|
الفصل السابع:
جذور الإرهاب وأسبابه
الفقر والقمع
وغياب الديمقراطية:
إن ما يطفو على السطح في موضوع الإرهاب ما هو إلا مؤشر
بسيط يُشعر الآخر بأن هناك أمراً خطيراً ويُلفت النظر إلى
وجوب الحيطة والحذر، فالعدو أصبح مرئياً. إن البحث الجاد
في أي موضوع يتطلب الغوص في أعماقه وجذوره. والاكتفاء
بالقشور وتلَمُّسْ السطح فقط لن يجدي خاصة في الموضوعات
ذات الاهتمام الانساني المشترك. وليس هناك ما هو أهم وأخطر
من موضوع الإرهاب.
في زماننا الحاضر ، وليس إلا في حقبة من
حقبه ولكن قد تكون هي الأوسع، فإن الإرهاب في جذوره يعود إلى أعمال
القمع التي مارستها وتمارسها الأنظمة الاستعمارية والعنصرية
والاجنبية ضد الشعوب المقهورة التي تناضل من أجل تحررها ونيل
حقوقها المشروعة في تقرير مصيرها واستقلالها وفي حرياتها الأساسية
الأخرى( ).
وصحيح أن جهوداً هائلة قد تم بذلها للغوص في
الجذور وكان كل غواص يخرج بحصيلة قد يكون سعيداً بما حصل عليه ولكن
سرعان ما تتحول سعادته إلى حيرة حينما يرى أمامه وعلى السطح ما
يُسْقِطَهُ من جديد في الحيرة. فبعد أحداث 11/9 تبيّن للكثيرين أن
الخلل في طبيعة النظام السياسي ينتج عنه تشنجات قد تكون مرعبة .
ففي إفتقاد الديمقراطية سواءً على المستوى الداخلي أو على المستوى
الدولي وفي تسيير العلاقات الدولية حواضن خصبه لجذور الإرهاب. إن
السلوك الديمقراطي غير موجود في إدارة العلاقات الدولية مما يولد
الشعور بالإحباط لدى العديد من الدول( )، فافتقاد الديمقراطية في
النظام الدولي يُشَكِّلُ حاضنة في غاية الخصوبة لجذور إرهابٍ فيها
ينمو ويترعرع. والدول الكبرى بالذات تمارس سيطرة كاملة على النظام
الدولي وتستحوذ على امتيازاته، بينما الفرصة غير متاحة إطلاقاً
للدول الصغرى للتعبير عن آرائها وللدفاع عن مصالحها ، والأمر يعود
إلى الهيمنة الجديدة للكبار أو بالأحرى للأكبر( )وفي جزء منه عائد
للصغار الذين في معظم الأحيان لا يعرفون كيف يتصرفون ليس فقط بسبب
صغرهم بل وبسبب جهلهم والساحة الدولية أصبحت مكتظة بهم كاكتظاظ
محطات الانفاق الداخلية في المدن الكبرى فيها من هو عبقري صحي قوي
وفيها المتسول وفيها العازف على كمان و … و … ( ).
تشير الدراسات الاجتماعية إلى أن هناك بيئة
متوفرة لنمو هذه الجذور التي تطرح ثمارها عنفاً مدمراً يعصف بكل من
جاء في وجهه، هذه البيئة لها الصفات التالية:
- لا منافذ فيها للمشاركة
الديمقراطية وإن وُجِدَتْ فهي ضيقة جداً تدفع الانسان زجراً إلى
التنفس والتحرك خارج الاطارات الشرعية.
- العدل غير متوفر بل العكس هو
الصحيح مما وسع الهوة بين الغني والفقير. الغني يزداد جشعاً
والفقير يزداد حقداً لأنه عاجز عن تحقيق أدنى المتطلبات الانسانية
، فخط الفقر يمتد ويمتد ويتعمق.
- لا سلطة للقانون، استضعفوه
فحنطوه، وأصبحنا نسمع على الساحة بأن القانون هو قوة النفوذ.
وخُرقت بل مُزقت الحقوق الأساسية للأفراد إضافة إلى ممارسات القهر
التي تخلق رغبة لاُ تلجم للتمرد على المجتمع كله وتفتح أبواب جهنم
وأبواب الشر. والأهم من كل ذلك أنها تُميت معنويات الشباب، وتحطم
مروءة الأبي، وتصيب منهم المقتل، وتمحو مرجعية الانتماء والولاء
فيهيم الفرد على وجهه يصطف في طوابيرَ من مطلع الفجر أمام طاقة
مُسَيَّجةٍ بالحديد والشبك تجلس وراءها شابة مبرجة تمضغ اللبان
تتسلم منه طلب الهجرة الذي لا جواب عليه إلا تدخيله- بعد أن يتم
قتله في الأجهزة الأمنية- في قرعة الواحد بالمليون ( ). فكيف إذن
يهش الطير عن الشجر الذي لا يذوق منه إلا مُرّ الثمر … !!( ).
ونتيجة لذلك ينمو الفقه الانعزالي السري
بمنأى عن الشرعية. فللقضية جوانب ثقافية وفكرية وسياسية، ولا يجوز
تفويض القضية إلى الأجهزة الأمنية وحدها لمعالجة الإرهاب، إذ إنّ
تفويضاً كهذا للغوص في جذور المشكلة لحلها ظُلمٌ لها ، وإهدار
لإمكانية صحيحة للنبش على جذور الإرهاب التي يكمن الكثير منها في
السياسة والثقافة والاجتماع ( ).
من الملاحظ أن العالم أصبح منقسماً إلى
قسمين: هناك تقسيم متفق عليه ومقبول هو عالم الشمال وعالم الجنوب.
وهناك الدول النامية أو الدول السائرة في الطريق إلى النمو،
يقابلها السبعة الكبار أي المتقدمون جداً. لكن حين اللجوء إلى
الوضوح بعيداً عن التعبيرات المبطنة أو الديبلوماسية من أجل الحفر
على جذور الإرهاب؛ ومن أجل تكسير القواقع التي تخفي ما تخفي تحتها،
ومن أجل إزالة جدران الغموض، وبالأصح من أجل خلع الأقنعة فهناك في
العالم قطبان ( طبعاً لا أقصد قطبانية الحرب الباردة) من حيث
النواحي المولّدة للإرهاب:
القطب الأول: وينحشد تحت مظلته وداخل إطاره
: الأقوى عسكرياً، أصحاب التكنولوجيا، أصحاب النفوذ، الأثرياء،
قادة البنوك، أباطرة وسائل الاعلام، الفضائيات الخاصة، وموجهو
الجمعيات العالمية بشتى أنواعها، مستلطفو السامية.
ومن الملاحظ على أعضاء هذا القطب أنهم
يعيشون في خوف دائم سواء خوف حقيقي أو خوف وهمي: يخافون هبوط
الموازين المالية، يخافون التراجع عن الصف الأول، ويخافون من سقوط
نفوذهم ومن عدو وهمي. ويرتجفون من الأيادي الخفية؛ وسائلهم
الدفاعية تجاه هذه المخاوف هي العسكرة والمال.
القطب الثاني: وينضم تحت لوائه تلقائياً
وليس تنظيمياً بسبب تحرشات القطب الأول: المهمشون، المديونون ،
الفقراء والمنهوبة أموالهم، الفاقدو الأمل المقموعة إرادتهم،
المدعوس على تاريخهم وحضارتهم، المبعدون عن المشاركة، الواقفون ضد
سطوة العولمة. لكنهم جميعاً يكرهون المدرجين في القطب الأول الذين
سرقوا أموالهم وسحقوا طموحاتهم وقمعوا إراداتهم وداسوا على
معتقداتهم وحقّروا ثقافتهم وحضارتهم.
كان توازن الرعب في المرحلة السابقة، والدور
الايجابي القليل الممنوح للمنظمات الدولية بمثابة وسيلة يقوم بدور
فك الاشتباك بين هذين القطبين. ولكن حين انحسر دور الشهود والوسطاء
، استشرى دور القطب الأول وحجب حتى الفتات عن الثاني؛ فالدنيا له
وحدَهُ وليس هناك آخرون ، ولم يبق للقطب الثاني إلا أن يستجير
بالخالق ( ). ثم فيما بعد رافق الاستجارة تحرك أو بعض "القَطِران":
تفاعل في مثل هذا الوضع " الظلم" و "الكره"
و " التهميش" و " الغضب" فأفرز هذا التفاعل التحرك دفاعاً عن
الكرامة؛ تطلّب الموتَ بعد أن انسدت في الوجه وسائل الحياة؛ يقدّم
الروح والدم. وما قيمة الحياة في جو لا حياة ولا حياء فيه!!.
واتضح أن كل جبروت القطب الأول لم يستطع كبت
إرهاب القطب الثاني الذي انطلق بركاناً مدمراً . إذ لا يمكن قبول
نظرية الشعب المختار والشعوب الأخرى في خدمة هذا المختار. وبيّن
النبش على الجذور أن الحاضنة المفرخة للإرهاب والمغذية لجذوره
المتجسدة في القطبية المشار إليها ما زالت مستشرية تنهش جسد
البشرية.
تؤكد الشرائع السماوية، وحكمة الفلاسفة،
والتجارب البشرية، أن جذور الإرهاب ومنبع الفساد وسبب الدمار هو "
الظلم"، ولن ينجوَ مجتمع من الهلاك مهما تشبث بأنواع العلاج إذا
جنح في أتون الظلم. وأي ظلم أفدح من اقتلاع شعب من أرضه وتدمير
مزارعه ومنازله وتشريده هائماً في مكبات نفايات الآخرين ( ) وأي
تزييف للحقائق أكبر من التهليل والترحيب ورشِّ العطور والزهور تحت
أقدام المعتدي! وأي إمعان أفظع من إنكار حق المسحوق بالدفاع عن
نفسه حتى بصيحات الألم! أو حتى مِنْ حَمْلِ " دبشة" من حطام جدران
"خُشَّتِهِ" التي جرفتها جرافة الظالم يرمى بها جنزير الجرافة! لم
يبق له إلا روحه يجود بها مُجندِلاً بها قاتله يجلبه أمامه إلى
محكمة الاله التي لا يُكال فيها بمكيالين! وهناك سيتم الافصاح بنطق
الحكم عن جذور الإرهاب ( ).
إن عدم عمل أي خطوة إيجابية تجاه إزالة آثار
الاستعمار وتجاه تحقيق الأهداف النبيلة المنصوص عليها في ميثاق
الأمم المتحدة كان إسهاماً في خلق البؤس وخيبة الأمل والظلم
واليأس، وجميعها تشكل البيئة الصالحة لأثمار جذور الإرهاب. والفجوة
الواسعة بين الدول الغربية ودول العالم الثالث تزداد إتساعاً وتشكل
هاوية سحيقة وتجَذِّرُ الإرهاب العالمي وليس الفردي فقط الذي لا
ترى الدوائر الغربية إرهاباً غَيْرَهُ، وهو الذي " تُوجب مكافحته
بينما لا يمتد مسعاها إلى الوصول إلى الجذور( ).
ويجب الانتباه والوعي إلى عدم تجاهل مظاهر
الظلم في العالم حين حشد الجهود للقضاء على الإرهاب. وإذا كان لا
يمكن بأي حال من الأحوال تبرير الإرهاب فلا يمكن من ناحية أخرى
وبالمقابل تجاهل الظُلم فيه تكمن جذور الإرهاب ( ). القهر يجعل من
المقهور قنبلة موقوتة والحياة بدون كرامة لا تطاق( ).
التعرف على جذور الإرهاب يفيد في توجيه
مكافحته إلى الطريق الأنجع؛ وبدلاً من أن يتم التركيز فقط على ضرب
الإرهاب عسكرياً تتجه المعالجة الفعالة إلى حل المشكلات الاقتصادية
التي تؤدي إلى تزايد الفقر في العالم." إن الانتصار في الحرب على
الإرهاب يتحقق عندما توزع الدول الغنية جزءاً من ثروتها على الدول
الفقيرة" – بدلاً من ابتلاع ثرواتها – فتحول بذلك دون انطلاق أنواع
أخرى من الإرهاب. وعلى الدول الفقيرة بدورها مسؤوليةٌ مِن جانبها
في هذا المجال بوجوب تطوير أنظمتها لتتلاءم مع روح العصر اقتصادياً
وسياسياً عبر تحقيق الانفتاح على الديمقراطية والانفلات من القواقع
المتحجرة في الماضي. كما أن تقليص الفوارق بين العالم الأول
والثالث يصب في نفس الاتجاه ( ). وليس الهدف فقط تكوين عالم
تتناقص فيه أعداد الإرهابيين فالأهم تقليص عدد الذين يحتمل أن
يصبحوا ارهابيين واغلاق باب الاحتمالات أمام ظهور إرهابيين جدد.
إن نصف عدد سكان العالم اليوم يعيشون على
دخل يومي لا يزيد على دولارين وحوالي مليار منهم لا يحصلون على
أكثر من دولار ( ) إنهم خارج الاقتصاد العالمي المتطور. وذلك يعني
أن مليار إنسان يخلدون للنوم يومياً جياعاً يشربون مياهاً ملوثة،
فما هو هذا الاقتصاد العالمي الذي نصف سكانه ليس جزءاً منه ! وكيف
يمكن اغماض العين على حقيقة أن واحداً من كل أربعة من البشر سيموت
هذا العام من أمراض كالايدز والسل والملاريا والأمراض الأخرى
المعدية.
