الدكتور خالد عبيدات

عودة إلى الصفحة الرئيسية

الفصل التاسع:
 الإرهاب والإسلام

هجوم على الاسلام والمسلمين :

            لم يسبق في تاريخنا أن تجرأ أحد على الإسلام وكال له التهم كما هو الحال في أيامنا الحالية، وخاصة بعد أحداث 11/9 التي وقعت في أمريكا. ولم يسبق أن نظر العالم بمعظمه إلى المسلمين بالحذر والريبة والاحتقار مثل نظرته إليهم الآن، قد يُلاحظ بين الفينة والأخرى أن النظرات العدائية تأخذ طابعاً مخففاً أو عبارات أقل حدة ولكنها حين التحليل تنكشف بأنها قادمة من نفس المصدر وليس لها إلا نفس الهدف الخبيث إنما ترتدي أقنعةً مموهة. لقد انقلبت صورة الإسلام والمسلمين فجأةً رأساً على عقب. سجّل التاريخ بوضوح صوراً إنسانية رائعة ولم ينسب إلى الإسلام "جريمة حرب" أو "جريمة ضد الإنسانية" بل كان الإسلام حريصاً حتى على الشجرة والشاة وما كانت جحافل الإسلام إلا "للفتح" وليس "للاحتلال"، "للتحرير" وليس "للاستعباد" للهداية والعتق وليس للتضليل والاسترقاق والدليل على ذلك أنها لم تُواجه بالمقاومة إلا من نفرٍ قليل تضرر من تيار العدالة والمساواة. قالت إمرأة لصاحبتها في بيت "المقوقس" عظيم مصر وقد بلغها قدوم عمرو بن العاص فاتحاً لمصر: "لا تخافي فإن هؤلاء قوم سيوفهم ذات أخلاق".( )  

            للأسف إن الصورة عن العرب والمسلمين والإسلام تتعرض لحملات شرسة وضارية وأصبحت كلمة "الإرهاب" لا تعني لدى الكثير في الغرب والشرق –غير المسلم- إلا العرب والمسلمين وأنّهم منشأ الإرهاب ومصدره؛ الأمر الذي يحتم عليهم معرفة كيفية مواجهة هذا الافتراء بعمل جاد مستنير دؤوب، وفتح حوار عقلاني. إذ لا يمكن للحضارة العربية الإسلامية الزاخرة بالدعوة إلى الإسلام وحقوق الإنسان والتسامح والقيم المثالية أن تتحول إلى العكس وأن يكون حاملوها أدوات قتل للمدنيين والأبرياء من بني البشر. لا يدرك العالم الآن بل ويتعامى عن جوهر الإسلام الواضح الذي لا لبس ولا غموض فيه المعادي للإرهاب، ولا يريد هذا العالم الاعتراف بالحقائق اليومية الماثلة أمامه بأن ضحايا العرب والمسلمين من الإرهاب أكثر من غيرهم فجميع العرب والمسلمين مطالبون باتخاذ موقف جماعي ضد هذا الافتراء النازل عليهم وذلك ببناء منابر عالمية وبالذهاب إلى القائم منها يحملون رسالة الإسلام من جديد كما فعل أسلافهم الأولون؛ على أن يكونوا كما كانوا –وليس نُسخاً لا عقل ولا روح فيها- ليساهموا في بناء أنظمة إنسانية تعتمد على التعددية لتحقيق آمال وطموحات البشرية جمعاء( )، وعلى العرب أن يرسلوا إلى العالم رسالة واضحة لنبذ الإرهاب وإدانته بجميع أشكاله وأدواته ووسائله، فالعرب أكثر الشعوب خبرة وأعمقهم تاريخاً في الدعوة للخير من أجل الإنسانية كلها( ).

            لقد بدأت حملة إدعائية شاملة منذ بضعة عقود إستهدفت "تعريب" و"أسلمة" الإرهاب في الخطاب الإعلامي الكاسح والمهيمن عليه من قبل أيادي الخبث المعادية للعرب والمسلمين والإسلام، وساعد في هذه الحملة عاملان:

1-         سقوط الاتحاد السوفيتي "العدو" الشيوعي للغرب الليبرالي الرأسمالي، وحُشِر في مكان هذا العدو حشراً وعنوة وظلماً وزوراً وبهتاناً، "العدو الجديد" وهو العرب والإسلام.

2-         صعود مفاجئ – يبدو وكأنه مصطنع ومفبرك ويتحرك "بالريموت كونترول" من بُعد -لبعض الحركات الأصوليةً التي تمارس عمليات إرهابية. ( )

ونتيجة لذلك أصبح العرب والمسلمون الضحية النموذجية لما هو معروف في الفكر الإعلامي "شيطنة العدو"، أي تصوير العدو وكأنه شيطان لا يستحق إلا النبذ والطعن، أي إعتبار العرب والمسلمين أشراراً أبالسة وشياطين لا يجب أن يعاملهم الغرب بمؤسساته الإعلامية والثقافية والسياسية والفكرية والعسكرية والاستخبارية إلا بالقمع كيفما كان. وبصيغةٍ أخرى يتعامل الغرب مع المسلمين وكأنهم ليسوا بشراً فنزعت عنهم الصفة الإنسانية بحيث لا يستحق هذا "العدو" إلا العقاب الصارم وممارسة الاضطهاد ضده بدون أي إلتزام بتطبيق القوانين ومواثيق حقوق الإنسان في التعامل مع البشر.

            لقد شرع الإعلام العالمي المغرض في وجه المسلمين سلاح مقولة الإرهاب بهدف توليد عقدة الذنب لديهم لينفرد فيما بعد مَنْ وراء هذا الإعلام وحلفاؤه بالتنكيل بالإسلام والمسلمين. هذا الإعلام نفسه الذي سبق له وعمل على تشويه صورة العربي والمسلم زوراً، على أنه سكران ثمل يترنح على الأرصفة طلباً لكأس أو غانيةٍ. واليوم يُصور على أنه إرهابي مولع بالقتل وسفك الدماء. إنهم يستشهدون بحوادث فردية معزولة يقع مثيلها بل وأفظع في جميع البلاد الغربية من غربيين وغربيات( ).

العنف جانب متأصل في الإسلام!!

            نال الجدال حول هذا التساؤل الكثير من الاهتمام في الولايات المتحدة، بل وحتى فرغت رفوف المكتبات من جميع الكتب حول الإسلام بعد أن هجم الأمريكيون على شرائها-وذلك بعد أحداث 11/9 طبعاً!-، بل وتحولت الولايات المتحدة بأكملها إلى "حلقة دراسية واسعة حول الإسلام"، وبالمقابل أصبح فجأة دور الولايات المتحدة في العالم العربي موضع تحليل نقدي يشغل الإدارة والصحافة والفكر معاً، وتزايد الأمر بعد إجتياح أفغانستان وتفاقم أكثر بعد احتلال العراق( ). سيسجل التاريخ أن أياماً سوداً بدأت تتسلل بعد 11/9 إثر أن أثبتت حفنة من الإرهابيين قدرتها على إلحاق الأذى الشديد بأقوى قوة في العالم. ولكن المصيبة هي أن الغرب وبالأخص أمريكا ارتكبت خطأً كبيراً بالاستمرار على التأكيد، أن الإرهاب هو عربي وإسلامي( ). ليس طبيعياً حينما أصيبت أمريكا بكرامتها، وأصيب شعبها بالهلع، ليس طبيعياً أن تقوم أقوى دولة في العالم بالرد لتواجه أضعف دولة وهي أفغانستان. الأمر يتطلب تواصلاً عاقلاً بين العرب والمسلمين من جهة والغرب من جهة أخرى، وليست معقولة تلك المعادلة الشرسة من أولها إلى آخرها وهي: إبن لادن رمز الإرهاب بالنسبة لأمريكا؛ وهو نفسه رمز المقهورين بالنسبة للآخرين( ).

            إن إحدى النتائج السلبية جداً لأحداث 11/9 كانت الحملات المغرضة ضد الإسلام بحيث أصبحت كلمة "إسلام" مقترنة في العقول الغربية بالإرهاب وغدا جميع المسلمين عرضة للشبهات، فعلى الدول الإسلامية إذن أن يكون لها ميثاق عالمي أو أجندة عالمية لتحديد موقعها في عالم اليوم وموقعها من التحديات في سياق النظام الدولي القائم على التفوق الأمريكي بدون منازع، لقد حددت الدول الإسلامية موقفها من الإرهاب في مؤتمرين طارئين إنعقدا لهذه الغاية في الدوحة في 10/10/2001، وفي كوالا لامبور في 1/4/2002 دعيا إلى معالجة أسباب الإرهاب الحقيقية، كما دعيا إلى عقد مؤتمر دولي بإشراف الأمم المتحدة لوضع تعريف متفق عليه للإرهاب ولصياغة رد مشترك منظم على ظاهرة الإرهاب( ).

            وفور وقوع الهجوم الإنتحاري في 11/9 إتجهت الأنظار تلقائياً ودون عناء تفكير إلى منطقة الشرق الأوسط إلى الشعوب العربية والإسلامية تبحث بلهفة وحقد وبروحٍ إنتقامية وبعيون زائفة في الزنقات الضيقة، وبين الفسيفساء الملونة، وفي التاريخ الذي يطفح بالصراعات. بل وتمادت في البحث أكثر وامتدت إلى تحت العباءات السابغة ووراء اللحي المرسلة والعيون الساهمة عن أسماء وعلامات وعلاقات وتواريخ علها تدلُّ وتفضي إلى مرتكبي الجرم ومدبريه ومخططيه، وتم الكشف هنا وهناك عن مستودعات من الكراهية الدفينة، والكم الهائل من النفوس المترعة بمشاعر الظلم والمرارة والمعاناة المثقلة بالمهانة عميت في السابق عيون الغربيين عنها، وتعامت عنها دائماً عيون النظم الحاكمة، وبدأت التحليلات في أسباب هذه الكراهية فيما إذا كانت تعبيراً عن صراع الحضارات حسب نظرية "هنتنجتون" أو فيما إذا كانت أسبابها مغروسة في أعماق الحضارة العربية والإسلامية كفكر ودين، أم أنها بعض مظاهر فشل النظام العربي في المسيرة الديمقراطية والتنمية الاقتصادية وغيرها. وانفتحت أبواب الجدال على مصاريعها التي أعادت استحضار الصور النمطية-الكاريكاتيرية- للإنسان العربي المسلم في العقل الغربي. فأنتج كلُّ ذلك لائحة الإتهام ضد العرب والمسلمين عامة وليس المتهمين في الحدث فقط، وليس الذين يعيشون في الغرب فقط. وأصبحت صورة العربي المسلم عندهم كالآتي:

            العربي بملامحه العربية وأسمائه وطريقة حياته وعاداته بخلفياته الثقافية وملابسه الرجالية والنسائية يظهر في صورة بدوي جاهل حملته ثروة النفط على ظهرها-لا فضل له فيها ولا يد له- ولا يعرف شيئاً بشئون الدنيا إلا بعثرة أمواله في نوادي المقامرة ومضاجع الحريم أو في صورة المتعصب المريض نفسياً يتسم بالجلافة والغلظة بدون ذوق وبدون سلوك مقبول فهي باستمرار للعب دور الإرهابي الذي يخطف طائرة، ويلقي بالنيران على المدنيين الأبرياء، وينسف السفارات والمقرات لا لشيء إلا لأنه ضد التقدم والمعرفة وضد حضارة الغرب( ).

            وحين تسقط أية طائرة أمريكية أو غيرها من الدول الغربية وحتى حين تسقط طائرة عربية بسبب خلل فني أو بسبب مدبر، فأول ما تتجه الأنظار إليه، وتوجه التهمة تلقائياً إلى العرب، فهم على الأرجح بل قطعاً هم السبب. ومن غيرهم إرهابيون!! وسيقوم المحققون بإعطاء البرهان وهو أن عربياً كان من ضمن ركاب الدرجة الأولى ذهب إلى حمام الطائرة لقضاء حاجته فانقطع على أثرها الاتصال بالطائرة وهوت على رأسها-هذا إذا كان الحادث مدبراً-. أما إذا كان الحادث بسبب خلل فني فلا بد أن يكون العرب سببه: إذ لا بد أن "تعثر الصحافة-بدفشة من ذوي الشأن- والمحققون على رجل من أصل عربي يعمل في المطار الذي أقلعت منه الطائرة- ولو كانت هذه الأصول موغِلة في القدم من الجد العاشر وطالع- قام بتعبئة خزانات وقود الطائرة فخلط الزيت بالماء بالكيروسين! أو أنه أغلق باب الطائرة قبل إقلاعها ونسي أن يقفله بالمفتاح أو أنه نسي أن ينظف نافذة الطيار الأمر الذي حجب الرؤية أمام الكابتن!

