الدكتور خالد عبيدات

عودة إلى الصفحة الرئيسية

المقدمة:
من المؤكد أن الإرهاب معروف لدى الإنسانية منذ عصور غابرة، بل وربما يمكن التأكيد أن العنف صفة من صفات الإنسان يلجأ إليه حينما تفشل الأساليب الأخرى في تحقيق الهدف حقاً كان أم باطلاً منذ قتل قابيل أخاه هابيل. وتتطور فعالية الإرهاب حسب الحاجة وتتدرج حسب الظروف مستخدمة علوم العصر بكفاءةٍ عالية، وليس "شَطْحاً القول بأن الإرهاب كان دائماً بالغ التأثير في مسار الإنسانية، فالإنجازات التي حققها الإنسان على سلم الرقي والإزدهار لم تكن كلها نتاج أمن واطمئنان أو نتاجَ عدالة وإيمان؛ كانت أيضاً نتاج أيامٍ سود حطمت الكثير وحولته إلى رماد فجعلته كعصفٍ مأكول. كم فظَّعَت الحروب الدينية في أوروبا! وكم حرق "المغول" في زحفهم غرباً من بشر ومدنٍ وإرث وقيم، تَجَسَّدَ في الدمار الذي أحدثوه في بغداد! وكم حصدت القنابل الذَّريَّة الأمريكية من أرواح في اليابان، وكم غيرت من مسارات في التاريخ! وكم عانى الشعب الفلسطيني الذي إغْتُصِبَ وطنه من الإرهاب الصهيوني فهام على وجهه طريداً بدون مأوى أو هُوية!

            ليست كل جوانب السلوك الإنساني جوانب مشرقة يحق للإنسان الافتخار بها أمام نفسه أو أمام الأجيال القادمة؛ فقد ارتكب الكثير من الخزي والعار والظلم والقهر بحق أخيه الإنسان، ولم تفلح الأديان السماوية إلا في القليل من تصحيح سلوكه لأنها لم تتمكن حتى الآن من توجيهه كاملاً إلى الخير بمنأى عن الشر؛ كما لم تفلح القوانين الخيرة المنظمة لأحواله؛ إذ سَرعان ما ينقضها واضعوها حينما يشتط بهم الهوى.

            والعجيب أن سلوك الإنسان-في اقتراف الإرهاب –يتغير غالباً حسب الموقع الذي يَشغله، إذ لا يكتفي بنفوذه حينما يكون في قمة النفوذ فيسعى إلى المزيد منه ضارباً عرض الحائط بحاجات الآخرين المقموعين مستخدماً ما يُسمَّى "إرهاب الأقوياء"، وبالمقابل يجد المقموعون أو يفرزون مَن يساندهم دفاعاً عن حقوقهم باستخدام ما سُمي بـ"إرهاب الضعفاء"، وتستشري تبعاً لذلك نيران الإرهاب بأنماطه وأشكاله وأساليبه المتعددة تُصْلي وجه الإنسان وتُعَرِّض ضميرهُ للحريق-هذا إذا ما زال يحتفظ ببعض من بقاياه-.

            قد لا يكون في الأمر شطط أو مبالغه حين الإشارة إلى أن الإرهاب-بمفهومه المعاصر وأنماطه الراهنة- في الشرق الأوسط قد نشأ وظهر وتطور مع نشوء الهجمة الصهيونية على فلسطين وعلى الأمة العربية والإسلامية. كما أنه ليس من الخطأ التأكيد على أن الاستقرار في الشرق الأوسط نعمة لسكان الكرة الأرضية لما للشرق الأوسط من تأثير متبادل على ما يجري في العالم. وإذا كانت قضية الشرق الأوسط قد خُلِقَتْ بمطبخ عالمي كان "شيف" الطهاة فيه "بلفور"/وزير خارجية بريطانيا سنة 1917 وجميع مَنْ كان معه في ذلك المطبخ هم من نفس عشيرة "البلافرة"؛ فإن حل القضية يستلزم "قاعة" كبرى-وليس مطبخاً- يجري فيها البحث والحوار بشفافية بين "بلافرة" اليوم منقولاً على الفضائيات لإنقاذ العالم من سموم "طبختهم" السابقة التي أغرقت البشرية في الإرهاب المنتشر والذي يزداد انتشاراً 

