|
الخاتمة:
من الملاحظ أن الدخول في موضوع
تعريف الإرهاب وتحديد معناه ومفهومه قد أدخل المهتمين في
متاهات لا أول لها ولا آخر؛ فأصبح الواحد منهم يعوم في
محيطات متلاطمة أفقدته القدرة على تحديد المسارات
والاتجاهات: وإذا عرف تارةً من أين تشرق الشمس لا يلبث
وبسرعة أن ينسى أو يتناسى تلك المعرفة في اليوم التالي
مباشرة. هذا التلاطم المقرون بالحيرة إن دلَّ على شيء
فإنما يدلُّ على خطورة الموضوع وحساسيته. ونتيجة ذلك، لجأ
المهتمون إلى الدوران حول الموضوع؛ فهم يرونه ثم يلمسونه؛
ثم وبقدرة قادر يغيب عن أبصارهم بعد أن ينزلق من بين
أياديهم ثم يختفي عن شاشة تفكيرهم؛ فيصحو الواحد منهم من
كابوس ثقيل وحلم في غاية الإزعاج. ويبقى كما بدأ صفر
اليدين إنما لم يستسلم إلى الفشل فيُعيد الكرَّ من جديد.
من المعروف أن الإنسانَ
الواعيَ، حينما تتولد المعاني في ذهنه يَعمِد فيما بعد إلى
اللسان ثم القلم لينحت الوعاء الحاضن للمعنى؛ ولا يلبث أن
يحصل الاندماج بين المعنى واللفظ فيستقر في الوجدان بعد أن
تأخذ عملية التفاعل مداها الطبيعي.
نلاحظ وبكل صراحة
وشفافية أن الفكرة "الإرهاب" لم تتولد بعد في الذهن إنما
هناك من يحاول توليدها سفاحاً، وكل هذه "الهوسة" والهرْج
والمرْج تنطلق من حناجر وأفواه الذين يحتشدون بانتظار
عملية الولادة. والعجيب أن من بين الحشود الكثيرين الذين
صنعوا على هواهم "مولوداً" مسخاً يخفيه تحت شاربيه أو في
ثنايا لحيته أو في جيبه أو في كمه، وكل واحد منهم يحاول دس
"مولوده" في رحم الولاّدة على طريقة السَحَرةِ ليقول
للعالم فيما بعد إن الإرهاب هو هذا!!
لقد أصبحت لفظة
"الإرهاب" لفظةً في غاية القذارة تنبع من جحيم الاتهام
والتحقير، والويل لمن تتلبسه إذ تُحوله إلى بؤرةٍ للقذارة
مجرداً من أية فضيلة بل كله خسة ونذالة لا يستحق إلا
"تشليع" الأظافر ونتف الرموش وإستباحة الدم حتى والتشنيع
بجثث الأطفال والنساء والشيوخ الذين يعيشون في محيطه وليس
فقط أولئك الذين ينتمي إليهم!!
إن "القمار" السياسي
يحشو المعانيَ القذرة بألفاظ لا تستوعبها بمعزِل عن الخلُق
والضمير الحي؛ وتبقى القاعدة الذهبية أنه بمقدار ما يكون
هناك من توازن نبيل بين السياسة والأخلاق تسعد البشرية.
إن الجري وراء سراب التعريف
للإرهاب لن يؤدي إلى نتيجة. وتبقى المسألة مسألة إجراء
ترتيبات لا بد من إجرائها!! وبعد ذلك سيتحول الإرهاب إلى
"ملحة وذابت" كما يقول المثل الأردني. ورغم ذلك لن يتوقف
أصحاب "المختبرات" التي توصف بأنها مختصة في الموضوع عن
تحليلاتها وأبحاثها واستقصاءاتها، ذلك هو شأنها وغوايتها؛
ولا بد أن تأخذ مداها إلى أن تصبح أطلالاً أو آثاراً أو
متاحفَ.