كل ذلك قد يحصل، ولكن المصيبة فيما إذا لم يكن من بين العاملين في المطار أي إنسان من جذور عربية فكيف يتم الصاق التهمة بالعرب إذن! الجواب سهل فلا بد أن يكون على الأرض التي كانت تطير الطائرة فوقها على إرتفاع ثلاثين ألف قدم، شخص من جذور عربية نظر إلى الطائرة نظرة حاسدة على جمال صوتها وسرعتها وكبر حجمها فأصابها، بالعين فسقطت، المهم هو الكشف عن هوية عربي مسلم متورط في الحادث عمداً أم قضاءاً وقدراً.

            العربي المسلم أصبح اليوم المتهم الأول في كل مكان-حتى الصين منعت في مرحلةٍ ما الركاب العرب من الصعود إلى طائراتها- وكل حادثة، وفي كل جلسة أصبح يدور الحديث عن شخص مسلم أو شخصين تعرضا للمضايقات أثناء الرحلة الجوية، وكل راكب عربي متهم إلى أن تهبط الطائرة بأمان( ).

            "وعلى الغرب أن لا يسمحوا للعربي بالسفر بالدرجة الأولى-ليكون بعيداً عن كابينة الطيار- وأن يبقى مربوطاً بالكرسي على كراسي خاصة بالعرب، وأربطة خاصة، وزاوية خاصة-ليست للمدخنين ولا لغير المدخنين- وموثوق اليدين، وعليه أن لا يذهب للحمام، وإذا ذهب فبمرافقة المضيفة! عفواً فبمرافقة رجال الأمن( ).

            وهناك من يتهم الأنظمة العربية-من العرب أنفسهم ومن غير العرب أيضاً- وما كان يُسمى بحركات التحرر العربية بالمساهمة في ترحيل "قيادة" الغضب الشعبي إلى التيارات الدينية المعاصرة، إن أخطاء الأنظمة العربية بالإضافة إلى جهل التنظيمات السياسية الأغرار ساهمت بل وفتحت المجال لزحف التيارات الدينية إلى مصاف القيادة وأحسنت إستغلال أخطاء السلطة والأحزاب والحركات ذات الطابع السياسي والعلماني، وساعد على ذلك أيضاً الدعم الخارجي الخفي الخبيث لهذه التيارات.

        والقاعدة السياسية المعروفة أنه حينما تُغلق الأبواب وتُسدُّ المنافذ ولا يسمح للناس بأن يتحركوا أو يتنفسوا سياسياً- بكبت أنفاسهم- فإنهم يتنفسون دينياً ويتنفسون بالعنف والاغتيال، "وحين لا توجد فسحة من حرية الرأي في المجتمع يذهب الناس إلى المعابد ليمارسوا حرية لا تخضع لرقابة شرطة الفكر".

            وجميع الحركات الدينية وُلدت من رحم الأنظمة العربية الفاسدة وترعرعت ونمت في كنفها وتحت جناحها وبفضل الأحزاب الدكتاتورية التي دأبت على خرق حقوق الإنسان التي سمّنت الفساد وتربربت على الرشوة. هذه الحركات الدينية-أو المسماة دينية بالأصح- شكلت جبهة موحدة أخذت عدة أسماء وحسب الظروف ومنها "القاعدة" التي حصلت على التمويل والمأوى، "واستولى المتطرفون الذين تم انتاجهم وتفريخهم في معامل إرهاب الدولة على الإسلام وجعلوه ستاراً لمشروعية تحركهم في عملية فرز وقحة الذي لا يقف معنا فهو واقف ضد الإسلام. ومن هذه الحركات أيضاً: الانقاذ، الجهاد، الجماعة الإسلامية للتحرير، التهجير، التكفير، جيش أبين، أبو سياف، التحرير، الصراط المستقيم، وتُصر أمريكا وإسرائيل على ضم حزب الله للقائمة( ). والموقف الأمريكي لا يختلف في الجهة المقابلة فهو الذي يؤكد على "من ليس معي فهو مع الإرهاب"، ويؤكد الدكتور محمد عمارة/المفكر الإسلامي المشهور" أن عداء الغرب للإسلام ليس بسبب جهله بالإسلام بل العكس هو الصحيح لعلمهم بالإسلام وخوفهم من حضارته، وما إنتشار مراكز البحث في الإسلام عندهم إلا دليل على هذا الخوف غير المبرر"( ).

            وبحجة أن أمريكا تريد مكافحة الإرهاب، تريد السيطرة على بلاد الإسلام والمسلمين وتكييف الإسلام بالطريقة التي تريدها، إن أمريكا تحت هذه الحجة، لا تكتفي من الدول العربية  –لكون عدد من أبنائها قد شاركوا في هجمات 11/9- بدعم الحرب على الإرهاب، إن أمريكا كما يقول جورج حاوي زعيم الحزب الشيوعي اللبناني تريد نقل الحكام العرب من مخبرين للمخابرات المركزية إلى جنود مشاركين( ). سبق ووعد الحلفاء العرب بدعم وحدتهم إذا شاركوا معهم في الحرب العالمية الأولى فغدروا بهم وأصدروا إتفاقية سايكس بيكو التي قطَّعت أوصال العالم العربي، وأصدروا وعد "بلفور" الذي كان بمثابة شهادة ميلاد لإسرائيل، وللأسف كما يقول جورج حاوي أن العرب الآن أكثر سذاجة ويصرخ مستنكراً: كيف تنطلي علينا خدع أمريكا الآنّ بعد مرور عهد القادة الأفذاذ الملك حسين وجمال عبد الناصر؟ ويدعو المثقفين العرب أن يتوقفوا عن الدعاية المجانية للعدو. "وكل الحركات المذهبية الدينية هي من صناعة أمريكا"، كان  إبن لادن يحارب السوفييت في الوقت الذي كانت المعركة القائمة هنا ضد إسرائيل بسلاح سوفييتي ومساعدة سوفيتية، "إنه إسلام شوهه التحالف، ومسيحية شوها الدولار ولا بد من خط ثالث.

            ويقع الذين يربطون الإسلام بالإرهاب، والذين يجعلون من العرب والمسلمين مسؤولين عن هجمات 11/9 في الخلط والغلط، فالمسلمون يعرفون جيداً أن الإرهاب وسفك الدماء نقيض للإسلام ونقيض لثقافة المجتمع الحديث، فالإسلام ليس مجرد دين فقط بل هو طريقة حياة للمسلمين حيث مبادئ التسامح والحوار واحترام الحياة الانسانية، لا يقبل الإسلام بقتل المدنيين الأبرياء لأنه دين التسامح والسلام "إنه الدين الذي يقدس الحياة الإنسانية" ويجب تقوية الروابط بين الدين الإسلامي والسلام من أجل القضاء على الأصولية، إن العودة إلى الدين الإسلامي كمرجعية في حربنا ضد الإرهاب هو أكثر أسلحة المجتمع الدولي مصداقية،  فالدين الإسلامي يُجرد الإرهابيين من تبريراتهم وذرائعهم خاصة أثناء عملية تجنيد الأتباع( ).

            والتصدي أمر مرغوب ومطلوب للوقوف بوجه مزاعم الغرب وافتراءاته على الإسلام والمسلمين والوقوف بوجه المطالبات الخارجية والضغوطات على القيادات الإسلامية التي وصلت إلى حد المطالبة بإغلاق أبواب أعرق وأكبر الجامعات الإسلامية في العالم بحجة أنها مدارس لتفريخ وتخريج وتعليم الإرهاب. لقد وصف د. أحمد عمر هاشم/رئيس جامعة الأزهر رسائل الرئيس بوش إلى بعض المسؤولين العرب بشأن تعديل المناهج بأنها تدخل سافر في شؤون الدول الإسلامية تلك الرسائل التي يطالبهم فيها بتعديل المناهج الدينية ومراجعة أهداف ووسائل الجامعات الإسلامية ومنها الأزهر والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة لأنها مدارس لتخريج الإرهابيين( ).

            ويصف بعض الكتاب بالسخف الحملة الأمريكية ضد المدارس الدينية الإسلامية في باكستان وغيرها باعتبارها محاضن لتفريخ الإرهابيين. وتنفق أمريكا الملايين من الدولارات على هذه الحملة والمستفيد الوحيد منها مجموعة قليلة من المستشارين، بينما الخاسرون هم البسطاء زبائن هذه المدارس وهم الأيتام والمسحوقون الذين في حالة إغلاق هذه المدارس سيلتحقون بالأكثرية الساحقة من الأميين. والأمية تشكل مشكلة حقيقية لأن معدلات إنتشارها عالية جداً. يعلم الأمريكيون أن "رباني" صديقهم الأساسي في تحالف الشمال الأفغاني هو خريج الأزهر، كما يعلمون أيضاً أن المدارس الدينية في باكستان تقف مع السياسيين المتحالفين مع أمريكا. ولا تجهل أمريكا بأن أعداءها في المنطقة علمانيون؛ هذا بالإضافة إلى أن الدول المدرجة على القائمة الأمريكية للإرهاب "أكثر علمانية" من أمريكا نفسها مثل العراق-سابقاً قبل السقوط- وسوريا وليبيا، لقد أثبت التاريخ أن العلمنة في إيران أيام الشاه لم تفرز علمانيين موالين للغرب بل أفرزت دينيين ثاروا عليه وحطموه ولم يجد دولة تقبله حتى للعلاج بما فيه أمريكا نفسها. ولم تنجح علمانية كمال أتاتورك في جذب المجتمع التركي للغرب بل قسمته إلى أكثرية معادية للغرب وأقلية قليلة تدور في فلكه زوراً! ولماذا تنسى المدارس الدينية في إسرائيل التي يُعفى طلابها من الخدمة العسكرية تلك المدارس التي تخرج المتعصبين فكرياً وأصولية والأكثر تطرفاً من إبن لادن نفسه( ).

            لا شك في أن من الأسباب الأساسية لظاهرة التطرف والإرهاب هو "فقدان" التربية السليمة ومنها التربية الدينية السليمة في الأسرة والمدرسة والمجتمع، هناك فراغ ديني وضعف بصيرة بحقيقة الدين وعدم التعمق في معرفة إسراره والوصول إلى فهم مقاصده، في هذا الفراغ يصنف الإرهابي نفسه على أنه من صفوف العلماء "وهو الذي لا يستطيع ربط الجزئيات بالكليات ولا يرد الشبهات إلى المحكمات ولا يعرف من فنون التعارض والترجيح ما يستطيع أن يجمع به المختلفات أو يرجح به الأدلة والاعتبارات"( ).

            يرى الإرهابي المتعصب لدين أو مذهبٍ الصحيح في مذهبه فقط بينما يرى الآخرين على باطل وأن من واجبه أن يفرض مذهبه على المذاهب الأخرى بقوة السلاح. وتبين من دراسةٍ أجراها الدكتور رشوان أن 68.3% من العينة الإرهابية يؤدون الصلاة، 31.6% لا يؤدونها. واعترف 56.6% بأن الدين ينهاهم عن الإرهاب. وتبين أن 3,3% منهم يحفظون القرآن كله. 36.2% منهم لم يقرأوا أياً من أمهات الكتب الدينية، وأن أغلبهم قرأ كتاباً واحداً فقط( ).

            هناك جدل نال إهتماماً كبيراً في مراكز الدراسات الغربية حول إذا كان العنف متأصلاً في الإسلام. هذا الجدل منافٍ للعقل وهو أشبه بجدل لم يقع حول إذا كانت المسيحية دين سلام؛ هناك القديس "فرانسيس" وهناك حروب الثلاثين عاماً الدينية التي حرقت الملايين من المسيحيين، فأين الخيار! وليس موضوعياً التساؤل بمن هو الذي يمثل الإسلام الحقيقي؛ فالقضية الحقيقية لا تتمثل في التجريد إنما تتمثل في أن أسوأ أحداث العنف اليوم دموية نفذها مسلمون باسم الإسلام؛ هذا إذا نظرنا من زاوية واحدة إلى العنف وهو عنف الفرد أو الجماعة وأسقطنا من حسابنا عنف الدولة أو عنف التحالف الدولي! والثابت أن ليس هناك عنف موروث فالمسلمون عموماً مسالمون ومؤطرون في قواعد السلوك الحضاري. والعنف الحقيقي ليس موجهاً ضد حضارة محددة بالذات دون غيرها من الحضارات، فالإرهاب لا دين له وخطيءَ من يلصقه بالإسلام، ولنعترف بأن هؤلاء المسلمين الذين مارسوا الإرهاب لم يعد للإسلام عندهم مكانة بل فقد الإسلام عندهم هيمنته ومكانته اللتين كان يتمتع بهما قبل عدة قرون. إن هذا الشعور بالتدهور الحضاري وتبني الإرهاب تردد في الآونة الأخيرة في تقرير صدر عن الأمم المتحدة الذي تحدث بصراحة عن الفشل العربي الذريع في "التحديث، وهو أحد الجوانب التي تخلّف فيها العالم العربي والإسلامي عن العالم الغربي بل حتى عن كوريا الجنوبية التي لا تملك ثروة نفطية هائلة.