تكمن جذور الإرهاب في " الديون الخارجية"
التي يجب الغاء جزء منها. وتكمن في البيروقراطية التي لا بد من
تجاوزها كما تكمن في اغلاق أسواق الاغنياء في وجه مُنْتَجات الدول
الفقيرة وتكمن أيضاً في مناهج وأساليب التعليم عندها ( ). ثم
لماذا هذا الصرف الهائل على التسلح الذي يتم على حساب حاجات
الانسان الضرورية!.
" إن الاعتراف بالخطأ فضيلة" وينبغي إذن أن
تعترف الأطراف ولو باحتمالية حدوث الخطأ ، والحقيقة ليست مطلقة.
ويجب أن يعترف بذلك المثقف قبل السياسي، وينبغي أن يكون المثقف
قادراً على المراجعة وأن يلجأ إلى النقد الذاتي "وتحرير التوبة"؛
فالأمر يحتاج إلى حذق شديد. ويخطئ من يرى أن جذور الإرهاب تكمن في
السياسي والسياسة وليس في الثقافة والمثقف لأن المعـروف أن "
السياسي هو حفيد المثقف رغم أن السياسي هو الذي تلاحقه الأضواء
والكَمِرات. ولا يأبه أحد بالمثقف علماً بأنه هو المؤسس للفكر وهو
المُنظِّر ( ).
كما يجب التحلي بالشجاعة واستخدام قوة العقل
والحكمة. والخوف عادة ينبع من اعتماد العنف بما فيه من آلية معقدة
لمزج القول بالعمل. والبيئة الملائمة للعنف هي " السِّرِّية " فيها
تنمو جذوره وجراثيمه، والسرية بدورها تتزاوج مع العنف في زواج
باطل. العنف يحب السرية ويبحث عنها والسرية تؤمِّن له الملجأ
الساتر والحماية، إنها معادلة قذرة مشؤومة لا تنتج إلا إرهاباً.
والشفافية سخط على تلك المعادلة، لذلك فإن أعدى أعداء العنف
والإرهاب بشتى أشكاله هو الشفافية. إن حياكةً جديدةً لمنظومةِ
سلوكٍ وأخلاقٍ تتكون خيوطها وإبَرِها من ايجابيات العصر- مع
التحذير من التمويه واللجوء إلى السلبيات – أمر في غاية الأهمية
لوضع آليات جديدة تلتهم الجذور الدفينة والعميقة للإرهاب.
ولا يجوز أن يحارَب الإرهاب الأصغر بارهاب
أكبر ؛ إن ذلك من شأنه أن يولد جذوراً إرهابية تعصى على الاستئصال
وتنمو على شكل متوالية هندسية، فالعنف لا يولد إلا العنف ( ) مع
القناعة طبعاً أنه ما من غاية مهما كانت نبيلة تُسوِّغُ العنف.
فالغاية – وبعكس نظرية ميكافيللي الشهيرة – لا تبرر الوسيلة. كان
ميكافيللي يدافع عن نظريته محتجاً بنبل المقصد وبالظروف البيئية
آنذاك( ). كثير من الإرهابيين لا يختلفون مع ميكافيللي بحجة شرعية
الهدف. والخوف في هذه الحالة أن ميكافيللي والإرهابي سيسببان الطعن
في القضية العادلة التي يتظاهران بالدوران حولها لتأمين حمايتها.
يتعين رصدُ جذور الإرهاب في عناصر سياسية
واجتماعية واقتصادية وبالمناسبة فإن " الرخاء يمكن أن يلد إرهاباً
كما الفقر".( ) كما يمكن أن تُفجِّر العولمة التركيبة الذهنية
الإرهابية لأن الكثيرين لا يؤمنون بها والدليل على ذك احتشاد
الجماهير الغاضبة من جنسيات متعددة تعبِّر عن سخطها حين يعقد
الكبار اجتماعاتهم بدءاً من أمريكا إلى إيطاليا واليوم في "
إيفيان" في فرنسا ( ). ويمكن لنظام سياسي مغلق لا يحقق تطلعات شعبه
أن يتسبب في خلق الأجواء التي تشجع الايديولوجيات الخطرة فيصبح
تهديداً للعالم فيستثيره للرد عليه. والكثيرون يعتبرون أن
افغانستان كانت أكبر مثال على ذلك في أزمانها: السوفييتي أو زمنها
"القاعدي" أو زمنها الأمريكي. فتشتعل الحروب المسماة بالحروب
القذرة سواءاً كانت بالصواريخ المدمرة عابرة القارات أو بالتجويع
والحصار أو باحتقار القانون الدولي. وأكثر ما يثير الأسى في مثل
هذه الحروب هو رهبة " المضبوعين" فلا أحد منهم يجرؤ على رفع عقيرته
أو حتى لا يجرؤ على الهمس، فينتشر نجاح المنطق الإرهابي: " أنجُ
سعد فقد هلك سُعيد". علماً بأن النجاة بالركوع على تقبيل الأحذية
هي أشد هلاكاً ( ).
أما " الأصولية" سواءاً بمعنى
fundimenalisme كما
يفهمه الغرب نتيجة التاريخ الكنسي الذي مروا به؛ فلا ينطبق تماماً
على ترجمته العربية. والأصولية بالمعنى الغربي هي بدون شك من جذور
الإرهاب فكم من الملايين الغربيين أٌريقت دماؤهم بتبريرات أصولية
شتى . إن الترجمة الأصح إلى اللغة العربية ينطبق عليها معنى
الإسلام السياسي الذي يتخذ الدين الاسلامي مرجعية له فتعددت
تنظيماته. ولكن الأفعل من المرجعية كانت نشأته في أحضان خارجية
غربية أفْرَزَتْ تنظيماتٍ منها ما استمر قابعاً في الحضن حتى وإن
تظاهرت بمظهر العداء للغرب ولو بالصدام وضرب المصالح أحياناً.
ومنها من مَرقَ فلم يعترف لا بأب ولا بأمٍ، هذا بالإضافة إلى
التنظيمات التي كانت بذورها ارهابية فهي موضع المطاردة والملاحقة
في كل أرجاء المعمورة من جميع القوى الفاعلة على الكرة الأرضية.
وانعكست الخسارة الكبرى التي سببتها على الإسلام والمسلمين. حتى
أصبح الإسلام في نظر الكثيرين ديناً إرهابياً والمسلمون إرهابيين.
وهنا وقع الضياع حتى في أوساط العاقلين الذين ثاروا دفاعاً عن
الإسلام يقتلون من توصلت إليه وسائلهم وبعشوائية. وتسلل في أثناء
هذا الضياع المغرضون إلى هذه التنظيمات يفككونها من الداخل بضرب
جميع بنياتها اللوجستية والعقدية لعلهم يتمكنون من اقتلاع جذور
الإرهاب القابعة حسب عرفهم في صلب العقيدة الاسلامية وفي سلوك
المسلمين وأفعالهم. يستخدمون التمويه والأغطية الناعمة التي تنطلي
في أحيان كثيرة على الشعوب الاسلامية إما بعبارات سطحية معسولة أو
بالطرود الغذائية ينزلونها على المسلمين من السماء بالطائرات . ولا
بد أن تنكشف الحقائق لهؤلاء الجبابرة بأن ليس في الدين الاسلامي
جذور إرهاب وليس المسلمون ارهابيين. وبالتالي فيمكن القول بكل
بساطة إنهم يعرفون الحقائق جيداً ولكنهم يريدون شيئاً آخر !
هناك من يضغط على من لا يحتاج ضغطاً فهو
مندفع بدون ضغط من أجل " إعادة النظر في السياسة الخارجية تجاه
الدول الالسلامية بهدف منع الأصوليين الإسلاميين من بناء ( ) "
ستار حديدي إيديولوجي " يفصل العالم الاسلامي عن بقية الكرة
الأرضية." إن جداراً جديداً يقام أشبه بجدار برلين المشئوم حجارته
من فقر وسقفه من طغيان وهندسته من حقد. وحين السؤال لماذا كل هذا
الحقد يكون الجواب" إنهم يغارون منا فعيونهم حاسدة. إنها عين
الحسود"!. ليتهم يكتفون إذن بتعليق الخرزة الزرقاء إذ هكذا يعالج
فلاحو الأردن الحسد. ليتهم يتعلمون من فلاحي الأردن البسطاء، أو
يقومون بزيارة تلك السيدة الذي ذاع صيتها في عمان " بخط الودع" شرط
أن يحملوا لها معهم " بقجة فيها هدية" وسيعودون بالطائرة العملاقة
إلى عاصمتهم " وحجاب" مناعة ضد الحسد معلق في رقبة الحادي فيهم
يطرد عنهم عين الحسود( ).
إن هذه المواقف المعادية للسياسة الخارجية
الأمريكية والتي تبدو أنها مواقف راديكالية لا يمكن تفسيرها ببساطة
من منطق المعارضة للسياسة الخارجية الأمريكية، إذ هناك شكاوي
حقيقية في مختلف مناطق العالم والقليل منها فقط يمكن أن يكون
مسانداً لأسامة بن لادن مثلاً. هناك بالفعل أسباب أكثر عمقاً تتمثل
في الفقر وغياب التنمية والركود السياسي بالإضافة طبعاً وأولاً
لانحياز أمريكا اللامُبرر لإسرائيل. والولايات المتحدة تستطيع بدون
شك أن تقف بعدالة تجاه القضية الفلسطينية، ولكنها لا تفعل . وطبعاً
هناك من يعتقد العكس يقبع في "الجوانية" الأمريكية لأنه يعتقد أن "
إبن لادن لن يقبل بتسوية تقوم بها أمريكا فلو أُفترض أن شارون
ومحمود عباس قد توصلا إلى اتفاق برعاية وبدفع من جورج بوش فلا يمكن
أن يُؤَثِّر ذلك على موقف إبن لادن الذي سيعتبر الاتفاق غير شرعي(
).
نظن أن الأمر يحتاج إلى صراحة أكثر وإلى
شفافية صحيحة وإلى نوايا صادقة حقيقية وأن تكون المصلحة الأمريكية
أولاً في مرجعية الجانب الأمريكي المتعامل مع جذور الإرهاب في
القضية الفلسطينية ( )وليس مصلحة إسرائيل.
وما سمي بوعد بوش لرؤية أمريكية لإقامة دولة
فلسطينية " مؤقتة" وعدم تحديد مكانها وحجمها وعاصمتها وزمانها
يجعلها أكثر غموضاً. ويرى ناقدون عرب إن وعد بوش مرتبط بالمعركة ضد
الإرهاب (وشلعه) من جذوره( ).
بالنسبة إلى العقل العربي المهتم تلقائياً
بحسابه في البنك حيث يشكل المال أفقاً لكل شيء ويشكل الفقر وصمة
على الجباه فإن الإرهاب راسخة جذوره في الفقر. " فالفقير" و "
الجاهل" هو حتماً يائس – في غياب الثقافة الروحية – جداً إلى درجة
قتل الأبرياء وارهاب الآخرين أو مساندة الذين يرتكبون مثل هذه
الجرائم البشعة. إن المهمش والمهمل والمختزَل والذليل في المجتمع
ليس لديه ما يخسره، فليس عجيباً إذن أن يتفتق ذهنه عن جريمةٍ ما
كأن ينتحر هو وحدَه؛ ثم يكتشف أمثاله فيما بعد بأن الانتحار الشخصي
فقط غير مفضل، فالأفضل لإرواء الغليل أن يفجر نفسه ومعه آخرون؛ ثم
يكتشف من يليه أنه لا داعي لنحر النفس فنحر الآخرين وتوفير الذات
أفضل، وتستمر الحلقة الشريرة في تقطير حقدها. لذلك فإن خلق الفرص
الاقتصادية داخل إطار تثقيفي تعليمي روحي يعتبر " الترياق" أو
الأكسير المنشود (لشلع) جذور الإرهاب كما أنه " لقاح" ضد هذا
الطاعون.
وعلى صانعي القرار، وعلى القادة في
المجتمعات أن يرفعوا دخل الفقراء- في بلادهم وفي بلدان العالم
الثالث- وييسروا وصول المال إلى جيوبهم ليتمكنوا من الحصول على
الغذاء المادي والروحي وحينها لن يحولوا أنفسهم إلى آلة للدمار.
إن محاربة الفقر تعني زرع الأمل فالأمل خير
رد على الإرهاب ولن تتم هزيمة الإرهاب والفقر موجود بل يجب
اجتثاثه؛ على العموم هو قابع في جذور الإرهاب فشلع جذور الإرهاب
تعني بنفس الوقت شلع جذور الفقر( ).
مع منطقية " السببية" بين الفقر والإرهاب،
بل والدعوة إلى التركيز عليها ووجوب فكفكة هذه السببية هناك وبنفس
الأهمية موضوع "المشاركة" المتجسدة في "دمقرطة" وجوه الحياة كلها.
فالإرهابيون ليسوا فقط من الفقراء، ولا يتلقون الدعم من الفقراء أو
الأميين فقط بل وأيضاً من الأغنياء ومن ميسوري الحال ومن المتعلمين
ومن المفكرين. إذ إن الفقر ليس الجذر الوحيد للإرهاب، وليس الإرهاب
مدفوعاً بحالة يائسة لرفع مستوى المعيشة بل هناك ما هو أكثر أهمية.