ومع ذلك-وجرياً وراء
"الموضة"- لو حاولنا وضع تعريف للإرهاب لقلنا إنه عمل
المُستَضْعَف من أجل الحصول على حقوقه المشروعة حينما
تُغلَقُ جميع السبل العادلة في وجهه؛ وهو من جهة أخرى عمل
"الجبار" للسيطرة على غيره خرقاً للشرعية.
********
إرتكاب الإرهاب ضد
الآخرين موغل في القدم مرافق للبشرية منذ نشأتها، ورغم
تطور الإنسان وتَحَضُّرِهِ ونزعته إلى الأمن والاستقرار،
ورغم توصله إلى وضع قواعد للسلوك من أجل حياة سعيدة، إلا
أن العنف بقي مُتألقاً دائماً، لا وطن له ولا دين ولا زمان
ولا جنسية، حتى ولا شكل محدداً له. وينحدر أصل الإرهاب من
جذور عتيقة يستحيل لصقها بهوية محددة.
والإرهاب الموصوف اليوم
بأحقر الصفات كان في أعين الكثيرين في مراحل تاريخية سابقة
عملاً إيجابياً إلى أن هوى فسقط فأصبح سلبياً لا بد من
التخلص منه. ومن نافلة القول الإشارة إلى أن الإرهاب شر في
نظر ضحاياه بينما هو نبلٌ في نظر ممارسيه لأنه الوسيلة
لتحقيق قدر من التوازن ولو عن طريق الضرر.
لقد استخدم الإرهاب على
مر العصور، عرفته الديانات القديمة والحضارات السابقة
والفلسفات العتيقة وله عدة مراحل:
- المرحلة القديمة جداً
من حيث ممارسة الإنسان للعنف.
- مرحلة القرن التاسع عشر
بظهور "العدميين" و"الفوضويين" التي جاءت بعد "إرهاب
الثورة الفرنسية.
- مرحلة ما بعد الحرب
العالمية الثانية التي "تمحور" فيها العالم في معسكرين
تمخضت عن حربٍ باردة شلت قدرات البشرية ووجهتها إتجاهات
خاطئة.
- مرحلة ما بعد الحرب
الباردة التي أصبح فيها الإرهاب قطباً وحدَه يَدُسُّ بعضهم
الإسلام والمسلمين تحت لوائه-يواجه قطباً آخر يتكون بسرعة
مُذهلة. وليس في الساحة إلا هذان القطبان. والغريب جداً
إستحالة التمييز بينهما لهول "الزئبقية" "والدهلزة". كل
ذلك خلق ما يسمى بالجيل الثالث للإرهاب الذي يَعْصِيَ على
كل الموازين والقوى والمفاهيم حتى الآن!
وللعرب والمسلمين إطلالات في
الموضوع كجز الرؤوس، والإرهاب الفكري والتفنن في قتل
القادة والخلفاء، وسمل العيون والإخصاء وقطع الألسن
والرقاب والأطراف والشوي المرعب أو سلخ الجلد أو "شلع"
الأظافر أو "السحل" أو القتل على رأس "خازوق" حاد. ونود
التأكيد على أن ذلك لا يعني أن تاريخ الأمم الأخرى كان
مقصوراً على سماع الموسيقى ورسم اللوحات أو التفنن في
صناعة آلاف الأصناف من الأجبان وأنواع الخبز والشراب؛ بل
كان تاريخها يطفح بالإرهاب كحرق العالم المجدد أو المكتشف
في قاعات محاكم التفتيش! *********
يبقى الفقر والقمع
والقهر وغياب الديمقراطية-داخلياً أو على المستوى الدولي-
البيئةَ الصالحةَ والحقيقيةَ لاحتضان الإرهاب وتلقيحه
وتفريخه ومن ثم استفحاله وإنتشاره. فالدول المتنفذة تمارس
سطوتها على النظام الدولي وتستحوذ على امتيازاته، ولا
تُبقي للدول الصغرى شيئاً بل وتنتزع منها وسيلة التعبير عن
رأيها ووسيلة الدفاع عن مصالحها.
إن محاربة الفقر تَعني
زرع الأمل، والأمل يبقى دائماً خير ردٍ على الإرهاب، كما
أن فتح جميع الأبواب أمام الديمقراطية كفيل بالقضاء على
جذور الإرهاب.
