|
الفصل الثامن:
علاج الإرهاب ومكافحته
آراء عامة :
ما الذي يستطيع أن يفعله
الإنسان لمكافحة وعلاج الإرهاب؟ وما الذي يستطيع بالتالي أن يفعله
المجتمع الدولي؟ يتطلب الأمر بالطبع وجود مجتمع دولي تتوفر لديه
الرغبة الأكيدة والنيّة الصادقة والاستعداد وقيم مشتركة، يُؤمن بما
أنزل خالق البشرية من تعاليم وأديان صالحة لتنظيم شؤونِهِ، ويدافع
عن ويطبق أسمى ما وصلت إليه حضارة الإنسان من قوانين نبيلة( ).
وأين هو الإنسان حين البحث في هذا الموضوع؟ ومَنْ هو؟ هل هو
الإفريقي الأسود، أم العربي الأسمر، أم الإسرائيلي الاشكنازي، أم
الأمريكي الأشقر والأحمر والأسود، أم الإنسان الأصفر أم الأوروبي
الغربي أم الأوروبي الذي كان شرقياً؟ هل آلام وآمال هؤلاء وطرق
تفكيرهم تفرز قاسماً مشتركاً أو مفهوماً مشتركاً؟ يظهر الواقع أن
الإجابة بالإيجاب يمكن أن تكون صحيحة، كما أن الإجابة بالنفي يمكن
أن تكون صحيحة أيضاً. ورغم التأكيدات المستمرة على أن الكون أصبح
"قرية صغيرة"، يبدو أنها تأكيدات مبالغ فيها جداً. إن محاولة بسيطة
لتتبع مناقشات مجلس الأمن عشية الحرب الأمريكية على العراق تبين
مدى التناقضات بين ممثلي الكرة الأرضية حول موضوع أشغل الرأي العام
العالمي وانشغل به رسمياً وشعبياً على مستوى لم يسبق له مثيل في
التاريخ( ) لأنه يقع في إطار الحرب على الإرهاب.
سوف تحتفظ ذاكرة الإنسان الذي
شاهد الطائرتين ترتطمان ببرجي مركز التجارة الدولي فينهاران بلمح
البصر بمشهد فاق كل خيال؛ وهما رمز السطو والهيمنة التجارية
الرأسمالية على العالم، يضاف لهما الطائرة الثالثة التي لطخت قيادة
العسكرة في البنتاجون، وكثرت الأحاديث عن الطائرة الرابعة التي قيل
إنها فشلت في الوصول إلى رمز آخر من رموز العملاق العظيم.
لقد كشفت أحداث 11/9/2001 أن
القطبية الثنائية في العالم لم تنتهِ بنهاية الحرب الباردة وإنحلال
الاتحاد السوفيتي، بل ما زالت مستمرة ولكن بشكل آخر. لقد حاولت بعض
الدوائر الخبيثة التركيز على أن "الإسلام" هو القطب الذي يجب
الوقوف بوجهه وبقوة أكثر وأعم من تلك القوة التي أذابت السوفييت.
واندفعت بعض الدول تعرض خدماتها واستعدادها في هذا المجال، ولكن
إرتؤي أن يكون القطب الآخر هو "الإرهاب" وتحت مظلته يمكن أن يتم
"دفش" أو "حشو" أي شيء آخر لا يعجب مَنْ يستطيع الدفش والحشو؛
والإرهاب "مزبلة" أو "مقبرة" أو "محرقة" لكل شيء حقير أو خطير في
هذه الدنيا. الأمر متوقف على الذي يُطلق هذه الصفات ولا إعتراض.
ولكن إذا كان في ذلك قدر كبير جداً من الصحة ففيه أيضاً قدر غير
قليل من عدم الصحة، إنه من نافلة القول الإشارة إلى أن القطب الأول
هو أمريكا أو بزعاماتها.
وأصبحت المواجهة بين الشرعية
واللاشرعية. برز هذا القطب اللاشرعي خارج نظام الدولة وليس له سند
في الدولة-ماعدا إرهاب الدولة- ولكنه قد يستخدمها سراً أو رغماً عن
أنفها ملاذاً أو ملجأً، ويتحرك في فضاءٍ لا يأبه بفضاء الدولة.
تتطلب هذه "النوعية" الجديدة من -"القطب اللاشرعي"- الذي هو
الإرهاب نوعيةً جديدة في مواجهته وعلاجه تختلف حتماً وكلياً عن
مواجهة القطب السابق، رغم أن "الهيئة الطبية" و"الهيئة الضاربة" ما
زالت هي هي التي تعاملت مع القطب السابق ولكن مع إضافة بسيطة غير
نوعية: وهي أن بقايا ما سمي بالقطب السابق قد إنضم إليها "زلفى" أو
"خنوعاً" أو تحت عنوان "لا بد مما ليس منه بد". يضاف إلى ما أسميه
"رفات" القطب السابق آخرون على الساحة الدولية لم يتم إندماجهم
تماماً في المستجدات النوعية الأمر الذي ولد إختلافاً في وجهات
النظر في العلاج .. وإذا كان القول العربي أن الخلاف في الرأي لا
يُفسد للود قضية صحيحاً سابقاً، فهو الآن غير صحيح فالخلاف في
الرأي يُفسد الود فهو خطر جداً على القضية.
لقد تصور البعض أنه بالإمكان
الوصول إلى إتفاق دولي موحد أو بناء قوة عسكرية موحدة على غرار
"قوات الطوارئ لحفظ السلام" أو الوصول إلى تعريف موحد للإرهاب. نعم
يمكن التوصل إلى المطلوب ولكن ليس الآن فما زال الجو يتطلب ترتيباً
يؤدي في النهاية إلى المطلوب.
الدول الغربية بقيادة الولايات
المتحدة ترى أن المجتمع الدولي يجب أن يقف بقوة، ولا يمكن له أن
يتسامح في هجمة شرسة كالتي حصلت في 11/9/2001، أو في ممارسة عنف ضد
ركاب طائرة مدنية بحجة إستمالة العالم واطلاعه على عدالة قضية ما.
بينما ترى وتؤمن دول عدم الإنحياز بوجوب الوقوف ضد الإرهاب-ولكن
الإرهاب الذي هو حسب مفهومها- لأنها ترى أن للشعوب المقهورة الحق
في النضال ضد المعتدي المستعمر؛ وهنا تقع لب مشكلة الإختلاف في
تفسير ما هو عمل إرهابي وما هو عمل نضالي مشروع( ).
لا بد من توفر الرغبة الأكيدة
في معالجة الإرهاب لأنه ما زال هناك مَنْ يُبرر اللجوء للعنف
كوسيلة سياسية ولا يرى جريمة في إرتكابه تستوجب وصف فاعلها بالخزي
والعار؛ بل هي جريمة شجاعة تطمح أن تكون عملاً بطولياً وفدائياً لا
تستجدي تأييداً من أحد بل بالعكس تفرض إحترامها على الكل. إن جريمة
العنف السياسي جريمة لها منطقها في جوٍ له دينامية إستثنائية في
نمط الحياة السياسية السائدة، والخطر أن هذه الجريمة مهيأة لأن
تخرق الأستثنائية لتصبح قاعدة خاصة وفي الوقت الذي تنفقد فيه قدرة
"المنتظم"، القائم على السيطرة والمرجعية في ضبط المكاييل؛ فتهرع
اللاعقلانية-كالثيران الهائجة حينما تفتح لها البوابة ووراءها من
يطاردها-إذ لم يعد في ذلك الجو معنى إنساني؛ بل وتنبع القيم فيه من
"الممكن" ومن "الفعّالية" وليس من "الإنسانية". يقول "البير كامو"
واصفاً وضعاً كهذا: ( )
إذا كنا لا نؤمن بشيء، وإذا لم
يكن هناك معنى لأي شيء، وإذا كنا لا نستطيع تأكيد أية قيمة، يصبح
كل شيء ممكناً ولا يعود هناك أهمية لأي شيء. ففي وسعنا إذن أن نؤجج
محارق الجثث، كما في وسعنا أن ننذر أنفسنا للعناية بالمصابين
بالبرص. وحينئذٍ تكون الرذيلة والفضيلة مجرد صدفة أو مجرد
نزوة"(2).
يبدو أن الواقع الآن لا يواجه
حقائق منطقية، إذ هناك حقائق غير مبررة ولا يمكن قبول صحتها إلا
قهراً أو تعوداً ومن العبث محاولة فهمها كحقيقة مطلقة لأنها وليدة
غير المُطلق( ). ويستمر الجدل طويلاً حول أحداث 11/9 وقد يستمر
سنوات في محاولات البحث عن إجابات للأسئلة المنهمرة كيف ولماذا؟
ويكفي دلالة على ذلك إستقالة "كيسنجر" بعد ساعات قليلة من تكليفه
رئاسة اللجنة المكلفة بالتحقيق بالأحداث. إن تطرق بحثنا لهذا الجدل
حول الأحداث هو من قبيل المثال الذي سيلقي أضواءاً على كيفية
العلاج وليس من قبيل النية للغوص في الجدل.
لقد فشلت أجهزة الأختصاص
الأمريكية في الكشف عن الأعداد لهذه الهجمات رغم قوة هذه الأجهزة
حيث أن لها أعداداً لا تحصى من الوكلاء والعلماء والخبراء ما لا
يتوفر لغيرها في دول العالم. تمتلك أرقى التقنيات الفائقة التطور،
وتمويلاً مذهلاً، وأقمار تجسس للتنصت والإتصال والتصوير؛ وتنسق مع
كل أجهزة العالم-التي في معظمها تكاد أن تأتمر بأمرها- والأهم من
كل ذلك أن لها شهرة عالمية بأنها تُسيِّر العالم وبالريموت من
قيادتها المركزية. فكيف لمثل هذا الجبروت الذي تتمتع به وكالة
الأستخبارات المركزية CIA
أن يفشل في الكشف عن عملية أحدثت هذه الأضرار! ونفس التساؤل يمكن
أن يوجه إلى مكتب التحقيقات الاتحادية
F.B.I إذ أن إمكانياتها داخل الولايات
المتحدة تعجز عن الوصف.
وهناك وكالة الأمن القومي
N.S.A. التي لا
تقل قدرتها عن السابقتين في الكشف المبكر للهجمات والتي طورت
قدراتها خصيصاً بهدف مكافحة الإرهاب وتقوم بالتجسس أمنياً وسياسياً
وتجارياً على كل بلدٍ في العالم فمراكز التنصت التابعة لها مُنتشرة
أينما كان.
وكذلك لم تتمكن الوكالات
والأجهزة المسؤولة عن الأمن في المطارات وسلامة الطيران والنقل
الجوي من الكشف عن العملية فلم تستطع الحس بخطف أربع طائرات في
ساعة واحدة من نفس اليوم إثنتان منها إختطفتا من نفس المطار وهو
مطار بوستن.
علماً بأن مركز التجارة الدولي
في نيويورك كان هدفاً لتفجير سابق أحدث أضراراً مروعة تلاه عملية
تفجيرات أدت إلى تدمير المبنى الضخم للحكومة الفيدرالية في
أوكلاهوما، فلم تنجح الجهود الأمريكية السياسية والأمنية بمعالجة
الأسباب بما يكفل منع تكرار مثل هاتين العمليتين.
تتوفر للأجهزة الأمريكية الموكل
لها المهام الأمنية إمكانات هائلة تشمل عشرات الأقمار الصناعية
وكابلات الاتصالات البحرية عبر المحيطات وأجهزة حاسوب غير محدودة
السعة والقدرة على التعرف على الأصوات وفرزها بل وترجمة فورية لها
مهما تعددت لغاتها، وتستطيع أن تكسر أعقد أنواع
الرموزيات-الشيفرة-، وتجهيزات الكترونية متطورة تسمح بالتنصت، على
ملايين الاتصالات اليومية في كل أنحاء العالم سواء كانت من هواتف
عادية أو خلوية أو فاكسية أو لاسلكية أو في البريد الألكتروني.
لقد برهنت مصيبة أمريكا في 11/9
هشاشة مذهلة في أجهزتها المسؤولة ومرّغت هيبة تفوقها التكنولوجي
والمعلوماتي والأمني والعسكري( ). والذي يزيد الطين بَلَّةً أن
إنساناً واسع الإضطلاع مثل محمد حسين هيكل يذكر أنه اطلع على تقرير
أمني اطلع عليه كلينتون يشير إلى احتمال وقوع مثل هذه العملية( )
قبل وقوعها. كما لا يغفر لقيادي مثل "كولن باول" بأن يَصِفَ عدو
أمريكا بعد حرب الخليج الثانية بأنه عدو مجهول( ).
يتضح أن كل الجبروت الأمريكي
الذي لم يسبق له مثيل في التاريخ لم يفلح في كشف الضربات التي
وُجِّهَتْ له الأمر الذي يستوجب على من يُعالج موضوع الإرهاب أن
يصف علاجاً قادراً على كشف الإرهاب وإبطال مفعوله. هذا مع الإعتراف
أن أمريكا وغير أمريكا قد تمكنوا من كشف الكثير من العمليات
الإرهابية وتم القضاء عليها في المهد.
الإرهاب لم يعد إرهاباً موضعياً
قطرياً أو إقليمياً منحصراً في مواقع محددة بحيث تتمكن القدرات أو
التشريعات المحلية من القضاء عليه، فالإرهاب الذي تقشعر له المشاعر
وتهتز منه الأبدان وحتى الجبال تقوم به شبكات دولية لها تخطيط واسع
وإدارة قادرة وتمويل لا ينضب ينهمر من كل مكان، ويتعاون مع جهات لا
حصر لها بما فيها عصابات الإجرام المنظم للحصول على الأسلحة
المحرمة إشعاعية أو كيمائية أو بيولوجية لاستخدامها حينما يريد
وحيثما يُقرر. لقد تطور الإرهاب ويتطور في كل الأوقات من حيث
قدراته؛ والوقائع تُبين دائماً وجود إجرام أكثر عنفاً وأقوى
تنظيماً وأوسع عالمية بالإضافة إلى نشوء إرهابيين جدد "وبأجيالٍ
أكثر حداثةً"( ).
ويجب الحذر في مكافحة الإرهاب
وعلاجه من الوقوع في القمع جرياً وراء "وداوني بالتي كانت هي
الداء" أو "لا يفل الحديد إلا الحديد" أو "عليّ وعلى أعدائي يا رب"
إذ أن مكافحة الإرهاب يجب أن لا تعني مزيداً من الإرهاب وإلا سيسقط
الجميع في المعادلة الشرسة أي تزايد الإرهاب بإستمرار. فمثلاً
عندما يرتكب الجيش الإيرلندي الجمهوري إعتداءاً في لندن لا يقوم
الجيش البريطاني بتدمير مدينة "بوستون" الأمريكية حيث يتواجد
العديد من أنصار الجيش الجمهوري الايرلندي، ولا بتدمير مدينة
"بلفاست"، إن أحد الوسائل الهامة لمكافحة الإرهاب تكون بالتوقف عن
المساهمة فيه، ثم التفكر والتأمل في التوجهات السياسية التي أفرزت
هذا الكم والدعم الذي إستعان فيه دهاقنة العمليات الإرهابية( ).
ويجب التمييز بين الإرهاب
"كظاهرة" والإرهاب "كفاعل" للعمل الإرهابي. والإرهاب كظاهرة أخذ
مكانه وتربع عليه في النظام الدولي بل أصبح في قلبه وليس في
هوامشه، إنه مركزي يخرق عين المراقبين في أي توصيف لحال العالم.
أصبح الإرهاب هو أحدث الصور المعاصرة للتمرد على العملاق الأوحد،
فهو إذن ليس سحابة صيف ولا مطر ينهمر هذا الموسم في هذا العام ثم
يغيب، هو تطور نوعي وجوهري في تكوين النظام الدولي.
وهناك الفاعل أي القوى البشرية
للإرهاب. والقضاء على بشر يرتكبون الإرهاب لا يعني أبداً القضاء
على الإرهاب حتى ولو تم القضاء على جيل إرهابي بأكمله إذ أننا الآن
أمام الجيل الثالث في الإرهاب أو جيل ما بعد الحداثة، فالجيل الأول
الذي كان يفعل بالمظاهرة أو الصياح لم يعد له وجود. الجيل الموجود
هو المتمكن من إستخدام أرقى أنواع التكنولوجيا التي بطحت عبقرية
مؤسسات البحث الرسمية أو المدعومة بكل قدرات الدولة. لذلك فالقضاء
على الإرهابي لا يطال الإرهاب الداخل في بنية الكينونة الاجتماعية
والدولتية والدولية الذي لا يمكن القضاء عليه إلا بمعالجة العيوب
المتهيكلة في النظام الذي يُفرزه. وبعبارة أوضح إن القضاء على
جذوره ثم أسبابه أكثر أهمية من القضاء على الفاعلين. ولذلك يجب أن
تأخذ خطة العلاج خطين متوازيين يسيران جنباً إلى جنب:
- خط يتجه إلى المواجهة
والاستئصال يقوم باستئصال كل صور الإرهاب من سياسات أو تنظيمات أو
أشخاص أو تسهيلات.