إن "الاخلاص للوطن" و " النزعة الوطنية" و
"النزعة القومية" – في البلاد العربية مثلاً – و " العقيدة الدينية
" و"الانتماء إلى المجموعات العرقية"؛ جميعها تشكل نزعات ومشاعر
يتوسع انتشارها وتجذرها في البلاد المحرومة من البنيات
الديمقراطية. فالإرهاب ليس فقط جريمة اقتصادية بل إنه أيضاً وجه
عنيف لمحاولة المشاركة في الحياة السياسية الأمر الذي يستوجب ولوج
أبواب أخرى في شلع جذوره. أي تجذير الديمقراطية ونشرها ولو تطلب
الأمر استعمال العنف. وهنا سرعان ما تنطلق من عقالها صرخات
المحتجين من ذوي " الثقافة المعلبة" التي انتهى مفعولها منذ عقود
طويلة فتعفنت وفاحت ريحتها؛ لا ينكر عليهم جدوى ثقافتهم في زمان
معين أو مكان معين. ولكن الآن لا الزمان زمانها ولا المكان نفس
المكان، فالدنيا كلها الآن أصبحت مكاناً واحداً منفتحاً على بعضه
والبرهان واضح خَزَقَ كل عين وطرش كل أذن وكهرب كل إحساس وسحق كل
فكر، وهو ذلك الزلزال الذي حصل في نيويورك وواشنطن في 11/9/2001،
وذلك التحالف على افغانستان، وذلك شبه التحالف الذي شده البشرية
على العراق؛ والحلبة التي سبقته من نقاشات ومن مظاهرات عالمية لم
تشهد مثلها البشرية. لقد تغير العالم ولم يبق في وجهه ماء بعد أن
هوى العراق صريعاً ولا أحد ينعاه، أو يذرف عليه دمعة ولو من رموزه
الذين هوت "جواكر شدته" الخمسة والخمسون" على نعل بسطار جندي
أمريكي تعفف عن البصق في وجوه معظمهم!!
نعود إلى الأكثر أهمية مِن أنَّ القضاء على
الفقر قضاء على الإرهاب ألا وهو الديمقراطية ( ). كانت أكثرية
الذين استشهدوا من حزب الله في نضالهم ضد اسرائيل من الشريحة
اللبنانية الأكثر تعليماً والأقل فقراً. وكانت الأكثرية من
الاسرائيلين الذين قاموا بأعمال ارهابية متعلمين جداً، ويخدمون في
أعمال ذات أجور عالية.
كما بينت الاستفتاءات للرأي العام الفلسطيني
أن نسبة التأييد للعمليات الاستشهادية من بين المتعلمين والميسورين
أكثر منها في صفوف الاميين والعاطلين( ).
ومنذ أن بزغ الإرهاب في روسيا في القرن
التاسع عشر إتضح أن جزءاً كبيراً منه ارتكب من قبل أشخاص ميسوري
الحال نسبياً وكانوا من الطبقة الوسطى ومن الطبقة العليا؛
والمتعلمون كانوا دائماً من غير الفقراء. وكذلك كان حال الإرهاب في
إسبانيا وايرلندا واوكلاهوما. كما لم يكن الاشخاص السبعة عشر في
عملية 11/9 المتعلمين جيداً والميسورين استثناءاً ( ).
وتعود جذور الإرهاب في مصر إلى الغياب
النسبي للحرية، واضطهاد المرأة، والعزلة الشديدة عن الأفكار
الابداعية، وعدم التقدم في ميدان العلوم والتكنولوجيا، وضعف البحث
والتطوير. بلغت مثلاً عدد الكتب المترجمة إلى العربية في كل العالم
العربي سنة 1980(330) كتاباً وهذا الرقم يشكل خمس عدد الكتب التي
ترجمت إلى اليونانية في اليونان ذلك البلد الصغير قياساً بالبلاد
العربية. وتبين أن البلاد العربية تقع في أدنى درجات التصنيف
العالمي للحريات من حيث الحريات الأساسية، مساءلة الحكومات، الحقوق
المدنية، حرية وسائل الاعلام، " وحتى افريقيا الصحراوية الأشد
فقراً تمنح مواطنيها حرية أكبر وليس بالمصادفة أنها تُفرز عدداً
أقل من الإرهابيين"( ).
لذلك فإن فتح جميع الأبواب أمام الديمقراطية
كفيل بالتعامل مع جذور الإرهاب والقضاء عليها( ). إن التنمية
الديمقراطية هي الأسلم والأفضل والأكثر اصالة بدون أدنى شك.
والديمقراطية الطوعية الذاتية النابعة من أسفل إلى أعلى. هي
الأرسخ. ولكن هناك أيضاً وسائل أخرى هناك نموذج ديمقراطي الماني
ونموذج ديمقراطي ياباني فأصبح البلدان من أعظم دول العصر. صحيح أن
نبل الهدف لا يبرر حقارة الوسيلة. ولكن صون انسانية الانسان هو قمة
النبل والسمو. طبعاً مع الحذر الشديد والوعي بأن لا نشلع جذور
ارهاب لنزرع جذور أرهاب أخرى يكون قد اكتسب المناعة، والويل
للبشرية آنذاك. وعلى العموم ما أروع الجنة … ولو كان الجر إليها
بالسلاسل! وما أشد لظى نار جهنم ولو كان الطريق إليها مزيناً
بالرياحين وعذوبة الابتسامات! وتبقى النوايا الحسنة ليست الضمانة
الأكيدة.
جذور الإرهاب في الشرق الأوسط العربي
ليس من قبيل المبالغة أن هذه المنطقة قد
قدمت للعالم من الغذاء الروحي ما لم يقدم العالم كله ولو جزءاً
بسيطاً، فهذه الأرض هي مهد ومنطلق الديانات السماوية وقسم كبير
منها ( ) يتميز بقدسية تاريخية خاصة حتى والكثير من أهلها ينتسبون
إلى عائلات عريقة تَحَمَّلَتْ مسئوليتها الانسانية عبر التاريخ.
هذا بالاضافة إلى أن المنطقة تقع في موقع استراتيجي جغرافي هام لا
يوازيها بذلك أي موقع آخر( ). كما أنها مرت بأحداث تاريخية رسمت
فيها شكل وفكر البشرية. فهي بالتالي ارتبطت بالعالم؛ وبالتأكيد هي
محط أنظار العالم، ليس لأنها تغني العالم بثرواتها لتجعل منه
عالماً أروع بل ولقدرتها المستمرة على العطاء المتجدد، وأثبت
التاريخ تأثيرها على العالم وكذلك تأثرها بالعالم فكانت باستمرار
بمثابة " ألقِرْبَة" التي تخض اللبن لتخرج منه الزبدة ، فهي "قربة"
الأحداث الانسانية التي تتفاعل فيها ثم تفرز أنبل ما فيها لسعادة
البشرية وإزهار حضارتها.
وقد تنبه لحساسية وأهمية هذه المنطقة
الباحثون الغربيون بشتى الأغطية التي تلبّسوها، من "مُنقّب" عن
الآثار إلى" مستشرق " يبحث عن معرفة الشرق وحضارته، إلى "مبشر"
يريد أن يبشر إلى النور- وهو كمن يبيع الثلج لأهل الاسكيمو- هؤلاء
الذين يغطون في ظلام دامس، أو كحاملٍ لرسالة الرجل الأبيض يتجشم
تحمل المشقات ليُعَلِّمَ أهل المنطقة بالطبشورة والسبورة كيف
يستقلون، أو كتاجر يلف على كرشه المدلوع جراباً مليئاً بليرات
الذهب الأنجليزي يريد مد العون للفقراء لاستخراج كنوز الثروات، أو
كعسكري يريد أن يُدَرِّبَ المخاتير على القتال ليحاربوا ارهاب جمال
باشا الذي عَلَّقَ الصفوة على أعواد المشانق في بيروت ودمشق. كل
هؤلاء جاؤوا إلى المنطقة " وفتكوا" فيها بعد أن سقطت كل الأقنعة
والبراقع عن وجوههم وزرعوا فيها " خوازيق" يتصورون أنها أبدية من
تقسيمات سياسية جغرافية " سيريالية" وجعلوا منها خارطة عنكبوتية
مظلمة ، و "فَشَرَ" الرسام الخالد الذي رسم لوحة الموناليزيا التي
يصطف أمامها يومياً الآلاف من ذوي الذوق الرفيع للاستمتاع بخلودها
جميع أيام الاسبوع وأكثرها ازدحاماً يوم الأحد"( ). وزرعوا فيها
اسرائيل بإرادة غربية جماعية إذ لم يكن هناك "بلفور" واحد فقط بل
تجمعت عشيرة مِنَ " البلافرة" وجمعت من جميع أفرادها " الدِّية"
تكفيراً عن "ساميتها" النازية منها والبلشفية والشوفينية، كل ذلك
بشيكات مسحوبة على قلب العرب ودمهم وأرضهم.
وبدأ الإرهاب يُفَرِّخُ وينتشر كعيش الغراب
والغصة في حلق أهل المنطقة والنشيج والولولة في العالم الاسلامي.
وهنا كما يقولون مربط الفرس في موضوع الإرهاب وجذور الإرهاب. إذ
تشرد الفلسطينيون وأصبح عدد المشردين يفوق خمسة ملايين وتم احتلال
ثلاثة أرباع فلسطين، ذُبحت هنا إنسانية الانسان وهي أشد درجات
الإرهاب.
إن أخطر ما في الإرهاب ليس إراقة الدماء
وخسائر الأرواح ، فالحروب التقليدية والصراع المسلح تسيل فيها
الدماء انهاراً، إن نوعية الضحايا في الإرهاب ذات قدر عال من
الناحية الانسانية مقارنة بضحايا الحروب . إن القوانين الموافق
عليها تسمح باستخدام أقصى درجات القوة العسكرية لتدمير العدو وبنفس
الوقت هناك القوانين التي تفرض أكبر قدر من الحماية للمدنيين
والمحايدين الأبرياء الذين لا دخل لهم في الصراع ( ). وصفة الإرهاب
في الحروب لا توصم إلا بهؤلاء الذين يفتكون بالذين تحميهم
الاتفاقات الدولية في أثناء الحروب النظامية فهم هدف العمليات
الإرهابية الأمر الذي لا ينطبق على الضحايا العسكرية، فضحايا
الإرهاب هم أشخاص مدنيون عاديون ليس لهم أي ارتباط باطراف النزاع
المسلح وليس لهم أي دور في رسم أو توجيه السياسة في بلادهم. ومع
ذلك فالأمر في نظر الفاعلين يجد التخريجات القانونية لأن في ذلك
إضعافاً ضعاف للدولة ويقوي من الحركة التي اختارت الإرهاب كنهج
للوصول إلى أهدافها( ). ومن هذه التخريجات يتبين أن لا صلة في
العمليات الإرهابية للضحايا بالسياسة موضع الهجوم الأمر الذي يضع
الإرهاب في مستوى أخلاقي منحط لا إنساني قياساً بأنماط السلوك
الأخرى في الصراع المسلح. يُسند ذلك أنه حتى بعض الدول قد تجد
نفسها مسرحاً لعمليات ارهابية رغم أنها ليست طرفاً في أي نزاع ! هي
و /أو مواطنوها في الداخل والخارج كاحتمال التعرض مثلاً لعمليات
جرثومية أو كيماوية أو ربما أسلحة قذرة ذرية.
فالمسألة إذن انسانية الانسان الوادع الآمن
البريء الذي يمكن أن يقتل في مسلسل الضحايا اليومية في فلسطين في
الانتفاضة الثانية حتى أصبح المرء يتساءل وببراءة كم بقي على قيد
الحياة من الفلسطينيين في الوقت الذي يشاهد فيه على الشاشة الصغيرة
كيف تمت إبادة الهنود الحمر أو أهل امريكا الجنوبية أو كيف تم
ترحيل العبيد من افريقيا وبيعهم في سوق النخاسة!!.
هناك " إرهاب مذموم" يمارس في أبشع الصور
على الفلسطينيين وعلى أطفال العراق ويرى الكثيرون أن أحداث 11/9
جاءت رداً على الظلم النازل على فلسطين والعراق والصومال وكشمير
وأسام .
" انقضَّ ذئب على حمل وديع يهم بافتراسه
واتهمه "بجريمة" تعكير المياه التي شرب منها الذئب في العام
الماضي. وكانت حجة الحمل أنه من مواليد هذا العام. ولكن الذئب
التهمه بحجة أن أم الذئب إذن هي التي عكرت الماء". فما كان من أم
الذئب المسكينة إلا أن اندفعت بعاطفة الأمومة تدافع عن ابنها بنطح
الذئب نطحة لم تؤذ من جسمه شعرة. فصاح الذئب قائلاً انظروا إلى هذه
الإرهابية. فانهالت الببغاوات تردد: القول ما قاله الذئب نعم إنها
ارهابية, نُدين نطح النعجة للذئب"( ).