            إن زعيم أكبر جمعية إسلامية في العالم في أكبر دولة إسلامية عبد الرحمن واحدي لا يعزو التشدد الإسلامي إلى فشل إحترام الذات والوعي بها فحسب بل إلى الفشل الذريع للنخب الإسلامية المعتدلة. "فالإرهابيون يتحدثون باسم الإسلام بينما الغالبية المسالمة المسلمة لا تجد الشجاعة اللازمة لتحديهم"، والأصح أكثر أنها لم تجد الدوافع للقيام بذلك من كثرة الإحباطات التي يعانونها من الذين يعلنون الحرب على الإرهاب وإلى أن تتحدث هذه الأغلبية سيبقى الحال على ما هو عليه( ).

سماحة الإسلام:

            حين القول شريعة سمحة، فالمعنى أنها يسر وسهولة، والإسلام سمح لا عسر فيه؛ وهو دين يسر وسماحة، لا دين تعصب وعسر، والله لا يريد بالناس إلا اليسر وليس العسر. والسماحة نقيض التعصب، وجاءت النصوص القرآنية ميسراً فهمها: [وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ] –القمر 17-، وبما أن التعصب والعسر يقومان على الجهل ورفض الحق فهما مرفوضان، والعسر فيه مشقة وتضييق على الناس.

            والأمثلة على السماحة في الإسلام عديدة:

حين دخل الرسول (ص) مكة في يوم الفتح وكان فيها من هجروا الرسول وصحبه؛ ومن آذوا وقاتلوا المسلمين مِن المشركين القرشيين، سألهم الرسول: ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا خيراً أخ كريم وابن أخٍ كريم، فقال لهم، إذهبوا فأنتم الطلقاء.

وحينما قال أحد الأنصار معتزاً بنصر المسلمين: "اليوم يوم الملحمة، نهرهُ الرسول قائلاً: "لا بل اليوم يوم المرحمة وليس يوم الملحمة، فأنا نبي المرحمة ولستُ نبي الملحمة".

وعماد سماحة الإسلام نبذ القسوة والفظاظة، والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، لأن الطريق إلى تأليف القلوب هو لين القول. إن عنف بعض الجماعات لا يتلاقى مع السماحة في الإسلام لأنه يُحوِّل صاحبه إلى عابث بالنظام والجمال ويجعل من التبشير تنفيراً، والعنف نار تدمر العقل. وهذه السماحة والرحمة في الإسلام لم تستثنِ حتى الحيوان والاعتناء به( ).

والإسلام متسامح مع غير المسلمين لأنه يفرض على المسلم الإيمان بجميع الرسل دون تفريق. والمسلم يدعو أهل الكتاب لإتخاذ موقف موحد ضد الشرك، دعوة تقوم على السواء بين جميع المؤمنين. [قُلْ يأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ] -سورة عمران آية 64- وذلك هو منطلق الحوار بين المسلم وأهل الكتاب. وكذلك من قوله تعالى: [آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ]-البقرة 285-

جاء الإسلام مكملاً للرسالات السماوية التي سبق وأُنزلت إلى نبي البشر فقال الرسول "إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله إلا موضع لَبِنَةٍ من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون هلاّ وضعت هذه اللبنة، فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين-أخرجه البخاري في صحيحه-. وقد رسمت الآية الكريمة العلاقة بين المسيحيين والمسلمين، [وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ]-المائدة 82-.

لقد حزن المسلمون في عهد الرسول للهزيمة التي أصابت الروم لأنهم أهل كتاب على أيدي الفرس لأنهم أهل شرك، فطمأن الله المسلمين بأن الغلبة ستعود للروم خلال سنين الأمر الذي أفرح المسلمين بَعْدَ حزنهم، قال تعالى: [الـم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ".-سورة الروم 1-5-.

تولى المسيحيون المناصب الرفيعة كشركاء للمسلمين في الدولة الإسلامية وساهموا في صرح الحضارة العربية الإسلامية وثقافتها وفكرها بكل حرية في معتقداتهم التي ضمنها لهم الإسلام وبكل تسامح إنطلاقاً من القاعدة التي جاءت بها الآية الكريمة، " لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " [البقرة 256]، وترك لهم أن يحتكموا إلى الإنجيل في قضاياهم، قال تعالى: [وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ]-المائدة 47-.

أعطى المسلمون للمسيحيين عهداً وفق عقدٍ يضمن لهم معتقدهم وأموالهم وأعراضهم ودماءهم تماماً مثل المسلمين، وأكد الرسول على حفظ العهد وصونه: "مَن ظلم معاهداً وكلّفه فوق طاقته فأنا حجيجهُ-أخرجه أبو داوود في سنده- وقال "من آذى ذميّاً فأنا خَصْمُهُ ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة-أخرجه السيوطي في الجامع الصغير-. وكان العطاء للمسيحي المحتاج من بيت مال المسلمين( ).

الإسلام دين السلام: ( ) 

            تستنكر الأغلبية العظمى من المسلمين أعمال العنف والإرهاب وأدانوا أحداث 11/9 لأن الإسلام هو دين السلام، وقد أكد "إقبال صفراني" الأمين العام للمجلس الإسلامي في بريطانيا في مؤلفه "البحث عن سلامة العقل" أن الإرهاب ليس له دين وهدفه نشر العداوة والدمار في جميع المجتمعات المتمدنة، وهذا لا يمنع وجود المتطرفين من مختلف الديانات، مثل الإرهاب الطائفي المسيحي المروع في ايرلندا الشمالية. وكذلك حين ذكر الذين يفجرون أنفسهم لإيذاء الآخرين فلنذكر الطيارين اليابانيين -الكاميكيز- الذين لم يكونوا مسلمين، وكذلك المنتحرون في "فريتاون" الذين ادعوا بأنهم مسيحيون، كما إدعى المنتحرون في "ولكو" 1993 بأنهم من سبط داوود. ويُقال بأن الإرهاب الانتحاري العصري يعود في أصوله إلى "نمور التاميل" في سيريلانكا وهم من الهندوس. ومثلما قال "جاك سترو" وزير الخارجية البريطاني مؤخراً إنَّ المذابح التي ارتكبها الصليبيون في الحروب الصليبية ارتكبوها باسم المسيحية، فللمسيحية متطرفوها مثل اليهودية مثل اليابانية مثل الهندوسية، وكذلك مثل المسلمين "أتباع الهدى" في الثمانينات من القرن الماضي والحركة التي قادها "جهيمان بن محمد بن سعيد العتيبي" التي احتلت المسجد الحرام في شهر تشرين ثاني 1979( )، هناك متطرفون من جميع الأديان-ومنهم مسلمون- تَلَبَّسوا الدين بمثابة درع وغطاء لهم أو جهلوا روحه.

            لا ننسى تلك الطائفة المسلمة المتطرفة التي قتلت علي بن أبي طالب الخليفة الراشدي الرابع وصهر الرسول، وكانوا يعتبرون منشقين عن العقيدة الإسلامية من قبل الغالبية العظمى من المسلمين يقتلون لغايات سياسية ويدعون بأن الإسلام هو قضيتهم و"أوجه الشبه بينهم وبين القاعدة أمر ملفت للنظر"( ) فالجماعتان تعيشان على هامش الدين الإسلامي تختلسان عقيدته وتشوهانها وتطويانها وتوظفانها لمصلحة العنف والإرهاب، ويدعو الوزير البريطاني إلى عزل "القاعدة" هذه الأيام كما تم عزل الخوارج سابقاً.

            ويؤكد الوزير البريطاني أن الإيمان بالعقائد الجوهرية للإسلام لا يشكل أي خطر، كما أن قراءة صحيحة للمبادئ الإسلامية كما جاءت في القرآن والسنة تبين أن الإسلام دين سلام ورحمة وتسامح، والإسلام هو دين سمح رحب له مظاهر عديدة "فيها الليبرالي والمعتدل والمتطرف. ولكن فقط أولئك الذين يفهمون الإسلام بسوء نية هم الذين يشكلون خطراً علينا جميعاً ولا يمكن تجاهل هذا الخطر، وعلينا أن نُفرِّق بين إرهابيي اليوم وعامة المسلمين كما حصل بالنسبة للخوارج في زمنهم". "وعلينا أن نتأكد من قوتنا في تحدي التطرف العرقي ووجهات النظر المعادية للإسلام من غير المسلمين وذلك بنفس الطريقة التي نتحدى بها أي إجحافٍ آخر".

            تعتبر الأغلبية الساحقة من المسلمين الإرهاب آفة يجب القضاء عليها، لذلك فهم يشعرون بعدم الإطمئنان بل وبالإحباط عندما تتعامل وسائل الإعلام الغربية مع الإرهاب على أساس أنه إسلامي، ومع الإرهابيين على أساس أنهم مسلمون، كما كان الحال أيام الإضطرابات في إيرلندا الشمالية عندما كان يوصف جيش إيرلندا الشمالية بـ "الإرهابيون الكاثوليك".

            وهناك تنوع كبير بين الدول الإسلامية وبين المسلمين في كل بلد ومن الخطر تعميم مفهوم سياسي واحد عن الإسلام والمسلمين ومع ذلك فمن السهل القيام بذلك، إن إستعمال مقياس واحد للتعامل مع الدول الإسلامية لا يتناسب مع الاختلاف الكبير في تنوع أنظمتها المتراوحة بين الدكتاتورية والديمقراطية( ).

            والسلام في الإسلام أمن وطمأنينة بين الناس وعليه تبنى العلاقات بينهم ومع الدول الأخرى، والله مصدر الرحمة وهو الرحمن الرحيم واسمه السلام

•           " هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ " الحشر 59/23.

•           والجنة هي دار السلام. " لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ "، الأنعام 6/127.

•           " وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ " يونس 10/25.

•           وتحية أهل الجنّة هي السلام " خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ ". إبراهيم 14/23.

•           وتحية الملائكة للرسل هي السلام:

" وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ ". هود 11/69.

•           إن التحية بين المسلمين هي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والسلام لازم للتماسك والتعاون بين الجماعات البشرية:

"ألا أدلكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم: إفشوا السلام بينكم

" يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَافَّةً. البقرة 2/208.

•           والعلاقة بين البشر يجب أن تقوم على السلام:

" وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ". القصص 28/55.

•           وبدأت حياة المسيح بالسلام وانتهت بالسلام:

" وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً ". مريم 19/32.

•           " قِيلَ ينُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ "

•           " سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ". [24 الرعد 13]

•           أ ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ ". [46 الحجر 15]

•           تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ ". [44 الأحزاب 33]

•           " وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ ". [54 الأنعام 6]

•           " وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ ". [46 الأعراف 7]

•           ينَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاَمَا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ". [69 الأنبياء 21]

•           " سَلاَمٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ ". [120 الصافات 37]

•           سَلاَمٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ ". [130 الصافات 37]

•           " وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ". [181 الصافات 37]

•           " قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى ". [59 النمل 27]

•           " قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى "( ). [47 طه 20]

•           بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا ذلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ".

•           " وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً. [15 مريم 19] 

وقد وردت كلمة السلام ومشتقاتها وبمعانيها المختلفة التي تصب في معناها الأساسي( ) صفاء قلب، تعاون، طمأنينة، هدوء، أكثر من 80 مرة في أكثر من 80 آية، ووردت كلمة السلام 42 مرة في القرآن الكريم. كما وردت كلمة أمن ومشتقاتها في (865) آية وهذا يساوي 14% من مجموع الآيات، وفي (62) سورة أي في أكثر من نصف سور القرآن. أما التقوى فقد وردت في (250) آية، 64 سورة. ووردت كلمة عدل ومشتقاتها (55) مرة في عشرين سورة. أما الجهاد فقد ورد (40) مرة في عشرين سورة وبدلالة بذل الوسع والطاقة وأعتبر بعضهم أن هدف الجهاد هو إنقاذ المجتمع والناس من فساد أكبر.

في الإسلام فقط للدفاع عن النفس ولتحرير المكان والإنسان ودحراً للمعتدى والعدوان وليس للتوسع والسيطرة والهيمنة وإستغلال الغير واستعماره( ).

قال تعالى:

-           " فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ " [البقرة 193].

-           " يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَافَّةً " [البقرة 208].

-           " وَلاَ تُجَادِلُواْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ " [العنكبوت 46].

-           "أ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ " [الحج 39].

-           " وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ " [البقرة 19].

والإسلام ساوى بين أفراد البشر كافة كيفما كانت أجناسهم وألوانهم فهم جميعاً أخوة. قال تعالى: يأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ " [الحجرات 13]. ولم يفرق بين عربي وعجمي إلا بالتقوى(1).

            وحرم الإسلام الإعتداء على الإنسان واهلاكه كما حمى النفس ذاتها. قال تعالى: " وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ " [البقرة 195]. " وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً " [النساء 92].

وقال الرسول بحرصه على حياة الإنسان وماله وعرضه ودمه:

-           "إن الإنسان بنيان الله، ملعون من هدم بنيانه".

-           "لا يحل لمسلمٍ أن يروّع مسلماً".

-           "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه".

-           "إن الله حرّم دماءكم وأموالكم وأعراضكم فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض".