وتشكل القضية
الفلسطينية لُبَّ الصراع في الشرق الأوسط الذي ينتشر
بسرعة إلى دوائر تتسع بالتدريج لتعم العالم، ولا بد من أن
يُفَهَّمَ العالم حالة الغضب والإحباط التي يعاني منها
الإنسان العربي والمسلم نتيجة الشعور بغياب العدالة والظلم
الواقع عليه.
وهناك قضايا أخرى محلية
في العالم تُشكل بؤراً للإرهاب تماماً كما هي القضية
الفلسطينية رغم تفوقها في الأهمية-تستحق العناية الدولية
الصادقة لوضع حلول منصفةٍ لها. ولا يعني إشاحة النظر عن
هذه البؤر الإرهابية إلا إبقاء الأمن العالمي في مهب
الريح.
********
سبق وأن بذل المشرع
الدولي جهوداً مرموقة لتعريف العديد من أنواع العنف وتحديد
أركان جريمتها؛ كما توصل إلى إفراز محاكم دولية لمقاضاتها؛
ومَيَّزَ عدة طوائف من الانتهاكات المسلحة مثل: جريمة
الحرب، والجريمة ضد الإنسانية، وإبادة الجنس، والعدوان؛
بالإضافة إلى الانتهاكات غير المسلحة مثل التمييز العنصري،
والاتجار بالرقيق الأبيض والمخدَّرات. وجميعها فجّرت عنفاً
على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي.
لذلك فإن كل انتهاكٍ
سبق وأن تم تحديدهُ بنصٍ صريح يقتضي المنطق أن يُسَمّى
باسمه؛ ولم يحمل أي منها إسم الإرهاب رغم أن كل انتهاك
منها ينشر الرعب والترهيب والتخويف. فليس الإرهاب كل ذعر
أو خوف رغم أنه أصبح مَكَبّاً أو "مزبلة" يتراكم فيها كل
مكروهٍ بلا إسم أو حتى الذي يحمل إسماً.
وقد يَدَّعي بعضُهم أن
ليس هناك جريمة "إرهاب" في القانون الدولي مستنداً على عدم
القدرة أو بالأصح على عدم الرغبة الصادقة في تحديدها-لم
تنتهِ بعدُ عملية الصراع بين القدرة والرغبة-. لا يبتكر
المشرع عادةً جريمةً بل يُرسي ما استقرت عليه الأسرة
الدولية؛ فلم يبتدع هو جريمة الحرب ولا جريمة العدوان؛ ولا
بُدَّ بالتالي أن يأتي ذلك اليوم الذي يقف فيه المشرع تجاه
الإرهاب وقفته تجاه الجرائم الأخرى؛ وإلى أن يأتي ذلك
اليوم تسقط جرائم "الإرهاب" ما عدا تلك التي تم تعدادها
مثل: جرائم الطيران والاعتداء على الشخصيات المحمية
واستعمال السلاح النووي من قبل أفراد، واختطاف الرهائن،
وإبادة الجنس، وزرع المتفجرات والطرود البريدية المتفجرة،
وحذار، ولكن ليس ذلك الذي يكرهني!!
********
يتطلب علاج ومكافحة
الإرهاب أولاً وقبل كل شيء إعداد البنية الصادقة والرغبة
الأكيدة للعلاج بالإضافة إلى توفر القيم المشتركة والإيمان
بما أنزل خالق البشرية من تعاليمَ مُنَظّمةٍ لحياة الإنسان
وسلوكه. لقد كشفت أحداث 11/9 المرعبة أن القطبية الثنائية
لم تنتهِ بنهاية الحرب الباردة بل ما زالت مستمرة ولكن
بشكل آخر. حاولت الدوائر الخبيثة أن تجعل من الإسلام القطب
الآخر الذي يجب الوقوفُ في وجهه بقوة أكثر من تلك القوة
التي أذابت الاتحاد السوفيتي. واندفعت الكثير من الدول
تعرض نفسها وخدماتها في هذا الاتجاه؛ ولكن ارتُؤي أن يكون
الإرهاب هو القطب الآخر وتحت مِظلته يُزَجُّ بالإسلام
بالإضافة إلى كل شيءٍ آخر لا يعجب قوى الزج المفترية. أليس
الإرهاب مجمع قمامة لكل ما هو حقير وخطير في هذه الدنيا!!