لا يمكن للباحث عن جذور الإرهاب من أجل
تدميرها – حتى يمكن وصفه بالجدِّية – أن يتجاهل حالة الغضب
والاحباط التي يعاني منها كل انسان عربي وكل انسان مسلم مما يراه
من ارهاب يتجسد في العدالة المشلولة " و "الظلم الكاسر" الذي يسد
كل منافذ الأمل أمامه ( ). كما لا يمكن تجاهل الأسباب السياسية
والاقتصادية والاجتماعية المُحَفِّزة للأرهاب فالاحتلال العسكري
والسطو على العدالة وضرب عرض الحائط بالشرعية الدولية المتجسد في
عدم احترام القرار 181، 194 للجمعية العامة، 425,338,242 ، (إلا
بعد مضي 25 عاماً) لمجلس الامن جميعها تجذر الإرهاب وتفجر العنف بل
تبني في النفس الجنوح إلى العنف الأمر الذي يجعل من ازالتها الطريق
إلى السلام والأمن ( ). إن من أهم عوامل تجذير الإرهاب في هذه
المنطقة هو حالة " الانجماد " المفروضة عليها في عملية " التنمية
السياسية" و "التنمية الاجتماعية" وبالذات في موضوع " الصراع
الاسرائيلي الفلسطيني"( ). طبعاً هذا بالاضافة إلى المصالح الشخصية
وعدم الاصغاء لصوت الضمير السوي. وهناك الظلم الذي يتعرض له الشعب
الفلسطيني وبعض شعوب العالم الثالث والفقر والجهل والمرض والانحراف
عن الدين والأخلاق السوية( ).
إن فلسطين تكاد تكون " بؤرة السلام" الحقيقي
في العالم حين يزال الاحتلال والظلم والاضطهاد وتحقيق حقوق الانسان
واقامة الدولة الفلسطينية ( ). نحن مقتنعون بأن السبب الرئيسي الذي
يدفع المسلمين إلى ممارسة الإرهاب هو سخطهم على اسرائيل واستيلاء
قوى غربية على الاراضي الفلسطينية لانشاء إسرائيل " وبالفعل إذا
كان هناك إرادة حقيقية للجم الإرهاب فلا بد وعلى الفور من انهاء
الظلم الذي تمارسه اسرائيل على فلسطين وشعبها، واحتمالات تزايد
الإرهاب مُتصاعده لأن اسرائيل استغلت حرب أمريكا وحلفها ضد الإرهاب
فركّزت هجماتها الإرهابية على الفلسطينيين . " وحتى لو أبادت
اسرائيل الستة ملايين فلسطيني فإن عرباً ومسلمين آخرين سيواصلون
الكفاح"؛ ومن المستحيل أن تستطيع اسرائيل ومن معها؛ قتل 1.3 مليار
مسلم لضمان أمنها. وما على القوى العظمى إلا أن تحِلَّ القضية ( ).
كان التعاون الدولي لإنشاء إسرائيل بمثابة خلق بؤرة للتوتر في
المنطقة الأمر الذي غرس جذور الإرهاب. وعلى المجتمع الدولي الذي
أقام اسرائيل تقع كل المسؤولية في النتائج السلبية التي ترتبت على
اقامتها. ولا بد من قول الحقائق في هذا الموضوع ووضعها على طاولة
البحث والا ستبقى الحلقة الشريرة تتوسع لتخلق المشكلات أكثر تقود
الجميع إلى الهاوية.
إن الحملة ضد العرب والمسلمين في الاعلام
الغربي – حين طرق موضوع الإرهاب ، الذي تطرقه كل يوم – تطال كل
دولة عربية تقف في وجه التوسع الاسرائيلي فينزل فيها الاعلام
تشهيراً وتجريحاً كعقاب على وقفتها هذه . هناك هجمه على الحضارة
الاسلامية والهوية العربية والثقافة العربية( ).
إن توجيه تهمة الإرهاب إلى لبنانيين
وفلسطينيين لأنهم يقاومون إسرائيل أمر معيب ، ومن المعيب أكثر أن
دولاً ترى بأم عينها ما ترتكبه إسرائيل بحق الفلسطينيين، ولكن هذه
الدول تعود فتغمض عينها من جديد صارخة بأن العرب ارهابيون. لا بل
هناك ما هو اكثر فهناك دول تخرج بين فترة وأخرى قوائم رسمية بأسماء
دول – أكثرها عربية - وتصنفها بأنها ارهابية بدون تقديم أي دليل.
وتتوالى قوائمها يومياً وكأنها نشرة الأسهم والعملات والبورصات
اليومية( ).
إن القضية الأولى بالنسبة للعرب والمسلمين –
وربما كذلك بالنسبة لأمريكا إذ إن هناك من المتابعين للسياسة
الدولية من يعتقد بأن الطاقم الأمريكي الحاكم منشغل بالقضية
الفلسطينية أكثر من انشغاله بالشأن الامريكي – هي القضية
الفلسطينية والتوصل إلى حل لها يعيد للشعب الفلسطيني حقوقه كاملةً
وأولها حقه في إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني ويعيد لسوريا
كامل أراضيها المحتلة واستكمال الانسحاب الاسرائيلي من مزارع شبعا،
كفيل في انهاء الإرهاب لأن حلاً عادلاً ينهي منابع اليأس والظلم
والقهر والاحباط( ).
إن من واجبات الرأي العام العالمي أو بالأصح
إن مسؤولية الذين يصنعون الرأي العام أن ينتبهوا إلى دوافع الإرهاب
وجذوره قبل أن ينهالوا بالطعن والشجب والتقريع وارتكاب الظلم الذي
يورث المزيد من الأحقاد، فالواجب هو مقاومة الظلم من أساسه لأن
جذور الظلم لا تؤتي ولا تطرح إلا مقتاً وبغياً يشل عقل العاقل فيصل
إلى القنوط فيهون عليه أن يرمي نفسه في التهلكة صابراً محتسباً.
فتشوا إذن عن جذور المأساة قبل أن تلوموا أو تظلموا وتثوروا
وتنقسموا انصياعاً للباطل الصهيوني وما يجنبه من جور وقهر " في هذا
الزمان القذر العجيب"( )!! أن ثروات العالم الثالث – وأهمها ثروات
العالم العربي- في فم الوحش الغربي، إن شعوب الشمال تبلغ 20% من
سكان المعمورة ولكنها تبلع 80% من ثروتها وتقطر عداءً ضد الثقافة
العربية الإسلامية وتصفها بالإرهاب ؛ في الوقت الذي لم يطلق
المؤرخون والمفكرون الغربيون مثل هذا الوصف لا على النازية، ولا
على الفاشية، ولا على البلشفية، حتى ولم يصفوها بالمسيحية أو
الكاثوليكية أو الأرثوذكسية، ولم يصفوا الفظائع في فيتنام
بالأنجليكانية ( ) والولايات المتحدة انتقلت من البربرية إلى
الانحطاط دون أن تمر في مرحلة الحضارة( ).
لا يمكن لأي إنسان عاقل في الوطن العربي أن
يدعم الإرهاب، بل ويعلن بملء الفم وكامل الحق موقفه الرافض له.
ولكن الرجل المسلم الذي يحاصره قطاع الطرق، ويخشى على حياته يمكن
أن يصبح ضارباً. وحين إدانة العنف يجب التذكر دائماً أن العنف
الأساسي هو عنف الاحتلال . أما العنف الذي يقع كرد عليه هو نوع
ثانوي من العنف نشأ وترعرع بسبب العنف الأساسي والباديء أظلم. ولو
انسحبت إسرائيل من الأراضي المحتلة وفككت مستوطناتها فإن العنف في
معظمه سيتوقف. والقاعدة أن الظلم والاستغلال والاستعمار والهيمنة
والتمييز وتعدد المكاييل جميعها تولد العنف سواء على نحوٍ مبرر أو
بدون تبرير. ولذلك حينما يتعلق الأمر بالكفاح الوطني ضد الإرهاب
يجب أن نتذكر جميعاً أنه مهما بلغت كراهيتنا وشجبنا للإرهاب فنحن
في الأصل ومن باب أولى نكره ونشجب الظروف التي أوجدته.( )
أن الشعوب العربية بما تركز في عقهلها
ونفسها وسلوكها من إرثٍ حضاري وعقيدة دينية لا تريد إلا العدالة
وتحقيق العدالة، ولا يمكن أن تجنح إلى الإنتقام، وهي لا تريد أن
تشعل حرباً لتحقيق العدالة بل الدعوة لها بالموعظة وبالحكمة
وبالتحالف السلمي. والموقف العادل تجاه القضية الفلسطينية يؤدي إلى
الحل وعلى من يؤمن بغير ذلك من الكبار الكاسرين أن يتعقَّلوا
ويراجعوا حساباتهم مع غمزة بسيطة: من هم الذين مولوا ابن لادن!
ونورييجا؟!( )
وعلى الوادعين أن يتأكدوا من صحة ما يقال
وأن لا يتظاهروا بالقناعة العمياء أو يسارعوا في الإنبطاح للضغوط،
فالكبار يعرفون جيداً أن الصديق الخانع الجاهل أسوأ من العدو
الواعي: وليس أسوأ من الإنسياقِ ذيلاً في حرب غامضة لا اتفاق فيها
على تعريف الإرهاب، وفيها اختلاف على من هو الإرهابي، حرب لا
استناد فيها على الشرعية الدولية، واهدافها غير معروفة. ربما أن
التبرير هو أن قبول الأسوأ أفضل من احتمال التعرض لما هو أسوأ
بكثير على القاعدة الشرعية "يدفع الضرر الأكبر بالضرر الأدنى".
علينا أن نتفهم حالة الغضب والإحباط التي
يعاني منها الإنسان العربي والمسلم نتيجة الشعور بغياب العدالة
والظلم الواقع عليه. وفي نفس الوقت علينا أن ندرك أنَّ حل الأزمات
ليس بالعنف أو بالإرهاب وإنما بالعمل العقلاني المدروس ومخاطبة
العالم بالمنطق واللغة التي يمكن أن يستوعبها ويقبل بها. إن القتل
والإرهاب وأخذ الرهائن لا يُحقِّق التحرير بل أثرها سلبي على
القضية حتى ولو كانت عادلة ما دام أن المفهوم العالمي الغالب لا
يمكن أن يقبل بها. فما هي الحكمة إذن من اقتراف تلك الأعمال، وما
هي الفائدة!! لا ذنب لذلك الأمريكي الدبلوماسي الذي اغتيل في عمان
في العام الماضي الذي كانت مهمته تقديم العون للفقراء. أن الدين
الإسلامي لا يمكن أن يسمح بذلك.( )
وعلى الشباب المزيد من الوعي، وعلى الأجهزة
الرسمية خاصة- قبل وسائل المجتمع المدني- أن تُنَوِّر الشباب
باستمرار بالحقائق والمنطق حتى لا يصفو الجو لأجهزة الخبث المضادة
فتجذب الشباب إليها بشعاراتها البراقة فتستغلهم لأهداف لا علاقة
لها لا بالدين ولا بالوطن ولا بالقضية. وما الفائدة من تكسير
اشارات المرور أو تحطيم واجهات المحلات التجارية أو حرق السيارات!
إن الشباب العربي المسلم يعيش مشكلات متعددة قد لا تُعذر السلطة
على فشلها أو عجزها في حل مشكلات البطالة والفراغ.. إن الشباب
يعيشون في نسبة بطالة عالية، يعيشون في فراغ روحي وفكري وديني وحتى
في فراغ رياضي وكلها مسؤولة عن الإرهاب. فليس هناك في المجتمع من
يقوم بواجبه تجاههم كما ينبغي ابتداء من البيت إلى المدرسة إلى
الجامعة إلى وسائل الإعلام.( ) والمسألة بالنسبة للشباب ليست مسألة
فقر أو ثراء، هي المقارنة بين الذات والغير وهنا يتولد الشعور
بالحرمان والتهميش، الأمر الذي يحول الشاب إلى متفجرة يمكن
استخدامها في أية لحظة وفي أي مكان. والتطرف هو الأب الشرعي الذي
يبدأ أولاً بفكرة تلمع في الذهن ثم تتحول في الجو الخصب إلى
براكين. ولو تتبعنا المنطق العسكري في رسم الخطوط الهجومية والخطوط
الدفاعية لتوصلنا إلى خطوط الدفاع التالية ضد الإرهاب:
• خط الدفاع الأول: هو التعليم في
المراحل المتتالية: روضة، ابتدائي، ثانوي، جامعي.
• خط الدفاع الثاني: الإعلام
بجميع وسائله المقروءة والمسموعة والمرئية الرسمية والخاصة.
• خط الدفاع الثالث: الثقافة.
• خط الدفاع الرابع: الحرمان
وغياب العدالة.
• خط الدفاع الخامس: المشاركة
السياسية أي الديموقراطية.