-           "كل ذنبٍ عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركاً أو من قتل مؤمناً متعمداً".

والقتل جريمة كبرى في كل الشرائع السماوية والشرائع الوضعية إلا بالحق.

قال تعالى:

-           " مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً " [المائدة 32].

-           وقال في مجال الانتحار واهلاك النفس، " وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً " [النساء 29].

-           " وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ " [الأنعام 151].

وقد حرم الإسلام سفك الدماء ومنع الثأر بأن يأخذ صاحب الثأر القانون بين يديه، أناط ذلك بصاحب الولاية وحده وأوصاه على القصاص من القاتل:

-           " وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يأُولِي الأَلْبَابِ " [البقرة 179].

وكرم الله البشرية بالإسلام لحمايتها من النزاعات وحلها بدون غلظة أو إكراه.

قال تعالى مخاطباً النبي محمد (ص):

-           " وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ "[آل عمران 159].

-           " لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " [البقرة 256].

-           " وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ " [النحل 125].

-           " كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ " [آل عمران 110].

وقال الرسول: الراحمون يرحمهم الله". "مَنْ لا يَرْحَم لا يُرحَم"، "المسلم مَن سَلِم الناس من يده ولسانه". "أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً" (إذا كان ظالماً تمنعه من الظلم فذاك نصرك له).

            قال الخليفة أبو بكر موصياً أسامة بن زيد قائد الجيش المتوجه إلى بلاد الشام: "لا تخونوا ولا تغدروا ولا تغلّوا ولا تُمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً ولا شيخاً ولا كبيراً ولا إمرأةً، ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرةً مثمرة، ولا تذبحوا شاةً ولا بقرةً ولا بعيراً إلا لمأكل، ولا تقتلوا راهباً في صومعة"( ).

            لا يمكن لباحث جاد أن يأبه لإستنتاج خاطيء توصل إليه بعضهم بأن الإسلام دين إرهابي، فالإسلام لا يضفي أبداً المشروعية على العمل الإرهابي ولا يسمح به، كما لا يمكن العثور في أي نص قرآني أو في السيرة النبوية على أي دليل يُبيح الإرهاب مهما كانت أشكاله أو مظاهره. كما لا يمكن أن يقال بأن هناك أساساً روحياً أو أخلاقياً لأفعال الحشاشين في الدين الإسلامي، أو غير الحشاشين الذين يحاولون أن يأخذوا الإسلام رهينة لديهم( ).

  بأن هناك تيارات تدعي أنها تمثل الإسلام ولكنها في حقيقة الأمر

  تُسخر الإسلام وسيلة لمآرب فردية أو حزبية أو سياسية وتستخدم الإرهاب والعنف

والتطرف لتحقق أهدافها. وبالنتيجة فإن هذه التيارات تسيء للإسلام وتشوه صورته وتخرق مبادئ العدل والتسامح التي ينادي بها الإسلام. الإسلام دين الاعتدال والوسطية ودين التسامح والحوار مع الآخرين بالحجة والعقل وليس بالعنف والإرهاب فهو الذي ينادي بالمجادلة بالتي هي أحسن وبالحكمة والموعظة الحسنة. وهناك تيارات أخرى غير منفتحة متعصبة ومنغلقة تدعي الإسلام ولم تعِ أن الإسلام ينادي بالعلم والانفتاح على الآخرين.

            ومعظم هذه التيارات الخاطئة تركز على إستمالة الشباب و"تسمم أفكارهم لتسيطر عليهم وتسخرهم لأهدافها البعيدة عن الإسلام. فكل مسلم يعرف حق المعرفة أن القتل حرام ويعلم جيداً أن العنف ضد الأبرياء وقتلهم ليس من تاريخ الإسلام بل مورس ضد المسلمين –في الوقت الذي غاصت الخيول في دم المسلمين إلى الركب حينما إستولى الصليبيون على القدس، عفا صلاح الدين الأيوبي حينما حرر القدس عن الصليبيين فيها ولم يقتل شيخاً أو إمرأة أو أسيراً وفتح لهم المجال لترك المدينة يحملون معهم ممتلكاتهم- ولم يكن العنف يوماً في صلب تقاليد أو ثقافة المسلمين( ).

            وفي كل رمضان أو مناسبة دينية، وفي أوقات الصلاة بل وفي الحياة اليومية وفي المناجاة يتأمل المسلم في القيم الإسلامية يتعاطف مع الآخرين بنوايا طيبة ويحترمهم فتلك هي المثل الجوهرية للإسلام فالإسلام دائماً يدعو للعمل لتحقيق العدالة وتعزيز التسامح "نشارك في النعمة الإلهية بقولنا السلام عليكم"( )، ذلك هو الصوت الحقيقي للإسلام، ولكنه ليس الصوت الذي يسمعه الأمريكيون دائماً وتكاثرت صيحات الكراهية ضدهم ولهذه الكراهية-رغم المبالغة فيها- أسباب سرعان ما تزول إذا زالت أسبابها، "وثمة في القلب بوصله تقول لأمريكا لا"( ) وإذا كان هناك استغراب من تنصيب أمريكا نفسها شُرطياً للعالم، فالاستغراب أيضاً من تنصب إبن لادن نفسه ممثلاً للإسلام. لا ينكر إستبداد "الأصوليين" وتطرفهم ورفضهم للاعتدال والانفتاح. تلك الميزات التي جعلت من العالم الإسلامي الوطن التاريخي للتنوع والتعليم، كما أن عنفهم ليس جهاداً وليس حرباً مقدسة، فالإسلام يؤكد أن الجهاد الأكبر ليس ضد الآخرين بل هو جهاد النفس ضد إخفاقات الإنسان ذاته.

            الإسلام قائم على الحوار والاعتدال والتوازن والوسطية والتسامح ولم يكن في أي يوم من الأيام إلى متطرفين لا يضربون إلا المثل السيء، والإسلام غني عنهم فهو بغنى عن أشخاص يفرغون المفاهيم الإسلامية من معانيها ويبدلونها زوراً باسم الدفاع عنه! ( ).

الإرهاب في القرآن الكريم:

            مادة الكلمة "رهب" ثلاثية الوزن تحمل معنى الذعر والرعب والفزع والخوف"، ويشمل هذا الخوف معنى "التعظيم" حين يتوجه إلى الله تعالى، فيقال أصابته الرهبة من الله والمقصود الخوف مع التعظيم والإجلال لقدر الله جلَّ شأنه، ورهب الشيء رَهباً ورَهَبَاً تعني خافه، وأرهبه ورهبه واسترهبه تعني أخافه وفزّعه. وترهّب الرجل تعني صار راهباً يخشى الله( ).

            ووردت كلمة "رهب" في القرآن الكريم إثنتا عشرة مرة:

1- سورة البقرة آية 40      2- المائدة 82      3- الأعراف 116

4- الأعراف 154 5- الأنفال 60      6- التوبة 34

7- التوبة 34       8- النحل 51       9- الأنبياء 90

10- القصص 32 11- الحديد 27    12- الحشر 13

يرهبون، فأرهبون (مكررة مرتين في البقرة والنحل)، ترهبون، إسترهبوهم، الرهب، رهبة، رهباناً، رهبانهم، رهبانية.

ويدور المعنى فيها جميعاً حول معنى الخوف والتحرز، واحدة منها تعني تخويف العدو عدو الله وعدو المؤمنين خلال الجهاد: " وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ " الأنفال 61. وخمس منها تعني مخافة الله وإجلاله، وواحدة تصف حالة فزع الناس حينما رأوا أعمال سحرة فرعون. وأربع جاءت تسمية لطائفة من البشر وهم الرهبان.

            ووردت معاني "رهب" ومشتقاتها لدى "الراغب الأصفهاني" على الشكل التالي: رهب: "الرَّهْبةُ والرهب مخافة مع تحرز واضطراب، قال "لأنتم أشد رهبةً" وقال "واضمم إليك جناحك من الرُّهْب وقرئَ من الرُّهْب أي الفزع. قال مقاتل خرجت التمس تفسير الرُّهب فلقيتُ أعرابية وأنا آكل فقالت يا عبد الله تصدّق عليَّ، فملأت كفي لأدفع إليها فقالت ههنا في رَهَبي أي كُمي.

            قال "رغباً ورهباً" وقال "ترهبون به عدو الله" وقوله "وأياي فارهبون"، أي فخافون، والترهب هو التعبد وهو إستعمال الرهبة، والرهبانية "غلو" في تحمل "التعبد" من فرط الرهبة "ورهبانية إبتدعوها".

و"الرهبان" للمفرد أو للجمع، ومن استعملها للمفرد يجمعها على "رهابين"، والأليق "رهابنة"( ). ويطلق "الإرهاب" على فزع الإبل ومنه الرَّهْبُ من الإبل، وقالت العرب رَهَبوت خير من رحموت أي لئن ترهب خير من أن تُرحم( ).

            ومن الملاحظ أن معاجم اللغة العربية القديمة لم تذكر كلمة "الإرهاب" و"الإرهابي لأنها كلمات حديثة الاستعمال لم تكن معروفة في الأزمنة القديمة. وقد أَقرَّ المجمع اللغوي كلمة "الإرهاب" ككلمة حديثة في اللغة العربية وأساسها "رهب" أي خاف وكلمة إرهاب هي مصدر الفعل "رهب وأرهب بمعنى خوف. وأطلق مجمع اللغة العربية وصفاً على الإرهابيين بأنهم الذين يسلكون طريق العنف ليحققوا هدفاً سياسياً كما جاء في المعجم الوسيط.

            وتستعمل "الرهبة في اللغة العربية للتعبير عن الخوف المشوب بالإحترام وتختلف عن  إرهاب" الذي يعني الخوف والفزع الناتج عن تهديد أو استخدام قوة طبيعية أو حيوانية أو مادية، وترجمة terrorism إلى اللغة العربية "بالإرهاب" ترجمة غير صحيحة لأنها تحتوي فقط الخوف من القتل أو التدمير ولا تحتوي الاحترام، إنها مقترنة فقط بالرعب وليس بالرهبة، ولهذا فإن الترجمة الصحيحة كما يرى د. نبيل حلمي هي "إرعاب" وليس "إرهاب"، ومع هذا فقد تواتر العرف على كلمة إرهاب التي أقرها المجمع اللغوي( ). والتعريفات اللغوية للإرهاب الفرنسية والإنجليزية والعربية ربطت بين الإرهاب والهدف السياسي، وأصبحت اليوم بغض النظر عن مرتكبها وأهدافه تعني الرعب والخوف ولا تقتصر على الناحية السياسية فقط كما يرى الدكتور نبيل حلمي( ).

ووردت كلمة الرهبة بمعانٍ عديدة في القرآن الكريم:

 

 

 

بمعنى الخشية من الله:

-           " يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ " البقرة 40.

-           " وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ". الأعراف 154.

-           " وَقَالَ اللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ "، النحل 51.

-           "إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَبا، الأنبياء 90.

-           " لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ " الحشر 130.

بمعنى الرعب والخوف:

-           " وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ "، القصص 32.

-           " قَالَ أَلْقَوْاْ فَلَمَّا أَلْقُوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ". الأعراف 116.

بمعنى الرعب في المعركة العسكرية:

-           " وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ". الأنفال 60.

ويلاحظ أن القرآن الكريم لم يستعمل مصطلح "الإرهاب" بهذه الصيغة، بل بصيغ مختلفة مشتقة من نفس المادة اللغوية بعضها يدل على الإرهاب والخوف والفزع وبعضها يدل على التعبد والرهبنة.

مشتقات المادة "رهب" لتدل على الفزع كما يلي( ):

 

-           يَرْهَبون: "وفي نسختها هدى ورحمةً للذين هم لربهم يرهبون"، الأعراف 154.

-             فأرهبون: " وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ "، النحل 51.

-           تُرهبون: " تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ "، الأنفال 60.

-           وإستَرهَبُوهم: " وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ "، الأعراف 116.

-           رَهبَةً: " لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ اللَّهِ "، الحشر 13.

-           رَهَبَاً: " وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ "، الأنبياء 90.

 مشتقات الإرهاب في مواضع مختلفة لتدل على الرهبنة والتعبد كما يلي:

 

-           ورد لفظ "الرهبان" في سورة التوبة 34.

-           كما ورد لفظ "رهباناً في سورة المائدة 82.

-           ولفظ "رهبانهم" من سورة التوبة 31.

-           ولفظ "رهبانية" في سورة الحديد 27.

بينما لم ترد كثيراً مادة الرهب في الحديث النبوي ولعل أشهرها ما ورد في حديث الدعاء "رغبة ورهبةً إليك". كما يلاحظ أيضاً أن القرآن الكريم أورد كلمات أخرى فيها معنى إستخدام القوة والعنف والتهديد لتحقيق أهداف معينة مثل: الجهاد، البغي، الحرابة، العدوان، العقاب، القتل.