لقد تصورت بعض الجهات
أنه بالإمكان التوصل إلى اتفاقٍ دولي يُنشيءُ قوة عسكرية
موحدة-على غرار قوات الطوارئ لحفظ السلام- للقضاء على
الإرهاب، أو أنه بالإمكان التوصل إلى تعريفٍ للإرهاب،
وبرأينا أنه يمكن التوصل إلى ذلك ولكن ليس قبل إحداث
الترتيبات اللازمة. ترى أقوى قوةٍ في العالم أن على
المجتمع الدولي أن يصطف وراءها لسحق الإرهاب حسب مفهومها
هي رغم أن كل جبروتها لم يفلح في تجنيبها تلك الضربة
الحقيرة والمؤلمة في 11/9 أو أشباهها.
نوصي بالحذر من محاربة
الإرهاب بالإرهاب على مبدأ داوني بالتي كانت هي الداءُ؛ إذ
سيسقط الجميع في المعادلة الشرسة أي تصاعد الإرهاب
باستمرار. إن الحلول ليست مستحيلة إنما يجب أن لا تكون
أنانية أو ظالمة أو مُقسطة أو خجولة، حينها لن تجدي نفعاً.
إن "الضبع" ها هو أمامنا وفي نطاق الرمي فلماذا الإصرار
على قص الأثر!!
********
هناك دعوة قوية من دول
العالم الثالث ومن بعض الباحثين في العالم، وتنطلق صيحات
من هنا وهناك من قِبَلِ سياسيين مخضرمين تنادي بعقد مؤتمر
دولي تحت مظلة الأمم المتحدة ليحسم ويحددَ الإرهاب ويؤطره
بحيثُ يتم قطعُ الشك في تداخله مع أشباهه وتحديد أسس
جريمته والعقوبات ضدها، ولكن، يقابل هذا الموقف موقف معاكس
له تماماً من سياسيين وقادة لدول كبرى تخضع لإرادتهم
مراكزُ بحثٍ ذاتُ باع طويل ترى في عقد مثل هذا المؤتمر
الدولي مضيعةً للوقت لا بل تقاومه لأنها ترى فيه عوناً
للإرهاب.
يكتشف المرء الباحث في
موضوع الإرهاب أن هناك أزمةً في القانون الدولي. كانت
قواعده أقربَ إلى الاستقرار أيام مرحلة التوازن في القوى؛
ولكنها أصبحت في مهب الريح بعدها. وتزايدت الشكوك والهجمات
على تقييم القانون الدولي. أصبحت الفعالية والالتزام
بقاعدة جديدة بدأت تتشكل وهي: "أنا معك في محاربة الإرهاب،
إذا كنت معي في محاربة الإرهاب". ولكن أي إرهاب؟ أي إرهاب
هذا!!
وكيفما كان الحال
فالإرهاب مهما كان هو إرهاب دولي عالمي. لقد بدأ المجتمع
الدولي تعاوناً لمكافحته، بل وتحول إلى خلية تطفح نشاطاً
للقضاء عليه على جميع المستويات المحلية والثنائية
والإقليمية والعالمية، ولا عجب في ذلك "أُنجُ سعد فقد هلك
سُعَيْد".
********
ويبقى الإلحاح شديداً
على المفكر والباحث الموضوعي والسياسي العاقل لوضع الحلول
الناجعة للمعذبين أينما كانوا لأن العالم يعيش تحت وطأة
الإرهاب الذي لا يرحم أحداً. يجب حل القضية الفلسطينية
أولاً وقبل جميع القضايا الأخرى في العالم لمركزيتها
وحساسيتها وانعكاساتها وبكل عدالة وإخلاص. ولا بد من وضوح
التمييز بين المقاومة المشروعة والإرهاب.