وإذا لم يشعر الشاب بقيمته، وإذا لم يكن
مليئاً بالقيم ومفعما بالأمل بأن له مكاناً في وطنه وحصة فيه حسب
كفاءته، وإذا لم تكن الفرصة مفتوحة أمامه في مختلف الميادين
فالتوقعات ستكون سلبية لن تنعكس إلا سوءا على مجتمعه ومن ثم على
المجتمعات الأخرى. وكم تعاني الكثير من الدول من هجرات العمالة غير
المشروعة التي كثيراً ما "يَنْفُقُ" فيها الشباب إما في البحر
غرقاً أو على الشواطئ صيداً أو في الجبال العالية المغطاة بالثلوج
برداً. ( )
كما أن مواجهة الإرهاب تتطلب خط دفاع سادساً
وهو المشاركة الدولية بتحمّل مسؤولية جماعية تقتضي تكاتف الجميع
سيما في المنطقة العربية من هذا العالم وملاحقة الإرهابيين أينما
كانوا. فالجريمة التي ارتكبت في الرياض بتفجير المجمعات السكنية
بسيارات مفخخة وسائقيها، والجريمة التي لحقتها بعد يومين في الدار
البيضاء في المغرب؛ قام بها شباب لم يفقدوا فقط الأمل بل كل شيء
قبل أن يُجندوا لمثل هذه الأعمال، وهي جرائم لا علاقة للإسلام بها-
ولكن ربما الإسلام المسيس-( )
وما زالت المواقف الرسمية العربية تجاه
الإرهاب رغم صرامتها وحزمها في مواجهته تفتقر إلى تفهم الموقف
العالمي تجاه الإرهاب الذي هو بدوره يبادلها الافتقار إلى تفهم
حقيقة الإرهاب في البلاد العربية وكلا الطرفين فقراء في التواصل مع
الشباب والأجيال الصاعدة.
صدر عن القمة العالمية التي انعقدت في شرم
الشيخ (حضرها كل من جورج بوش الرئيس الأمريكي، وولي عهد السعودية،
وملك البحرين، والعاهل الأردني ورئيس وزراء فلسطين الجديد محمود
عباس، وطبعاً الرئيس المصري- لم تدع سوريا ولا لبنان) بيان بإسم
الجانب العربي قرأة الرئيس المصري جاء فيه عن الإرهاب: التأكيد مرة
أخرى على المواقف العربية المضادة للعنف والإرهاب والاستمرار في
محاربة ويلاته بحق الإنسانية، والتأكيد على رفض ثقافة العنف
والتطرف مهما كان شكله أو مصدره أو مكانه ومهما كانت دوافعه لأنه
وباء يهدد الأمن والإستقرار في العالم العربي أجمع؛ والعمل على
الحيلولة دون وصول العون المالي للمنظمات غير الشرعية وللجمعات
الإرهابية بإنفاذ القوانين بكل قوة.( )
لقد انقطع العرب عن الإستقلال الوطني
الحقيقي واتصالهم بالعالم الخارجي اتصال عيي، وتوقف ابداعهم
الحضاري وحتى توقفت مشاركتهم في مسيرة العالم الحضارية فوقعوا في
حوزة معزولة عن واقعهم وعن واقع الغير وعن المسار الطبيعي للحضارة
وسبب ذلك:
- الإلتصاق أو التشبث بأحد
المراحل التاريخية واعتبارها كل التاريخ وحشر الذات فيها باعتبارها
عصر التألق الذهبي الذي هو في حقيقته أما عصر ديني أو مذهبي أو
طائفي (الخلافة الراشدة، السلطنة العثمانية، الفرعونية، المارونية،
البربرية). لقد احتاج هذا الإلتصاق إلى الإرهاب لأن الشرعية
الغائبة لا تستطيع أن تسبغ حمايتها على العودة المستحيلة للماضي.
- الانبطاح على اليدين والجبين
على أقدام الغير الغربي والعربشة الطفيلية على ثقافته وسياسته
وعسكرته واقتصاده وشركاته واستراتيجياته.( )
إن هذين السبيين حنّطا القدرة العربية
وأصابتاها بالشلل من حيث القدرة على الإستمرار في حياة طبيعيه. لذا
فإن السقوط في حِقبة تاريخية لم تعد مجدية – بل إن السقوط في
الماضي ليس من سنة الحياة- هتكت بالفكر، كما أن الانبطاح والذيلية
أيضاً ليس من سنة الحياة، مثل هذا الحال لن يكون إلا بيئة صالحة
للإرهاب.
أسباب الإرهاب:
يبدو أن العالم بقي غير متنبه أو غير آبهٍ
أو غير مكتوٍ بجحم الإرهاب منذ اتفاقية جنيف لسنة 1937( ) للحماية
من الإرهاب لأن ضحاياه كانت في معظمها من دول العالم الثالث
المتخلفة التي لا يكترث أحد بآلامها أو طموحاتها ولا أحد يستمع إلى
صيحاتها أو استغاثاتها ولم يجزع لما لحق بقُراها ومدنها ومساكنها
وخيراتها من نهب ودمارٍ.
والأكيد أن العالم الحضاري المتقدم لم يشعر
بهول الخطر الداهم ولم بيستيقظ إلا بعد الهجوم على ستاد ميونخ في
أثناء دورة الألعاب الأولومبية ومقتل أحد عشر رياضياً من الوفد
الاسرائلي، والهجوم على مطار اللد وقتل المدنيين، فقامت الدنيا
وبدأت الحملة بزخم ضد الإرهاب بكل حماس واحتشد العالم يبحث موضوع
الإرهاب في الجميعة العامة للأمم المتحدة التي بدأت المناقشات حوله
سنة بعد أخرى بدءا بقرار الجميعة العامة رقم 3034/72 لسنة 1972
بإنشاء لجان للغوص في اعماقه لضربه والقضاء عليه.( )
وهناك حدث آخر ارهابي غطى على كل ما قبله من
أحداث إرهابية ألا وهو 11/9/2001 الذي ولد حرباً تحالفية صبّت كل
حممها على افغانستان تلاها حرب تحالفية أخرى تم فيها احتلال العراق
عسكرياً وسحق نظام صدام حسين وسحقت معه العراق.
أن الحرب على العراق وافغانستان سوف تعيد
انتاج الإرهاب وتخلق اجيالا جديدة من الإرهابيين تتحدى الغطرسة
الأمريكية وقد تدفع إلى القيام بأعمال إرهابية داخل امريكا يتجاوز
أثرها بكثير أحداث 11/9/2001( ) كما قد تؤدي إلى انتشار الأسلحة
الكيماوية لأنه لا يتوفر لدى المستضعفين وسائل أخرى لردع أقوى دولة
في التاريخ. وأوضح "شومسكي" أن سبب الإرهاب يعود إلى إصرار امريكا
استخدام القوة لتغيير الأنظمة المارقة رغم تصريحاتها بأنها ستجْعل
من العراق نموذجاً يحتذى به في المنطقة للديموقراطية والانفتاح؛
وإذا لم يحتذِ الآخرون بعدئذ بالعراق طوعاً فالزجر غير مستبعد
والقهر كذلك. وكما يقول المثل لدى الحراثين في الأردن "أول الرقص
حجلان"، فإن الحجلان بدأ في سوريا أو حول سوريا بعد أن أدرك السامر
الصباح في العراق.( )
الأسباب التي تساعد على نشر الإرهاب تشير
إلى أن هناك حالة غير صحية متدهورة في النظام الدولي القائم وهناك
أزمة حادة توجع الضمير وتتفه الأخلاق يبرز فيها التناقض الصارخ
بين:
- نصوص المواثيق من مبادئ سامية
وقيم رفيعة تكاد ترقى إلى مستوى القدسية لطهارتها ومثاليتها.
- وبين ما يظهر من الممارسات
والسلوك العملي التي لا تدل إلا على التنكر لتلك القيم والمثاليات.
هذا التناقض هو السبب للجوء إلى الإرهاب ليس
كعنف مجنون بدون حدود أو محددات وإنما كصرخة من الأعماق تشق الصدر
مدوية احتجاجاً على هذا التناقض الفظيع بين النص والتطبيق.
والأمثلة لا تحصى من كثرتها. فقد فشل النظام الدولي في تحقيق
المطالبة المشروعة للحركات والقوى الوطنية المُخْتَطَفَة من قبل
القوى الاستعمارية التي تنكر عليها حقها في تقرير المصير وتحجر
عليها وتغلق في وجهها كل منافذ التعبير بل وتقمعها وتدفعها إلى
الإستسلام بالقوة "المفرطة" ولا يبقى أمامها إلا الإكراه على
ارتكاب العنف لعلها تخترق الأطواق لتحرك الضمير الإنساني أينما كان
لعله يتنبه إلى الفظائع والحمم النازلة على رأس هذه الحركات
الوطنية.( )
بالإضافة إلى التناقض السابق، لا يتوفر
الحزم في وقف المخالفات وردع الانتهاكات بفرض عقوبات رادعة ضد كل
عابث. إن التسيب الدولي هو الذي يُغري المفترى والإرهابي والمارق
في المجتمع الدولي بالإضافة إلى القتلة والمرتزقة والمتعصبين
عرقياً أو دينياً على التمادي بخرق القانون الدولي وانتهاك سيادة
الدول الأخرى بوسائل لا أخلاقية كالتهديد والابتزاز والاختطاف-
وكلها أعمال ارهابية- هذا التخاذل الدولي في الردع وهذه الصلافةُ
في خرق القوانين لن تؤدي بالعالم إلا إلى الكوارث، فالاجرام يستشرى
حين يغيب القانون ويستفحل العنف حين يُعطَّل الردع.
ومن الأسباب الناشرة للإرهاب ضلوع الدول
وتواطؤها مع منظمات إرهابية دولية فتساعدها وتضع تحت تصرفها
استغلال مكانة الدولة للتغطية من أجل تخطيط العمليات الإرهابية
وتنفيذها. هذا بالإضافة إلى أن بعض الدول التي تتظاهر بغير ما تبطن
فتمارس الإرهاب من خلال دول أخرى وبكل خبث ودهاء.
وبما أن الإرهاب مرض خطير فهو يتكاثر وينتشر
في المجتمع كما تنتشر الخلايا السرطانية الخبيثة في الجسم المصاب،
وتكاثرت الشبكات، وقفزت إلى أرقام تتكاثر يومياً لا توفر أية دولة
ومن أشهرها: القاعدة التي أصبحت على كل لسان ودخلت جميع اللغات
وتردد اسمها أكثر من أي شيء آخر؛ وبعض المنظمات الفلسطينية شئناً
ذلك أم أبينا هي إرهابية "إنها عنزة ولو طارت"، واللي مش عاجبه
يشرب من البحر!! أو عليه متابعة أخبار المؤتمر الدولي في شرم الشيخ
في الأسبوع الأول من حزيران/2003؛ والجيش الأحمر الياباني، ومنظمة
الألوية الحمراء الإيطالية، ومنظمة الجيش الجمهوري الإيرلندي،
ومنظمة الجيش الأحمر، وبادر ماينهوف الألمانية، ومنظمة أيتاً
الباسك الإسبانية، وشبكات ارهاب الموساد، و..... و..... وهناك
تعاون في كثير من الحالات بين شبكات الإرهاب.
إن التقدم التكنولوجي فتح آفاقاً أمام
انتشار الإرهاب لم يكن يحلم بها اي ارهابي من قبل، فأصبح الإرهاب
متمكناً علمياً من دقة التصويب على أهدافه وبالمقتل. وأخطر ما في
الأمر هو إمكانية حوزه الإرهاب في وقت ما ومكان ما على اسلحة
الدمار الشامل.
يساعد على انتشار الإرهاب المواقف السلبية
لبعض الدول التي تنعدم عندها الجدية والصرامة والتعاون في
مكافحتِهِ لأمرٍ في نفس يعقوب.
وأصبح هناك ظاهرة انتشار مؤسسات تشكل غطاءاً
للتمويه على الإرهاب والتستر عليه وحمايتة ومساعدته وتقدم له
الخبرات تماماً كالواجهات الاستخبارية ولكنها واجهات ارهابية( )
مثل الواجهات التجارية وحتى الرياضية.
والمتتبع لأسباب الإرهاب سيلاحظ أن بدايات
العمل الإرهابي لم تكن ارهابية، بل إن التطورات التي مر بها العمل
جعلت منه إرهابياً أو أن معالمه الإرهابية لم تظهر في مراحله
الجنينية أو الطفولية إنما تظهر بعد بلوغ نضج محدد. فالأمر يحتاج
إلى عوامل سيكولوجية وبيئية ملائمة، وقد ثبت أن الجمهور – وعن غير
تخطيط وغير قصد- هو الذي يدفع بحركة ما إلى الإرهاب حينما لا يفسح
لها مجالاً لانتشارها أو للإيمان بها، وعدم ميله لها غير راغب في
طروحاتها. وبالتالي فكأنه يحكم عليها بالعزلة. وحين تنعزل الحركة
تبدأ المعالم الإرهابية بالظهور عليها وكأنها بلغت سن النضج
الإرهابي ووجدت البئية الصالحة له فتسقط عنها الأقنعة كأنها
"شرنقة" اكتملت مراحل نضجها من بيضة إلى فراشة إلى دودة وهكذا!