- الخط الثاني يتجه إلى إجراء
عمليات جراحية من أجل إصلاحات جوهرية في النظام الاجتماعي
والاقتصادي والثقافي والسياسي الوطني وعمليات جوهرية أيضاً في
المنتظم الدولي القائم الذي يفرز الإرهاب( ).
والمطلوب من جميع المجتمعات الوطنية
والمجتمع الدولي التكاتف والعمل بصدق ونوايا حسنة على هذين الخطين،
ونجاح بؤرة إقليمية لوحدها في الوصول إلى علاج لا يعني أنها أصبحت
آمنة، ولا يعني أنه يمكن الاطمئنان إليها من قبل الآخرين، فالداء
تأثيره ليس نمطياً. إن الثقافة المشبعة بالدفاع عن المصلحة ولو
كانت وطنية تجعل من الإنصياع للمبادئ "زئبقية" مثيرة للدهشة لدى
"الناوي" الحقيقي لإزالة الإرهاب!!
إن الحلول ليست مستحيلة ولكن
يجب أن لا تكون خجولة ولا مقسطة، وإذا كانت حلولاً مقسطة أو خجولة
فلن تجدي نفعاً وستبقى تراوح على الهوامش والقشور( ).
هناك إصرار من جانب قطاع دولي
ثانوي بمعنى أنه إما غير فاعل تبعاً لضعف قدراته، وإما لأن سيادته
مجروحة-بالمعنى الكلاسيكي للسيادة-لأنه يقف على قدميه بفضل
التسنيدات التي لا تجلب له إلا الإنتقادات من شعبه، وهذا القطاع
يُعتبر حَواضِنَ إرهابية تفرخ باستمرار إرهاباً بداياته محلية لا
يلبث أن يلتحق بالوباء الدولي. ومع كل ذلك فإن هذا القطاع يُصر
باستمرار على ضرورة عقد مؤتمر دولي لمكافحة الإرهاب. والدعوة بحد
ذاتها لا غبار عليها ولا ضير من عقد مؤتمر دولي ولكن المشكلة أن
هذه الدعوة-قبل أن نفكر بجدواها-لا تلاقي قبولاً لدى القوى ذات
الشأن أي القوى الفاعلة والتي بدون موافقتها تذهب أي جهود مع
الريح.
فمثلاً في مؤتمر منتدى
فورمنتو-إسبانيا الذي انعقد في 3/11/2001 كانت هناك صيحة تركز على
النقاط التالية لمعالجة الإرهاب.
- عقد مؤتمر دولي تحت مظلة الأمم
المتحدة مهمته التوصل إلى إتفاقية دولية شاملة لمكافحة الإرهاب
فيها الإجراءات الصارمة لمنع مساعدة الإرهاب سواءاً بالتمويل أو
الملاذ الآمن أو حق اللجوء السياسي مهما كانت الأسباب. كما أن من
مهام المؤتمر وضع تعريف للإرهاب محدد ومتفق عليه.
- معالجة حاسمة لمسببات الإرهاب:
غياب العدالة، تعدد المكاييل، الشعور بالظلم، القهر، التي تنخر
بناء المجتمعات سياسياً وإقتصادياً واجتماعياً وثقافياً.
- إتخاذ خطوات جادة لحل بؤر
النزاع في العالم. ووضع خطة ملموسة لمعالجة الوضع المتدهور في
فلسطين لأن إسرائيل إستغلت إستغلالاً بشعاً الحرب الأمريكية ضد
الإرهاب وبدأت تفتك بفلسطين وشعبها فدمرت وحرقت وإغتالت الكثير من
القيادات الفلسطينية "عينك عينك"، وأحدث محاولات إغتيالها إصابة
الدكتور الرنتيسي اليوم 12/6/2003 بطائرات عكسرية إسرائيلية تهاجم
سيارته في قلب غزة وبوضح النهار وتصدر بياناً رسمياً بذلك وسط شجب
عالمي لمثل هذه الأعمال بما في ذلك إنتقاد مباشر من الرئيس بوش
نفسه. كما أنها جادة في إفراغ "خطة الطريق" من مضامينها تلك الخطة
التي وضعها سوية كل من أمريكا وروسيا والإتحاد الأوروبي والأمم
المتحدة.
- وضرورة تكاتف الجهود بين دول
التعاون الأورومتوسطي ودول الشمال لمكافحة الإرهاب في إطار من
المناقشات الشفافة التي بدأت في إطار برشلونة "لتوفير" القدوة
والمثل لمكافحة هذه الظاهرة البغيضة"( ).
هناك غبن وهناك إختلال في موازين العدل،
وهناك إستفزاز صهيوني، والسلاح الفتاك الذي يمكن أن يهزم الإرهاب
هو الالتزام الأخلاقي بقِيَم العدالة والمساواة وبكل ما تقتضيه من
إعتراف عملي بالحقوق المتساوية للشعوب والأمم كما للأفراد. وهناك
معادلة لا يريد البعض الإعتراف بها وهي:
إن إنتصار الإرهاب أمر غير
ممكن، ويستحيل بالمقابل تحقيق إنتصار حاسم على الإرهاب بالوسائل
العسكرية. إن إنتصاراً عسكرياً كالذي تحقق في أفغانستان وفي
العراق، واكتساح إسرائيل للكيان الفلسطيني عسكرياً قد حقق نجاحاً
كاسحاً عسكرياً؛ ولكن في موضوع الإرهاب، فالنصر مشكوك فيه، وهناك
من يعتقد أن إنتصارات عسكرية كهذه ستؤجج لهيب الإرهاب( ).
وإذا كان الهدف من محاربة
الإرهاب هو محاربة كل من يشكل خطراً على إسرائيل فإنه هدف خاطئ.
لماذا لم تُتخذ أية خطوة دولية ضد الباسك، وكذلك لماذا لم تتخذ أية
خطوة ضد "العصبة اليهودية" المُصَنّفة إرهابية من قبل الـ
F.B.I. يبدو أن الهدف
هو تصفية كافة البؤر التي تقف ضد أمريكا وعولمتها. إن ما وقع في
11/9 إرهاب مُدان بكل الأعراف، ولكن كيف يمكن تصنيف ردة الفعل
الأمريكية حين حصرت مطاردتها في المسلمين والعرب ولم تتجه أي إتجاه
آخر!!.
ربما أن الوصول إلى معادلة ناجحة من قبل
العرب والمسلمين لكيفية التعامل مع أمريكا قد تؤدي إلى معالجة
فعالة للإرهاب شبيهة بما تم التوصل إليه بين أمريكا واليهود، أو
بين اليابان وأمريكا، أو بين ألمانيا وأمريكا. لذلك وإنطلاقاً من
محاولة البحث عن معادلة فيمكن رفع الصيحة "بأن ساعة المفكرين العرب
والمسلمين قد دنت". إن مواقف السلطات الرسمية العربية والمسلمة
أكثر براجماتية بكثير من نتاج المفكرين وليس في ذلك عيب. وهذا يفتح
الباب على مصراعيه على جدلية العلاقة بين السلطان والفقيه( ).
والدارسون في التاريخ يعلمون أن أمريكا اليوم ليست الإمبراطورية
العثمانية أو "الرجل المريض"، وليست الإتحاد السوفياتي المنهار؛
إنها أقوى قوة في العالم وتمارس قوتها بالشكل الذي تراه مفيداً
وصحيحاً وهي مصدر التمويل والغذاء والدواء و… و.. لمعظم العرب
والمسلمين. ولا يمكن أن تسمح بالفوز لِمُتَّهَمٍ. وتختلف
الإمبراطورية الأمريكية في زماننا الحاضر عن الإمبراطوريات التي
سبق وعرفها تاريخ البشرية من آشورية إلى كلدانية إلى صينية إلى
فرعونية .. إلى يونانية ورومانية وإسلامية وإسبانية وبرتغالية
وهولندية وعثمانية وبريطانية وسوفيتية. لقد قامت جميع تلك
الامبراطوريات بالقوة –ماعدا الإسلامية-، أما الإمبراطورية
الأمريكية فانتشرت وتوسعت باستخدام كل الوسائل التي نجحت في سوق
وجلب وتهاوي الأتباع يتلمسون الرضى ويعرضون الولاء والتبعية.
وبدأت الآن بعد الانتصار في أفغانستان
والعراق بفتح "مُعلبات العقول التي توصف بأنها تعفنت لإنتهاء
تاريخها" وبزغ فجأة تجار تلك المعلبات يصفقون وإنضموا إلى الركب
يحدون ويسحجون، كما بزغ آخرون يعضون أصابع الندم على ما فات ولكن
لات ندامة فالتغيير قادم لأنه لم يسبق أن أياً منهم قد قام بأية
محاولة للتحديث ولو مِن قبيل إنقاذ الذات.
إن مهمة القضاء على العفن الفكري مهمة نبيلة
تستحق كل تعاون وثناء؛ والإنتماء إلى ركبها مسؤولية إنسانية ووطنية
ولكن بشرط أن تكون شفافة وحرة وديمقراطية ومحصنة ضد الإستغلال
الخبيث، كما أن المهمة صعبة جداً. صحيح أنه من الممكن ضرب الدول
بكافة الأسلحة وتحويلها إلى حطام كما حصل في بغداد، ولكن مهمة
إنشاء فكر جديد تستلزم ما هو أقوى من القوة التدميرية ألا وهو الحس
الإنساني السليم( ).
إن مكافحة الإرهاب عند قداسة البابا أمر
مشروع والقتل باسم الله هو تجديف وتحريف للدين. والحل لديه هو
المضي في جهود السلام ودعا المسؤولين في مناطق التوتر في الهند
وباكستان وفلسطين إلى إعطاء الأولوية المطلقة للحوار والتفاوض.
وأدان البابا ما يحصل في أمريكا الجنوبية من إستفحال التفاوت
الاجتماعي، ومظاهر الفساد والعنف المسلح والإتجار بالمخدرات،
وجميعها تفقد الثقة بالطبقة السياسية( ).
وحين إستعراض التدابير الأمنية البحتة التي
أتخذت في ميدان مكافحة الإرهاب، وإستعراض الحروب التي خاضتها ضده
تظهر الحاجة الماسة إلى خوض المعركة المعنوية والسياسية ضده والتي
يمكن إلقاء الضوء عليها بإبراز الزوايا التالية:
- ضرورة صوغ تعريف للإرهاب كبداية
لصوغ معاهدة دولية لمكافحته. لقد فشلت الجهود الدولية المبذولة منذ
سنة 1995 أي بعد أن تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة إعلاناً
يتضمن الإجراءات الفعالة للقضاء على الإرهاب، وبقي "التغامض" يحيط
بالإرهاب الذي تكاثرت تعريفاته غير المتفق عليها (بدأت بإحصائية
وصلت إلى 109 تعريفاً، وتصاعدت إلى 200 وبقي الرقم متزايداً
باستمرار( )، هناك تأكيد من قبل الكثير من الأطراف على أن المطالبة
بوضع تعريف للإرهاب ليس من قبيل الميل إلى الجدل وليس من قبيل
الترف الفكري، كما أنه ليس من قبيل الميل الأكاديمي والنظري فقط.
إن وضع معاهدة شاملة تهيء الغطاء الشرعي اللازم لدخول المعركة ضده
وبعونها يمكن تحديد الدول أو الجماعات المستهدفة، وتحديد الجهات
المخولة للتعامل معها ولقيادة الصراع والآليات والأدوات المناسبة
للعمل. وبعكس ذلك أي البقاء في الغموض سيفتح المجال للمتصيدين
لمصالحهم الخاصة لإستغلال المواقف بغض النظر عن الأضرار التي ستلحق
بالمجتمع الدولي. الأمر الذي يُفسر تصاعد الأعمال الإرهابية ويعطي
الفرصة لإستخدام مكافحة الإرهاب إستخداماً إنتقائياً يشوبه التناقض
الذي يسبب ضعف الحملة ضد الإرهاب. وكمثل على ذلك موقف الحلف
الأطلسي من الإرهاب: وقف الحلف موقفاً سلبياً من الجيش الذي قام
بتشكيله "الألبان" في "مقدونيا" إذ وصفه في البداية بأنه عصابة من
البلطجية في شهر أيار 2001، ولكن الحلف قام بعقد معاهدة سلام مع
هؤلاء البلطجية! وفي موقف آخر للحلف الأطلسي إذ كان متعاطفاً مع
الكفاح الوطني الشيشاني وينتقد قمع روسيا له، غير الحلف موقفه
كلياً بعد أحداث 11/9. ولا يمكن إيجاد تفسير لتقلب هذه المواقف إلا
بعدم وجود تعريف محدد للإرهاب-بالإضافة لضرورات التوازن السياسية-
مما يسهل لمتخذ القرار "التزأبق" بسرعة تجاه الجماعات المتهمة
بالإرهاب.
طلبت أمريكا مِن الفلسطينيين نبذ العنف
والإرهاب والجلوس على طاولة التفاوض مع إسرائيل لتنفيذ خطة الطريق(
). وفي هذا تناقض مع قرار الجمعية العامة الذي يفصل بين النضال
الوطني والإرهاب وفي نفس الوقت يساوي بين العنف والإرهاب.
فالمساواة بين العنف والإرهاب تجعل من كل دولةٍ دولةً إرهابية لأن
احتكار العنف وأدواته من إختصاص الدولة لحماية مجتمعها.
والخطأ في توصيف الإرهاب ناتج
عن سبب عدم الاتفاق على تعريفه. وكما تقع في الخطأ بعض الأوساط
الدولية في توصيفه وفي تصنيف الإرهابيين، فكذلك تقع بعض الأوساط
الغربية فلا فرق عندها بين الإرهاب والمنظمات الإرهابية من جهة،
والكفاح ومنظمات المقاومة من جهة أخرى لأنها تمارس العنف أحياناً.
ولكن يبقى موضوع الالتزام بحماية المدنيين "خلال الصراع المسلح" هو
الفيصل، كما أن حماية المدنيين أثناء "الكفاح الوطني" سوف تتيح
لمناضلي العصر من أن يفهمهم المجتمع الدولي وربما التعاطف معهم
لتحقيق الاستقلال وتحرير المجتمع( ).
الكفاح الوطني المسلح:
أكد قرار الجمعية العامة للأمم
المتحدة رقم 40/61 بتاريخ 19/12/1980 بشأن التدابير الرامية لمنع
الإرهاب الحقَ غير القابل للتصرف للشعوب في تقرير مصيرها
والاستقلال من نير الاستعمار والسيطرة الأجنبية ومكافحة العنصرية.
كما أقر شرعية كفاح الشعوب وحركات التحرر الوطني وفقاً لمبادئ
القانون الدولي ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق
الإنسان. وتم تأكيد ذلك أيضاً في قرار الجمعية العامة رقم 42/159
تاريخ 7/12/1987.
ليس هناك لبس في الأمر في
إستخدام القوة في النضال من أجل الاستقلال وحق تقرير المصير إذا
كانت هذه القوة موجهة ضد أهداف عسكرية أو شبه عسكرية في المناطق
المقاومة للاستعمار، ولكن إستخدام القوة ضد أهداف مدنية خارج مناطق
النزاع هو الذي يثير الجدل ومن ثم لا بد من وضع مميزات بين ما هو
كفاح وطني مسلح ويمكن السماح له باستخدام القوة، وما ليس بكفاح
وطني ومن ثم لا يمكن السماح له باستخدام القوة( ). لا يوجد حتى
الآن تعريف واضح للمدنيين الأبرياء- إذ في حالات مثل إسرائيل،
فالإسرائيليون رجالاً ونساءً هم جنود إحتياط يستدعون للقتال حينما
يسمعون النداء-. كما لا يوجد إتفاق على حدود إستعمال القوة فيما
يتعلق بحق الكفاح الوطني المسلح. ووضع خط فاصل بين الإرهاب والكفاح
أمر يمكن الوصول إليه حينما ينعقد المؤتمر الدولي المنشود لتحديد
معنى الإرهاب.
حق اللجوء السياسي:
تنص المادة 14 من الإعلان
العالمي لحقوق الإنسان الذي أصدرته الجمعية العامة( ) للأمم
المتحدة في 10/12/1948 على أن لكل فرد الحق في طلب ملجأ آمن
والحصول عليه في بلد آخر هرباً من الأضطهاد. هذا وقد سبق وأن عرف
العرب قبل الإسلام هذا الحق وسموه "حق الأمان"، ثم أقرت الشريعة
الإسلامية هذا الحق، فدار السلام التي هي ديار الإسلام كلها هي
الملجأ الآمن لكل من جاءها طلباً للحماية( ).