لا تمتلك الشعوب
المضطهدة والأقليات المقهورة وأصحاب القضايا الوطنية
الكثير من وسائل القوة التي يمتلكها الأقوياء، ولكن
وبالمقابل لكلٍ منهم قضية يؤمن بعدالتها يُجنِّدُ نفسه
دفاعاً عنها مكافحاً حتى الموت. ولم يعد تقرير المصير
مبدأً بل غدا وبكل جدارة حقاً غير متنازع عليه؛ والشرعية
هي الأصل وليس المشروعية. ليفتش العالم عن السبب الذي يقتل
فيه الإنسان نفسه قبل أن يقتل الآخرين أو لكي يقتل الآخرين
علماً بأن كل روحٍ غالية على صاحبها.
ربما أن السبب في تحول
الحوار بين المسلمين والغرب عموماً إلى حوار طرشان يعود
إلى الموقف الغربي المساند لإسرائيل بغير وجه حق.
لقد انتهى جبروت
الأقوياء إلى نقض المبادئ والأخلاق لأنه اتهم الجميع ولم
يعد يثق بأحد، كما أن جبروت الضعفاء فقد قيمته ونقض
أخلاقياته لأنه حينما يضرب لا يميز بين البريء وغير
البريء، فغدا وكأنه بلا بصيرة!.
********
والحضارة جملة من
مظاهر التقدم تنتقل من جيلٍ إلى جيل في مجتمع واحد أو عدة
مجتمعات متشابهة، فنقول الحضارة العربية الإسلامية أو
الحضارة الصينية أو الحضارة الأوروبية. والحضارة هي
الإسهام المادي والمعنوي الذي يقدمه شعب للتراث الإنساني
يثري الوجدان البشري والفنون والعلوم والثقافة.
يدلُّ رصيد تاريخ
الشعوب على إيمان متبادل بالقيم والثقافة ويدحض المزاعم
الخاصة بصراع الحضارات وتصادمها. لا ترى الرؤية الإسلامية
انفراداً في العالم بل تتفاعل مع الحضارات الأخرى؛ ولم
تأتِ نقضاً للإرث الحضاري الإنساني بل باعثةً وناقلةً
ومتفاعلة ومُثرية ومكملة له.
إن ما يشهدهُ العالم
اليوم هو سيطرة المصالح على السلوك؛ وليس صراع حضارات.
الحضارات لا تتصارع والشفافية كفيلة بفضح النوايا
اللاحضارية.
أما العولمة فهي تدفقات
وتجليات خارقة للحدود لا تبالي بالمقومات الثقافية للشعوب
أو بحضاراتهم. وإذا بقيت العولمة بدون قلب أو ضمير إنساني
حي فالويل للعالم منها؛ فالعلم بدون ضمير دمار للنفس، لقد
أدت العولمة إلى ضعف الدولة-أرقى تنظيم وصلت إليه البشرية-
الأمر الذي فتح المجال لنشوء تنظيمات جديدة إرهابية وغير
إرهابية تقوض ولا تبني.
********
لقد وردت لفظة الإرهاب في
القرآن الكريم إثنتي عشرة مرة يدور مفهومها حول الخشية من
الله والخوف من عذابه وحشد القوة ضد المعتدي-وليس للعدوان
والتخريب-. إن المقصود بالرهبة هو التخويف بإيقاع الأذى
وليس إيقاعه وليس التدمير، لأن إيقاع الأذى هو إفساد في
الأرض يتجاوز معنى الرهبة إلى الفساد الكبير.
لا يمكن للحضارة
العربية الإسلامية الزاخرة بالدعوة إلى السلام والتسامح
والقيم والمثالية أن تتحول إلى العكس وأن يصبح حاملوها
أدواتِ قتل ودمار. يتعامى بعض المؤولين عن جوهر الإسلام
الرافض للإرهاب بلا لَبسٍ ولا غموض، فبدأوا حملةً حاقدةً
منذ عقود استهدفت "تعريب" و"أسلمة" الإرهاب في خطاب إعلامي
مكتسح تهيمن عليه أيادٍ خبيثة معادية للعرب والمسلمين.