عندما قبل أهالي منطقة الباسك الإسبانية ما
عرضته عليهم الحكومة بعد وفاة الجنرال "فرانكو" وهو الحكم الذاتي
بدلاً من الاستقلال أسْقِطَ في يد حركة ETA
فانفصل عنها الجمهور فانعزلت ونزلت تحت الأرض تمارس الإرهاب. ونفس
العزلة فرضها الشعب الفرنسي على اليسار الفرنسي بعد أحداث سنة 1969
فلجأت أجنحة منه إلى العنف الإرهابي. تتحول الحركة إلى حركة مضادة
فيتخلى عنها الجمهور فتظهر فيها الأفكار الراديكالية ثم تنعزل عن
مجتمعها.( ) وكاد حزب البعث في سوريا أن يمر في نفس المراحل بعد أن
قامت الوحدة المصرية السورية سنة 1958 لولا أنه استطاع الوصول إلى
الحكم بسرعة فبل أن يُعزل جماهيرياً. وكذلك حزب البعث العراقي تمكن
بدوره من الوصول إلى السلطة. وهنا يمكن الدخول في الموضوع من زاوية
أخرى وهي "إرهاب الدولة" والاتهامات الموجهة إلى النظام العراقي
الحاكم وحتى سقوطه في شهر نيسان / 2003، وهي تهمة إرهاب الدولة
التي أودت إلى ما تم التوصل إليه. ثم بدأت تتوجه أصابع الاتهام إلى
سوريا وبدأت ممارسات الضغوطات عليها خاصة وأن سوريا مدرجة على
القائمة الدورية للدول الإرهابية التي تصدرها وزارة الخارجية
الأمريكية والسائرون معها –وفي معظم الحالات سيرورة تلقائية-. إن
سخط الحاكم الأمريكي "بريمر" الحالي للعراق – والذي أشغل أهم منصب
قيادي أمريكي يوجه الأجهزة الأمريكية المسؤولة عن ملف الإرهاب- على
حزب البعث العراقي يقع في "سيرورة" تحول الحركات أو الدول إلى
الإرهاب بما فيها إرهاب الدولة. ولا بد من التأكيد هنا على براءة
الجمهور من هذا التحول ولا يمكن اتهامه بمسؤولية هذا التحول. ولم
يحصل قط توجيه التهمة إلى شعب. وهنا وقع ما كان غير متوقع أبداً أي
السقوط في الشباك واتهم الشعب العربي والدين الاسلامي بالإرهاب، إذ
لا يمكن إغلاق العيون وصم الآذان عن موجة السخط العالمي على العرب
والمسلمين – وبدبلوماسية مسمومة- ليس كل العرب وليس كل المسلمين
وليس كل الاسلام.
وعودة إلى "العزلة" المولدة للإرهاب، فقد
تكون هذه العزلة طوعية تقوم بها الحركة اجتهاداً منها وبكامل
إرادتها فهو بالتالي أمر يتعلق بمسؤوليتها هي وليس غيرها. ولكن قد
تحصل العزلة قهراً تمارسه السلطة القائمة الرسمية ضد الحركة فلا
تجد مجالاً إلا النزول تحت الأرض ومواجهة القهر بالعنف، أو عزله
نتيجة بطش تمارسه قوى الاحتلال ضد الحركة فتلجأ حينها إلى العنف
والإرهاب وهذا ما حصل للجيش الأحمر الإيرلندي. ولكن وعلى سبيل
المثال بالنسبة للجزائر، فرض الاستعمار الفرنسي العزلة على الشعب
الجزائري أدّت إلى الانفجار الذي هو ثورة التحرير- ومن النذالة
تسميته إرهاباً- لا بل إن إطلاق هذه التسمية على ثورة الجزائر هو
الإرهاب بعينه!!( ). ولكن الأمر الذي وقع في نهاية 1991 لجبهة
الإنقاذ الإسلامي أصبح الشغل الشاغل للجزائرين والعرب والعالم
وانشدت كل أنظار العالم إلى الجزائر حين وقع الصدام المرير
المدمِّر بين السلطة وجبهة الأنقاذ الإسلامي ومن ينضوي تحت مظلتها.
فكادت أن تهلك الجزائر على يد أبنائها إذ استشرت عمليات العنف
والعنف المضاد بإرهاب تقشعر له الأبدان.( ) وأصبح الكل منعزلاً
والأسوأ كان انعزال السلطة!
قال ابن تيمية: "إن الله لينصر الدولة
العادلة ولو كانت كافرة على الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة"، وقال
مبعوث فارسي حينما رأى عمر بن الخطاب نائماً تحت شجرة بلا حراسة
وهو من دانت له الأرض من اقصاها إلى أقصاها "حَكَمْتَ فَعَدَلْتَ
فأمِنْتَ فَنِمْتَ". إن الدولة التي بلا هيبة والتي لا تصون الحق
ولا تثبت العدل تضم جموعاً شتى من الغضبى والمغضبين والمغضوب
عليهم، لهي دولة ضالين غير مأمونين ولا آمنين( )."إن الانسداد في
الحكم بالإضافة للشعور الطاغي بانعدام العدل تخلق التشرذم والعمى
في التعصب الرهيب الذي تتهاوى أمامه بنيات الأمل والأمن فأضحيا
خيال مآته في حقل تنعق فيه الغربان وبُوَم الشؤم( ). ويتحول الوطن
إلى أشبه بالطلل تعشعش فيه العقارب والأفاعي بعد أن هجره مواطنوه
إما هجرة جسدية وإما هجرة روحية وهي الطاغية. وأية نشوة أصابت تلك
الأرملة العربية المسلمة والتي مسقط رأسها في أعماق الريف، حينما
حصلت هي وايتامها على هجرة إلى كندا إذ إن الدنيا كلها كانت بالكاد
تتسع لفرحتها وهي تضم الأطفال تحت جناحها!!.
من الواجب الانتباه إلى أن للإرهاب صفة
استثنائية وظرفية في غاية الأهمية في حسم النزاعات السياسية
باستخدام العنف، فهو متكرر الاستخدام ويثير دائماً مشكلات انسانية.
والإرهاب هو نَسَق عنف تمارسه القاعدة كما تمارسه القمة، وهو نتاج
عوامل متعددة ومحصلة قوى مختلطة تفرزه وتقولب شكله، وتتداخل في
أسبابه الدوافع والمحركات، وبالإضافة إلى ما سبق من أسباب تضاف
الأسباب التالية( ):
- ممارسات الترهيب التي تستخدم
أحدث الوسائل ضد شعوب بأكملها بهدف السيطرة عليها والتدخل في
شئونها.
- الهجمات العسكرية التي تقوم بها
دول بحجة الضربات الوقائية ضد دول ذات سيادة وقد وصف تقرير لجنة
الإرهاب في الأمم المتحدة تلك الهجمات والممارسات بأنها أسوأ أنواع
الإرهاب فتكاً وضرراً.
- إرهاب الدولة يعتبر السبب
الرئيسي لخلق العنف المضاد أي يستثير إرهاب الضعفاء لأن المفروض
على الدولة أن تتحلى بالقيم والقانون والأخلاق وأن لا تستخدم
الإرهاب وكلُّ خلل ترتكبه يقلب التوازن في المجتمع الأمر الذي يخلق
الإضطربات.
- حينما تقوم الدولة بخرق قواعد
العدالة والحريات الأساسية وحقوق الإنسان تشكل دعوة صارخة للعنف
المضاد.
- أما لماذا تقوم الدولة بالإرهاب
فذلك يعود إلى:
• أسباب تتعلق بسيكولوجية
المُتنفِّذين في اتخاذ القرار فمنهم من لديه الطموح الفردي
والأنانية أو غريزة التسلط أو الثأر.
• من المتنفذين مَن هو مستعجل على
تحقيق الهدف إما لمصلحة لشخصية –طمعاً في أن يكسب جولة الانتخابات
التي على الأبواب مثلاً- أو لمصلحة مجموعته على حساب مجموعات أخرى.
• من المتنفذين من هو عنصري
استعماري يتنكر لحق الشعوب.
- هناك أنظمة سياسية دكتاتورية من
طبيعتها تعليق الدستور وتعتبره عاجزاً عن فرض النظام الذي يريده
الدكتاتور.
- وهناك أنظمة شكلها ديموقراطية-
وفي جوهرها دكتاتورية- ولا يبقى بيد الشعب تجاه السلطة الساحقة
واجراءاتها التعسفية الا التحرك دفاعاً عن نفسه، فيقوم المتسلط
بدوره بتوجيه الإجراءات القمعية ضده، فتستِمرُّ حلقة العنف والعنف
المضاد.
- والمشكلة أن السلطة التي تمارس
الإرهاب ضد الشعب تمارسه أيضاً في سياستها الخارجية بعلاقاتها مع
الدول الأخرى، فتتدخل الدول القوية في الشؤون الداخلية للدول
الضعيفة تحت ستارات متعددة وبحجج مختلفة، كالمساعدات العسكرية أو
الاقتصادية أو للمحافظة على الأمن والاستقرار الدوليين أو لحماية
الأقليات الإثنية أو الدينية أو لحماية بضعة مواطنين لها يعملون
هناك.
- هناك أيضاً النزعة العرقية
كالتمييز العنصري الذي مورس بشناعة في افريقيا الجنوبية، وهناك
نظرية شعب الله المختار التي تمارس بشناعة اكبر ضد الفلسطينين في
اسرائيل( ).
- الإرهاب يولد الإرهاب وهذه حلقة
مفرغة شرسة.
- والذي يدفع إلى الإرهاب هو أن
جميع الوسائل الأخرى لدى الضعفاء قد فشلت في ايجاد الحلول
المناسبة، وقد ذهب تقرير اللجنة في الأمم المتحدة في هذا الاتجاه
إذ أعاد سبب الإرهاب إلى أعمال القمع التي تمارسها الأنظمة
الاستعمارية والعنصرية والأجنبية ضد الشعوب التي تنشد التحرر( ).
ولو طرقنا أسباب الإرهاب من زاوية أخرى
لوجدنا أنه يمكن تقسيمها إلى( ):
أسباب سياسية:
بهدف الإرهاب إلى تحقيق حق تقرير المصير
ومقاومة الاحتلال، ومحو التفرقة العنصرية وصيانة حقوق الإنسان
والوقوف ضد السياسات غير العادلة التي تمارسها السلطة. إن الأسباب
السياسية للإرهاب تهدف إلى إرغام السلطة على اتخاذ القرار الذي
يسعى إليه مرتكبو الإرهاب، وقد تهدف إلى الحاق الأضرار بمصالح دولة
معينة أو إيذاء مواطنيها بسبب مواقفها السياسية من قضايا معينة مثل
ضرب السُياح في الأقصر، ونسف الجمعيات السكنية في الرياض، والهجوم
على الفنادق في الدار البيضاء.
أسباب اقتصادية:
يهدف الإرهاب إلى الحاق الأذى والأضرار
باقتصاد دولة معينة بتدمير منشآتها الصناعية أو التجارية أو مكاتب
شركات الطيران الوطنية لإثارة الرعب لدى المتعاملين معها حتى تجف
منابع الدخل عندها وبالتالي إضعافها، كنسف أنابيب النفط أو أنابيب
الغاز في الجزائر، أوذبح الموظفين في تلك المؤسسات. وقد يكون
الدافع الاقتصادي هو حاجة الإرهابين لابتزاز الفدية ليتمكنوا من
تمويل عملياتهم.
نشر أفكار معينة:
قد يكون الدافع العمل من أجل نشر أفكار
معينة فيسعى الإرهاب لارتكاب عمليات يحصل فيها على تغطية اعلامية
لدفع افكار معينة أمام الرأي العام للحصول على الدعم والتأييد( ).
كما يمكن أن يكون البحث في أسباب الإرهاب من
الزوايا التالية:
اسباب وراءها دوافع فردية:
كالأسباب النفسية إذ يقدم الفرد على الإرهاب
لأسباب تتعلق بحالة نفسية عنده أثارتها ضغوطات ومواقف تعرّض لها،
إذ كيف سيتصرف طفل رأى بأم عينيه ذبح والديه وأخوته أمامه وتلطخ
رأسه بدمائهم، كما حصل لأطفالٍ في صبرا وشاتيلا. بالإضافة إلى أن
هناك جيلاً فلسطينياً كاملاً سمي بجيل الانتفاضة. إن الأثر النفسي
لأحداث 11/9 التي خطيت بتغطية إعلامية هائلة على الكثير من الذين
شاهدوها سيكون بالغ الأثر. هذه بالإضافة إلى أن هناك أسباباً
وراثية عند بعض مرتكبي الإرهاب( ).
أسباب بدوافع الحاجة إلى المال:
حين يحتاج الفرد ولا يجد ما يسد حاجته ويلبي
متطلباته المادية وعندما تتسع الهوة بين الفقير والغني وسط أجواء
تنتشر فيه الفضائيات والشفافية، فماذا سيعمل الفقير الذي لا يجد
قوته حينما يقرأ إعلاناً في الصحف بأن شاباً يعرض مليون جنيه جائزة
أو مكافأة لمن يجد كلبه المفقود ويعيده إليه( ). إن المنظمات
الإرهابية بارعة في إجتذاب الشباب ضعيفي النفوس بتوفير فرص الثراء
السريع لهم.
أسباب وجدانية:
لقد نجح الإرهاب بتسخير وسائل الإعلام
للتأثير على الوجدان فيجد من يتعاون معه في بعض الأوساط فينخرط في
المجموعات الإرهابية( ).
أسباب على المستوى الوطني:
تم التطرق إليها في مواقع سابقة من هذا
البحث تتعلق بالحرمان، وغياب الديموقراطية( )، وخرق حقوق الانسان
وحقوق الاقليات والتمييز العنصري، والاختلافات الدينية والمذهبية
وانتهاك الحقوق المدنية، وتواجد القواعد العسكرية الأجنبية على أرض
الوطن( ).