قال تعالى: " وَإِنْ أَحَدٌ
مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ
كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ
قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ ". التوبة 60. وحق اللجوء السياسي يعني
عدم إعادة اللاجئ السياسي إلى دولة الأضطهاد وعدم إبعاده، وإعطاؤه
الحرية للذهاب إلى مكان آخر في دولة ثالثة ولا يجوز تسليمه. واستقر
الرأي على أن مرتكب الجرائم العادية مستبعد من دائرة حق اللجوء
السياسي. وبما أنه قد تم إعتبار جريمة الإرهاب جريمة عادية فلا يحق
لمرتكبها التمتع بحق اللجوء السياسي، ومن ثم فليس للإرهابي أن
يتستر بالدين أو السياسة ليكون بطلا"ً على حساب الحق والعدالة بل
لا بد من أن ينال جزاءه. لذا فالأمر يتطلب صياغة تأخذ بعين
الإعتبار التوازن بين حق طالب اللجوء السياسي الهارب من الظلم من
جهة، ومن جهة أخرى حق الدولة التي تطلب تسليم مجرم أراق دم أبنائها
أو دمر إقتصادها أو بث الفتنة بين عناصرها. وعلى العموم فالإتجاه
الغالب والأقوى هو أن جريمة الإرهاب تعتبر جريمة عادية وليست جريمة
سياسية لأن المطلوب هو حرمان الإرهابي من أية فوائد من أي قانون قد
يفيده، وهنا يقع تناقض ولا منطق، لأن جوهر العمليات الإرهابية هو
جوهر سياسي يتطلب القضاء عليه فضاءاً كله سياسة، بينما مرتكبه
يعتبر مجرماً عادياً وليس مجرماً سياسياً. هذا التناقض قد يكون
سبباً للمزيد من الإرهاب. فالواجب الخروج من هذا التناقض ما دام
الهدف هو مكافحة الإرهاب وعلاجه( ).
مظاهر تجاوز وتقاعس في مقاومة الإرهاب:
في مجال المحاولات لمقاومة
الإرهاب هناك مظاهر تجاوز وهناك مظاهر تقاعس؛ إذ أن من أهم مبادئ
القانون الدولي، الواردة في ميثاق الأمم المتحدة عدم اللجوء إلى
القوة في السلوك بين الدول إلا في حالات الدفاع عن النفس كما جاء
في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. غير أن القرار 1373 الصادر
عن مجلس الأمن في أيلول 2001 أباح للولايات المتحدة الحق في شن حرب
للقضاء على الإرهاب وعلى الدولة التي ترتأيها إرهابية وفقاً للهوى
الأمريكي، وبالوسائل التي تريدها وفي المكان والزمان الذي تقرره.
وبهذا يمكن القول بتحول الشرعية الدولية إلى شرعية إنفرادية. قد
يعجل هذا بالقضاء عسكرياً على الإرهاب ولكن ماذا بعد؟
ومن أهم مبادئ القانون الدولي
الإنساني حماية المدنيين والأسرى والجرحى حسب إتفاقية جنيف الرابعة
لسنة 1948 وقواعدها ملزمة بل آمرة ولكن قد تم تجاوزها أمريكياً في
أفغانستان وفي العراق، ويتم تجاوزها كل يوم من قبل إسرائيل في
فلسطين.
إن دعائم حقوق الإنسان من أهم
دعائم العلاقات الدولية وأصبحت المعيار لتصنيف الدولة والتعامل
معها، لا بل أصبحت ذريعة للتدخل في الشؤون الداخلية من شدة التجاوز
عليها، ويكفي الإشارة إلى حالة حقوق الإنسان العربي المسلم بعد
11/9 في كل من أمريكا وأوروبا وأقطار أخرى.
إن علاج الإرهاب يقتضي وقف
التجاوزات السابقة. أما ما يتعلق بمظاهر التقاعس فالأمر ماثلٌ في
عدم حشد الجهود للوصول إلى وضع تعريف محدد للإرهاب. وهناك تغاضي
فاضح عن الممارسات الإرهابية لبعض الدول وإسرائيل أكثرها؛ لا بل
هناك تيار فكري قوي بأن الإرهاب لا ينطبق على ممارسات الدولة
فالدولة مصونة من هذه التهمة. بالإضافة-من وجوه التقاعس- إلى أن
التركيز ما زال مستمراً على ضرب الإرهاب دون البحث في جذوره
وأسبابه. والأسوأ من ذلك التركيز على الدولة الإرهابية دون التركيز
على ضحايا الإرهاب؛ والإكتفاء بتقديم المساعدة الرمزية لهم.
لذا فمن أوجه العلاج الناجح
لمكافحة الإرهاب وقف التجاوزات والتقاعسات في مقاومته ولعل وضع
رقابة دولية من جانب الأمم المتحدة على مكافحة الإرهاب، قد يكون
خطوة ذات إعتبار وفي الإتجاه الصحيح( ).
مكافحة الإرهاب والسلام:
إنعقد في عمان في 14/10/2002
"مؤتمر الرؤيا المستقبلية للقوات الخاصة في القرن الحادي والعشرين
لمكافحة التهديد المتغير للإرهاب العالمي" دعا فيه العاهل الأردني
إلى ضرورة التعاون بين الأجهزة المختصة في المنطقة العربية؛ وكذلك
التعاون على المستوى العالمي لمكافحة الإرهاب؛ فالأصل في المكافحة
"التعاون" و"العالمية" لأنه وباءٌ عالمي وليس وطنياً أو إقليمياً.
حتى لو كان من ضمن أسبابه أحد بؤر التوتر الإقليمية كالقضية
الفلسطينية مثلاً التي جعلت من المنطقة عش تفريخ للإرهاب. صحيح
أنها إقليمية من حيث المفهوم الجغرافي ولكنها دولية الصنع وعالمية
الأثر والتأثير الأمر الذي يعني أن مقاومة الإرهاب تقتضي الدولية
والعالمية في التعاون( ). والتعاون في مكافحته -كي يكون جدياً- لا
بد أن يرتقي إلى أن يصبح "فلسفة" وليس نزوة عابرة، ومساعدة الآخرين
بالتعاون معهم هي في نفس الوقت مساعدة وعون للذات نفسها( ).
وهذه الدعوة إلى التعاون
العالمي هي في الأصل دعوة لإحقاق السلام العالمي. إذ ليس هناك
حقيقة علاج فعال لمكافحة الإرهاب كإحقاق السلام المحلي والإقليمي
والعالمي، ويأتي قبل ذلك السلام داخل الإنسان نفسه. ومن هنا يبدأ
المنطلق الحقيقي( ). فما دام هناك تناقضات داخل الإنسان مستمرة في
الصراع فمن المستحيل أن يتوجه حقيقة إلى البحث إلى تحقيق السلام
الإقليمي، فالإنسان المتواجد في بؤر التوتر كالجزائر مثلاً؛ قد
يكون متعدد الشخصيات وفي نفس الوقت قد يكون: "مسالماً وإرهابياً
ومفكراً ومُنتمياً ومتمرداً وكافراً ومسلماً وعربياً و"امازيغياً"
وجزائرياً وفرنسياً"، والحال في فلسطين قد لا يكون مختلفاً عما هو
عليه في الجزائر.
إن الدعوة إلى تعزيز الشراكة في
مكافحة الإرهاب يتعين دعمها بالتزام حقيقي بالحلول السلمية، صوناً
للتنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وخاصة السياسية في بلدان
العالم الثالث، وفتحاً لباب الأمل لدى الفقراء والمقموعين
والمحبطين. ومن خلال هذا النهج يمكن التغلب على الإرهاب. النهج
الذي يجمع بين تصميم جميع المجتمعات المدنية والوكالات الحكومية
والرسمية لتحقيق إجماع عالمي لدعم تحالف السلام. والموالاة للسلام
تبدو من خلال الالتزام بقرارات الأمم المتحدة. وتتوفر لدى المجتمع
الدولي المصادر الرئيسية لصنع السلام فهناك الأجندة الألفية التي
تم التوصل إليها في "مونتري" و"نيويورك" و"جوهانسبرغ" للتخلص من
الفقر واليأس وتعزيز الحكم الديمقراطي الذي يسهم في تطوير البشرية
وما هو مطلوب من الدول المتقدمة الشمالية مساعدة الدول الفقيرة
الجنوبية حتى تتمكن من تجنب الكوارث الاجتماعية والاقتصادية
والسياسية، فالوسائل الفعالة لمكافحة الإرهاب تزدهر في نهج الشراكة
المتعددة الأطراف( ).
يفتقر العالم إلى "منظومة
قيمية" شاملة حول جميع ما يتعلق بالنزاعات البشرية البينية منها
والتي بين البشر والطبيعة لتغني وتثري القانون الإنساني وأخلاقيات
التضامن الإنساني، ويبقى العالم يطفح بالمشاكل ويفتقر إلى حلول
لها. فالحاجة ملحة إذن لدى البشرية كلها لصنع منظومة للتضامن يرتاح
لها الجميع.
هناك عادات رائعة وقيم خالدة
متأصلة لدى البشر جميعاً كالعطف والمحبة وعدم إلحاق الأذى
والمساعدة. نمت مع تطور الإنسان لحاجته لها؛ ثم هذبتها وارتفعت بها
جميع الديانات، وهناك أيضاً القيم التي جاءت بها لائحة حقوق
الإنسان كالعدالة والمساواة والتسامح وصون الكرامة والحريات
الأساسية والاحترام. إن صهر كل تلك الجماليات الإنسانية الرائعة
معاً يشكل أساسات حية وخالدة لبناء صرح إنساني معطاء لخير البشر
نساءاً ورجالاً وأطفالاً وشباباً وجميع الفئات التي طال إهمالها،
وتنقل فضاء الأخلاقيات إلى مستوى أرحب ليشمل القيم المشتركة
الشاملة التي ما زال الإنسان متمسكاً بها في المجالات الاجتماعية
والثقافية والسياسية( ).
والأمل أن لا ينظر إلى الدعوة
إلى خلق تلك المنظومة كالنظر إلى تلك العبارات الواعظة المجاملة
التي قد يكون تمَّ الإستماع إليها في بيت للعزاء أو في مقبرة لوداع
عظيم قوي مشهور تنعصر فيها أكتاف المنافقين والصادقين من شدة
الإزدحام وتتهرس أقدامهم ثم يعود الواحد منهم يبحث عن سائقه الذي
لا علاقة له بالأمر، أو يبحث عن سيارته التي نسي أين "رقعها" أو عن
الذي جاء معه فلم يجده. والنتيجة أن الكلمات الرائعة التي تفوه بها
قد تبخرت أدراج الرياح عند الطرفين، الطرف الذي يُعزّي، والطرف
"المنقوص" الحزين( ). لا بد من توفر الرغبة الصادقة والنوايا
السليمة والارتقاء عن كل الصغائر حين حشد الجهود لمكافحة الإرهاب.
رأي للمثاليين في معالجة الإرهاب( )
لا يُجانَبُ الصواب كثيراً إذا
أُشير إلى أن العالم يصنعه المفكرون رغم وجودهم في الظل نسبة إلى
الأبطال العظماء الذين يتسلمون زمام الأمور ويتخذون القرارات التي
قسم منها يغير مسار الدنيا سلباً أو إيجاباً. إن أهمية المفكر تقبع
في أنه يكوّن المنظومة السلوكية التي بموجبها يتحرك العظيم المتخذ
للقرار. إن سعادة البشرية ستكون الأروع كلما كانت المعادلة أكثر
توازناً بين "السلطان" و"المفكر" لأنها بالإضافة إلى ما هو مخزون
من إرث في عقل الطرفين يحتاجان لبعضهما في الإستنارة على الطريق
الأكثر حداثة أو في المستجدات العصرية أو الآتية.
في الأوقات المؤلمة للبشرية
التي جاءت بعد 11/9/2001 ذلك الحدث الذي كان من أكبر وأضخم وأعجب
الأحداث في الأذلال التي "تدهور" بها "صنف" إنسان على أُناس
أبرياء، فتعرضت البشرية "وبإصرار مُبيت"-إضافة إلى ما كانت تتعرض
له- إلى وابل من الإهانات المأساوية سواء في فلسطين التي أصبح قتل
الإنسان فيها "عادة" يومية كالأكل والشرب أو في "جوجرات" الهندية
أو في أندونيسيا أو باكستان أو أفغانستان أو في المغرب أو في
العراق-التي أصبح يقتل أو يجرح فيها جنود أمريكيون بعد الاحتلال-.
والأمر الأخطر لم نَرهُ بعد؛ حسبما يذهب إليه المتكهنون لأن وسائل
الدمار الشامل قد تسربت إلى أيادي مارقة من دولة مارقة فالعالم
أصبح "مقرقزاً" على طرف جهنم.
صيحات الكراهية والتعصب والحقد
والغضب والعنف تملأ الأجواء من قبل القابضين على القدرة على قوة
القهر في الردع التي تتصاغر أمامها أية مساعٍ خيرة لكبح إستخدام
العنف، وهناك الجهل والمرض والفقر والظلم والحرمان واليأس
واللاعدالة وإنعدام الفرص التي تؤدي كلها إلى إستشراء العنف الذي
يفتك بالقيم البشرية وينحر الإنسانية ويُتَفِّهُ أي إلتزام قيمي
نحو الآخرين. الأمر الذي لا يضع الإنسان فقط أمام مستقبل مجهول بل
أمام مستقبل لا يبدو من معالمه إلا الويل والثبور.
لذلك فالعلاج يشمل:
- الدعوة إلى الوسطية من خلال
كيان تنظيمي وسطي واعي شمولي لا إقصاء فيه يتشارك فيه بعدالة
ومساواة كل الطيبين رجالاً ونساءاً.
- رفض العنصرة والإنفراد
والإقليمية.
- إقامة حوار على مستوى العالم
وليس على مستوى إقليمي أو قاري إلا إذا كانت تفرعات مفوضة من
العالمية.
- صياغة دستور للأخلاق يشكل
مرجعيةً للإنسانية.
- ليس الوقت وقت الأيديولوجيات
الإقليمية التي تعجز عن فهم التعقيدات المعاصرة.
- غرس أو نشر ثقافة العمل المشترك
على الصعيد العالمي والإعتراف بالأرضية المشتركة.
- إحترام قدسية الحياة.
- على اتباع جميع الديانات
الإدراك بأن التاريخ مشترك وكذلك العمل معاً لبناء المعمورة.
- وضع أجندة إنسانية جديدة نحو
عالم أفضل؛ فيه التراحم والتوافق والتفاهم.
- وضع إطار حضاري للإختلاف.
- الاتفاق على منظور مشترك
للمبادرات العالمية والإستجابة العالمية في أوقات الأزمات.
- الإنتباه والوعي بأن رد الفعل
ضد الإرهاب يجب أن لا يسقط الإنسان في الانحطاط والتحول آلياً إلى
التحرك الأعمى المنفلت دفاعاً عن الوطنية أو الدين.
- الإيمان بأن معالجة جذور
الإرهاب هي التي تحقق الأمن وليس الجبروت العسكري.
"ويهيب القرآن الكريم بنا-والقول للأمير
المفكر الحسن بن طلال- أن نراقب التغيير الأبدي للرياح، وإختلاف
الليل والنهار، وتنوع ألوان البشر والسنتهم، وتعاقب أيام النجاح
والإخفاق بين الناس، وأن نتأمل كمال الخليقة التي تتميز بجمال
تنوعها".
وسموه "يمثل أفراداً مثاليين
بتوجه كلّي يتقاسمون اهتماماً مشتركاً بمستقبل الإنسانية ويعملون
كحوافز للتغير وهم: نادي روما، منتدى الفكر العربي، المؤتمر
العالمي حول الأديان.
ماذا نستطيع أن نفعل إزاء الإرهاب؟
سؤال يمكن توجيهه إلى أمريكا
والأمريكيين، لأن ما زرعته السياسة الخارجية الأمريكية قد حمل
ثماراً مُرةً لتدمير مركز التجارة العالمي في نيويورك والبنتاغون
في واشنطون، وأهلك آلاف الأمريكيين. وذلك غيضٌ من فيض مما حصل في
السابق والمحتمل وقوعه لاحقاً. ومع ذلك يرتفع الصياح بضرورة
الانتقام من أسامة بن لادن ومن كل من يؤوي أو يساعد الإرهابيين.
يصرخ مثلاً "ستيف دونليفي" من نيويورك بوست": اقتلوا أولاد
القبيحة، دربوا القتلة، إستأجروا المرتزقة، خصصوا مليوني دولار لكل
من يلاحقونهم ويظفرنا بهم أحياء والأفضل موتى، أما بالنسبة للمدن
التي تستضيف الديدان، أقصفوها حتى في ملاعب كرة السلة".