فأصبح العرب والمسلمون الضحيةَ النموذجيةَ تطبيقاً للقاعدة
الإعلامية المعروفة لدى دهاقنة الإعلام: "شيطنة العدو".
لم يسبق أن تجرأ أحد
على الإسلام وكال له التهم كما هو الحال بعد أحداث 11/9 في
أمريكا. ولم يسبق أن نظر العالم بارتياب وحقد وكراهية إلى
الإسلام مثل نظرته إليه الآن. وأصبحت كلمة إرهاب لا تعني
لدى المضللين في الغرب والشرق غير الإسلام والمسلمين
وأنهما مصدر الإرهاب.
لقد خلا المجتمع
الإسلامي في عهده الأول من الإرهاب لأن الإسلام دين متميز
بالعدالة عالج ما في النفس واستأصل منها الهدم وغرس فيها
المبادئ السامية. وقد كفل الإسلام العدالة والمساواة
للجميع؛ كما شرع العقوبات التي تردع النفس الضعيفة التي
تقترف الحرابة أو البغي أو الغلو أو العنف أو التطرف.
يأمر الإسلام بالعدل
والإحسان ويرفض الإرهاب لأنه يخالف نهج الإسلام في صون
مقومات الحياة ولأنه يأخذ البريء بإثم الجاني. لقد وضح
الموقف الرسمي للدول الإسلامية على جميع الصُّعُد؛ فهو
يشجب الإرهاب ويدعو إلى مكافحته، وكل إدعاء عكس ذلك لا يمت
للإسلام والمسلمين بأية صلة إلا بمن تأبط الإسلام!!
********
لم تتمتع دولة في
التاريخ الحديث والمعاصر بمكانة عالية كالمكانة التي وصلت
إليها الولايات المتحدة الأمريكية قوةً ونفوذاً وتأثيراً
وهيمنة وسطوة، الأمر الذي جعل مما يحصل في أمريكا محطَّ
أنظار العالم. أصبحت أمريكا تشعر بمسؤولية خاصة تجاه
العالم وكأن هذه المسؤولية مفوضة إليها طواعية أو خنوعاً
من قبل الآخرين تكاد تصل إلى مستوى البيعة! ليست هذه
المسؤولية كتلك التي تَنَطَّحَ لها اليونان أو الرومان أو
الرجل الأبيض أو أي من الأمم الأخرى التي احتلت ذات يوم
المسرح الدولي، وليست كمسؤولية أو رسالة الإنسان العربي
المسلم في صدر الإسلام. وباختصار إنها مسؤولية أمريكية
وكفى!
فالمفهوم الأمريكي
للإرهاب-وهو المفهوم الذي تفرضه على غيرها ما عدا إسرائيل
لأنها من العائلة!!- هو العنف الذي لا تؤيده، لذلك فهي
تستغله لتؤكدَ حقها المطلق بمهاجمة أي بلد لا يعجبها هي
بالذات أو لا يعجب إسرائيل. فتقطع الطريق بهذه الكلمة
"الإرهاب" على كل مقاومة مدنية سلمية وتدفع بالمقهورين
دفعاً إلى اللجوء إلى الملاذ الأخير أي إلى سلاح العنف
والرعب.
وتركز أمريكا على فاعل
الإرهاب وليس على الإرهاب؛ وترفض لا بل تقاوم وضع تعريف
دولي متفق عليه للإرهاب لكي تبقى طليقة اليد ولكي تحول دون
إدانة إسرائيل وحتى لا تشجع الفلسطينيين على مقاومة
الاحتلال الإسرائيلي.
ومفهوم أمريكا للإرهاب
في غاية الخطورة قائم على: "مَنْ ليس معنا فهو مع
الإرهاب". وغدت أمريكا بجدارة تشكل قطباً أمام القطب الآخر
الذي هو الإرهاب. فأصبحت ساحة الكون لأمريكا وللإرهاب.