مفهوم الرهبة في القرآن الكريم:

            حين تكلم القرآن عن "الإرهاب" لم يتكلم عنه بصيغة مصدر الفعل، "أرهب" إرهاباً على وزن أكرام إكراماً، وإنما ذكره بصيغة الفعل على النحو التالي:

أولاً: تحدث عن الرهبة في ألواح موسى عليه السلام وهي رهبة من الله وخوفٌ منه، قال تعالى: " وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ " [الأعراف 154]، إنما الرهبة من الله ولذلك فهي رهبة محمودة بل ومشروعة، وسُبغت تلك الرهبة بالهدى والرحمة لتفيد أن من يخشى الله ويرهبه ويخاف عذابه عليه أن يهتدي ويتراحم. إن هدف تلك الرهبة هو "الرحمة"، وقد جاءت في الآية الكريمة بالفعل المضارع.

ثانياً: وجاءت الرهبة هنا بصيغة فعل الأمر في قوله تعالى مخاطباً بني إسرائيل " يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ " [البقرة 40]،والرهبة هنا مطلوبة من الله لأنها رهبة منه وخوف مِن عذابه. وخاطب الله بني إسرائيل حتى يخافوا من عذابه فلا يغدروا ولا ينكثوا بالعهود. إذن هدف الرهبة هنا هو الالتزام بالوفاء وعدم الغدر والخيانة( ).

ثالثاً: وجاء الحديث عن الإرهاب بصيغة الفعل المضارع في قوله تعالى: "وأعدوا لهم ما إستطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم"، تتحدث الآية الكريمة عن الرهبة في إطار إعداد القوة لمواجهة عدو محدد وواضح بل وأعلن الحرب بعد أن إستعد وحشد لها. لذلك فهناك من سياق الحديث عنها ما يدل على أنه ينبغي التقيد بالمواجهة العسكرية الوشيكة التي هي قاب قوسين أو أدنى بين جيشين ولها سبب مشروع، فليس إذن أمر مشروع التوجه حربياً إلى من هو ليس طرفاً في الحرب أو توجيه التدمير والقتل والتخريب ظلماً وعدواناً، هي حشد للقوة ضد المعتدي فقط وليس ضد غيره وليس للعدوان أو التدمير أو التخريب.

            والأهم أنه يفهم أن المقصود بالرهبة في القرآن الكريم هو التخويف بإيقاع الأذى وليس إيقاع الأذى، وذلك هو المعنى اللغوي للإرهاب أي التخويف من فعل شيء بالتلويح باستخدام القوة واستعراضها، وحين طلب الله تعالى الرهبة من عذابه "وإياي فارهبون" و"للذين لربهم يرهبون" يعني التحذير من بطشه وإنتقامه ولا تعني إيقاع الأذى بالتدمير والتخريب وبغير تمييز، لأن إيقاع الأذى بالتدمير للعمران إنما هو إفساد في الأرض ويتجاوز معنى الرهبة إلى الفساد الكبير والعدوان الأكبر. كما أن مقصد الرهبة في القرآن هو إصلاح حال الناس وتعمير الأرض وعدم الحنث بالعهود والمواثيق والهداية والرحمة وردع المعتدى عن عدوانه والظالم عن ظلمه، وليس القصد منها ولم يكن القصد منها الحاق الأذى بالناس في أموالهم وأرواحهم أو تخريب العمران، فالإسلام قد نهى حتى عن التلويح بالسلاح وليس فقط عن استخدامه في إرهاب الآمنين وترويعهم، قال الرسول الكريم "لا يُشر أحدكم إلى أخيه بالسلاح فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده، فيقع في حفرة من النار". وليس شرطاً إستخدام السيف أو السلاح الناري للإرهاب بل حتى بالعصا، قال الرسول أيضاً "من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى ينتهي وإن كان أخاه لأبيه وأمه" -رواهما أبو هريرة- بل وحرم الإسلام الإرهاب حتى بالنظرة الشازرة، عن عبد الله بن عمر أن الرسول قال "من نظر إلى مؤمن نظرة يخيفه فيها بغير حق أخافه الله يوم القيامة" -رواه الطبري-( ).

            فالإسلام الذي حرم مجرد ترويع الإنسان حتى بالنظرة الشازرة والمخيفة والعصا والحديدة والسيف والسلاح لا يجيز ولا يسمح ولا يقر الإرهاب بل ووصف ما يقع منه "بالإفساد في الأرض والتخريب" -وليس إرهاباً وفقاً لما جاء في القرآن الكريم- وفي حال قيام الحرب لا يسمح الإسلام بإتلاف الزرع أو قتل الماشية والأطفال والشيوخ والرهبان والمرضى.

قال رسول الله: "لا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً ولا إمرأةً ولا تغلوا"

"اغزوا باسم الله وفي سبيل الله قاتلوا من كفر بالله ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً".

ولا بأس من إعادة وصية أبي بكر الصديق لأسامة بن زيد وجيشه المتوجه إلى بلاد الشام: "لا تخونوا ولا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلاً ولا شيخاً كبيراً ولا إمرأةً ولا تعقروا نخلاً وتحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاةً ولا بقرةً ولا بعيراً إلا لمأكلة وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له"( ).

            ويحرم الإسلام قتل الناس والاعتداء عليهم إلا في الحرب وللمحاربين، أما الأطفال والنساء والشيوخ وغير المحاربين والرهبان الذين لا يقاتلون فحرم قتلهم. روى أبو داوود أن رسول الله قال: "إنطلقوا باسم الله وعلى ملة رسول الله ولا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً ولا صغيراً ولا إمرأةً ولا تغلوا وضموا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين". وروى أحمد عن ابن عباس أن رسول الله كان إذا بعث جيوشه قال: "اخرجوا باسم الله، تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، ولا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الوالدان ولا أصحاب الصوامع".

لا مجال للإرهاب في مجتمع صحيح مسلم

            لم يلاحظ وجود للإرهاب في العهد الذهبي للدولة الإسلامية بعكس الحال الذي يُشاهد اليوم على الساحة الدولية بأكملها. خلو المجتمع الإسلامي في عهده الأول من الإرهاب لم يكن مجرد مصادفة، فالإسلام دين متميز بالعدالة والسمو عالج ما في النفس من جموح غريزي، واستأصل منها العنف والهدم؛ وغرس فيها القيم والمبادئ السليمة؛ فأصبحت نفساً رائعة تعرف ما لها وما عليها بميزان الإسلام السليم. ولذلك لم يقم العنف ولم ينشأ الإرهاب لعدم وجود –بل زوال- الأسباب الموجبة له. فقد عالجها الإسلام معالجة صادقة وصحيحة. فقد كفل الإسلام العدالة للجميع والمساواة عرباً –أغلبية- كانوا أم عجماً، سوداً أم بيضاً، بكل ما تحمل العدالة والمساواة من معانٍ نبيلة إنسانية.

            فالعمل من حق الجميع ومتاح للجميع، بل وارتفع مفهوم العمل إلى مستوى "العبادة" يحاط بكافة مظاهر الإحترام. وأقامت الزكاة التضامن الاجتماعي إضافة للتوزيع العادل لما يفيءُ الله من خير على المسلمين، فالمجتمع الإسلامي أصبح أسرة واحدة يسعى الكبير على الصغير والقوي على الضعيف تتكافأ دماؤهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو ساندته كل الأعضاء( )، فالمسلم أخ المسلم لا فرق، وكان الإسلام محضناً رؤوماً لكافة التنوعات البشرية من عرق أو جنس أو لغة، ومَسَحَ كل التمايز بين المسلمين إلا على أساس من التقوى والعمل للصالح، هناك مساواة سياسية فللجميع إبداء الرأي والحق في الاختلاف في إطار التعاليم الإسلامية السمحة، قال عمر بن الخطاب "لو رأيتموني على خطأ فقوموني بالسيف" وقال أيضاً "أصابت إمرأة وأخطأ عمر"( ). وكانت السلطة –الإمامة- تقوم على غزارة العلم والجهاد والدعوة للدين والعمل في سبيل الله التي تستلزم "البيعة" والشورى. والحرية بكافة أبعادها مكفولة للجميع، ويتمتع أهل الكتاب بكافة حقوقهم ما داموا ملتزمين بأمن المجتمع، فشهد المجتمع الإسلامي عدالة أمام المحاكم للجميع لا فرق بين إمام ومأموم حاكم أو محكوم، فالإسلام هذب النفوس ونزع الميول العدوانية( ).

يرادف كل ذلك وبالتوازي معه، فالإسلام شرع العقوبات التي تردع النفس الضعيفة التي ربما تعتدي على الغير أو الأموال أو الأخلاق أو القيم العامة المشتركة للمجتمع، وهناك نوعان من الجرائم التي وضعت لها الشريعة من الحدود الكافية لردعها وحتى لقمعها قبل التفكير في الإقدام عليها( ).

النوع الأول:

جريمة الحرابة: مقترف جريمة "الحرابة" يسمى "المحارب"، والمحارب حسب قول الإمام مالك من حمل على الناس في مصر أو بريّةٍ وكابرهم على أنفسهم وأموالهم دون نائرة –هيجان- ولا ذحل- ثأر- ولا عداوة( ).

            وجاء ذكر جرائم الحرابة في الآية الكريمة "إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ"-المائدة 33-. نزلت الآية في بيان حكم قطاع الطرق. ووردت أحاديث نبوية منها: "من حمل علينا السلاح فليس مناً-رواه ابن عمر-. ومنها: "مَن خرج عليّ الطاعة وفارق الجماعة ومات فميتتة جاهليةً-.

"والمحاربةً" المشتقة من قوله تعالى: يحاربون الله ورسوله تعني محاربة شرع الله ومحاربة المجتمع الذي تنظمه شريعة الله وتهديد أمنه( ). وتعني إذن مهاجمة المارة بالسلاح للسطو على مالهم ولقطع الطريق وترويع السالكين فيه بواسطة فرد أو مجموعة، والمحارب هو قاطع الطريق الذي يشهر سلاحاً يرهب به السبيل( ).

            "ولقد جعل الله من زواجر الحدود ما يردع به ذا الجهالة، فالحدود زواجر وضعها الله لردع ارتكاب المخاطر ليكون ما حُظِرَ من محاربة ممنوعاً وما أمر به من فروض متبوعاً فتكون المصلحة أعم والتكليف أتم"( ).

            وقد حددت الآية الكريمة عقوبة "الحرابة" وهي: قتل المحارب أو صلبه إذا ارتكب القتل وإن اعتدى على مال. أما إذا سبب الخوف والفزع فللإمام أن يختار أياً من تلك العقوبات أو النفي.

            ومن ناحية أخرى فعلى المواطنين واجب مقاومة المحارب بكافة سبل القوة والمنعة والدفاع عن أموالهم، ويشمل ذلك قتل المحارب أو إصابته أو أسره أو تسليمه للإمام لإقامة الحد عليه بعد أن يسترجعوا منه ما أخذه منهم من أموال.

 

النوع الثاني: جريمة البغي:

            تعني جريمة البغي الخروج على طاعة الإمام مغالبةً، وهذا الخروج له "تأويل". والبغاة هم الذين يخرجون على الإمام بتأويل سائغ ولهم منعةٌ وشوكة. وهم جماعة من المسلمين خالفوا رأي الجماعة الراضية بالإمام وخالفوا الإمام وانفردوا بموقفٍ من ابتداعهم، ويتميز البغاة عن المحاربين بـ: ( ) 

أ- لهم تأويل ينادون به ويريدون نفاذهُ.

ب- هذا التأويل مستساغ لهم وهم الذين إبتدعوه.

جـ- يُشترط أن يكون لهم آمر ينقادون له.

د – ويشترط أن يكون لهم بأس ومنعة، وليسوا مجموعة ضعيفة لا قيمة لها.

            لذلك إذا خرجت طائفة ذات منعة لها تأويل ولها أمير على طاعة الإمام فله مقاتلتهم حتى يعودوا إلى صوابهم ويعودوا إلى طاعته فيتوقف عن قتالهم، ذلك حكم الأئمة الأربعة مالك والشافعي وأبو حنيفة والحنبلي كما أورد الشيخ محمد عبد الشافعي في مؤلفه المنهج الصوفي في الفقه الإسلامي. ويقول الإمام محمد أبو العزائم في كتابه النور المبين إذا ظهر من ينازع في الخلافة أو يدعيها لنفسه بعد تنصيب الإمام واجتماع كلمة المسلمين عليه وجب وتعيّن قتله بل وقتل مَنْ أعانه أيضاً. أما من خَرَجَ ضراراً وكفراً وتفريقاً للمسلمين ودعماً لمن حارب الله ورسوله أو داعماً لعدو كافر ليوليه الإمارة قُتل كفراً( ).

            وقد حددت الآية الكريمة طريقة التعامل مع البغاة" وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت أحدهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون أخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم تُرحمون"-الحجرات 9،10، وجميع الأحاديث النبوية تحرم الخروج على الإمام العدل والصحابة يجمعون على قتال البغاة. لكن الإمام علي أجاب على سؤال فيما إذا كان البغاة مشركين: قال لا لأن المنافقين لا يذكرون الله، قيل له فما حالهم قال إخواننا بغوا علينا( ).