وتبدو هذه الصيحة مغرية
للأمريكيين إذ ليس هناك من يتعاطف مع المجانين الذين قتلوا الآلاف
من الأمريكيين وليس لديهم أي مبرر للإرهاب، ولكن أصحاب الخبرة
المتنورين مقتنعون أن الانتقام لم يحل مشكلة في الماضي ولن يحل
المشاكل الحالية ولا المستقبلية، فالإنتقام لا يأكل إلا قلب صاحبه.
إن أقوى أجهزة مكافحة الإرهاب في العالم وعلى رأسها الأمريكية
والإسرائيلية ما زالت تعاني من الهجمات الإرهابية بل ومعاناتها
متزايدة، ولو نجح الغدر والقتل والضرب العسكري لكانت اسرائيل
وشعبها أكثر شعوب المعمورة أماناً، والثابت أن العكس هو الصحيح إذ
أن الشخص الذي يريد أن يستخدم الباص داخل المدينة يخضع لحسحسة
وتدليك أمني إبتداء من إظفر إبهام قدمه اليسرى صعوداً إلى أعلى
الصلعة ودوراناً حتى أظفر إبهام الرجل اليمنى.
إن إبطال مفعول الإرهاب يتحقق
بحرمان الإرهابيين من دعم وتعاطف المجتمع الأكبر الذي يدَّعي
الإرهاب بالإنتماء إليه وذلك بالإصغاء لشكاوي الناس المنطقية
والشرعية وحلها. فإذا كان أسامة بن لادن هو بالفعل الذي عمل لخطف
طائرات مدنية عملاقة بركابها ووقودها وثقلها وحوَّلها إلى قوة
ساحقة فعلت ما فعلت، فالعقل يقتضي مخاطبة هموم المسلمين عامة
والفلسطينيين بشكل خاص. وهذا لا يعني مطالبة أمريكا بالتخلي عن
إسرائيل إنما يعني بتواضع وقف الدعم الأمريكي لها مالياً وعسكرياً
لتتخلى عن المستوطنات والعودة إلى حدود ما قبل حزيران 1967. وقد
يعني أيضاً التراجع بعض الخطوات البسيطة إلى الخلف وعدم الحيلولة
بين الشعوب العربية وحق إختيار زعمائها. وأن لا تُنَصِّب عليهم
أمريكا زعماء متسلطين يجرعونهم العلقم. قامت هي بتكوينهم ودمغهم
بالدمغة التي لا تخفى على أحد وهي دمغة الـ
C.I.A. لا يجيدون إلا
تلقِّي الأوامر، والتعاون مع شركات النفط الغربية. والدليل على ذلك
سيبدو واضحاً من عملية إستعراضٍ بسيطةٍ لمجمل الأسماء التي في
دائرة الضوء لتسلم السلطة في العراق بعد إبادة النظام الدكتاتوري
السابق في 28/5/2003. وإذا كان الهدف ليس الانتقام فلا عاقل يعتقد
بذلك إلا المجنون سياسياً. وعلى العموم فداء الجنون مُنتشر ويشخّص
بوضوح حين نلاحظ تطلع بعض القادة باستمرار إلى السقف وهم ينثرون
درر عبقريتهم. بما أن الهدف هو الأمن والسلام فعلى أمريكا الإستماع
إلى شكاوي العرب والمسلمين والفلسطينيين بالذات ضد الولايات
المتحدة، ليس الاستماع فقط بل والاستعداد لحلها، على الأقل حل
المشاكل التي سببتها لهم أمريكا وأن تقف بنزاهة حيال المشاكل
الأخرى التي ليست من صنعها. على كل حال فمشاكل هذه المنطقة لم
تخلقها لا زبمابوي ولا مقريزيا ولا سورينام حتى ولا اليابان ولا
الصين!
إن ملاحقة أسامة بن لادن وحتى
قتله، وكذلك ملاحقة صدام حسين وحتى شنقه، ومحاولات قصف سيارة
الدكتور الزهار المدنية داخل غزة وبرتل من المقاتلات العسكرية …،
إن نجاح تلك المحاولات لا يعني في نظر المسلمين إلا الإرتقاء بهم
إلى مصاف الشهداء. فالرئيس الفلسطيني ياسر عرفات حولها إلى أنشودة
"لن أغادر إلا شهيداً شهيداً شهدياً". وبعد ذلك سوف تُفرخ الأمة
بدلاً منهم الالاف الأشد عنفاً ومقاومةً.
إن الحماية من الإرهاب ومن
الكارهين لأمريكا فعلاً قد يتحقق مبدأياً بقبضةٍ أمنيةٍ متصاعدةٍ،
وقوة عسكرية ضاربة بشراسة؛ واستخبارات أخطبوطية تقف على الكتفين
لكل مخلوق أينما كان، كما قد تتحقق بتحصين المداخل لأمريكا لأعتراض
أسلحة الدمار الشامل التي تدخل سراً-وهي أخطر بكثير من الصواريخ
البالستية ومن حرب النجوم- قد تحقق تلك الأسلحة الحماية من
"الكارهين" على المدى القصير-وليس هناك من ضمانة رغم كل ذلك من
وقوع الأسوأ والأشرس في أية لحظة. إنما على المدى الطويل فعلى
أمريكا أن تغير من سلوكها الذي يؤجج المخاوف عند الآخرين وهو السبب
في خلق إرهابيين جدد بدلاً من الذين تمت تصفيتهم. فمثلاً على
أمريكا المستهلكة والمحتاجة للنفط أن تتيح الفرصة لمالكيه
بالإستفادة منه لا أن يكون غصة في حلوقهم ولوعة أو تخمة قاتلة
للقليل جداً منهم. كما أن أمريكا بعلمها وتخطيطها وكفاءتها يمكن أن
تُرشِّد في استهلاكها للطاقة أو تنتج طاقة من مصادر بديلة لا تلوث
بيئة العالم. مثلاً العرب والمسلمون أصحاب حضارة مُسالمون
طيبون. لكن هناك من أرغم قسماً من هؤلاء أن يتحولوا بسبب الغبن
والحرمان والقهر إلى متفجرات إما هرباً من البؤس أو إنقاذاً منه.
على أمريكا أن تقضي على اليأس وتعطي الأمل؛ حينها سينتهي الإرهاب.
وكم من إرهابيين أصبحوا مواطنين عاديين بل وبعدها تسلموا السلطة!
والمنتقم المتعجرف لا يستطيع أن يحقق أماناً واطمئناناً( ).
يقابل ما سبق من رأي، موقف رسمي
أمريكي غير مهتم وغير مكترث، فالموقف الرسمي يرى أن تنظيم
"القاعدة" الذي هو الإرهاب العالمي بمعظمه، كان له خلايا منتشرة في
أكثر من ستين دولة قام بقتل مواطنين لأكثر من 90 دولة، وحينما
ارتكب جريمة 11/9، هبت أمريكا وعلى الفور بحشدٍ دولي غير مسبوق في
مداه ومقاسه لمقاومة الإرهاب والرد على تلك الضربة، فقامت وزارة
الخارجية الأمريكية بالتنسيق لهذا الحشد الذي أثمر وعلى أعلى
المستويات السياسية إلى تبني إجراءات أشمل من أية إجراءات سابقة
بأن أقرَّ مجلس الأمن الدولي قراره رقم 1373؛ وإلى إتفاقات
وإجراءات مماثله إتخذتها مجموعات دولية ومنظمات إقليمية إبتداءً من
منظمة الدول الأمريكية إلى منظمة بلدان جنوب شرق آسيا.
وقامت أمريكا باستخدام كل ثقلها
ونفاذ دبلوماسيتها في بناء تحالف واسع لتطبيق هذا القرار والالتزام
به نصاً وروحاً. وتجاوب معها المجتمع الدولي مسهماً في هذه الحرب
كل حسب قدرته، كما وأن بعض الدول تتلقى بعض المساعدات حسب حاجاتها
لتقوم بدور أكثر فعالية. وتكوَّن حلف محاربة الإرهاب من (180) دولة
حيث شاركت (25) دولة في العمليات الحربية، ووقعت (132) دولة على
المعاهدة الدولية لمنع الإرهاب، وأسهمت (126) دولة بمساعدات أخرى
من إمدادات إنسانية إلى منح حق استخدام مجالها الجوي إلى حقوق
الوصول إلى قواعدها. وأسفر هذا التعاون عن تحقيق إنتصارات بعضها
بارز ومعظمها أقل بروزاً ولكنها تتحقق على مستوى يكاد يكون يومياً.
وأمريكا مستمرة في بناء قدرات دائمة على مقاومة الإرهاب في جميع
أنحاء العالم، والأمر ليس متوقفًا عند تجميد الأرصدة المالية
ومصادرتها بل يتعدى ذلك إلى منح شركاء أمريكا المهارات والوسائل
اللازمة لقطع دابر ومحو الطرق التي تتبعها الأموال لمساعدة
الإرهابيين على الإستمرار. وقد شاهد العالم سلسلة من حوادث إلقاء
القبض ذات تغطية إعلامية واسعة في العديد من الدول. كما أن أمريكا
عاكفة مع الكثير من الدول على وجوب تطبيق القوانين المحلية لتوفير
التدريب والمهارات اللازمة لتطوير وتحسين قدرات تلك الدول على
القضاء على أية نشاطات إرهابية. وتؤكد أمريكا على أنَّ الأمل
الكبير يكمن في الإرادة الجماعية للمجتمع الدولي( ).
هذا في الوقت الذي يرى فيه
البروفسور هوارد بحكمة وعقل إن فرص النصر في حرب كهذه لا تختلف عن
الحرب ضد مرضٍ ما، ومحذراً من عدم تنفيذها ببراعة وانضباط وصبر
وإلا فإن ما سيبقى في الذاكرة من النصر الذي تحققه عند التأمل في
أحداث الماضي قد لا يختلف عن الإنتصارات المثيرة التي حققتها
الجيوش الألمانية في بداية الحربين العالميتين؛ إذ كانت إنتصارات
عسكرية تبددت فيما بعد بسبب تهور حكوماتها وإفتقارها إلى البصيرة،
وليس في تصور البروفسور إلا:
1- تحرك أمني تحت رعاية المنظمة
الدولية / هيئة الأمم المتحدة يقوم بتنفيذ العمليات العسكرية
تحالفٌ وفقاً لاتفاقات جنيف لجلب العناصر المشتبه بها أمام محكمة
دولية.
2- حرب خاصة تقوم بها الولايات
المتحدة ضد قوى شر كونية لا تمثل أفغانستان سوى الجولة الأولى.
ونضيف على ما قاله أن حرب العراق كانت الجولة الثانية والجولة
الثالثة بدت تلوح في الأفق سوريا؟ إيران؟ كوريا؟( ).
وهناك إقتراحان يلخصان الموقف سيعتبرهما
المنصفون يمثلان البداهة رغم اعتراض الكثيرين بدون شك:
- يأتي ما يسمى بالإرهاب
الفلسطيني كردة فعل على الإحتلال الإسرائيلي، وسرعان ما يتوقف هذا
الإرهاب إذا زال الإحتلال.
- يأتي ما يسمى بالإرهاب الإسلامي
ضد الولايات المتحدة-كما حدث في 11/9- إلى حدٍ كبير كردة فعل على
الدعم بدون حدود الذي تقدمه أمريكا لإسرائيل.
لذلك فإن معالجة أمريكية عادلة تقوم على
الإعتراف بالحقوق الفلسطينية وبالمستلزمات الأمنية الإسرائيلية
ستضع حداً للكراهية العربية الإسلامية ضد أمريكا( ).
تسلك أمريكا سلوكاً متعامياً عن السبب
الحقيقي للإرهاب في العالم، كما أنها تتظاهر بعدم معرفة أسباب كره
العرب للسياسة الخارجية الأمريكية مع العرب. وأمريكا في تعاملها
هذا وتظاهرها وبالتالي عنادها تعمل كما يعمل "قصاص الأثر" الذي يرى
الضبع أمام عينيه وفي متناول يديه، ولكنه يكابر ويصر على أن يستمر
في قص الأثر بحثاً عن الضبع حتى يصل إلى "الموكره". لقد هوت
"قسطنطينية" أمريكا بالجحيم الطائر ولم تهتم بعد بالأسباب الحقيقية
التي أدت إلى ذلك وأهمها دعمها اللامحدود لإسرائيل كي تصنع منها
الأقوى من كل محيطها مجتمعاً في كل الأزمان، تقتل وتغتال وتقتلع
وتردم وتجرف كل ما هو فلسطيني بسلاح ومال أمريكي. إن أعمال إسرائيل
هذه تستثير حمية كل فلسطيني وعربي ومسلم وكل إنسان شريف وتستنفره
مضحياً بروحه ضد إسرائيل ومعها أمريكا( ).
كما وأن معالجة الإرهاب ليس أمراً مستحيلاً
ولكن يجب أن لا تكون الحلول خجولة أو مُقَتِّرة وهي: أن تعيد
إسرائيل ما إحتلته من أراضي سنة 1967 وهو حل جزئي معقول لإحلال
السلام وإغلاق باب جهنم في المنطقة، ولكي يكون حلاً كاملاً يجب أن
تعاد لشعوب المنطقة حريتها وفي عملية تتم بالتوازي مع الحل الأول:
وبعدها سيحل العمل السياسي محل العنف( ) رغم أن "نتنياهو" يعتقد أن
العمل الأساسي لمواجهة الإرهاب يجب أن يتمثل في ضرب الأنظمة التي
تقف وراء الإرهاب، نعتقد أن حله جزئي ومؤقت( ).
بينما فَصَّلَ رئيس وزراء الأردن علي أبو
الراغب علاجاً لمكافحة الإرهاب يتكون من:
- إقامة تحالف دولي لمحاربة
الإرهاب.
- تجري المواجهة العسكرية ضده
بالتوازي مع معالجة للظروف الاقتصادية والاجتماعية للشعوب.
- إزالة حالات الإحتقان والغضب من
العالم.
- تكوين أجهزة إستخبارية فعالة.
- وضع مفهوم دبلوماسي وسياسي
لمحاربة الإرهاب.
- مهمة مكافحته ليست منوطة
بالسلطات الرسمية فقط بل وبالمجتمع بأكمله فهو الجهة الأقوى
لمكافحته.
- إحلال السلام في العالم هو
الأفعل لمواجهة الإرهاب( ).
سلاح النفط والإرهاب:
سبق وأن أُستخدم "سلاح النفط بشكل
محدود ولمرة واحدة في حرب تشرين سنة 1973. ورغم هذه المحدودية إلا
أن أثرها كان كبيراً فيما بعد على موضوع النفط كله. النفط سلعة
نبيلة جداً ويجب التعامل معها بمقدار نبلها الأمر الذي لم يحصل حتى
الآن؛ بعكس ما حصل للذهب والمعادن النبيلة الأخرى. ما زال النفط
ينتظر نبل التعامل الإنساني لحاجة الإنسانية الماسة له في زمان ليس
لديها بديلٌ له.
إن الحرب على أفغانستان والحرب
على العراق كان النفط جوهرها، الأمر الذي دفع من تعرضت مصالحه
النفطية لشهر سيف المعارضة في وجه أمريكا ضارباً بعرض الحائط كل
علاقات الود معها. وكاد الشرخ أن يقع بسبب حرب أمريكا على العراق.
وظهر ذلك جلياً من المناقشات الحادة التي جرت في مجلس الأمن وانكشف
المستور أمام اللعاب المتدفق على النفط( ).
في حرب تشرين سنة 1973 أضحى
النفط سلاحاً مضاداً بل ربما دخل تلك الحرب بهدف إستثمارها. إذ
بدأت الثورة النفطية من أبواب الحرب الوطنية "وهي مفارقة مأساوية
نادرة الحدوث في التاريخ، لأن هذا النفط نفسه هو الذي سيجند
وارداته في خدمة الحروب الطائفية والفكرية والسياسية والميدانية".
فقامت الحرب العراقية الإيرانية لأسباب عديدة أهمها "التحفيز"
النفطي عند كلا الطرفين. ووقع صدام حسين "مغوياً" في غزو الكويت من
قبل النفط والكل وقع في إغوائه فقدم ذلك الكريم كل نفقات الحرب
للقاصي والداني. ووصل الأمر بوزير خارجية العراق أن قال وعلى
الفضائيات قبل سقوط العراق بشهر "حتى المصاب بعنّةٍ كان يطلب
تعويضاً من عائدات العراق النفطية؛ ومنهم من زاد طمعه فلم يكتف
بالتعويض بل تمادى وطلب في شكواه المقدمة إلى لجنة التعويضات العمل
على لزوم شفائه من العنة وإعادة فحولته إليه فالتعويض لوحده ليس
كافياً!.