********
يكاد الأردن أن يكون
دولة فريدةً من حيث الولادة والتكوين والتاريخ والجغرافيا؛
فهو صغير الحجم قليل الموارد والسكان؛ ولكنه كبير الطموحات
بما لا يتناسب وحجمه، يحمل طوعاً على كتفيه آمال أمته
ومشعل الثورة العربية الكبرى؛ فهو مسلم هاشمي عربي إنساني
منفتح على الجميع يقاوم العزلة والتقوقع والانغلاق.
إنعكس غليان المنطقة
المستمر الناتج عن الظلم الذي أحاط بجميع ملابسات القضية
الفلسطينية على الأردن، بالإضافة إلى ظلم ذوي القربى! وقد
يكون من المفيد استعارة فكرة "بوش" التي تَرجع ما تعرضت له
أمريكا في 11/9 إلى الحسد بسبب تقدمها وديمقراطيتها. فأقول
إن بعض المصائب التي حلت بالأردن كانت بسبب الحسد وأردد ما
قاله بعض الناس بأن "الأردن مثل خبز الشعير مأكول مذموم".
لقد وقف الأردن بشفافية
وقوة ضد الإرهاب منذ عقود طويلة فقد اكتوى بناره قبل أن
يسمع به الآخرون. تقتضي الموضوعية، ويقتضي الانصاف
الاعتراف بأنه كافح الإرهاب دفاعاً عن أمنه وأمن المنطقة
قبل أن يُهرَعَ المجتمع الدولي لمكافحته، وأوضح الأردن
وبأعلى صوته أن النجاح في مكافحة الإرهاب يتوقف على وضع حد
لمعاناة الشعب الفلسطيني وتمكينه من حق تقرير المصير حسب
مبادئ القانون الدولي.
********
تجعل الحضارة العربية
الإسلامية العرب يقفون ضد الإرهاب؛ ولكن تخبط عملية السلام
في الشرق الأوسط وحيرة كل الجهود لإنقاذها بسبب السياسات
الأمريكية الداعمة للصلف الإسرائيلي والقهر الذي تمارسه
إسرائيل كبديل للسلام العادل والشامل أدى إلى غضب عارم في
العالمين العربي والإسلامي يتحمل مسؤوليته جميع الذين
دعموا إسرائيل وشجعوها وسكتوا على ممارساتها القمعية فنكلت
بالفلسطينيين. وإذا لم تكن ممارسات إسرائيل ضد الفلسطينيين
إرهاباً فما هو الإرهاب إذن!!؟
إن أية تدابير لمكافحة
الإرهاب تبدأ-بالنسبة للمفهوم العربي الإنساني- بالفصل بين
الإرهاب والمقاومة وباجهاض مشاعر الكراهية ضد العرب
والمسلمين التي بلورتها أحداث 11/9: لقد أصبح الحديث
باللغة العربية في أمريكا أو حتى الملامح الخلقية الشرقية
للإنسان تكفي لاتهامه بالإرهاب بسبب الخلط بين الإرهاب من
جهة والعروبة والإسلام من جهة أخرى. إن ذلك هو الإرهاب
بعينه!!.
وما زالت أكثر الدول
العربية تكرر الدعوة لعقد مؤتمر دولي تحت مظلة الأمم
المتحدة لتحديد مفهوم الإرهاب لأنها المؤهلة دون غيرها
والقادرة لوضع الأسس والمبادئ لمواجهته. لقد انعقدت عدة
ندوات عربية حول الإرهاب إلا أن الانسداد لدى بعض أنظمة
الحكم واهتزاز سيادة الدولة أمام الهيمنة الخارجية يشكلان
ثغرة خطيرة ينفذ منها الإرهاب. وهناك فشل في التنمية أدى
إلى تشوهات رهيبة في الثروة.
نعود فنؤكد: لا يتم
القضاء على الإرهاب في الشرق الأوسط إلا إذا توصل الشعب
الفلسطيني إلى حقوقه. إن مصداقية محاربة الإرهاب رهن بوضع
حد لإرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل. إن جوهر مشكلة
الإرهاب يكمن في القهر الذي مورس ضد القضية الفلسطينية؛ إن
حلها بعدالة سيفتح الطريق لأمريكا للقضاء على الإرهاب في
العالم. |