            ويبدو أن جريمة البغي-حسب رأي د. أحمد عز الدين- هي أقرب ما تكون إلى الإرهاب في مفهومه الحديث حيث يقارب البعض بين المغزى والهدف السياسي للإرهاب وبين التأويل الذي يقول به البغاة( ).

            يتبين مما سبق أن الإسلام إتبع أسلوبين متوازيين وجنباً إلى جنب لتخليص المجتمع من العنف وهما: الوقاية والعلاج، تمثلت الوقاية في القيم والمبادئ التي تربي النفس والروح التربية الصالحة الواعدة، وتمثّل العلاج في مجموعة التشريعات التي تحدد العقوبة الزاجرة التي تقضي على الداء.

            هذان الأسلوبان هما الصحيحان للقضاء على الإرهاب، حَرِيٌّ بالحملة الدولية القائمة الآن للقضاء على الإرهاب دراستهما والتشبه بهما.

            ويرى موفق العجلوني أن الإرهاب الحالي يقع في تجلياته جملةً وتفصيلاً تحت مصطلح "الحرابة" تنطبق عليه أحكام الفقه الإسلامي وهي بالغة الشدة تجاهه. إن قتل الآمنين وتفزيع المواطنين وهدم المساكن وحرق المزارع وقطع الطرق، تدخل في معنى الحرابة لا في معنى الإرهاب. أما الإرهاب فهو المتمثل في الحرب النفسية على العدو لوهن صفوفه وضعضعتها حينما يسمع بأخبار الأعداد ضده، والإرهاب فقط     -حسب ما جاء في الإسلام- مقتصر على زمن الحرب أولاً ولا يهدف ولا ينوي التوجه ضد الآمنين ولا قتل الأبرياء. فالإسلام شديد الحرص على طمأنينة المواطن وأمن الشعوب ويتضح ذلك من أحكامه الصارمة ضد الحرابة( ).

            هناك تعبيرات يتقارب معناها من بعيد مع الإرهاب يُوصف بها بعض المسلمين في الوقت الحاضر منها:

الغلو: حين يقال غلا في الأمر إذا جاوز حده، ويقال غلا في الدين إذا تشدد وجاوز حد الاعتدال، وغلا الماء في القدر إذا ارتفع.

التشدد: الشدّة هي القوة والصلابة، والتشدد هو طلب الشدة، والمشادة هي المغالبة والمقاومة، قال الرسول "ولن يشاد الدين أحد إلا غلبةً-رواه مسلم في صحيحه-.

التنطُّع: وهو التعمق في الشيء ومجاوزة حد الاعتدال في الأقوال والأفعال والمغالاة في الكلام "الذين يتكلمون بأقصى حلوقهم تكبراً (لسان العرب لابن منظور، جـ8، ص357). وقال صلى الله عليه وسلم "هلك المتنطعون قالها ثلاثاً (رواه مسلم في صحيحه).

التطرف: المتطرف من الرجال هو الذي لا يثبت على أمر وعلى عهد (لسان العرب لابن منطور جـ9، ص216). والتطرف في إصطلاح الناس هو مجاوزة حد الاعتدال، والارهاب والعنف نتاج التطرف.

العنف: وهو نقيض "الرفق" قال إبن الأثير "من كل ما في الرفق من خير؛ ففي العنف من الشر مثله" (القاموس المحيط جـ3، ص184). وقال الرسول" يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يُعطي على العنف" (رواه مسلم في صحيحه) ( ).

الجهاد في التراث الإسلامي:

            الجهاد لفظاً هو بذل الجهد والوسع وإستنفاذ الطاقة من أجل تحقيق غاية بغض النظر عما إذا كانت غاية على حق أو على باطل فقد يجاهد الآباء الأبناء دفعاً لهم نحو الشرك "وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما"، تلك هي الحالة النادرة الفريدة التي يسمح للأبناء فيها بمعصية الوالدين. والجهاد طاقة وحركة وفاعلية ونشاط فهو جزء من طبيعة الإنسان، هو دافع حيوي أو طاقة روحية أو تيار متدفق وبدونه يتحول الإنسان إلى بركة آسنة ركدت فتعفنت.

            والمعنى الإصطلاحي للجهاد في الإسلام "إستفراغ الوسع والطاقة في مدافعة أعداء الإسلام وقتالهم مباشرة؛ أو المقاومة بمال أو رأي أو تكثير سواد. والجهاد بتكثير السواد مخالطة المجاهدين ومشاركتهم أعمالاً تتعلق بالجهاد مثل نقل الجنود وتزويدهم بالعتاد وجلب الماء وتحضير الطعام ومداواة الجرحى وحراسة المواقع.

            والجهاد عند بعض الفقهاء هو الركن السادس في الإسلام، وعند آخرين هو الركن الأول لأن الأركان الخمسة قائمة عليه:

 أولاً: فالشهادة قائمة عليه، لأن الشهادة فعلان من أفعال الشعور "لا إله" ثم "إلا الله"، الأول يرفض وينفي آلهة العصر المزيفة كالثروة والمال والسلطة والشهرة والترف ومختلف مباهج الدنيا. والثاني يقبل ويرضى بأن يتعادل جميع البشر أمام إله واحد، فلا ظالم ولا مظلوم ولا غني ولا فقير بل الكل متساوٍ.

            وهي شهادة قولاً وفعلاً وفكراً ووجداناً فالساكت عن الحق شيطان أخرس "ومَن يكتمها فإنه آثم قلبه"، وهي شهادة حق لا شهادة زور وهي التزام وتحدٍ وعمل.

ثانياً: والصلاة هي أيضاً جهاد، هي حياة الفضيلة، هي قيام وقعود، هي حفاظ على الوقت، وحب الخير للناس، وإيمان عامر بالقلب، عمل فردي وعمل جماعي وتضامن اجتماعي، مقاومة الكسل والخمول والدعة، الحرص على الوعي متيقظاً ونبذ الخمول.

ثالثاً: الزكاة تطهير للنفس بالعطاء وتزكية لها بالبذل، وهي حق للآخر في مال النفس، هي رفض للركود الاقتصادي والاكتناز، هي عمل دوران رأس المال حتى لا يكسد في أياد قليلة محتكرة، هي إستثمار جماعي لتلبية وسد حاجات المجتمع وخلق فرص العمل ومكافحة البطالة "والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم".

رابعاً: والصوم جهاد للنفس وشحذ للإرادة وسيطرة على الذات ضدَّ إغراء الرغبات والانسياق للانفعالات والهوى، الصوم إحساس بوضع الفقير والجائع والمحتاج "ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً". الصوم صلة بالخالق كما   أن الجهاد عود إليه.

خامساً: والحج جهاد للتذكير بمصالح الأمة، وجهاد سنوي للعمل الجماعي والاجتماع العلني لكل البشر على قدم المساواة أمام الحق ولإعلان البراءة من البطالة وتحديد أعداء الأمة وأصدقائها وإمكاناتها وتحدياتها. الحج سفر ومشقة وسعي وطواف. كما أن الجهاد سفر للأعداء ومقاومة للعدوان وسعي وطواف في ساحة القتال.

            فالجهاد هو كل شيء في الإسلام يقوم على شحذ الطاقة وبذل الوسع وإفراغ الجهد، وهو المعنى الأشتقاقي للفظ "جهد" قبل أن يتحول إلى "جاهد" أي  قاوم واجتهد أي بذل الجهد في الفهم والمعرفة. والاجتهاد هو المصدر الرابع للتشريع.

            ولأهمية الجهاد في حياة المسلمين بعد أن تمكنت قوى الشر من مقدراتهم بدأ المصلحون يؤكدون فاعلية الجهاد في سبيل الله ضد المحاولات للنيل من أهميته واستبعاده.

الجهاد والشهادة:

            تعني الشهادة النطق بالحق والإعلان دون الكتمان، والشهادة تسجيل للتاريخ وسجل للحوادث وحفظ للحقوق في العقود، والشهادة تبدأ بالوعي بالحق، فالله يشهد والإنسان يشهد والحواس تشهد، والملاحظ أن "الشهادة" جاءت في القرآن "كأسم أكثر من "فعل": مشهود، مشهد، شهادة، شهداء، أشهاد، شهود، شاهد، شهيد، شاهدون. مما يُثبت أن فعل الشهادة من فعل الشاهد والشهيد، الله شاهد والرسل شهوده والملائكة شهود والمؤمنون شهداء.

            الشهيد يشهد بالفعل، والشاهد يشهد بالقول وكلاهما إعلان، فالشهيد برهان عملي والشاهد برهان نظري. والشهداء مع الصديقين والنبيين " فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ " [النساء 69] فالأنبياء والشهداء يعرفون الحق النظري والعملي، وكما أن الأنبياء والصالحين في فوز ونجاة كذلك الشهداء.

            والشهيد حي لا يموت آثر الحياة الأبدية على الحياة الظاهرة " وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ " [البقرة 154]، " وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ " [آل عمران 169].

وهناك من هم أحياء ظاهرياً أموات باطنياً لأنم رضوا بالحياة الدنيا مستسلمين لقوى الظلم رغم الاستنصار في الأخوّة وفي العروبة وفي الدين لأنهم آثروا التَنَفُّذ على الكرامة والتسلط على العزة والدنيا الزائفة على الآخرة " أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ " [النحل 121].

            والله هو الذي يُحيي الإنسان بعد أن يُميته والله هو الحي القيوم والإيمان هو الذي يحيي الإنسان ويوقظه مِن الغفلة ويجعله يتمسك بالحياة الآخرة ويفضلها على حياة الدنيا، والحي هو الذي يقاتل في سبيل الله مشترياً حياة الآخرة الخالدة بحياة الدنيا الزائلة: " فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ " [النساء 74].

 

 

            وقد ورد لفظ "جهد" في القرآن ومشتقاته في صيغ إسمية للدلالة على أنه فعل " يأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ " [التوبة 73] ويبدأ جهاد بالتقوى بالإيمان الصادق بإخلاص النية وهو الطريق إلى الله" إتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله". والجهاد بالمال وبالعطاء وبالنفس وبالشهادة " انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " [التوبة 41]. وهو على الجميع لا يستثنى منه الوجهاء. " وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِاللَّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ " [التوبة 86]. والجهاد لا يكون إلا في سبيل الله ينطلق من عمق الإيمان " وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ " [الحج 78]، والإيمان أساس الجهاد والعمل جوهرة إنه إيمان يقيني يتحول إلى جهاد عملي، والجهاد حقيقة تاريخية وحركة مستمرة من بداية الخلق حتى البعث، والجهاد بالفعل وليس بالوعد، ونقيض الجهاد "النكوص و"التخلف" و"القعود" والجهاد فعل وليس قولاً هو جهاد الصامتين وليس فُجْر العَجَزَة.

            وإذا كان صحيحاً تشبيه مِدادُ العلماء بدماء الشهداء، فالأصح أكثر أن الأولوية دائماً لدماء الشهداء، فالدماء دورة الحياة الأبدية تروي الأرض في حين أن الأوراق تبلى ويجف مدادها( ).

الإسلام واستخدام القوة:

            يُعرف الإسلام بأنه دين الرحمة تلتزم دعوته بالتوجيهات الإلهية في تكريم الإنسان واحترامه "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير مما خلقنا تفضيلاً –سورة الإسراء آية 70-، ولقد أرسل الله نبيه محمداً رحمة للعالمين، ولفظة إسلام تدل على السلم والسلام، والتحية بين الناس السلام عليكم، وحين يلقى المؤمن ربه يوم القيامة تكون تحيته له سلاماً، ومن أسماء الله الحسنى السلام وتحمل ليلة القدر فضلاً للعابد وهو السلام، والجنة هي دار السلام، ولم تحمل أية شريعة السلام ومعانيه كما جاء بها الإسلام من أجل تكريم الإنسان ليقيم علاقاته مع الناس ومع الدول على مبادئ الحق والسلام.

            ولا بد من التأكيد على حقائق تاريخية قد يضل عنها البعض جهلاً أو زوراً وهي أن الإسلام لم ينتشر باستخدام الإرهاب والقوة، ففي السيرة الأولى لظهور الإسلام جاءه عدد من الفرسان الأقوياء مؤمنين به ودخلوا فيه في الوقت الذي لم يمتلك المسلمون فيها ما يدافعون فيه عن أنفسهم؛ ولا ننسى أن الإسلام إنتشر في شرق آسيا عن طريق الدعاة فمنهج الدعوة الإسلامية هو "الإقناع" و"المجادلة بالتي هي أحسن" ولا يحق للداعية إستخدام وسائل للإكراه أو الضغط نفسياً أو عسكرياً أو إجتماعياً، " لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ " –البقرة 256- وخاطب الله نبيه " فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ "، -الغاشية 21، 22- ولا يجيز الإسلام إستخدام القوة إلا:

-           لرفع الظلم ولإحقاق الحق.

-           إذا وقف الخصم أو العدو حجر عثرة في طريق حرية الدعوة.

-           منع المؤمن من تأدية الشعائر.