إلتقى "الإنفصال"-بعد فشل وحدة مصر وسوريا
بعد ثلاث سنوات من قيامها، بينما فشل الإتحاد العربي الهاشمي بين
العراق والأردن بعد ستة أشهر من قيامه، وفشل الكونفدرالية اليمنية
المصرية السورية، أو السورية المصرية العراقية أو المصرية السورية
الليبية، أو الوحدة الليبية التونسية التي قامت صباحاً وانتهت في
مساء نفس اليوم ولكن صمدت الإمارات العربية المتحدة، وصمد مجلس
التعاون الخليجي، وترنح مُخَدّراً مجلس التعاون المغاربي، وانتهى
مجلس التضامن العربي بين العراق والأردن ومصر واليمن. وكادت حرب
الانشقاق اليمنية أن تنهي توحيد اليمنين-. إلتقى الانفصال
والعنصرية النفطية والسلفية الراديكالية في بؤرة الإرهاب، إرهاب
الدولة التي حصدت عشرات الأولوف في مذابح جماعية. والذبح أنواع
وأكثرُهُ إيلاماً "الذبح بسكين بادح"( )، وإرهاب المنظمات غير
الشرعية التي بدورها حصدت أرقاماً مشابهة( ). كل ذلك وقع في غيبة
الديمقراطية عن الحكم وعن المعارضة. ونتيجة ذلك تبلورت حالتان:
1- حالة التراجع الفردي والانكفاء
الذاتي بشكل عام ولَدَى القِلَّةِ من المفكرين بشكل خاص، وحالة
التراجع للكثير من الأحزاب. فصورة الأحزاب أصبحت في غاية المسخ في
نظر المواطنين. إن إزالة هذا المسخ أملاً في العودة إلى
الديمقراطية والتنمية السياسية كعلاج يكافح الإرهاب يتطلب جهوداً
شاقة.
2- إرتداء الأقنعة على الوجوه
والإزدواجية، فكأن الطبقة السياسية أصبحت في كرنفال مضحك تتخفى فيه
الوجوه. إنها ليست أقنعة في إحتفال إنها أقنعة إرهابية بلغت درجة
من الإتقان إستحال فيها تحديد المجرم أو فكره أو إنتماءاته،
فالأقنعة الإرهابية للأيديولوجية قد تكون وطنية أو إقليمية أو
دينية أو قومية.
لذلك فإن مواجهة الإرهاب ليست فقط دفاعاً عن
الحرية والديمقراطية أو عن الحق أو العدالة؛ إنها أولاً وقبل كل
شيء معركة لتمزيق أقنعته وفرط خيوط نسيجها وإعادتها إلى عناصرها
الأولية وخاماتها الأصلية( ).
الإرهاب لا يتجزأ ولا دين له:
في حقيقة الأمر إن معركة تجفيف
منابع الإرهاب هي معركة تتطلب حشد كافة الجهود لبناء مجتمع جديد
تسوده قيم العدالة والحرية واحترام حقوق الإنسان والتصدي للفقر
والظلم والتهميش، مجتمع يتساوى فيه الأفراد أمام القانون وتختفي
فيه دوافع التسلط والفساد والقهر.
ولن يتحقق ذلك إلا من خلال
تفاعل خلاق وقوي بين جهود الواعين من كافة شعوب العالم ومثقفيه
ومفكريه وقادته الهادفة جميعها إلى بناء مجتمع يشارك جميع مواطنيه
في رسم قوانينه واختيار مصيرهم بكامل الحرية.
ومعركة خلق مجتمع جديد هي معركة
ليست مقصورة على منطقة أو إقليم أو قارة أو شعب دون غيره أو أتباع
ديانة دون غيرها، فالغرب وأمريكا يلعبان دوراً مهماً فيها، الأمر
الذي يتطلب التخلي كلياً عن "المعايير المزدوجة والكيل بمكيالين"
كما يتطلب الوقوف بعدالة من قضايا تحرير الشعوب، وأبرزها القضية
الفلسطينية، وإنتهاج سياسة إقتصادية سليمة لا تسطو على ثروات
الشعوب الفقيرة-ويكفيها وضعها المزري-. كما يتطلب أيضاً تنقية
العولمة من وحشيتها ولا إنسانيتها وشروطها المجحفة إقتصادياً بحق
الشعوب في بلاد العالم الثالث( ).
ولا يمكن ولا ينبغي معالجة
الإرهاب بطريقة إنتقائية ومُتقطعةٍ في إطار عمل الدولة القومية
وأولوياتها. وبما أن الكثيرين يدركون عواقبه الرهيبة ويدركون
الكوارث التي يمكن أن تقع حين يضع يده على أسلحة الدمار الشامل؛
فيتعين إذن على الجميع الإستمرار في الحملة الدولية ضد الإرهاب
بتركيز لا ينقصه العزم ولا التصميم. وهذه الحملة يجب تأطيرها
وتنفيذها بفهم كامل للحقيقة الماثلة بأن "الإرهاب لا يتجزأ" وأنه
"دولي" كيفما كانت مصائبه؛ ويقوم بإقترافه أفراد ومنظمات وجماعات
وكيانات ودول تعتبره أداة لتنفيذ سياستها. ومن غير المنطق أبداً أن
الإرهاب الذي تواجهه أنت له الأولوية في العلاج على الإرهاب الذي
يواجهه هو-طبعاً لا يمكن القفز عن وطنية الإنسان ومسؤولياته تجاه
وطنه والأمر يتطلب نشر ثقافة عالمية مشتركة وحساً عاماً مشتركاً
كأرضية لازمة لحشد جهود مشتركة-. كما ويجب التصدي لمسارب تدفق
الأموال للإرهاب وإغلاقها على مستوى العالم.
وهناك حاجة ملحة لإعادة تأهيل المنظمات
الدولية لتلائم العصر ولتعود تعكس الحقائق المعاصرة. ليس هناك في
عالم اليوم القائم على الاعتماد المتبادل بديل عن العمل بتعاون
وبشكل منسق ومن منطلقات إنسانية عامة لا تتناقض مع الأديان مهما
تعددت فهي أصلاً هدى للناس.
وعلى الولايات المتحدة
الأمريكية مسؤولية كبرى ولا أحد ينكر ذلك. ويجب أن لا تُلغي هذه
المسؤولية دور الآخرين. فالتعددية هي أصلاً لصالح البشرية وإثرائها
ويجب تشجيعها وإفساح المجال أمامها. وفي نفس الوقت فإن على الدول
الأخرى مسؤولية إشراك الولايات المتحدة ولا يمكنها التعامي عنها،
وإلا فالخلل كبير جداً. كما وأن على الدول الأخرى القيام
بإلتزاماتها بالإتفاقات الدولية ومبادئ القانون الدولي( ).
والعالم جادٌ في البحث عن فكر
يُجسد الحوار ويحترم الحرية ويغيب التطرف والغضب والنفور
والأصولية. والإنسان أغنى بكثير من أن يكون كل ما في جعبته فقط
الصفات السابقة؛ والإنسان دائماً يحاول أن يطفئ نار الجنون بنور
الفلسفة. وهذا الفكر المنشود المتحرر عاشق الحقيقة ينبذ
أيديولوجيات الإرهاب التي انحطت بالدين إلى مستوى التكنولوجيا
وشراستها وشوهت جوهر التعاليم السماوية التي تمارسها إسرائيل تجاه
الفلسطينيين والعرب بإسناد كامل –وبدون حدود ومؤلم وموجع- من
أمريكا؛ وفحواها إستبعاد الآخرين واستعمال وسائل منحطة سياسياً
واستخدام السلاح والتسلط والنفاق.
والإرهاب هو الإرعاب الذي يقهر
الإنسان ويفرغ المجتمع من الحلم والأمل ويدوس على الحقيقة ويفسح
المجال للبطش فقط على حساب الفكر ويدفن الانفتاح فيستشري اليأس.
الفكر المطلوب لعلاج الإرهاب
فكر لا علاقة له بالأصولية المُتَحجِّرة ولا بالأيديولوجية
الراعبة. إنه فكر فلسفي روحي طموح قادم من عدة ينابيع: من
"تولستوي"، "وطاغور" و"غاندي" و"كونفوشيوس" و"لوتس" و"هايجدر"
و"فرانسيس الاسيزي"، "بريزون". هؤلاء يجدون بالكلمة حلولاً للكون
ويحنون على الإنسان ليحيا كل الحياة يَنْبُضُ ويحب ويفكر ويكون.
وعند أمتنا العربية والإسلامية من هؤلاء أمراء أحبوا السلام وارتقى
بهم الإسلام إلى ذروة مجد الإنسانية وحماية الوجود من البشاعات( ).
إن إغلاق الباب أمام أي احتمال
يولد الإرهاب ليس مهمة فردية لمنظمة أو جهة أو مجموعة أو دولة بل
هي مهمة إنسانية عالمية يجب أن يتحمل الجميع مسؤوليتها، ويجب أن لا
يفهم من هذا أنها مسؤولية عسكرية فقط. إنها مهمة واسعة تدخل في كل
مجالات الحياة التي يحتمل تواجد الإرهاب فيها؛ تتطلب بالإضافة
للعسكرة سياسةً وفكراً وثقافةً لأن الإرهاب مركب خطر فيه العسكرة
والفكر والسياسة أيضاً. ولذلك فعلى الجميع بناء الآليات لتمكين
الشعوب من القيام بدورها والآليات التي تمكن الدول كذلك ضمن إطار
من العلاقات والمبادئ الدولية الملزمة. وكما أن الإرهاب آفة متعددة
الوجوه فالعلاج أيضاً لا بد أن يكون متعدد الفعاليات والوجوه وليس
العسكرة إلا أحدها( ).
إن إتباع سياسة واحدة لمعالجة
الإرهاب أمر من غير المحتمل أن يتكلل بالنجاح. لذا فمن الواجب
التعرف على الفوارق في مآوي الإرهاب وإتباع أساليب لتتواءَم مع هذه
الفوارق بمجموعات متنوعة من السياسات والإستراتيجيات.
والتحدي الكبير هذه الأيام هو
إزالة الجهل والتجاهل من أطراف صراع الحضارات. فعلي من يعتقد بهذا
الصراع من الغربيين أن يعود إلى عمق وروح العقيدة الإسلامية وأن
يفهمها على حقيقتها وحينها سيكتشف عُقم هذه الصراعية، إذ لا أرضية
لها في الإسلام؛ فعليه إذن أن يتعامل مع المسلمين كشركاء لا طرفاً
يصارعه، وعليه أن يعرف أن أيام الاستعمار قد ولت وبالتالي فعليه أن
يتخلى عن أسلوبه في إملاء الرأي وإصدار الأوامر للبلدان العربية
والإسلامية بكيفية إدارة شؤونها. وعليه أن يتخلى عن فرض قِيَمِهِ
عليها، والأولى بالغرب عموماً أن يشجع العرب والمسلمين على الدخول
في الديمقراطية واختيار الحكم الصالح. والديمقراطية جذورها في مبدأ
"الشورى في الإسلام" الذي يعتبر الحجر الأساس للديمقراطية، إن
الشعوب المسلمة تتطلع إلى الانفتاح والديمقراطية. وما على الغرب
إلا أن يدخل في حوار مفتوح مع العالم الإسلامي، في حوار قائم على
إحترام الفوارق والمساواة وليس مقصوراً على الحكومات بل يمتد إلى
المنظمات غير الحكومية والدينية ورجال الدين والناشطين في المجتمع
المدني حتى ولو قامت بعض الحكومات برفض هذا المسلك.
والأضطهاد هو الخميلة التي ينمو
فيها التطرف، وهناك أدلةٌ على أن الروح الحربية والعدوانية تتنامى
بسرعة وبقوة في ظل حكم إستبدادي إن كان مسلماً أو غير مسلم.
والمعادلة ببساطة هي أن الناس يغتبطون حين يتمكنون من تحقيق
غاياتهم بطرق سلمية، ولكنهم يضطرون للعنف والإرهاب حين تكون
الديمقراطية غير ممكنة وحين يكون الطريق السلمي مغلقاً في وجوههم.
والحملة ضد الإرهاب حملة طويلة
يترتب التخطيط لها بعقلانية وصبر، فالعدو عدو غير تقليدي ولا نمطي،
ويجب الانتباه والاستعداد إلى أن الهجمات الإرهابية تنصب على جميع
الأهداف المحتملة وبأساليب متنوعة، فقد رأينا كيف أن طائرة مدنية
ضخمة مليئة بالمدنيين تتحول إلى جحيم ناسف متفجر. فالإرهابيون
مبتكرون أفذاذ حينما يخططون لعملياتهم.
ويتوفر لدى المجتمعات قوة كبيرة
لمواجهة الإرهاب لذلك يترتب المحافظة على العزم والاستمرار في
مواجهته فالشعوب تدعم حكوماتها الديمقراطية إلى حد كبير في مكافحة
الإرهابية. وتتوفر لدى الحكومات قاعدة إستخبارية يجب أن تنمو
وتتطور باستمرار وتتعاون فيما بينها على المستوى الدولي لأستهداف
الإرهابيين، فهناك تكنولوجيا حديثة وإمكانيات قوية للمراقبة ووسائل
إعلام حرة تَبُثُّ نشراتها وتدخل كل بيت في كافة أنحاء المعمورة
الأمر الذي يقف في وجه ضعفاء النفوس ويقوي عزيمة الصادقين، ويجب
إستخدام هذه الوسائل بفعالية أكبر. وهذا لا يعني أن الإرهاب محروم
من هذه الوسائل فالعملية عملية صراع وعلى مكافحي الإرهاب تطوير
إمكانياتهم دائماً علَّها تكون الأعلى يداً.
هذا ويجب أن تتركز إستراتيجية
مكافحة الإرهاب على مواطن ضعف الإرهاب وحرمانه من المأوى والدعم
والعطف والتمويل والسلاح. وعلى مكافحي الإرهاب أن يعيدوا بناء ما
هدموه في طريق قضائهم على الإرهاب وأن لا يديروا ظهرهم للدمار وكأن
شيئاً لم يكن، فالإرهاب يعود فينمو من تحت الأنقاض. وعلى الغرب أن
يقتنع أن الإسلام والمسلمين قوة خير وليس قوة شر والتعامل معهم
يكون على هذا الأساس.
- يجب حرمان الإرهابيين من الوصول
إلى أسلحة الدمار الشامل ومن إحتمال حيازتها ولعل هذا السبب الذي
جعل أمريكا وانجلترا ومن معهما تحتلان العراق بحثاً عن أسلحة
الدمار الشامل التي لم تكتشف حتى الآن رغم أن صوت "الدوري" مندوب
العراق في الأمم المتحدة قد بح وهو يصيح "كيف نعترف بوجود شيء غير
موجود"( ).
- الاستمرار في عزل الإرهابيين
وحرمانهم من تعاطف الجمهور وذلك بتقديم الحجج والبراهين المقنعة
للشعوب والتعاطي مع القضايا التي تطرحها الشعوب ومخاطبة الأوضاع
التي تنمو فيها الروح العدوانية.
- يجب وللمرة الألف الوصول إلى حل
عادل للقضية الفلسطينية طالما هي مجندة للتطرف، والفشل في حلها
يعني الاستمرار في المعاناة، وعلى الغرب أن يدرك بأن القضية
الفلسطينية مصدر للشعور بالظلم وعليه حلها.
- مثلما أن خطر الإرهاب عالمي
فالإستجابة لمكافحته عالمية أيضاً.
- تطوير فهم مشترك للخطر
الإرهابي، وتنمية التعاون الدولي في مكافحته، بل وتشجيع حوار سليم
بناء حول الإسلام والإرهاب على الصعيدين الوطني والدولي( ).
كيف تواجه بعض الدول الإرهاب:
تتباين سياسات وأساليب الدول
وتتعدد لحماية أمنها الداخلي والخارجي ولفرض سيادتها وإعلاء
تشريعاتها وتنطلق من المحاور الثلاثة التالية:
- أولاً: المحور القانوني: ويقوم
على مواجهة الإرهاب بنصوص تشريعية، منها من اعتمد على النصوص
الموجودة أصلاً في تشريعاتها التي تعتبر الإرهاب جرائم قتل أو جرح
أو تهديد أو تخريب. ومنها من يعتمد على قانون الطواريء الذي يخول
سلطات واسعة تتجاوز مجال الإجراءات الجنائية. ومنها من أصدر
تشريعات جديدة تجاوباً مع التوصيات الدولية الصادرة عن الجمعية
العامة للأمم المتحدة كما جاء مثلاً في مؤتمرات منع الجريمة منذ
مؤتمر جنيف 1975، ومؤتمر كاراكاس 1980، ومؤتمر ميلانو 1985. وكما
جاء في الكثير من توصيات لجان الخبراء منذ أن تم إدراج مسألة
الإرهاب للبحث سنة 1972 على جدول أعمال الجمعية العامة. ولكي تؤتى
الجهود التشريعية ثمارها عبَّر السكرتير العام للأمم المتحدة في
مذكرته للجمعية العامة سنة 1972 عن ضرورة البحث في الجذور العميقة
للإرهاب قبل وضع الوسائل الناجعة لقمعه وإلا كانت مجرد مسكنات قد
تفلح بعض الوقت، ولكن سرعان ما يندلع الإرهاب مرة أخرى بصورة أكبر
وأشد ضراوة( ).