اسباب على المستوى الدولي:
إن قيام بعض الدول بممارسة الإرهاب
ومساندته تساهم في نشر الإرهاب عالمياً، كما أن خلق البُؤر
المتوترة واستمرار الرواسب الاستعمارية يؤدي إلى الإرهاب خاصة في
الشرق الأوسط وافغانستان.
إن الآثار التي ترتبت على حرب فيتنام
أثبتت أن مواجهة الدول الكبرى باتباع عنف غير تقليدي يمكن أن تحقق
النصر مما ترك الانطباع عند الثوريين بأن الإرهاب وسيلة ضرورية
لتحقيق الهدف.
المؤثرات الخاصة على اسباب الإرهاب:
هناك مؤثرات غير مباشرة بل بعيدة جداً عن أن
تكون سبباً للإرهاب ولكن التفحص والتحليل وشدة الاهتمام بَيَّنَتْ
أنه لا بد بالأخذ بالحسبان لمؤثرات ولوكانت بعيدة جداً. فمثلاً:
كنا نسمع كثيراً عن أثر الغابات في فيتنام على حركة الثوار حيث
كانت تشكل عمقاً وستراً لهم ضد النار النازلة عليهم من السماء.
تأثر بموضوع الغابات الكثير من الذين قاموا ضد اسرائيل بعد
انتصارها في حرب 1967 وتصور أن الشجيرات في عجلون و جرش يمكن أن
تقوم بنفس الخدمة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تم استبدال غابات
الأشجار بغابات من المواطنين أي الاختباء بين المدنين الأبرياء في
أحياء المدن المكتظة بالسكان. وذلك ما حصل أيضاً حينما وجهت التهم
للنظام العراقي المنحل بأنه يخفي اسلحته ذات الدمار الشامل حتى
والتقليدية بين صفوف المدنيين( ).
ومن العوامل المؤثرة على اسباب الإرهاب:
- التضاريس الجغرافية من حيث كون
المنطقة جبلية أو سهلية، غابات أم سهولاً، أمطاراً وثلوجاً أم
صحراء أنهاراً أو بحاراً... ولذلك فعلى السلطة القائمة أن تسيطر
على اقليمها كافة حتى لا يُترك فيها جيوب تخرج عن سيادتها تشكل
مأوى للهاربين من القانون، ولا يغفر للدولة أن يد سلطتها لا تمتد
إلى كل إقليمها: كأفغانستان قبل سقوط النظام فيها، أو دول امريكا
الجنوبية ومناطق المافيات ومزارع المخدرات.
- طبيعة المناخ الجغرافي تحدد
وسائل العنف وكيفية مواجهتها.
- على الدولة أن تهتم بمواطنيها
في مختلف الأقاليم منعاً لنشوء بؤر التوتر، كتوزيع مشاريع التنمية
على مختلف الأقاليم. وعليها أن تكون متيقظة تماماً للمناطق
الحدودية، فمثلاً الأردن شديد الاهتمام بالرعاية بمناطق البادية
ولكن تكرار الأحداث في منطقة معان أمر لافتٌ للنظر وشَكَّلَ خاصرة
رخوة للدولة في مرات عدة( ).
- إدمان الخمور والمخدرات يؤدي
إلى عدم السيطرة الذاتية الأمر الذي له تأثير على الجريمة السياسية
والثورة الانفعالية، فعلى الدولة التعامل بشكل علمي أكثر من أمني
مع هذه الظاهرة الواسعة الانتشار خاصة إذا علمنا أن الإرهاب يرسل
الشخص المتفجر ليقوم بمهمته تحت التخدير. وقد استعمل هذا الأسلوب
تاريخياً الحشاشون الذين عرفوا بهذا الإسم وبه كانوا يسيطرون على
عقول الشباب.
- التعددية العرقية أمر ذو حدين،
فإذا تعاملت الدولة معه بعدالة يتحول إلى إثراء لمجتمع الدولة،
وإذا تم التعامل معه بعصبية تحول إلى سوسة تنخر المجتمع وتهدمه.
والدستور الأردني هيأ للتعددية عدالة حققت الأمان للبلاد من هذه
الزاوية( ).
- إن الحكم والإدارة الناجحة هي
التي تعتمد اللامركزية وليس المركزية؛ الأمر الذي يعطي حرية اكثر
في اتخاذ القرار الصائب من قبل الشخص الذي على علاقة مباشرة فهو
الأعلم والأعرف. كما يفتح المجال امام القيادات من مختلف الأقاليم
ويقضي على البيروقراطية منابع التذمر. فأهل مكة أدرى بشعابها.
- تشجيع النقابات المهنية لجميع
المهن فهي الأعرف بالاستجابة إلى أماني منتسببها وآمالهم. وكذلك
تشجيع العمل الحزبي السياسي ولو باحتضانه ورعايته حتى يصل النضج.
لأن الغياب أو الخلل في التنظيمات النقابية والسياسية يشكل بؤرة
للتذمر وبالتالي للعنف والإرهاب. ومن نافلة القول التأكيد على أنه
على الجميع الإلتزام بالقانون الذي يجب أن يشرع حسب الأقنية
الدستورية. والتأكيد على ضرورة أن لكل حزب سياسي، ولكل تنظيم نقابي
الأقنية الكافية الحرة للسلوك والتعبير والكل يعمل من أجل الوطن.
- الاهتمام بالشباب ركن الوطن
الأساسي صحياً وتربوياً وثقافياً وسياسياً وأي خلل في أي منها يخلق
بؤرة التذمر المؤدية للعنف فالإرهابيون وجميع الذين ينفذون
العمليات الإرهابية هم من الشباب بين 17-22 سنة عادة.
- الدولة هي دولة القانون فقط وأي
خروج على القانون قد يؤدي إلى أسوأ انواع الإرهاب.
- اشراك الشعب كله في القضايا
الهامة إما بالعودة إليه مباشرة بالاستفتاء أو بالعودة إلى ممثليه
دائماً. كانت اسرائيل ومازالت حينما تقع قيادتها تحت ضغط سياسي
في قضايا مصيرية تُلَوِّحُ بأن الأمر يحتاج إلى استفتاء الأمة، أو
تلجأ إلى انتخابات تشريعية مبكرة، وعلى الرغم من ذلك اغتالت
اسرائيل رئيس وزارئها "رابين" شريك أبي عمار في صنع سلام الشجعان(
). وإرتسخ في الذهن العربي أن كل استفتاء نتائجه معروفة سلفاً فهو
معتاد دائماً على النتيجة "الكاتالوج" للإستفتاء التي لا تزيح عن
99.99%. وكسرت العراق في آخر انتخاب للرئيس "الريكورد" فوصلت
عندها– وبدون تكبُّدِ حلف الأيمان المغلظة-100%.( ) "One
hundred Percent"
ويجب التأكيد في هذا المجال على أن إزالة
هذه الأسباب المؤثرة في صنع الإرهاب ليست من اختصاص الأجهزة
الأمنية – إلا في التنفيذ- وليست مسؤولية المُشَرِّع فقط بل هي قبل
ذلك مسؤولية التربوي ومسؤولية المفكر ومسؤولية المُنَظِّر ومسؤولية
عالِم الاجتماع وعالِم السياسة ومسؤولية الدولة كلها. إن الصفة
المميزة للإنسان هي الحرية، وحين يتم قمعها لديه يندفع إلى التدمير
والتخريب. فالإنسان هو الإنسان الحر والعبد لا أهلية له. فالأولى
بالعرب والمسلمين أن يعوا ذلك قبل غيرهم. كما أن السلطة مفسدة
وحينما تنشق عن القانون تستبد وتظلم. لذا فإن مهمة الدستور وضع
الضوابط للسيطرة على غريزة الحرية وغريزة التسلط عند الإنسان
فانفلات أي منهما كارثة على المجتمع وتحقيق التوازن بينهما وقاية
من الجنوح إلى الإرهاب( ). وقد اعتمدت معظم الدساتير مبدأ فصل
السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية بتوازن دقيق( ). ورغم ذلك
فكثيراً ما تتغول السلطة التنفيذية على غيرها من السلطات فتفتك في
معظم الأحيان بالسلطة الإعلامية مثلاً: (بعد أن تكون اعتدت علي
اختصاصات السلطة التشريعية باستغلال اجازتها أو باستغلال تغيبها –
فتصدر التشريعات غير الدستورية الجائرة-) وفوق ذلك تَصِفُ
الإعلام بأنه "إعلام مرعوب"( ). والتغوُّل
يخرق التوازن الدستوري فيُهيءُ الأجواء المنعشة للعنف والإرهاب.
- إن أي خلل في التوازن الإجتماعي
أو السياسي أو الاقتصادي يفتح باب التذمر منبع الإرهاب( ).
- إن تكرار استعمال "حق الفيتو"
في مجلس الأمن بدون حق كان ومازال سبباً هاماً من اسباب الإرهاب
حتى أن "اللبكة" و "الدربكة" في استخدامه التي حَدَثَتْ في مجلس
الأمن قبل أن تقوم امريكا بهجومها على العراق في 28/4/2003 غير
معبِّرةٍ لمجلس الأمن بجميع اعضائه سيُظهر المستقبل مدى كونها
سبباً فعالاً في ارتكاب الإرهاب المسمى "إرهاب الدولة"( )
وتتنوع أسباب الإرهاب تبعاً لأنواع الإرهاب
وأشكاله:
وشكلاه البارزان والهامان هما: الإرهاب الذي
تمارسه الدولة، والإرهاب الذي يمارس من قبل منظمات أو اشخاص.
وتمارس الدولة الإرهاب مباشرة أو بالنيابة
تجاه دولة أخرى أو ضد المعارضين من أبناء وطنها- سواء كانوا داخل
البلاد أو خارجها- إما للقضاء عليهم أو لاضطهادهم أو لإخضاعهم( ).
وسبب إرهاب الدولة متعلق بالأسباب الداعية
إلى مقاومته:
- إذا كانت الدولة تواجه إرهاباً
عسكرياً فتقوم من جانبها بالتهديد بواسطة استعراض عضلات القوة إما
بعروض عسكرية أو بمناورات أو بالتهديد باستخدام القوة أو
استخدامها.
- وهناك الإرهاب الاقتصادي ويكون
بالسيطرة على ثروات الشعوب المستضعفة واحتكارها . والنفط هو أوضح
مثال صارخ من حيث "الامتياز" "والتنقيب" و "الإنتاج" و "التسعير"
و"التسويق" و "تأمين التدفق".
- وهناك الإرهاب السياسي الذي
يزود وكلاء الدولة- بأشكالهم واغطيتهم المتنوعة والمموهة باستمرار
كلون الحرباء- بكل التسهيلات اللازمة من حيث الإعداد والتدريب
والتخطيط والتمويل والتسليح ووسائل التكنولجيا المتطورة.
- وهناك الإرهاب "الإنفصالي" الذي
ينسف وحده الإقليم واندماجيته الذي يعود إلى اسباب عرقية أو وطنية
أو قومية.
- ثم الإرهاب العقائدي أو الفكري
أو الأيديولوجي الذي كان متجسداً في حقبة الحرب الباردة بين العالم
الرأسمالي والعالم الاشتراكي.
- الإرهاب الديني الذي يعود إلى
اسباب دينية كما هو واقع في ايرلندا بين السلطة البروتستانتية
وشعبها الكاثوليكي. وكما هو في افغانستان – القاعدة- وموقف امريكا
والعالم تجاه ما قامت به افغانستان والذي مازالت تقوم به القاعدة.
- أما ما يتعلق بالعراق واحتلالها
وسقوط نظامها فلْنسمِّه إرهاباً بسبب انتاج أو إمتلاك اسلحة دمار
شامل أو بصورةٍ أقرب إلى الدقة بسبب الشكوك في امتلاك تلك الأسلحة(
).
- وهناك الإرهاب الوقائي وسببه
احتمالية التهديد الإرهابي وتبلور بالتسمية الحديثة "الحرب
الوقائية" أو "الضربة الوقائية".
وأما فيما يتعلق بأسباب إرهاب الأشخاص أو
المنظمات أو المجموعات:
- فتمارس الشركات الإرهاب في
مزاولة خدمات غير مشروعة كتجارة المخدرات من زراعتها إلى تصنيفها
إلى تمريرها إلى تسويقها، كما أن المنافسة في أحيان كثيرة تؤدي إلى
ممارسة الإرهاب الاقصائي ضد الدولة التي تحاول فرض القانون
والشرعية بمقاومة المنافسة غير المشروعة أو لوقف انتاج أو الاتجار
بالمخدرات.
- أما أسباب الإرهاب عند الاشخاص
فغالباً ما تكون لأسباب شخصية كعمليات الانتقام أو الابتزاز أو
السطو على مواقع قيادية أو في أحيانٍ كثيرة نتيجة خلل نفسي.
أما اسباب الإرهاب عند الجماعات والمنظمات
فهي مختلفة عن الأسباب الشخصية وغالباً ما تكون كجزء من شبكات
إرهاب عالمية تمارس الإرهاب بدوافعَ متعددة تحركها اسباب بسيطة في
البداية إلى القيام بالإرهاب بالنيابة عن منظمة أخرى بدون الرغبة
منها في معرفة السبب.