-           لإزالة المناخ الذي يعتدي على عزة الأمة وكرامتها.

فالقوة فقط ضد العدوان ولإزالة عقبة " فَإِنِ انْتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ " –البقرة 193- وعلى المسلم إلزامٌ بإقامة علاقات حسنة مع الغير الذي لا يقاتله " لاَّ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ " –الممتحنة آية 8-( ).

ولكن وبكل وضوح-وكما هو متعارف عليه في جميع المجتمعات- إن من يُمارس الاحتلال والاعتداء ويستبيح أرض غيره ومقدساته لا بد من وقفه عند حده وردعه ودحره" وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ " -البقرة 190-. إن من ينقض السلم ويخون العهد يجب قتاله لأنه معتد" وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ " –الانفال 58-.

إن مبدأ حق الدفاع عن النفس ورد المعتدي يُفرز أو يُقرر مشروعية القتال في الإسلام للدفاع عن حدود الدولة. لذلك شرع الإسلام القتال لردع المعتدي والمجرم وفرض الأمن ولم يشرعه أبداً ولم يستخدمه ليرغم الغير على إعتناق الإسلام( ).

وبما أن القتال في الإسلام لردع العدوان أو لوقف فساد أو لوأد فتنة، فهو إذن واجب فرض على المؤمنين ولا بد منه لحماية الوطن والمقدسات وإقامة العدل ورفع الظلم " أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ "-الحج 39-، والقتال هنا لا يهدف إلى القتل وإنما إلى ردع العدو "وإرهابه" لإلقاء الرعب في قلبه حتى يتراجع عن ظُلمه وعدوانه "وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ"-الأنفال 60-، وإعداد القوة فرض على المؤمنين في كل زمان ومكان ولم يُعف منه أحد، والقوة بكل أنواعها وأشكالها من الآلة العسكرية إلى الاقتصادية والإعلامية و…و. كوسيلة لإقرار الحق ومنع الأعداء في التفكير في الاعتداء، ومن نافلة القول أن السلام لن يكون مع القاتل والمغتصب والمحتل.

ومن الظلم الواضح الافتراء على الإسلام بالقول إنه يُجيز الإرهاب أو يُقره أو يوافق عليه، وخلطٌ كبير أن يقال إن الإرهابيين يعملون لخدمة الإسلام أو للدفاع عنه أو حتى أنهم يرتبطون رباطاً سليماً بالإسلام فلا نسب صحيح لهم فيه، فالإسلام وبشفافية لا يُقرُّ الإرهاب ولا يجيزه بل هو بريءٌ كلياً منه، ولا يحق للإرهاب أن ينسب نفسه إلى الإسلام ولو خلع على نفسه من سماته ومظاهره وألقابه ما شاء، فالإسلام أنبل بكثير من أن يكون مظهراً للخداع أو سمتاً قانعاً أو رداءاً ليس سابغاً، فالإسلام عمل حقيقي وسلوك شريف ينبذ المظاهر والإنحراف عما أحله الله وحرمه رسوله، وببساطة لا يمكن للسلوك الإسلامي المستقيم أن يقبل تدمير العمار وتخريب البنيان وإزهاق الأرواح وقتل الأبرياء.

ولا يمكن للإسلام أن يقبل بإدعاء أحد بالإنتماء إليه مظهرياً ويطلق العنان لأفكاره الهدامة المريضة بعيداً بما لا يُرضي الدين فيقتل كما شاء وليس كما أمر الله بحفظ النفس؛ ويُفسد في الأرض على هواه المعتل بمنأى عن توجيه الإسلام وأحكامه بصون أموال الغير مهما كانت ديانتهم أو ألوانهم أو أعراقهم أو جنسياتهم أو سلوكهم السياسي.

لقد نزل الإسلام حتى يعم خيره جميع البشر ولا يغفل إذن عن بناء الجسور للتواصل الإنساني الحضاري بين كل الناس، الإسلام ينبذ التفرقة وانتهاك حرمة الآخرين أو هدر حقوقهم، لذلك فالذين يوجهون شرورهم للغير باسم الإسلام لا يعلمون ما به ولا يعرفون منهجه في التعاون بين جميع الشعوب على البر والتقوى وليس على القتل والعدوان، إن سلوكهم يعبر عن هوى مريض وتفكير معطوب دبّ به الخلل( ).

والإرهاب ليس صنواً للإسلام كما يدعي بعض الساسة والكتاب الغربيين، لا بل فإن الإسلام ينبذ الإرهاب، لأنه ظلم وترويع الأبرياء يقوم به خفافيش الظلام الذين يباغتون به الناس ثم إلى الظلام يلجأون، وحكمه في الإسلام حرام ولمرتكبه العذاب. قال تعالى: " مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً " [المائدة 32]. وقال "لاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ" [الأنعام 151] ولا يُحمِّل الإسلام الإنسان ذنب غيره ووزره، قال تعالى: " وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى " [الاسراء 15] وقال " وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ " [المائدة 2]، ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ " [النحل 125].

ويهتم فقهاء المسلمين جداً بأمن المجتمع لذلك فإنهم يكافحون ويقاومون الجريمة، فالمذهب المالكي مثلاً أباح للحاكم حق تعزيز القاتل الذي يسقط عنه القصاص بالعفو من أولياء المقتول، بما يصل إلى القتل وليس الاكتفاء بالجلد، لقد أدرك الفقهاء خطورة الإرهاب على أمن وسلام المجتمع، قال تعالى: "إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ" [المائدة 33].

إن الصورة المشوهة التي يحملها الغرب عن الإسلام لها أسباب ويجب علاجها:

-           لقد طغت على السطح في العالم الإسلامي نزعات لا تُمت إلى الإسلام تحمل إسمه أساءت للإسلام والمسلمين، لم يعد المسلمون قدوة في إسلامهم لذلك لا يستطيع من فقد القدوة أن يقنع الغير بصحة دعواه، هذا بالإضافة إلى إنتشار وإستشراء حملات التشويه المغرضة ضد الإسلام والمسلمين، حقد بعض غير المسلمين على الإسلام وأهله، وجهلهم بحقيقة الإسلام وروحه.

وعلى المسلمين إذن:

أولاً: توضيح المفهوم الصحيح للإسلام الداعم لحقوق الإنسان وتكريمه واعتبره الله خليفته على الأرض فكرمه وحافظ عليه، قال تعالى: " وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ " [الاسراء 70]، وحفظ له حق الحياة وحرية الاعتقاد، قال تعالى: " أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ " [يونس 99] و" لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ " [البقرة 256]، وإحترم الإسلام قيمة الإنسان وحريته في التعبير والشهادة. " وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ " [البقرة 282]، " وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ " [البقرة 283].

ثانياً: لقد وقف الإسلام من غير المسلمين وقفة التساوي بهم على قاعدة "لهم ما لنا وعليهم ما علينا". كما أن موسى مذكور في القرآن أكثر من محمد الذي قال عنه إذا حزّ به أمر "يرحم الله أخي موسى، أوذي كما أوذيت فصبر"، وعيسى مذكور في القرآن ونزلت عنه سورة باسم أمه مريم البتول. إذن فالإسلام يعامل غير المسلمين بكل احترام وعدالة ومساواة، وإذا كان هناك من مظالم فالتاريخ تاريخ بشر والبشر يظلمون ويعدلون، ولكن هل خلا تاريخ المسيحيين من المظالم! ناهيك عن تاريخ اليهود.

ثالثاً: ما زال العالم الغربي لا يعرف عن النظام السياسي في الإسلام الشيء الذي يذكر، لقد خزق الغرب آذان العالم بكثرة ما تحدث عن الديمقراطية الغربية في الوقت الذي لا يعرف فيه إلا القليلون جداً شيئاً عن الشورى في الإسلام التي هي أعمق دمقرطة مِنَ الديمقراطية الغربية، " وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ " [آل عمران 159]، " وَأَمْرُهُمْ شُورَى " [الشورى 38]، وشرعية الحكم في الإسلام تستند إلى رضى المحكومين والبيعة دليل على ذلك، قال الرسول "وكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته"( ).

لماذا الإرهاب مرفوض إسلامياً:

            التيارات المُتَقَنِّعَةُ بالإسلام والتي تمارس الإرهاب تتسم بالعجز والقصور، فهي لا ترى الإسلام إلا في عصوره الأولى، فتراهم يبالغون في تلمس مظاهر تلك الفترة ملبساً ومأكلاً ومشرباً ومركباً وتفكيراً، فهجروا زمانهم الحاضر وانفصلوا عنه فلم يعودوا يفهمون عنه شيئاً حتى لا يعنيهم كما يبدو؛ ويريدون عنوة أن يشحطوا معهم إلى هناك المجتمع الحالي بأكمله؛ فكأنهم يريدون أن يُحنِّطوا الدنيا الحالية ويعيدوها إلى زمان مضى، وبذلك يريدون تحنيط الإسلام دين الإبداع؛ ويحنطون أحكامه ويدفنونها في فترة أستأنستها عقولهم؛ فيعزلونه عن واقع الحياة ويعزلون الحياة في زاوية أخرى. أي أنهم يريدون إقامة تضادٍ وصدام بين البشر والإسلام: هذا إذا نظرنا إلى الكارثة التي تحيق بالأمة من الزاوية التي يعشعش فيها هؤلاء المحنطون، هناك زوايا أخرى للكارثة لا تقع في مجال بحثنا هذا، وإنما نكتفي بالتلميح لها وهي أن هؤلاء المحنطين ليسوا فقط صناعة ذاتية بل تم تصنيعهم من قبل أيادٍ معادية للأمة كأداة تخدمها في هلاك الأمة.

            والإرهاب يخالف صحيح الأحكام الشرعية على الأوجه التالية:

أولاً: لا يُقر الإسلام حمق الإرهاب الذي يأخذ البريء بإثم الجاني، كذلك لا يقره أي قانون وضعي، فالمعروف شرعاً وقانوناً أنه لا يعاقب الشخص الذي لم يرتكب ذنباً أو جريمة نُسبت إليه. والواضح أن الإرهابيين-الذين يأخذون القانون بأيديهم وذلك خروج على القانون- يقتلون أبرياء لا ذنب لهم بل يقتلون الرضيع. والإسلام لا يجيز أخذ البريء بإثم غيره، قال تعالى: " لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ " . وقال أيضاً: " كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ" [المدثر 38] أي مسؤولة فقط عما فعلت من إثم أو جريمة، وقال سبحانه "ولا تزر وازرة وزر أخرى" [الاسراء 15] أي لا جريمة تلصق بشخص إرتكبها غيره. ذلك ما يقبله العقل، فلا يقبل عقل أن يعاقب شخص على جريمة لم يرتكبها هو بل إرتكبها شخص ما لا يعرفه ولم يسمع به وليس على أية علاقة معه.

 

ثانياً: إن الإرهاب يتنافى مع العدل الذي جاء به الإسلام لأن أمر الله في كتابه: " إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ" [النحل 90]، والعدل بأبسط تفسير هو مساعدة المظلوم وإنقاذه من الظالم ومعاقبة الظالم، ومن العدل أيضاً عدم مؤاخذة البريء بإثم الجاني، بينما الإرهاب يهلك مجموعة من الناس غير آبهٍ إذا كان الهالكون أبرياء أم آثمين. فالمهم عنده هو الإهلاك بغض النظر عمن هو الهالك. المهم هو الدمار والهدم وليس العدل والإنصاف.

            ويعني "الإحسان" أن لا يأخذ من يُقيم العدل بظواهر الأدلة ما ليس له حق فيه، قال الرسول "إنكم تحتكمون إليَّ ولعل بعضكم ألحنَ بحجتهِ من بعض، فمن قضيتُ له بغير حقه فإنما إقتطع له قطعة من النار"، ومن الإحسان أن يكون بناء العدل سليماً في مضمونه وشكله فلا يكون الحكم مبنياً على أسباب غير سائغة أو بدون أدلة قاطعة لأنه ظلمٌ أكيد نطق الحكم بدون دليل بيّن، والإرهابيون يبطشون بلا عدل وينطقون حكماً بدون دليل، ولذلك فهم منشقون عن تعاليم الإسلام-رغم إدعائهم- وبعيدون عن منهاجه.

ثالثاً: يخالف الإرهابيون نهج الإسلام في صون مقومات الحياة حفظ النفس والمال والعمران بدون تفريق لأن الإنسان بنيان الرب فيه سره وفيه نفح من روحه تتساوى في ذلك كل البشرية فكل النفوس سواء في شريعة الإسلام. فالنفس مستودع الروح فيها نفحة الخالق. قال تعالى: " مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً " [المائدة 32]، وقال:   " وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ " [الانعام 151]. والأموال أيضاً يُحرم المساس بها أخذاً أو إتلافاً بغير إذن صاحبها، قال الرسول: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم"، الإرهاب لا يحترم ذلك ويسيء إلى الإسلام( ).