- ثانياً: محور دراسة جذور
الإرهاب: كان موضوع البحث عن العوامل الكامنة التي تؤدي بالفرد إلى
إرتكاب جريمة الإرهاب هو الموضوع الذي إنعقد حوله مؤتمر في باريس
سنة 1981 شارك فيه عددٌ من علماء الإجتماع والنفس والأخلاق والدين
والإجرام والقانون. عندما يندفع الإنسان في عمل إرهابي يكون ذلك
بفعل تراكمات الإحساس بالكبت والبؤس والفقر والجوع والمرض والظلم
وكرد فعل تلقائي عفوي لعوامل خارجية بمثابة عدوان عليه فينطلق
مدافعاً عن ذاته. والدفاع عن النفس أمر غريزي بالإضافة إلى أنه في
كثير من الأحيان يدخل في إطار الفضيلة والأخلاق( ).
- ثالثاً: محور دراسة دوافع
الإرهاب:
أ- دوافع سياسية: بهدف تحقيق أغراض سياسية
أو تصفية أشخاص سياسيين.
ب- دوافع اقتصادية: إرهاب رأس المال هو أكثر
أشكال الإرهاب الاقتصادية، تمارسه أطرافه ضد بعضها البعض سواء كانت
الدولة أو المؤسسات أو الأفراد، وضحايا الإرهاب الاقتصادي هي ضحايا
مجردة وعامة وليست محددة ولا حتى محتملة قد تظهر في الحال وقد تمتد
آثاره لأجيال. ومثال على ذلك: تهريب الدم الإفريقي إلى أوروبا في
ناقلات مقابل دريهمات شحيحة ليباع بأسعار الذهب وليس مهماً ما
يحويه من فيروسات مرض الإيدز المستعصي حتى الآن على العلاج. ومثال
آخر دفن النفايات النووية في دول فقيرة كمزبلة للنفايات. وهنا تجدر
الإشارة إلى ما سمي "الإرهاب الاقتصادي الخفي" الذي تمارسه شركات
متعددة الجنسيات دون رقابة أو سيطرة( ).
جـ- الدوافع النفسية: لا تختلف في الوقت
الحاضر من حيث النوعية عن تلك الدوافع التي حركت "الحركة الفوضوية"
في أوروبا الغربية، و"الحركة العدمية" في روسيا إبان القرن الثامن
عشر والتي هددت الحضارة الإنسانية والدين والدولة والقانون. لذلك
يتحتم تدارك الأمر بمنع تراكم الظروف الخارجية والعمل على إمتصاص
الأفعال الضاغطة قبل أن تؤدي إلى الإنفجار، أو ما دام أن
الإنفجارات قد بدأت فلا بُدُّ من تقليلها ومن ثم وقفها.
د- الدوافع الاجتماعية: إن كل تراسانات
العقوبة على المجرمين قد تفشل في منع الجريمة إذا غاب عن المجتمع:
المثل العليا، والقدوة الحسنة، والتربية والتوجيه الصحيح، والقيم
الأخلاقية. وقد عبر مؤتمر كاراكاس لمنع الجريمة عن ذلك. والحل هو
إتاحة الفرصة لطاقات الخير في الإنسان للإنطلاق ليتمكن من توجيه
قدراته في الإتجاه الخير ومنها منع الجريمة.
إستراتيجيات للقضاء على الإرهاب:
الإستراتيجيات المتبعة حالياً
للقضاء على الإرهاب ما زالت قاصرة عن أداء مهمتها لأنها لم تقدم
تشخيصاً دقيقاً شاملاً غير أناني للظاهرة لا يكتفي بالوقوف عند
أعراضها فقط، ولأنها أحالت مهمة علاجه إلى سلطات ليست ذات إختصاص
وبالتالي لن تكون ذات كفاءة ولم "تعطِ الخبز لخبازه" كما يقول
المثل الأردني، ولذلك سيكون الفشل حليف هذه الإستراتيجيات.
الإستئصال:
تتركز إستراتيجية النظام العربي
المتحالف مع الإستراتيجية العالمية للقضاء على الإرهاب على
"الإستئصال" معتمدة على:
- أمريكا وأوروبا تعتمد
"الإستئصال" في القضاء على ما يسمى بالإرهاب الإسلامي فتمد يَدَ
العون التخطيطي والمال والسلاح والتغطية السياسية والإعلامية
لحلفائها الذين يقومون بالتطبيقات العملية الإستئصالية.
- تتزايد القناعات لدى المتحالفين
بجدوى الإستئصال خاصة وأنهم رأوا إيجابيات أولية على الساحة.
- طبيعة الأنظمة اللاديمقراطية
الحاكمة تميل إلى الإستئصال لأنها في الأصل عسكرية وتعتمد كلياً
على الأجهزة الأمنية.
- تهلل مؤسسات المجتمع المدني
للإستئصال وتبرره بل تُنَظِّرُ له وتلمعه للسلطة-لأن تكوينة هذه
المؤسسات جاءت أصلاً لخدمة السلطة-وتَصِفُهُ مجاملة بأنه مسلك
إضطراري لحماية المجتمع المدني والديمقراطية.
لقد ثبت أن العنف السلطوي لا يولد إلا العنف
ويوسع مداه السياسي والجغرافي والبشري ويؤدي إلى الحرب الأهلية.
الإستئصال قاصر عن معالجة الظاهرة والإثبات القاطع: هو التطورات
التي وقعت في الجزائر، إذ تأججت النيران مع بداية الإستئصال ولم
يبدأ تأججها بتخفيف حدته إلا مع بدايات تخفيف حدة الإستئصال فكأن
بينهما علاقة طردية( ).
يعود سبب عجز الإستئصال للقيام
بالمهمة إلى عدم قدرته وضع تفهم سياسي واجتماعي للإرهاب لأن أجهزة
الإستئصال أجهزة أمنية توجه من قبل أشخاص ذوي كفاءة في الأمن
والتخابر وليس في الفكر والسياسة؛ وحتى إذا وُجد من بينهم من هو ذو
فكر ومُسَّيس فهذه الكفاءة ليسَ مطلوباً منه ممارستها بل بالعكس
محذور عليه ذلك. وهنا مشكلة كبيرة لم تنحصر سلبياتها في الفشل في
مكافحة الإرهاب فحسب بل إمتد أثرها إلى آفاق أخرى. أصبحت الأجهزة
هذه مدفوعة دفعاً للتعاطي السياسي؛ ولطبيعة القوة الإفتراسية
الكامنة فيها مددت أذرعها لتطال ما ليس هو من إختصاصها، ومن كثرة
إمتداداتها أصبحت "هلامية" الشخصية لا هي شخصية أمنية ولا هي شخصية
اجتماعية أو سياسية، فكأن الأمن ليس بأمن وكأن السياسيين ليسوا
سياسيين. وهنا يصبح كل المجتمع في خطر لأن مَن يخبز الخبز ليس
الخباز أصلاً. وهذا ليس في صالح أي جهة وخاصة السلطة بالذات. وكمثل
ليس قريباً تماماً مِن الموضوع ولكنه يمكن أن يكون مؤشراً، ألا وهو
الجدلية القائمة في الأردن منذ سنوات حول النقابات المهنية هل لها
أن تمارس السياسة في الوقت الذي يؤطر القانون نشاطها في المهنية.
فلم تنجح لا سياسياً ولا مهنياً والمصيبة أنها بذلك قد حرمت الجهة
ذات الاختصاص وهي الأحزاب السياسية من معينها البشري المفكر
فأنخنقت واحتضرت وهيهات أن تمدها السلطة بالأكسجين( ).
أن الإستئصالية لا تترك أمر
التعاطي مع الإرهاب، لأهل الفكر والسياسة؛ وتستعيض عن الحوار
الوطني المفتوح والمطلوب بالحوار المغلق "داخل غرفة العمليات".
وهذا أمر لا يفيد في القضاء على الإرهاب، فالظاهرة ليست "انحرافاً
في السلوك" لدى قطاع بشري يحتاج إلى إشهار العصا الغليظة في وجهه
لترويضه، والظاهرة ليست "لوثه من الجنون" تلبست مواطناً مسكيناً
يمكن إخراج العفريت منه بالضرب المبرح أو بإرساله عند "مشايخ
ملكا"( ). الذين يمارسون العنف السياسي ليسوا عصاة خارجين على
القانون فقط لا يعالجون إلا بالعقاب، هم بدون شك عصاه ولكن العقاب
هذا لا يحل المشكلة فلهم رأي وهم نتاج أوضاع تستدعي نمطاً آخر من
العلاج والمقاربة الفكرية( ).
ظاهرة العنف السياسي ظاهرة
مركبة ومن نافلة القول التأكيد على أن علاجها يتطلب علاجاً أبعد من
العلاج الأمني إنه الغوص في العوامل التي صنعتها وليس التعامل
الأمني مع تجلياتها الخارجية. والغوص هنا يتطلب تَقَصِّي أسبابها
السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية واستئصالها.
الأسباب السياسية:
ويتطلب الأمر هنا الدخول في
موضوع الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان وتداول السلطة والعمل
على التقويم والإصلاح. والطريق إلى القضاء على العنف في السياسة
يتطلب تحرير السياسة مما يحرفها عن الممارسة السليمة وتنظيف حقلها
من الألغام المزروعة مثل التسلط والقمع واحتكار الرأي والإعتداء
على حقوق المجتمع السياسية والمدنية ومن ثَمَّ استصلاح تربتها وبذر
بذور الحرية والحق والرأي الآخر والتعددية والتمثيل المتساوي
وتداول سلمي على السلطة. أي بالعربي الفصيح ديقمراطية حقيقية.
الأسباب الاقتصادية:
وتعني مراجعة السياسات
الاقتصادية التي أدت إلى الإخفاق في تأمين الغذاء مثلاً وإرتفاع
المديونية والتبعية للخارج والكساد وتوسع دائرة الفقر وتضخم القطاع
الطفيلي وضمور القطاع المنتج ونمو إقتصاد الكماليات وتدهور إقتصاد
الحاجات والضلال في الإستهلاك وزيادة ابطالة.
الأسباب الاجتماعية:
إن إلغاء الأسباب الاجتماعية
للعنف مرتبط بإلغاء الأسباب الاقتصادية. فالأسباب الاجتماعية للعنف
هي التهميش لقطاعات تشكل أغلبية في المجتمع؛ والفوارق الفاحشة بين
طبقات المجتمع حيث تركزت الثروة في يد أقلية صغيرة وفي معظم
الحالات تافهة مقابل حشود جماهيرية من الجياع تحت خط الفقر.
الأسباب الثقافية:
إن إلغاء الأسباب الثقافية
يتطلب التحرر من القيم الوحشية والعسكرتارية التي حولت الناس إلى
عناصر تتراشق بالعنف اللفظي والمضاربات الأيديولوجية والمناقصات
والمزايدات الكلامية. والتحرر عند العرب في هذا المجال يعني إنهاء
حالة الحرب الفكرية التي عاشوها بين دعاة المعاصرة والأصالة،
والهوية والحداثة، والعروبة والإسلام، والأسلمة والعلمنة وجميعها
انتجت ثقافة الاستنكار المتبادل، والتخوين، والعمالة، والإقصاء،
والتأثيم، والتكفير، واستبدالها بالسير نحو ثقافة الحوار والتسامح
والمناظرة العلمية والإنفتاح والنسبية خارج نظام العسكرة المتنامية
للحقل الثقافي المقصور على الرفض.
ولا بد من وجوب خروج المثقف من
حظيرة السلطان رغم ما في ذلك من جدلية، كما لا بد أن ترفع القوى
الأخرى يدها عن المثقف من حيثُ بتصنيعه أو تطويعهِ أو تذييله( ).
إذن فالعلاج للإرهاب يتطلب
إستراتيجية جديدة تُحرر المجال السياسي من العنف لتكون عناوينها
الديمقراطية والتنمية والعدالة الاجتماعية والتجديد الثقافي. وليس
في الأمر دعوة إلى ثورة؛ فالأمة –وعلى الأقل في المرحلة الحالية-
في ظرف مُتَحَفِّر فنتحَسَّب –من الوقوع من غير قصد- في فخ
الإرهاب، وكل هدفنا هو إنجاح مسعى لا يريد إلا القضاء على الإرهاب(
).
الإرهاب والتحالف الدولي:
هناك هشاشة كبيرة عند الدول
الحديثة أمام التهديدات الجديدة وتفتقر إلى آليات موثوقة لمواجهتها
وللحيلولة دون وقوع أعمال عنف جديدة، والأهم الحيلولة دون تسرب
أسلحة الدمار الشامل إلى الإرهابيين. قبل نصف قرن ورغم الإختلافات
السياسية الكبيرة تعاونت روسيا وأمريكا ودول أخرى، ضد النازية
فتحطمت النازية ونجا العالم منها. ثم تدارست الدول المتحالفة الأمر
بعد النصر لوضع آليات للتعاون الدولي تحول دون وقوع كارثة أخرى.
فكانت الأمم المتحدة تلك الآلية التي تضمن الأمن والسلام العالميين
والتي جاءت بعد تنظيم دولي عالمي سبقها وهو عصبة الأمم المتحدة( ).
ولا تختلف من حيث المبدأ حاجة العالم اليوم إلى "الآلية" التي
إحتاج إليها أعقاب الحرب العالمية الأولى ثم أعقاب الحرب العالمية
الثانية. وفي الواقع إن هذه الحاجة تطرح على مائدة التشريح مدى
فعالية الأمم المتحدة والنظر جدياً في أمرها. وهذا لا يعني إلا
العمل على تلبية الحاجة العالمية الماسة لكيفية مواجهة الخطر
الجديد. فالجهد الآن ينصب على الحيلولة دون وقوع أعمال إرهاب جديدة
والحيلولة دون تمكين قوى الشر من أسلحة الدمار الشامل.
إن واحدة من أكثر المهام
إلحاحاً تتمثل في تقوية التحالف الدولي المناهض للإرهاب القادر على
خلق جو من الرفض القاطع لجميع أشكال الإرهاب والقضاء على
الإرهابيين. والتضامن الحالي يوفر الفرصة للبدء في إقامة نظام
للأمن العالمي يتصدى لأخطار القرن الحادي والعشرين( ). ومنطقياً
فإنه يمكن القيام بذلك العمل تحت إشراف الأمم المتحدة وتفعيل مبادئ
القانون الدولي ويمكن للمنظمات الإقليمية أن تساهم فيه. وهذا
التضامن لا بد أن يقوم على المساواة وتلعب فيه العلاقات الثنائية
دوراً هاماً.
والحرب الدائرة في العالم الآن
من قبل الإرهاب وعليه هي حرب مختلفة عن الحروب التقليدية المعروفة،
فالحرب ضد الإرهاب أيضاً ستأخذ في أوجه عديدة الطرق غير المألوفة
واللانمطية؛ "والبعد العسكري منها يجب ممارسته بحذر ولكن بحزم لا
يلين"( )، وهناك الأبعاد الأخرى الاقتصادية والدبلوماسية و"التبادل
الحر للحقيقة". وقد يكون الجزء الأكبر من هذا الجهد غير مرئي
بالضرورة ولن يتم إنجازه في يوم وليلة. وعلى العموم فإن التعاون في
المجال الإستخباري له الأهمية القصوى، والأكيد أن التعاون والتضامن
في هذا الاتجاه يُشكل العالم العربي والإسلامي أحد أركانه الهامة
جداً لذلك فالأمل أن لا تسمح قرارات الأطراف المشاركة للمتطرفين
تصوير هذه الجهود على أنها صراع بين الغرب والإسلام جرياً وراء
نظرية هنتنجتون في صراع الحضارات. كما أن ممثلي العالم العربي
والإسلامي في هذا التعاون لن يفوتهم إبراز قضيتهم الأصلية التي
إستغلها الإرهابيون. وإذا لم يتم حلها بشكل عادل فستبقى مبعثاً
للعنف والإضطراب، لذلك فإن هدفهم يجب أن لا يكون أقل من الوصول إلى
حل عادل وشامل لها يحقق للشعب الفلسطيني أمانيه.