وهناك من يصنف عمل المنظمات الوطنية التي
تدافع عن قضية مشروعة وضمن إطار شرعية قرارات الأمم المتحدة، بأنها
إرهابية.
إن قمة التطور بأروع ما وصل إليه من تنظيم
دولي المتجسد بظهور الدول الكبرى والدولة الأكثر قوة بدون منازع،
والمتجسد ايضاً بظهور أو في "منظمات دولية" كالأمم المتحدة بفروعها
العديدة جداً، ومنظمة حلف الأطلسي، ودول عدم الانحياز، ومنظمة
المؤتمر الاسلامي، وجنوب شرق اسيا، ومنظمة التجارة الدولية، و....
و... كل هذا التنظيم الراقي، وكل هذه الدول العظيمة ، يبدو أن في
سلوكها أو في ثناياها أو في اعماقها ما يمكن أن اسميه "مسٌ من
الإرهاب"، وإلا فكيف يمكن تفسير ما نراه على المسرح الدولي الذي
ضرب بعرض الحائط ليس بالشرعية الدولية فحسب بل وضرب بعرض الحائط كل
ما يقبله عقل أو منطق.( )
أسباب العنف في المجتمعات الاسلامية:
يتسم "العنف الديني" مثل كل أنواع العنف،
ومثل كل ظواهر الحياة الانسانية بكثرة وتنوع الأسباب تترابط
وتتداخل بل وتتناقض أيضاً. ويعود الكثير من هذه الأسباب إلى
المجتمع نفسه من حيث ممارساته وظروفه ونشأته، كما يعود قسم من
الأسباب إلى البيئة التي يمر بها المجتمع الانساني ككل؛ أي يعود
إلى أسباب تأتي من خارج المجتمع فتؤثر فيه وتستثير ردَّ فعله. لا
أحد يستطيع إلا وأن يكون مُتأثراً بانسياب المعلومات والمعرفة
والسلع والمفاهيم، فتكاد الدنيا أن تكون قريةً واحدة ، وحتى فإن
هذه القرية قد تكون أشبه بالأسرة الواحدة لا يفصل بينها إلا ما
يتعلق بالتكوين البحت للفرد ( ).
كما أن الثقافة والمفاهيم النابعة من "
إيمان صحيح وسليم" من الصعب جداً أن تُفرز إرهاباً ولا حتى
استخداماً أعمى للقوة. و"الايمان السليم" ليس صفةً لعقيدة محدودة
بالذات دون غيرها، وليس صفةً لثقافة أو حضارة دون غيرها من
الثقافات، فالانسان الانسان ليس مُحْتَكَراً أو " امتيازاً" لقومية
معينة أو ثقافة معينة أو زمان محدد بالذات. فالانسان الانسان هو
عطاء انساني أينما كان وفي أي زمان. والإسلام هو ملك للبشرية كلها
التي كانت والموجودة حالياً والقادمة مستقبلاً.
والاسلام رسالة سمحة "وسَطِيَّة" معتدلة
تأمر بالرفق وتنهى عن " الغلو" و"الافراط" و "التفريط". قال تعالى
:
• " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ
أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ
الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً. البقرة 143.
• " وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْ
لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ
قَوَاماً ".الفرقان 67.
ذلك قَطْرٌ فقط من غيث "سماحة" الاسلام،
وتعود مظاهر العنف في البلاد الاسلامية أو يعود العنف الذي يسمى
إسلامياً أو ألصق به إلى( ):
1. سوء الفهم أو الفهم الخاطئ
للإسلام: هناك جماعات وفِرَقٌ تطرح مفاهيم مشبوهة ومشوشة للإسلام،
وهناك مُغرضون ذوو هوى واتجاهات خبيثة تأخذ الدين الاسلامي ستاراً
لطرح شعارات دينية تتشدد في بعض الشكليات وتهمل الأمور الجوهرية.
كما أن جماعات تشهر الاسلحة في وجه جماعات أخرى موجِّهةً لها
التُّهَم التي تصل إلى حد التكفير.
والملاحظ أن هناك كثرة في الذين يتنطحون
للاختصاص بالشئون الدينية دون إعداد؛ وبالتالي بلا كفاءة ويخوضون
الحوارات طبعاً بعد أن يكونوا قد أطلقوا اللحى ولبسوا الثوب الأبيض
والعباءة السوداء ولفوا العمامة على الرأس مع اجراء بعض التمارين
من أجل الحصول على صوتٍ رخيم. وربما تجد بعضهم ينطق ببعض كلمات غير
مفهومة من لغةٍ غير عربية؛ ويتَصَيَّدُ الواحد منهم الفرصة لقراءة
صفحة الوفيات في الجريدة ليفرض نفسه على بيت عزاء ينطلق فيه بخطاب
ديني لا يجذب إلا امتعاض الآخرين … وفي بعض الاحيان يُخْطِئُ
العنوان فيدخل منزلاً تزدَحِمُ أمامه السيارات الفارهة لمدعويين
على عشاء فاخر فلا يظفر إلا بكلمات ناهرة من حارس في أغلب الحالات
لا يتحدث اللغة أو اللهجة المحلية!!
إن الفهم الخاطئ للاسلام على تنوع أسبابه
يحمله دعاة ليسوا بدعاة يشكل الباعث الأول للتطرف والإرهاب الذي
يصل إلى الحد الذي يُرتكب فيه التكفير والقتل.
2. الهيمنة الأجنبية مهما كانت
جنسيتها ومهما كان شكلها . " لقد استباحوا الوطن واحتقروا كرامة
الشعب وأذلّوا وعذبوا الناس وطاردوا أهل الرأي وقادة التحرر ونهبوا
الثروات وزرعوا الذعر. الأمر الذي وّلد عند المواطنين أعلى درجات
الغضب فثورة التحرير " وانتفضوا يطلبون الموت. ومن الأمثلة على
الهيمنة الأجنبية:
• نهب الثروة الوطنية وأغراق
السوق بمنتجات أجنبية وطمس المنتج المحلي .
• اغتصاب السيادة واسقاط الدولة
بحجج مفبركة خرقاً لكل الأعراف والقوانين الدولية.
• اغراق الأسواق المحلية بكم هائل
من المؤلفات المعادية للإرث الوطني والتشهير به والغزو الفكري
بالفضائيات المتسلطة ووسائل الاتصال الالكترونية ، وتغريب المجتمع.
• إقامة القواعد العسكرية
فاْنتُهِك مفهوم الاستقلال والسيادة.
• الانحياز الكامل لكل ما تقوم به
إسرائيل.
3. يمارس الحكام المحليون التعسف في
استخدام السلطة، فيقمعون ويقتلون ويسجنون ويعذبون وينفون
ويُهجِّرون ويقطعون الأرزاق الأمر الذي يدفع بالمواطن إلى العنف
والإرهاب. ومن الحكام من هو جاهل ضيِّق الأفق لا يعرف في شئون
الحكم ولا يعرف واجباته، يهمل في شئون وطنه وشعبه منصرفاً إلى
الملذات فهو بذلك كأنه يمارس ضد شعبه عنفاً غير مباشر يستثير العنف
المباشر لدى مواطنيه. والصورة السيئة الكاريكاتورية للمتسلط العربي
المسلم في الاعلام الغربي تَتَمَثَّلُ في شخص يرتدي العقال والغترة
يحشو اللحم بِشدْقيهِ مُرَنَّخَةً بالخمر، تحيط به العاريات
والطبّالون( ).
4. الحاجة وعدم توفر فرص العمل:
يقول المثل الأردني الشعبي " قلة الشغل بتعلم التطريز" والتطريز
هنا بمفهومه السلبي وليس الفني. والبطالة فعلاً تولّد الرذيلة.
والفقير المحروم تتولد عنده النقمة والتمرد والغضب والعنف، إما عنف
ضد نفسه فيهرب من الحياة إلى الفساد والموبقات وإلى أحضان
الإرهابيين لقمة سائغة فيقودونه ويوجهونه مثل ما يوجه الانسان
الآلي بالمُوجِّهِ الكهربائي عن بعد؛ وإما عنف ضد الآخرين يُهلك
فيه الحرث والنسل. إن الفقر والبطالة تعني الحرمان وكلها تنتهي إلى
الكفر "وأعوذ بك من الفقر والكفر". حديث نبوي. ( ).
5. الانسان بفطرته يدافع عن حقه
ويُشهر سيفه دفاعاً عن حقه المسلوب في غياب العدالة ودولة القانون.
والحق المسلوب يقود إلى التطرف والعنف( ). وحق الشعب الفلسطيني
مسلوب سواءاً حقه في تقرير مصيره أو في حرياته الأساسية وحقه في
الحياة على ترابه الوطني وإقامة دولته المستقلة.
6. إن قمع الحريات وتعطيل الدستور
وعدم العمل بموجب القوانين والتسلط وفتح السجون، أي غياب
الديمقراطية، يدفع بالناس إلى الانتقام ممن آذاهم وإلى التمرد
والعنف. وبالعكس فإن التمتع بالحرية الصحيحة يقضي على العنف ويصنع
الاستقرار. ولا ننسى قول عمر بن الخطاب " متى استعبدتم الناس وقد
ولدتهم أمهاتهم أحراراً".( ).
7. إن ما تفرضه وسائل الاعلام من
غرائبَ على الواقع والمجتمع الاسلامي؛ والتحدي الذي تمارسه ضد
القيم الدينية الاسلامية والحضارة العربية يُشَكِّل استفزازاً لدى
المواطن العادي للدفاع عن دينه وقيمه فيضطر مُكرهاً لاستخدام
العنف. وواضح أن الاعلام المسموم هو سبب هذا العنف ، وعلى سبيل
المثال:
الاعلام المعادي للاسلام لا يصف أعمال الجيش
الأحمر الياباني الإرهابية بأنها ارهاب "بوذي". ولا يصِف إرهاب"
منظمة العمل المباشر" بأنهُ إرهاب كاثوليكي أو فرنسي، أما بالنسبة
لارهاب " بادر ماينهوف" فلا يسميه بأنه إرهاب الماني أو ارهاب
بروتستاني. بينما هذا الاعلام نفسه يتصيد أي واقعة أمنية ليأخذ
منها منطلقاً لتغطية طويلة مبرمجة وبتركيز عما يصفه بالإرهاب
الإسلامي أو الإرهاب العربي ولا يقصد من ذلك إدانة أو تشويهاً
للارهاب ذاته وإنما يهدف إلى تشويه الدين الاسلامي وأن يطعن في
الصميم القضية العربية العادلة. وما زال الاعلام العربي والاسلامي
عاجزاً قاصراً لا يعرف كيف يرد ولا يقوى على الرد. إنه مهتم بما هو
أهم!!
لذلك فإن الاعلام المغرض المعادي يسهم بقوة
في خلق ميول التطرف والإرهاب عند الاجيال الصاعدة بما يمارسه من
تحدٍ سافر للقيم والأخلاق الاسلامية، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى
فإنه يخلق تلك النزعة بما يَعْرِضه من أحداث وأفلام وبرامج
إجرامية.
1. لقد تكاثرت الحركات والجماعات
والتنظيمات التي تتبنى فكراً متعصباً منغلقاً مستعلياً ومسنودة
وممولة من نفوذ خارجي معادٍ للأمة وللإسلام، وتدفع إلى ارتكاب عنف
أعمى لا يميز بين الضحايا . فكل ما ليس منتمياً لهذه الحركات دمه
وماله وعرضه مستباح لأنه كافر؛ تُمَثِّل بالشيوخ والنساء والأطفال
بما لا يقبله منطق أو عقل. وعنف هذه الحركات يُوَلِّد عنفاً مضاداً
فيستشري العنف والعنف المضاد فيستمر المجتمع نازفاً دماً وقدرة
وكياناً. تتدثر هذه الحركات باسمالٍ دينية لتخفي حقدها وتعصبها
والدين الاسلامي منها براء، هو دين السماحة ودين الرحمة( ).
2. هناك مواجهات لا إنسانية تعمد
إليها بعض الدول وبعض المنظمات الشعبية المناوئة، فقامت إحدى
المنظمات في جنوب افريقيا باطلاق الفئران المصابة بمرض الزهري على
تجمعات المواطنين السود ليفتك بهم هذا المرض اللعين. كما أن
إسرائيل أطلقت بالعاهرات المصابات بمرض "الايدز" في المدن العربية
لتصيب الناس بالعدوى – وهو اتهام وجهته المعارضة المصرية الاسلامية
ضد إسرائيل ( ).
3. ومن أسباب انتشار الإرهاب في
البلاد العربية اتباع الطرق الخاطئة من قبل السلطات الرسمية بهدف
القضاء عليه الأمر الذي يولد مردوداً سلبياً ومُداناً جماهيرياً.
مثلاً تلجأ السلطة نفسها إلى ارتكاب اعمال سرية قذرة لِتُحَمِّلَ
وزرها وتلصقها بمنظمات إرهابية لتسئ إلى سمعتها ( ). إن الأساليب
الخاطئة في العلاج تجعل من المشكلة بؤرة عنيفة للمشاكل مثل:
- " لا يفلُّ الحديد إلا الحديد".
أو " داوني بالتي كانت هي الداء". أو " العين بالعين والسن بالسن".
أو "الجزاء من جنس العمل".( ). |