِّقاط تُجسد إشكالية مكافحة الإرهاب دون المساس بفكرة وآليات العولمة ودون حرمان البشر من الفرص التي تتيحها العولمة. لذلك طُرحت فكرة: التدخل على أدنى حد ممكن بمسار-العولمة- من أجل حمايتها من الإرهاب، بحيث لا يؤثر هذا التدخل في جوهرها وآلياتها وأهدافها. وطُرحت بالمقابل فكرة أخرى لمراجعة العولمة ووضع إتفاقات واضحة لحرمان الإرهاب من الاستفادة من منجزاتها. وأُقترح صياغة إتفاقات ووضع آلياتها بالتعاون بين دول ومنظمة التجارة العالمية. أو أن تترك المسؤولية لكل دولة في مواجهة إشكالية الإرهاب والعولمة وهي التي تحدد أولويات مصالحها السياسية والاقتصادية.

وبنفس الوقت هناك من يُعارض جميع الأفكار السابقة لحل الإشكالية مؤمناً بأن العولمة حتميةٌ تاريخيةٌ تفرض قوانينها وآلياتها التي تعلو على إرادات جميع الدول بما فيها الولايات المتحدة. ولا أحد يستطيع أن يقف أمام قطار العولمة. فالعولمة نفسها كفيلة بالقضاء على السلبيات والتناقضات التي تفرزها بما في ذلك الإرهاب، فالمهم المحافظة على مسيرة العولمة بدون تدخلات وذلك هو النهج الوحيد الكفيل بإفراز آليات من العولمة لحرمان الإرهاب وإزالة البيئة لوجوده( ).

            إن فخ الإرهاب الذي سقطت فيه العولمة له مفاتيحُ عديدةٌ قد تكون باهظة الثمن ولكن هذا الثمن ضئيلٌ إذا قيس بتعثر العولمة. سيزداد الدخل العالمي بمقدار (612) مليار دولار إذا تناقصت عوائق التجارة العالمية بمقدار الثلث-حسب دراسة أصدرتها مؤخراً جامعة "متشغان"-وسيزداد بمقدار (2800) مليار دولار حسب تقدير البنك الدولي في حال زوال جميع العوائق.

            يجب حماية العولمة من الإرهاب، والأهم من ذلك يجب حمايتها من نفسها كي لا تصبح نمطاً مرعباً للاستعمار الذي هو السبب الجوهري للإرهاب( ).

محاولة لحل الإشكالية:

            وَقَّعتْ ثلاثون دولة في "بودابست" / المجر على "إتفاقية دولية لمكافحة الإجرام عبر الإنترنت" التي استغرق العمل عليها والإعداد لها أربع سنوات كاملة بدأت سنة 1997. وهذه الاتفاقية تشكل الأداة القانونية الأولى الملزمة في إطار الإنترنت التي تعمل لمكافحة الإرهاب عبر الإنترنت. وأشار مدير الدائرة القانونية في المجلس الأوروبي أن الأمر المهم هو العثور على وسائل إلتقاط المعطيات المعلوماتية العابرة للحدود التي لم يتم التوصل إلى إتفاق بشأنها. وذكر أن مشروع الاتفاقية كان موضع إنتقادات عنيفة من قبل بعض الشركات والمؤسسات التي تؤمن الاتصال بالإنترنت. وَوُصِفَتْ الاتفاقية بأنها "قاتلة للحريات وتشجع مذهب التدخل". وقعت الاتفاقية من أصل 43 كل من الولايات المتحدة، اليابان، كندا، جنوب افريقيا إضافة إلى 26 دولة من المجلس الأوروبي بينها (12) دولة من الاتحاد الأوروبي. وطلب مجلس أوروبا ضمانات لاحترام حقوق الإنسان لا سيما حرية المراسلة. وذكر مدير الدائرة القانونية أن الجريمة المعلوماتية باهظة الكلفة، فعمليات النصب عبر بطاقات الاعتماد بلغت   عام 1999، أربعمائة مليون دولار، وكانت كلفة إصلاح الأضرار التي سببتها فيروسات المعلوماتية قرابة (12) مليار دولار وبلغ الربح الذي حرمت منه الشركات ضحية النسخ أو التزوير (250) مليار دولار سنوياً( ).

            يقول النائب اللبناني اللواء سامي الخطيب بأن الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان قد إنتهى بعد 11/9، واكتشفت أمريكا أن كل أجهزة الأمن عندها لم يكن لها مُنسق، وعلق عليه الطيب عبد الرحيم/سفير فلسطين السابق في عمان أمين عام السلطة التنفيذية لمنظمة التحرير حالياً "هناك عولمة للأمن على مستوى العالم"( ).

 

تصميم وتنفيذ
مركز عمان لدراسات حقوق الإنسان 2007