********
            أدلى الكثير  من السياسيين والباحثين بدلوه في محاولات لم تتوقف للتعرف على الإرهاب؛ وربما لم يحظَ أي موضوع بالكتابة والتحليل والتسويق والتنظير بمثل ما حظي به الإرهاب، ولكن في معظم الأحيان على طريقة "كلٌ يُغنّي على ليلاه". ابتعدت معظم هذه المحاولات عن الموضوعية ولا أرى عجباً في ذلك في زمان أصبحت "المصلحة" فيه الهدفَ الأولَ "للمحاول" في جوٍ تفوح فيه رائحة الإرهاب بل وتزكم الأنوف وتزهق الأرواح وتهدم العمران. ورددت أقوى دولة في عالمنا القول "مَنْ ليس معها فهو مع الإرهاب" … هكذا بكل صراحة ووضوح وجرأة وعدم تردد؛ فأصبح العالم معسكرين أو قطبين فقط: هي  من جهة، والإرهاب من الجهة الأخرى. واشتدت وطأة الحرب على الإرهاب.

            أزعم في هذا "البحث" المتواضع الذي أتشرف بتقديمه للقارئ أنني كنتُ موضوعياً وغيرَ منحاز بعيداً عن الحب وعن الكراهية بنفس الوقت. حاولت التطرق إلى الموضوع من جميع جوانبه وجميع وجوهه لعلي أتمكن من إلقاء الأضواء على معظم ما يَعني القارئ المهتم.

قسمت البحث إلى أربعة أبواب احتوى كل باب على ثلاثة فصول.

            حاولت في الباب الأول المعنون "التعرف على الإرهاب" التطرق إلى تاريخ الإرهاب ونشأته وتطوره ثم تقديم تعريف له في البحر المتلاطم من التعريفات التي أصبح لا حصر لها. وبما أن الإرهاب يتداخل في الشكل والمضمون مع الكثير من أشباهه، جاء الفصل الثالث من الباب الأول ليُميز الإرهاب عن الجرائم الأخرى، وهناك صعوبة قصوى في هذا المجال، فالخطأ جسيم ولا يغتفر في لصق صفة الإرهاب بما هو ليس إرهاباً.

            أما الباب الثاني "الإرهاب والعالم"، فبحث في الجهود التي كرسها المجتمع الدولي لتناول الموضوع من حيث الاتفاقاتُ والأنظمة والقرارات ومن حيث حق المصير للشعوب المقهورة حتى لا يُزج بها في "أتون" الإرهاب بدلاً من تقديرها ووصفها بالبطولة والتضحية؛ كما بحث في علاقة الإرهاب ببدعة صراع الحضارات وبالعولمة التي بدأت تُفتت الحدود وتخترقها بدون عناء على حساب سيادة الدولة وخصوصياتها.

            أما الباب الثالث "الإرهاب، أسبابه وجذوره ونظرة الإسلام إليه" فقد اهتم     بالحفر على جذور الإرهاب قبل أسبابه ثم وضع العلاج والسبل الكفيلة بالقضاء على الإرهاب أو على الأقل التقليل من حدته وأضراره. وكانت الهجمة على الإسلام والمسلمين شرسةً وحاقدةً تصفهما بالإرهاب، إن تلك الهجمة كانت هي الإرهابَ بعينه لأن الإسلام بريء من كل تهمهم المبتذلة، لذلك لا بد من تبيان موقف الإسلام من الإرهاب في الفصل المعنون "الإرهاب والإسلام" ودحض تأويلات المفترين والجهلة والسطحيين.

            في الباب الرابع "بعض المواقف تجاه الإرهاب" تبيان للموقف العربي الرافض للإرهاب. وتم تخصيص فصل يبحث في الإرهاب والولايات المتحدة بصفتها أقوى قوة في العالم يصطف تحت قيادتها تحالف عالمي واسع جداً لمحاربة الإرهاب. أما الأردن فلم يكن في يوم من الأيام إلا عربياً مسلماً هاشمياً كافح الإرهاب قبل الصحوة المتأخرة للآخرين لمكافحته.

لقد اكتوى الأردن بنار الإرهاب المستورد لكنه وقف ضده صامداً وبشموخ، مقدماً نُصحه للعالم في هذا المجال فنال احترامه بجدارة.

ويبقى الطريق طويلاً للتعرف على كل زوايا الإرهاب. وما زالت الحلول قاصرةً لأن الصدق في النوايا غير متوفر بعد؛ وتكاد تكون "الزئبقية" عامةً في المواقف والسلوك خاصةً وأن "السيادة" مجروحة.           

المؤلف: د. خالد عبيدات

 

تصميم وتنفيذ
مركز عمان لدراسات حقوق الإنسان 2007