والتعاون على المستوى الدولي
من الأفضل أن يردفه تعاون على مستوى أوسع تشترك فيه الجماهير
بقطاعاتها العريضة كحركة تعمل لصالح العدالة والشرعية وترسيخ
القانون بدلاً من الحرب، تُحَرِّك التفاهم بين المجتمعات بدلاً من
الرعب، ويتوجب على هذه الحركة أن تعمل كقوة ضاغطة على الحكومات
والمؤسسات الدولية بقصد العمل على تحقيق:
1- الالتزام بأحكام القانون الدولي
بدلاً من اللجوء إلى القوة وتأمين الحماية والأمن للمدنيين مهما
تعددت وتنوعت أعراقهم ومعتقداتهم أينما وجدوا. والعمل على إلقاء
القبض على الإرهابيين ليْمثُلوا أمام محكمة دولية على غرار محكمة
"نورمبورغ" أو تلك الخاصة بجرائم يوغسلافيا، والتعامل معهم كمجرمين
وليس كعسكريين.
2- بعث صيغة جديدة للشرعية الدولية
تعالج الأسباب التي أدت إلى إعتبار الغرب كمهتمٍ بنفسه فقط، ومنافق
وانتقاني وفاقد الإحساس، ويقيس بمكاييل متعددة، الأمر الذي ينطوي
على إعادة إحياء الجهود لإحقاق السلام في الشرق الأوسط وإدانة كافة
الخروقات لحقوق الإنسان في المنطقة وإعادة النظر في السياسة تجاه
العراق وإيران وأفغانستان وسوريا ولبنان وليبيا. إن الحرب ضد
الإرهاب تقتضي تخليص العالم من الأرضية الحقيقية للكراهية وعدم
الثقة، واستغل الإرهابيون لفترة طويلة العنف والخوف وإنقسام
المجتمع لنشر أكاذيبهم وتأثيرهم إنهم يقتاتون على اليأس والظلم كما
يقتات الثعلب على الضحية( ).
3- لا يجوز إهمال العديد من المشاكل
وتركها بدون حلول وعلى رأسها: القيم الأخلاقية، والإعتداء المستمر
على العدالة التي تولدت بسبب الأستقطاب العولمي للثروة والإيرادات
والنفوذ، بالإضافة إلى مشاكل اللاتماثلات الضخمة في فرص الحياة لأن
الإرهاب يترعرع في بيئة الفقر والحرمان. كما ويجب العمل على حل
العقدة المركزية في العدالة الدولية والشرعية السياسية وربط
العولمة الاقتصادية بشفافية مع مبادئ العدالة الاجتماعية، والعمل
على تنمية حركة واسعة لترسيخ القيم المتعلقة بالتعدد الثقافي وحقوق
الإنسان، ومن الواجب إشراك الجماهير في عمل سياسي وليس عسكرياً
بطريقة تتحد فيها الوسيلة والهدف والبحث عن العدالة. إن حلفاً
جديداً من أجل العدل والسلام يجب أن يحل مكان المتطرفين والظالمين
وسفاكي الدماء.
وما زال الرأي الأكثر ثقلاً يعتقد أن الأمم
المتحدة هي المكان الأفضل ليكون قصر المشاركة الدولية لمكافحة
الإرهاب لأنها الأكثر تأهيلاً للتعامل مع ظاهرة الإرهاب للاتفاق
على سبل ومبادئ لمواجهته وحسب شروط تتوافق عليها جميع الدول كبيرها
وصغيرها بدون إنحياز وبدون مكاييل متعددة فالأمر خطير ويمس السلم
والأمن الدوليين. وما زالت النداءات تتكرر لعقد مؤتمر دولي تحت
مظلتها لاستكمال الخطوات التي قطعتها وفي مقدمتها: القرارات
والمعاهدات التي اعتبرت الإرهاب تهديداً للسلام والأمن والتي حثت
الدول على إتخاذ الخطوات للقضاء على الإرهاب حسب أحكام القانون
الدولي ومعايير حقوق الإنسان، إلا أن هذه المعاهدات بحاجة إلى
"مدونة" قانونية ملزمة تعكس تعاون المجتمع الدولي في التصدي
للإرهاب ومحاصرتها وحرمانها من إمدادات الحياة كالتمويل والمأوى(
). إن إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها العادية
التاسعة والأربعين سنة 1994 هو بمثابة منهاج لعمل مشترك لمواجهة
الإرهاب إذ تضمن مجموعة المبادئ والإجراءات والتوصيات المطلوب
الالتزام بها والعمل بموجبها، منها إدانة قاطعة للإرهاب فهو خرق
خطير لمبادئ الأمم المتحدة الداعية إلى تحقيق الأمن والسلام، ووردت
في ديباجة الإعلان الإشارة إلى الاتفاقيات العشر الدولية الأساسية
التي تتعامل مع الأعمال الإرهابية ودعا أعضاء المجتمع الدولي
للتصديق عليها( ).
وبالمقارنة فقد إندفعت الولايات
المتحدة الأمريكية بقوة نحو القيام برد عكسي بعد 11/9 فاحتلت ومعها
آخرون كلاً من أفغانستان والعراق وركزت على تطوير تشريعاتها
الداخلية؛ ليس فقط في المجال الأمني بل وأعادت النظر بسياساتها في
الهجرة والتأشيرات وتم تبني مجموعة هائلة من الإجراءات الوقائية
الداخلية كالإعتقال بدون إذن قضائي، والمحاكمات العسكرية، واعتراض
البريد الالكتروني أي "حالة هوس أمني"( ).
الفيتو:
في الفترة التي كان فيها العالم
الفرنسي الشهير "باستور" منكباً في مخبره على البحث في كيفية توالد
الكائنات، ويراقب دوارقه ليكتشف عوامل تكونها وكيف يمكن تعقيمها؛
كان الناس من حوله يموتون بالجدري والكلب وأنواع أخرى من الأوبئة.
وحينما كان العام الروسي "إيفان بافلوف" يراقب سلوك الحيوانات وكيف
تتكون الأفعال الشرطية كان الناس من حوله تفتك بهم الحروب. سأل
مساعده الذي جاء متأخراً إلى العمل عن سبب تأخيره فأجابه: إنه كان
يتابع أخبار الحرب، فقال له بافلوب "وهل هناك ما هو أهم من العمل
في المختبر!.
كان العالمان العظيمان منكبين
على البحث عن أسباب المشكلات الإنسانية، باستور يبحث في كيف يعافي
البشر من الأوبئة باكتشاف عملها، وبافلوف يبحث في كيف يعافيهم.
والآن فإن أحفاد هذين العالمين من بني البشر يبحثون في معرفة كيفية
نشر الأوبئة بدلاً من إشفاء الناس منها، وفي كيفية التحضير للحروب
للفتك في المزيد من البشر. إن القفز من تلك المقدمة إلى البحث في
موضوع الفيتو والإرهاب والتحالف الدولي لا يخلو من البهلوانية أو
المسرحيات التي قد تُفَسِّر بأنها إبتعدت عن الهدف؛ ربما أن العذر
في ذلك يعود إلى أن كثرة الإطلاع على ما كتب حوله من تناقض في
الآراء سيكون لها أثر ما على الكاتب نفسه.
"الفيتو" في الأصل هو موضع تداول في الأوساط
الدولية منذ فترة طويلة وقبل أن تلتهب نيران الإرهاب بسبب تغير
وتبدل الظروف التي شُرع فيها الفيتو. فالإتحاد السوفيتي لم يعد
موجوداً ووارثه في الحق فتح الباب من جديد. ثم الكيفية التي تدحرج
فيها هذا الحق من الصين إلى "تايبه" فتح الباب من قبل، ثم تدحرج
ثانية إلى الصين. ثم من الأكيد أن الإمبراطورية البريطانية التي لم
تكن تغيب عنها الشمس أصبحت محصورة في مساحة بالكاد ترى فيها أشعة
الشمس، وأصبحت الفرصة النادرة لرؤيتها تستحق التهاني! ثم إن أمريكا
التي كانت تتمتع بجدارة بهذا الحق والعرب أعلم الناس بذلك طالما لم
يروا منه إلا أنيابه ومخالبه، أصبح مركزها أبعد من أن يماثلها فيه
أحد( ). هذا بالإضافة إلى بروز دول كألمانيا واليابان، ومجموعات
دول أصبحت تتطلع للحصول على هذا الحق. إذن فالموضوع مطروح قبل
الوقت الذي طُرح فيه موضوع الإرهاب، ولكن بعد طرح موضوع الإرهاب
أصبح الكثيرون ينبشون ويخترعون صلة بينهما –الإرهاب والفيتو-إما
"حَفراً" في فلسفة الأمور وإما "لصقاً" لها بسطحية ودون كلفة عناء
التعمق( ).
وبما أن أفضل علاج للإرهاب هي
إزالة جذور الإرهاب بتطبيق العدالة والمساواة وإزالة التسلط وعدم
الكيل بمكيالين و … و… كما عرضنا سابقاً وسنعرض لاحقاً؛ أصبح
الموضوع على المشرحة. فمثلاً هناك من يقول "إن مفهوم الفيتو هو
مصدر كل الشرور في الحياة الإنسانية فهو أساس العنصرية إذ يعني أن
هناك من هو فوق القانون لا يُخطئ ولا يقع في الذنب، وإن كل أعمالهم
صواب بينما الآخرون خاطئون ولا حق لهم. والفيتو هذا ليس قصراً على
صاحب الحق بل يستطيع أن يستخدمه لصالح أية دولة، وكانت إسرائيل
أكثر المغدق عليهم بخيراته"، إذن وحسب هذا الرأي ينبغي أن يخرج
الإرهاب وحق الفيتو من القلوب، فما دام هناك من يتمناه ويسعى إليه
فلن يتغير شيء في المعركة الموجهة ضد الإرهاب، وسيبقى الظلم –أو
يزداد- ويتغير الظالمون حتى يدرك المجتمع الدولي (إن الله لا يُغير
ما بقوم حتى يُغيروا ما بأنفسهم) الرعد 11.
وبلغة العصر فيجب أن تغير الأمم
المتحدة ما بنفسها وتصبح ديمقراطية ليس فيها الفيتو ويتساوى فيها
الأعضاء في اتخاذ القرارات المصيرية. والحل: أمم متحدة ديمقراطية
لا فيتو فيها( )، ويكفي الدول الخمس أن تكون القرارات بالأغلبية
المطلقة إذا كانت النية صادقة لنزع فتيل الإرهاب الدولي( ). هذا في
الوقت الذي لم يتطرق "مجلس الكنائس" في الأردن إلى موضوع الفيتو بل
ناشد الأمم المتحدة والدول الكبرى معالجة أسباب الإرهاب والتركيز
على القيم الإيمانية المشتركة والإنسانية والأخلاقية بين أبناء
الديانات السماوية والكف عن تجاهل القرارات الشرعية الدولية بتفسير
واحد ومكيال واحد( ).
وصفة طويلة لمكافحة الإرهاب:
في محاولة للإطلاع على ما أمكن
من وصفات ودراستها وتحليلها يمكن نحت الوصفة التالية التي تتسم
بالإتساع والتطرق إلى كل ما يمكن أن يطرأ على البال. إنما يبقى
الأمل في إعتماد الوصفات السياسية دائماً ووضعها فوق كل الوصفات.
وإذا كان الإرهاب قد جعل الحلول السياسية أشد صعوبة، لكنه بنفس
الوقت أبرز ضرورتها القصوى والحاجة الماسة إليها( ).
• صياغة موقف أخلاقي وقانوني
للتعامل مع خوض الحرب وكذلك مع الإرهاب.
• أخذ "النسبية أو التناسب" بعين
الإعتبار؛ فالإرهاب قد لا يكون الخطر الرئيسي على النظام العالمي
ويجب عدم التضخيم لغايات سياسية أخرى.
• يجب الإدراك إن المحاولات للنيل
من الفلسطينيين أو الأرمن أو الأكراد وكلهم أصحاب قضايا عادلة،
إنما هي محاولات مغرضة وباطلة ويجب رفضها.
• لو أن الأمم المتحدة إستجابت
لنداء العقل وكالت بمكيال واحد وتجنبت التعريف القطّاعي للإرهاب،
وعقدت مؤتمراً دولياً بشأنه لكان بإمكانها التوصل إلى إتفاقية
شاملة دولية تضع تعريفاً له وتحدد أركان الجريمة فيه وتقيم له
محكمة جزائية وتدخله في نظام روما الأساسي سنة 1988، ولكنها سيست
الموضوع إذ فيها من لا يريد للجماعة الدولية أن تحاكم مرتكب
الإرهاب ومموله ومنظمه والمحرضين عليه والشريك فيه بغض النظر عمن
هو ومن هي دولته. ولو أنها سلكت تجاهه كسلوكها تجاه جرائم الإبادة
الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجريمة العدوان لكان
بالإمكان تحقيق النجاح، ولكنها للأسف ستبقى ضحية أخطائها( ).
• الإلغاء التام لمديونية الدول
الفقيرة.
• إنشاء نظام لتسديد ديون بلدان
الجنوب يكون نظاماً واسعاً وعادلاً ومنطقياً.
• تحديد ضمانات يخضع بموجبها
التمويل المستقبلي لشروط مقبولة على أن يستخدم للتنمية المستدامة.
• إعادة التوازن للتبادلات بين
الشمال والجنوب.
• ضمان السيادة الغذائية لجميع
البلدان.
• ضبط التحركات اللاعقلانية
للرساميل.
• حظر السرية المصرفية.
• إعلان "الجَنَّات الضرائبية"
خارجة على القانون وإنشاء ضريبة دولية على المضاربات المالية( ).
• إلغاء الفيتو في مجلس الأمن
وإزالة مثل هذا الفهم.
• وجوب التزام جميع الدول وبلا
إستثناء باتفاقية حظر الأسلحة النووية وأن تقوم الدول المالكة لها
بتدميرها. وخاصة في منطقة الشرق الأوسط.
• الإلتزام الحقيقي بعدم التدخل
في الشؤون الداخلية للغير وأن تتوقف الأجهزة الاستخبارية عن إثارة
القلاقل في العالم الثالث.
• أن يسود العدل تجاه المشكلات
التي تسبب التوتر الدولي.
• التفريق بوضوح بين الإرهاب
والمقاومة ضد الإحتلال( ).
• إستخدام التفوق التكنولوجي
سلاحاً رئيسياً في إبطال مفعول الأعمال الإرهابية قبل الردع
العسكري.
• إصلاح النظام الدولي لإجهاض
مبررات اللجوء للإرهاب.
• نقل مكونات الصراع إلى العلنية
والشفافية والديمقراطية وإتاحة الفرصة للمشاركة في القرار للجميع.
• أن لا تقصر الأمم المتحدة دعمها
على المنظمات الرسمية والمنظمات غير الحكومية التي تمثل وجهة نظر
المجتمعات المدنية في القضايا المصيرية الكبرى( ).
• تعريف جريمة الإرهاب وتجريمها
على المستوى الدولي من خلال معاهدة دولية شاملة.
• القضاء على التفرقة والتمييز
العنصري، والعدوان، والإحتلال، والطرد الجماعي للسكان، وإنتهاك
حقوق الإنسان، والحفاظ على حقوق الأقليات وضمان حق تقرير المصير.
• إنشاء محكمة جنائية إقليمية
لمعاقبة الإرهاب.
• تطوير القواعد الخاصة بتسليم
المجرمين وإبرام المعاهدات الثنائية والمتعددة بشأن تسليم ومحاكمة
الإرهابيين( ).
• التعاون بين الدول على نطاق
واسع في مجال مكافحة الإرهاب.
• إهتمام بين الدول على نطاق واسع
في مجال مكافحة الإرهاب.
• إهتمام وسائل الإعلام بالتركيز
على خطورة الإرهاب.
• عزل الدول التي تشجع الإرهاب.
• تقنين جرائم الإرهاب الدولي.
• عدم إعتبار جرائم الإرهاب من
الجرائم السياسية.
• تقرير المسؤولية الدولية
الجنائية لمرتكبي الإرهاب دولاً كانت أم أفراداً.
• الإنضمام للإتفاقيات الدولية
التي تقيم نوعاً من التعاون الدولي في مجال مكافحة الإرهاب.
• إتخاذ إجراءات فعالة ضد الدولة
التي تعتدي على الشعب.
• تنقية الكتب القديمة والحديثة
من الأفكار التي تثير الجدل وتدعو إلى الفرقة وكراهية الآخرين.
• حل مشاكل اللاجئين والتهجير
السكاني.
• ضبط الرقابة على جميع التنظيمات
ومعرفة إتجاهاتها ونشاطها وأساليب عملها.
• التحكم في الأبحاث العلمية
المتطورة في مجالات الهندسة الوراثية وأسلحة الدمار الشامل وأجهزة
الاتصال وضبط إستخدامها.
• الحد من إنتاج الأسلحة والسيطرة
على تسربها إلى مناطق الصراع وفرض قيود على استخدامها.