            سبق وعرف التاريخ الإسلامي ظواهر متطرفة استخدمت العنف والإرهاب فالخوارج شرعوا بسلاح التكفير في وجه كل من لا يشاركهم الرأي، وأباحوا دماء المسلمين من غير نحلتهم؛ فإغتالوا الإمام عليّاً "ثم ظهر تحت عباءة الدين القرامطة والحشاشون وصولاً إلى أيامنا الحالية حيث الحركات التي تمارس "الغش" الفكري وتُلبس الحق بالباطل خداعاً وتمويهاً، الإسلام نهى عن الغلو والتطرف "قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق، ولا تتبعوا أهواء قومٍ ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل"-المائدة 77- ومن قلَّدَ المغالين والمتطرفين يُسهم في إضلال غيره فوجب ردعه. زار ثلاثة النبي فقال له أحدهم: أنا أقوم ولا أنام. وقال الثاني: وأنا أصوم ولا أفطر، وقال الثالث: وأنا لا أتزوج النساء. فرد عليهم رسول الله مستنكراً أفعالهم المخالفة لسنة الله في خلقِهِ وقال لهم: لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني"-أخرجه البخاري وسواهما-.

            إن قصر النظر والجهل بلاء أصاب بعض الناس فوقفوا عند طرف الحقيقة فأغلقوا على أنفسهم أبواب التطور الفكري من خلال جمود تصوّروه محافظةً"؛ ومن خلال تعصب ظنوه تديناً؛ ومن خلال تطرف حسبوه إلتزاماً بأمر الله. جاء في سورة الحج قوله تعالى: " وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآُخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ "-الحج 11"-.

            وقد تكون الرغبة في إحتلال مركز الاحترام عند العامة الذين قد يرون في "الغلو" إرتقاء في المراتب؛ وهم لا يعلمون أن كمال الدين يكون بالتزام حدود الله دون تفريط أو غلو( ).

            والمصيبة في رأي الشيخ محمد الغزالي أن بعض مدعي إتقان الإسلام لديهم كم هائل من قلة الوعي وقصر النظر يؤلفون الكتب تبنى عليها المواقف وهم أقل –في واقع الأمر- وأنزل رتبة من أن يؤتمنوا على شركة ذات رأسمال صغير، ومع ذلك يتجاسرون ويتحدثون باسم دين كبير ورسالة قدمت للإنسانية أرقى حضاراتها( ).

            وعن هذا الأمر جاء التحذير الإلهي " وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ " –الأنفال 25-.

            إن من أخطر أشكال الفتنة التطرف الذي يؤدي إلى الهلاك، وصحيح أن "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" قاعدة دينية وأخلاقية يستحق العاملون بها الثناء ولكن عليهم ممارستها بحق وضوابط وبدون الاعتداء على حقوق الآخرين وبدون تهديد حريات الأفراد( ).

أصولية أم صحوة:

            إنه مصطلح أصيل في ثقافة العرب والمسلمين فليس أعظم وأعز وأكرم من الأصول: أصول الدين، أصول الفكر، أصول الأخلاق، أصول النحو والصرف، هذا هو الأصل في معنى الأصولية قبل أن يصبح عرضة لمحاكاة ما ورد عند الآخرين، وقبل أن يصبح عرضةً للطخ من كل الجهات. يعيش في بلادنا فئات مختلفة من المثقفين الذين تموقعوا في سلالم النفوذ آثروا-طوعاً حسب ثقافتهم الأفرنجية أو خدمةً للفرنجة- أن يسطوا من مواقعهم على جوهر الفكر والحضارة والثقافة الإسلامية ليفرغوا الأصولية والأصول من مضمونها الإيجابي البناء ويجعلونها حاوية للتخلف والتعصب والرجعية ورفض الآخر في الداخل والخارج.

            ويبدو أن الأصولية بدأ يدرج إستخدامها في الفكر السياسي العربي الراهن في بداية العقود الأربعة الماضية وأول من إستخدمها "أنور عبد الملك" في دراساته لتاريخ الحركة السياسية المصرية في العصر الحديث، وقبل ذلك هي مصطلح قديم في صميم لغة الحضارة العربية الإسلامية، وبمعانٍ في قمة الإيجابية قبل أن تتداخل الترجمات حسب خلفية ثقافة ومقاصد المترجم.

            إستعمل الغرب مصطلح “Nationalisme” وصفاً للحركات النازية والفاشية وأحزاب الجبهات الوطنية ولم يستعمل مصطلح Patriotisme لوصفها، ومن الملاحظة الدقيقة يتبين أن الجهات الغربية في وصفها لحركات التحرر العربية القومية أي "الحركات الوطنية" إستخدمت لفظه nationalisme وهي قاصدة أن لا تستعمل لفظة patriotisme، أي أنها لم تصفها بالوطنية بل وصفتها بالنازية الكريهة والفاشية المتعصبة.

            وعلى نفس المنوال في القصد السيء، فكان الغرب يستعمل في وصف الحركات الدينية الرجعية والمحافظة في أوروبا fondamenalisme، Integralisme، وحسب المفهوم الغربي لهذين المصطلحين النابعين من تاريخه تعنيان التخلف ومحاربة التقدم أو ما يسمى بالتعصب الديني Le fanatisme religieux. إستعمل الغرب أوصافه هذه للنهضة في البلاد العربية والإسلامية.

            لذلك فالوصف الصحيح لمصطلح "الأصولية" هو L’Originalitè; L’originalisme وليس fondamentalisme أو Fanatisme، وذلك لما يتضمنه "الأصل" L’Origine من حدس حيوي للمعرفة والوجود ولما فيه من تصور نمائي لمسيرة الحضارة( ).

            إن "الأصولية" تسمية تعيسة على الواقع الحالي، لأن الأصوليين هم إما علماء أصول الدين أو أصول الفقه. بينما المقصود من الإستخدام الحالي المنتشر هو جماعة من المتطرفين يمكن تسميتهم "المتشنجين" أو "الغاضبين" أو "الخائفين المسيئين للوطن" والذين ينادون بالعزلة. وينسون أن الرسول جاء رحمةً للعالمين وكان هيناً ليناً بساماً، وكان أرق الناس وأنه قال "إنَّ الرفق ما دخل في شيءٍ إلا زانه" وقال أيضاً: "أن المسلم لا يجب أن يرى عيوب الناس ونقائصها وحسبه أن يُشغله عيبه عن عيوب الناس"( ).

            لقد إتفق ممثلو التيارات السياسية في مصر باستثناءات قليلة إما على رفض المصطلح أو التحفظ عليه، فالهضيبي قال "أرفض الأصولية" ذلك المصطلح الذي جاءنا من الغرب، وقال رفعت السعيد "اتحفظ على الأصولية" بالمفهوم المنتشر لأن الأصولية في لغتنا وثقافتنا تعني الأصل والعودة لصحيح الدين ونحن نقبله". بينما عصام العريان قال: "لا أحبُّ تعبير الأصولية لأنه تعبير غير منضبط، أما حسين محمد حسين عبد الرزاق فيؤثر مصطلح "الإسلام السياسي" على الأصولية ونعتقد أن المتخصصين في البحث في مادة العلوم السياسية يساندون حسين عبد الرزاق في إيثاره هذا.

            وفهمي هويدي يفضل مصطلح "الحالة الإسلامية"( ) لأنه تعبير محايد، ورفعت السيد يرفض الأصولية لأنه مأخوذ عن الثقافة الغربية( ) ولا يعطي مدلولاً صحيحاً، ويشير أحمد شرف إلى أن المقصود هو "توظيف الدين في السياسة"؛ ونرى أنه يقترب كثيراً من حسين عبد الرازق، ويقترب مجدي حسين كثيراً من الصحيح حينما قال ليس لدينا أصولية ولكن لدينا "صحوة إسلامية"( ).

            وحسب المفهوم الغربي للأصولية الذي ورد في معجم "وبستر": هي مصطلح أُطلق على حركة إحتجاج ظهرت في القرن الماضي تؤكد على وجوب التقيد حرفياً بتفسير الكتاب المقدس أساساً للحياة المسيحية وأساساً للتعليم، وسُميت بالأصولية كل حركة أو تيار يلتزم بالتقيد الحرفي بمجموعة قيم ومبادئ أساسية، والأصولية بهذا المعنى موجودة في العديد من بلدان العالم وتلتصق بظاهرة أعم وهي "الإحياء الديني" الذي أصبح واضحاً في كثير من المجتمعات، وبعض الباحثين يرون أن "الإحياء الديني" ظهر بعد فشل النظام الثوري والنظام الإصلاحي مما دفع المواطن إلى "العودة إلى الدين باعتباره يمثل الحقيقة المطلقة الوحيدة في بحار الشُكوك المتلاطمة"( ) وتعني ظاهرة "الإحياء الديني" إعتماد الدين وسيلة للتعبير عن السياسة لأهداف ثورية وأهداف محافظة على حد سواء، وشهدت البلاد العربية هذه الحركة التي عبرت عن "صحوة" تجسدت في تعاظم مشاعر الولاء والإنتماء للإسلام عقيدة وعبادة وتشريعاً وسلوكاً ومعاملة يعالج مختلف شؤون العصر.

            وتُعرّف "الصحوة": حالة وعَتْ الأمة فيها حالها ومحيطها فأدركت أبعاد عصرها فاستشعرت إمكاناتها للتفاعل مع التحديات أمامها وتلمست قدرتها وبدأت تعد نفسها للتحرر والتحكم في مصيرها، والصحوة هي أيضاً "يقظة" و"نهضة" تستهدف تجديد الدين وفق إعتقاد سائد لدى المسلمين بأن الله يبعث لأمة الإسلام من يجدد لها دينها في رأس كل قرن" كما أن الهيمنة الخارجية إقتصادياً وعسكرياً وإعلامياً وتربوياً وسياسياً كانت محركاً وسبباً لإستثارة الأمة الإسلامية لمواجهتها. يضاف إلى ذلك تعري "التغريب" الذي كان يعمل تحت قناع "التحديث" بمقاصده الخبيثة للرأي العام المسلم كان عاملاً مهماً في إستثارة جهود الأمة وتوجهها نحو "الصحوة"، "فالتغريب" خرّب ونخر الحضارة الإسلامية بدءاً من الحكم إلى الاقتصاد والمأكل والملبس فعانت كل الأوساط التي وقعت في حبائله من العزلة الداخلية والتبعية الخارجية( ).

            والملاحظ أن البلاد العربية والإسلامية قد شهدت بالإضافة إلى "الإحياء الديني" و"الصحوة" غلو المتطرفين في دينهم وتشددهم في أحكامهم ساعدت على هذا التطرف فأشعلته عدة عوامل:

•           بما أن نصف عدد سكان الأمة العربية هم دون الخامسة والعشرين، فالشباب بطبعهم ينزعون إلى التطرف. وجد ما يحرك هذه النزعة من مكمنها مثل:

•           الهيمنة الأجنبية في المنطقة بزعامة أمريكا الداعمة لإسرائيل والمتحالفة معها إستراتيجياً تحول دون تطبيق قرارات الشرعية الدولية وتحول دون قيام الأمم المتحدة بواجبها في مواجهة العدوان الإسرائيلي مما أثار غضب المواطنين واللجوء إلى العنف والتطرف.

•           الخلخلات الإقتصادية والاجتماعية عرّضت المجتمع لزلازل من المد والجزر فاستسلمت الدولة إلى سيطرة السوق، وتكثفت الهجرة من الريف إلى المدينة فانتشرت الأحياء الفقيرة، وإنسحقت الطبقة الوسطى، وتفشت البطالة، وهاجر العمال إلى الدول النفطية الذين أصبحوا فريسة لقوانين الإقامة والتأشيرات التي تحكمها نظرة قطرية لا إنسانية، فجاء التطرف الديني رداً على وطأة العدمية.

•           لقد عانت الأنظمة من غياب الشورى مما ولد شعور الحرمان لدى الشعوب فانتشر مرض "نقص المناعة الأمنية" فتفشى العنف فاستشرى التطرف الديني.

وداء "الغلو" داء قديم يصيب بعض أتباع الأديان في مختلف العصور، وقد ذم الإسلام الغلو وحذر منه ونهى عنه، وظاهرة الغلو الحديثة لم تنشأ من فراغ تعود مسؤوليتها إلى عدة جهات يشترك فيها محضن التربية الأول وهو الأسرة والعلماء والحكام والمجتمع، والعبء الأكبر في العلاج يقع على المتخصصين في العلوم الشرعية فهم الموجهون للمجتمع والحكام، فالظاهرة دينية يكمن سببها الأكبر في الانحراف الفكري( ).

            ونهى الله سبحانه وتعالى أهل الكتاب عن الغلو في الدين إذ قال " يأَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ -المائدة77-. وأشار الرسول إلى هذا فنهى عن الغلو بقوله: "إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين"-رواه أحمد في مسنده والنسائي وإبن ماجه والحاكم في المستدرك- وقال إبن تيمية: "قول إياكم والغلو في الدين" عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال( ).

            وقال الرسول "هلك المتنطعون"-رواه أحمد ومسلم وأبو داود. وفي مسلم ق