• دور وسائل الإعلام في التوازن
بين النزعة القومية والدعوة الإنسانية والإتجاه لتبادل الخبرات
وليس الإتهامات.
• يتفق مفكرو العالم على وضع تصور
لمستقبل البشرية واستقراره وأمنه وفي جميع اللغات ويدرّس للأجيال
الصاعدة.
• النصر العسكري هو بالتالي هزيمة
للشعوب لأن الحروب لا تحل المشكلات( ).
نظرة الباحثين في المنطقة العربية لكيفية
مكافحة الإرهاب:
في الواقع ليس هناك "وصفه"
عربية بالذات للمكافحة خاصة وأن "الآفة" خطر على كل البشر، ولكن
وكما رأينا في أحد مواقع هذا البحث فإن للمنطقة أهمية متفوقة تتسلط
كل الأنظار عليها حين التفكير في الموضوع، كما وأن الأحداث فيها
تنعكس آثارها على كل العالم إذ يكفي في أيامنا هذه الإشارة إلى ما
يحدث في فلسطين وما يحدث في العراق وإلى ما يمكن أن يحدث في لبنان
وسوريا حتى نلاحظ مدى إنشغال العالم بالشرق الأوسط، والتهمة
بالإرهاب موجهة إلى العرب وإلى الإسلام. لذلك من البديهي أن تكون
العلاجات التي طرحها الباحثون العرب ناتجة عن آلام وتطلعات الأمة
عموماً على الصعيد الرسمي وغير الرسمي.
إنعقدت ندوة في الخرطوم تحت
عنوان "تشريعات مكافحة الإرهاب في الوطن العربي" من 7-9/12/1998
طبقاً للخطة المرحلية للإستراتيجية العربية لمكافحة الإرهاب
الموضوعة من قبل وزراء الداخلية العرب إذ تقوم أكاديمية الأمير
نايف بتنفيذ الجانب العلمي منها. وكان ما توصلت إليه:
- الالتزام بالتعريف الذي ورد في
المادة الأولى الفقرة الثانية والثالثة من الاتفاقية العربية
لمكافحة الإرهاب الموقعة سنة 1998، لكل من الإرهاب والجريمة
الإرهابية.
- تشجيع الدول العربية على سن نص
تشريعي لكل منها متسق مع الاتفاقية العربية لتعريف الإرهاب
ومكافحته.
- عدم إعتبار الجريمة الإرهابية
جريمة سياسية وفقاً لنص المادة الثانية من الاتفاقية العربية
لمكافحة الإرهاب وتأكيداً لما جاء في الاتفاقية العربية لتسليم
المجرمين سنة 1952م( ).
- تسهيلاً للتكيف مع المستجدات
وإجراء التعديلات الملائمة، فمن اللازم سن تشريع داخلي خاص
بالجرائم الإرهابية وفصلها عن قانون العقوبات.
- العمل على التعامل بأسلوب علمي
مع الفئات الدينية المتطرفة بتبصيرها بالمنهج الصحيح في الفكر
والعقيدة والسلوك حسب ما تضعه جهات ذات إختصاص وكفاءة لا تُحَرِّفْ
أحكام الشريعة الإسلامية.
- التعويض العادل والمناسب على
ضحايا الإرهاب حسب تشريع يوضع خصيصاً لهذه الغاية وبتمويل مشترك من
الدولة وشركات التأمين وغيرهم.
- وجوب النص على إختصاص القضاء
العادي بجرائم الإرهاب.
- الإرتقاء إلى المستوى الإنساني
اللائق وحسب مبادئ حقوق الإنسان حين التعامل مع جرائم الإرهاب عند
إلقاء القبض أو التحقيق أو المحاكمة( ).
- الجريمة الإرهابية هي جريمة
دولية لأنها تعرض الأمن والسلم الدوليين للخطر حتى ولو وقعت داخل
الدولة ومن جماعات تحمل جنسيتها.
- إرهاب الدولة هو جريمة إرهابية
دولية.
- العمل على إستئصال أسباب
الإرهاب الفردي والجماعي الداخلية بالتوازي مع وسائل العلاج
الأمنية( ).
ومن وجهة نظر أقل تحفظاً في التعبير فالعلاج
يتضمن:
• وجوب إستقلال عملية إتخاذ
القرار السياسي في الدولة من الإستسلام للنفوذ الخارجي أو الخنوع
له، فالدولة التي تتحول إلى إدارة تابعة للخارج تصبح بيئة صالحة
للإرهاب لأن هيبتها تَنْمَسِخ داخلياً وحتى خارجياً.
• منح الحكم الذاتي للأقليات فمن
حقها أن تفتخر بلغتها وثقافتها مثل "الأمازيغ" في شمال إفريقيا
والأكراد في العراق، هذا بالإضافة إلى المذاهب الدينية المختلفة.
• على السلطة الحاكمة أن تلتزم
بتراث وتاريخ وتقاليد وديانة شعبها وإلا فلن تنال إلا إشمئزاز
مواطنيها فتتكون البيئة الصالحة للإرهاب.
• وقف جميع المواجهات
اللاإنسانية: التصفية الجسدية التخريب، الحروب الجرثومية، الحرب
العِرقية، التعذيب، الإهانة، التوقيف بدون تهمة والسجن بدون
محاكمة،. محاربة البطالة، والفساد، والغش، والاهتمام بالمناطق
الفقيرة، وضبط النظام الضريبي، والعناية بنظام الأسرة، ومحو
الأمية، والإهتمام بوسائل البث الإعلامي، وعقد الدراسات والندوات
لمكافحة الإرهاب.
• تحديث الأجهزة الأمنية فكراً
وتخطيطاً ووسائلاً( ).
• وقف النهب الأجنبي لمقدرات
الأمة.
• إلغاء القواعد العسكرية
الأجنبية.
• الإسلام دين الأمة ويتوجب وقف
الحملات ضده.
• إن القضية الفلسطينية قضية
عادلة ويجب وضع حدٍ لمعاناة الشعب الفلسطيني وتمكينه من الوصول إلى
حقوقه.
• المساواة والعدل بين المواطنين
وترسيخ الديمقراطية وإلغاء منطق الحديث عن كل ما يسمى بالأكثرية أو
الأقلية.
• الجهل والخواء الثقافي بيئة
صالحة للإرهاب لذا يترتب التأسيس لمشروع تربوي ثقافي للإرتقاء
بمستوى الأمة( ).
• معالجة ظواهر التعصب التي
تزرعها مجموعات باسم الدين وتطوير أساليب المواجهة الدينية من خلال
علماء دين لهم حضور جماهيري ولهم قدرة على مواجهة أفكار الإرهاب
والتأكيد على التزام البلاد العربية والإسلامية بالشريعة
الإسلامية.
• تشجيع المواطنين على التعاون في
مكافحة الإرهاب.
• مكافحة إستغلال النفوذ والتربح
من الوظيفة وإهدار المال العام( ).
• عمل أبحاث علمية لدراسة شخصية
الإرهابي.
• تنمية المناطق المهملة وتطوير
الخدمات الاجتماعية والأمنية والاهتمام بالمرافق العامة للنقل
والصحة والمياه والكهرباء في المناطق التي تشكل البيئة الخصبة
للإرهاب من أجل السيطرة على التطرف فيها.
• تكثيف البرامج في شؤون الشباب
بعيداً عن الكبت والقهر تجنباً لأي انفجار سياسي أو نفسي( ).
• وقف الدور الخارجي لدعم الإرهاب
بالمال والتدريب.
• إصلاح الخلل في بعض الأنظمة
السياسية بعلاج سليم حتى تكون مواجهة الإرهاب فعالة.
• دعوة الجامعة العربية إلى تشكيل
لجنة علمية لدراسة ظاهرة الإرهاب والدعوة إلى عقد مؤتمر عربي غير
حكومي لمواجهة الإرهاب.
• سد الثغرات من خلال التعامل
السياسي الرشيد مع الأبعاد الخارجية للإرهاب حتى يمكن معالجة الخلل
في الأنظمة الداخلية التي تسهم أحياناً في تسلل الإرهاب.
• وضع فلسفة متكاملة لمواجهة
الإرهاب تتضمن خططاً سريعة ومتوسطة وبعيدة المدى لأن المسكنات لن
تفيد والأجدر هي سياسة النفس الطويل.
• ضرورة التكامل بعمل أجهزة
مكافحة الإرهاب وليس التنافس، والعمل كفريق واحد.
• الحاجة ماسة لمنهج تربوي جديد
ومراجعة نظم التعليم ومناقشة الرأي والرأي الآخر( ).
• إعداد ردود فقهية علمية على
كتابات فقهاء الإرهاب.
• الثقافة والفن والأدب ليس
للمدينة فقط، بل وللريف والبادية، وعلى الأجهزة الرسمية أن تعي ذلك
وتمارسه( ).
• التركيز على الشفافية والحوار
الحر المفتوح( ).
وهناك ظاهرة قلَّ التطرق لها رغم إنتشارها
ورغم ما فيها من إساءة لصورة العربي في الخارج فتمسخه، هذا
بالإضافة إلى ما تثيره من إشمئزاز داخل البلاد العربية نفسها الأمر
الذي يستفز المشاعر وبالتالي يشكل بيئة صالحة للإرهاب .. هذه
الصورة الممسوخة تبدأ من تزاحم بعض الأثرياء العرب على أندية
القمار وبيوت الدعارة المنتشرة في العواصم الغربية-ومنها ما صمم
خصيصاً لإصطياد العرب- وحتى بعض العواصم العربية ومنتجعاتها التي
تسمى سياحية( ). وكذلك تكرار صورة ذلك المُهم العربي الذي يُغْرَم
في وضع "البرنيطة" على رأسه فاغراً شدقيه على وسعها يحشو فيها
قضيباً من السيجار وبُودِّهِ لو أن الصورة تظهر ماركة السيجار
الكوبية! أو ذلك الشاب المكسور خاطره الذي ينشر إعلاناً في الصحف
اليومية يعرض فيها مكافأة قدرها خمسون ألف دولار لمن يجد له كلبه
المفقود! ثري الحرب الذي يُقيم حفل عرس يُسّخر فيه وسائل بذخ
تقشعر لها الأبدان. يقابلها تلك الصورة لأطفال بين الخمس وعشر
سنوات يقفز الطفل منهم على شباك السيارة-بعد منتصف الليل طبعاً
يختار السيارات الفارهة- يمسك بيدٍ خرقة ممزقة يمسح فيها الزجاج
ويفتح اليد الأخرى مستجدياً ثمن لقمة العيش.
هذه الصور هي البيئة المنتجة للإرهاب
والتي لا بد من القضاء عليها علاجياً وبقوة القانون أيضاً.
أما الظاهرة الأخرى فهي ظاهرة التطرف
الديني. وهي ظاهرة أصبحت مقلقة للعالم الخارجي أكثر منها في داخل
الوطن. أما أسباب التطرف الديني فهي:
- التهميش المتعمد للدين الإسلامي
من شؤون الحياة.
- ضعف المعرفة بالأحكام الشرعية
ومقاصد الشريعة والتاريخ والسيرة النبوية.
- الجدال بالأمور الجانبية وإغفال
الجوانب الفكرية الهامة.
- إختيار القول المشدد مع وجود
القول المخفف.
- الإعتداد بالنفس وعدم الاستماع
للرأي الآخر.
- تسلل الأيادي الخبيثة الأجنبية
التي تعمل لأشتعاله وتأججه-التطرف الديني-.
أما علاج التطرف الديني فيمكن أن يتضمن
النقاط التالية:
- تربية الأبناء تربية إسلامية
صحيحة.
- إشاعة تعليم الشريعة الإسلامية.
- هجر "التكفير كلياً، فلا يُقابل
التكفير بالتكفير.
- نصح الشباب بأن ينهلوا من علماء
صالحين.
- على السلطات مسؤولية وقف تسلل
الأيادي الخبيثة( ).
من مهام المؤسسات الدينية الرسمية وغير
الرسمية في المجتمع أن تقوم بتشخيص مواضع الخلل في فكر الحركات
المتطرفة وتعالجها. والأمر يتطلب إعادة بنية المدارس الدينية بصيغ
معاصرة، ولا بد أن يمتد دور المؤسسات الإعلامية إلى الشؤون الدينية
مع الإبتعاد عن الخصوصيات المذهبية وأن تعتني جيداً بالمناسبات
المشتركة بين المسلمين جميعاً( ).
أمريكا وإسرائيل والإرهاب:
إن إستعراضاً للأبحاث العربية
حول الإرهاب، واستعراضاً للمواقف الرسمية العربية حوله يظهر بوضوح
أنه قد تم تخصيص ركن هام لدور إسرائيل وأمريكا فيه. وكلها توصلت
إلى نفس النتيجة وهي أن الإرهاب لا ينتهي وخاصة من هذه المنطقة إلا
إذا إنتهى إحتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية وإلا إذا تمكن الشعب
الفلسطيني من الحصول على كامل حقوقه وإلا إذا توقف الدعم الأمريكي
لإسرائيل وانتهى تحالفهما الاستراتيجي. وعلى سبيل المثال فالناطق
الرسمي باسم الحكومة الأردنية-والأردن معروف بتعقله ووسطيته
ومسالمته وعلاقته الطيبة مع أمريكا ومع دول العالم الغربي، كما أنه
قد وقع معاهدة سلام مع إسرائيل-يُصرح لفرانس برس "إذا لم تسارع
الولايات المتحدة لوضع حد للإعتداءات الإسرائيلية على الشعب
الفلسطيني فإن أبواب التطرف والعنف ستبقى مفتوحة في هذه المنطقة
وفي العالم بأسره( ). ومثال آخر جاء على لسان رئيس وزراء لبنان
السيد رفيق الحريري( )-ولبنان دولة عربية معروفة باعتدالها ووعي
سكانها وبعلاقاتها الوطيدة مع أوروبا الغربية-حينما قال "إن إنهاء
النزاع العربي الإسرائيلي يؤدي إلى إجتثاث أحد جذور الإرهاب، وإذا
لم يتحقق أي شيء من أجل حل النزاع فإن كل الأنظمة العربية التي
تدعم أمريكا في معركتها ضد الإرهاب ستواجه مشاكل داخلية"، واعتبر
الحريري أن الحرب ضد الإرهاب ليست حرب بوش فقط بل هي حربنا-يقصد
العرب- أيضاً لأن الإرهاب يضرب أيضاً في بلداننا. وأمريكا متهمة
بعدم إهتمامها بشعوب العالم الثالث بل تهتم فقط بالأنظمة المتسلطة
على هذه الشعوب. ومتهمة كذلك بأنها جاهلة بشؤون الشعوب الأخرى
وثقافتهم بعكس فرنسا وانجلترا( ). علماً بأن العرب يرفضون ويشجبون
ما وقع لأمريكا في 11/9 ويتعاطفون معها ولذلك ومن أجل مكافحة
الإرهاب ووضع حدٍ له؛ على العرب أن يسعوا للدخول في وجدان وعقل
الشعب الأمريكي، فالعرب مقصرون وملامون لأنهم لم يقدموا الجهد
اللازم أو قدموا جهداً متواضعاً وخجولاً؛ لأن المثقف العربي مقموع،
والجامعات العربية لم تواكب العصر والدول العربية تخاطب أمريكا
بلغة سابقة لم تعد تفيد( ). ويجب أن يتضاعف الجهد العربي والإسلامي
الرسمي والشعبي للتأثير في السياسة الخارجية الأمريكية، وعلى
المسلمين في أمريكا أن يوحدوا قواهم لتصبح مؤثرة، طبعاً تبقى مهمة
العالم الإسلامي التاريخية هي صياغة نهضة إنسانية ديمقراطية تواجه
بحسم تيارات التطرف والعنف الخارجة عن التيار العام التاريخي للفقه
والفكر الإسلامي وتدافع عن حقوق الإنسان والحريات السياسية والعدل
الاجتماعي( ).
إن مسؤولية الدولة العظمى يجب
أن تكون منصبّة على تحقيق السلام العادل والأمن والإستقرار، وليس
دفع الأمور نحو التوترات الإقليمية كالقضية الفلسطينية التي تحمل
من الأخطار أضعاف أضعاف أخطار الإرهاب( ).
والأفضل أن تجري مكافحة الإرهاب
تحت مظلة الأمم المتحدة وفي إطار القانون الدولي، وحينها لا يمكن
السماح لبعض الدول بالسعي تحت ذريعة مكافحة الإرهاب لتحقيق مصالحها
الخاصة. كما لا يمكن السماح باتباع سياسة الكيل بمكيالين في مكافحة
الإرهاب، ولا يجوز تقسيم الإرهاب إلى إرهاب جيد وإرهاب سيء: "الذي
معي فهو الجيد، ومن ضدي فهو السيء"( ). |